مرتكزات نهج الإمام الخميني (قده)

مرتكزات نهج الإمام الخميني (قده)

 تعتبر شخصيّة الإمام الخميني من الشخصيّات الاستثنائيّة[1] في العصر الحالي التي نظّرت وأسّست لرؤية إسلاميّة صحيحة على ضوء القرآن الكريم، ومستقاة من عدم الفصل بين النظريّة والتطبيق في الحياة الفرديّة والعمليّة، وقد عنون هذا النهج بالنهج المحمّدي الأصيل لأنّه دمج بين الأصالة الإسلاميّة في المعرفة والفهم والسلوك والبصيرة والاستقامة في نواحي الحياة كلّها.

تسعى هذه المقالة التي نحن بصددها للكشف عن بعض مرتكزات هذا النهج، وتحديدها بناءً على رؤية الإمام الخامنئي (حفظه الله) لنهج الإمام الخميني (قدّس سرّه)، فتارة نستعين بكلمات الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وحينًا آخر نستفيد من عبارات الإمام الخامنئي (حفظه الله). والنهج نهجهما معًا لأنّهما يجسّدان سويًّا أصول النهج المحمّدي الأصيل، فعلامَ اعتمدا لصوغ هذه المنظومة الإسلاميّة؟

يرتكز نهج الإمام الخميني (قدّس سرّه) أوّلًا وأخيرًا على الرؤية التوحيديّة الشاملة العامّة لمنظومة الحياة، وهذه الرؤية تنطلق من الهدف العامّ والسامي لخلقة الإنسان، وهو وصوله إلى مقام “خليفة الإنسان على الأرض”.

يعدّ هذا المركز أسمى ما قد يصل إليه ذلك المخلوق الذي اختاره الله تعالى لقابليّات أبدعها فيه، وهذا يعني أنّ الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه يحوي على نفحة إلهيّة غير موجودة في غيره من المخلوقات، ويستطيع الوصول إلى مقام الإنسان الكامل باختياره، وإلّا لما أوكل إليه هذه المهمّة لأنّ الله يستحيل، بما كتب على نفسه الرحمة، أن يكلّف إلّا على قدر الوسع والطاقة.

انطلق الإمام الخامنئي (حفظه الله) في معالجة موضوع التوحيد من كون “هذا المفهوم يشكّل أعمق أسس محتوى الأديان، ولا يناظره مفهوم آخر في عمق اتّجاهه نحو تحرير الإنسان وإنقاذ البشريّة المعذّبة على مسرح التاريخ”[2]. من هنا، فإنّ “الأنبياء كانوا يطرحون كلّ أهدافهم من خلال شعار التوحيد، كما كانوا يحقّقون تلك الأهداف أو يمهّدون لتحقيقها في أعقاب كفاح ينشب تحت راية هذا الشعار”[3]. ومن الملاحظ، وفق تعريف وتبيان مضمون التوحيد، الصلة الوثيقة للتوحيد بحياة الرسالة وأمّة الإسلام؛ فيما توالي وفيما تعادي.

لذا، فإنّ اقتصار تقديم التوحيد على الجانب النظريّ هو تسطيح لهذا المبدأ و”إنّه لمؤسف حقًّا أن يبقى محتوى التوحيد مجهولًا أو محرَّفًا أو سطحيًّا لا يتجاوز الإطار الذهنيّ”[4]، ذلك أنّ “التوحيد لا ينحصر في إطار نظريّة فلسفيّة ذهنيّة -كما هو الشائع – بل هو نظريّة أساسيّة حول الإنسان والعالم، ومنهج اجتماعيّ واقتصاديّ وسياسيّ للحياة”[5].

والتوحيد الذي نعنيه في مرتكزات هذا النهج الأصيل هو الذي يكون منطلقًا من معرفة واطّلاع يلزمان الإنسان – تبعًا لهما – بمجموعة من التكاليف والوظائف والمسؤوليّات[6].

وينبثق عن هذا المرتكز الأساس مرتكزات ثلاثة هي:

  • التقوى
  • الاقتدار
  • والعدالة الاجتماعيّة

أوّلًا- التقوى

التقوى، وهي الامتناع عن دخول الحرام أو الأجواء المثيرة للمعصية، والتقوى الإيجابيّة هي التحصّن بالإخلاص المانع ذاتًا عن أيّ معصية، وقد عبّر الإمام الصادق (عليه السلام) عنها بالقول: “أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك”. فالتقوى هي الخشية من الله سبحانه الداعية لمن تحلّى بها أن يلتزم إيمانه وانخراطه في كلّ ما يصدر عن الباري سبحانه، بشكل دقيق وعميق ومحسوب عند كلّ خطوة أو قرار أو عمل. وهي تمثّل العمق النفسي والمعنوي في الارتباط بالله تعالى، فإنّها تظهر بالتجلّيات الوجدانيّة في العبادة، كما تظهر في الاستقامة والبصيرة الإيمانيّة في الحراك المجتمعي والسياسي والجهادي[7].

فالتقوى تجلب الرحمة والهداية الربّانية للشخص المتّقي وللمجتمع المتّقي؛ وقد كان الدستور الأوّل والأخير للأنبياء والأوصياء هو التقوى[8].

كما ذكر الإمام الخامنئي أنّ الإمام الخميني اكتسب صفاته من جرّاء التقوى والتمسّك بالدين، والامتثال لأمر الله، وقد بيّن شخصيًا هذا المعنى بين طيّات كلامه، ملوّحًا إلى أنّ كلّ ما موجود إنّما هو مِنْ الله، وكنتيجة للذوبان في الإرادة الإلهيّة، وأنّ الله هو الذي نصر الثورة[9].

والتقوى لا تقتصر على الأمور الفرديّة فحسب، بل تندرج في الأمور الحياتيّة كلّها، وتعتبر مرتكزًا يُبنى عليه. فالتقوى في القضايا الشخصيّة أمرٌ، وفي القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والعامّة أمر أصعب وأهمّ جدًا، ومؤثّر للغاية. فمن الممكن أن نكون معارضين لأحدٍ أو معادين له فكيف نحكم بشأنه؟ فلو حكمتم بشأن ذلك الذي تخالفونه وتعادونه بغير ما هو الواقع فإنّ هذا يُعدّ تعدّيًا عن نهج التقوى[10].

فـ”التقوى الاجتماعيّة أو التقوى الإسلاميّة المرتبطة بالمجتمع والاجتماع الإنساني، هي أن نبذل جهدنا في سبيل تحقيق الأمور التي طالبنا الإسلام بها”[11]، وأيّ فصل بين الدين والشأن العامّ هو خلاف هذه التقوى الاجتماعيّة. فلو تحقّقت التقوى الدينيّة، ستتحقّق التقوى السياسيّة إلى جانبها أيضًا. والتقوى السياسيّة تعني ابتعاد المرء عن المزالق التي يستطيع العدوّ استغلالها[12].

كما أنّ تعريف التقوى السياسيّة إذًا، تعني قدرة صاحب التقوى الدينيّة على تحمّل المسؤوليّات ببصيرة نافذة وحنكة وتدبير سياسي وقيادي.

وإذا كان الإنسان متقٍ أمكنه أن يؤسّس لحياة طيّبة تمتدّ من شخص الإنسان الفردي إلى الجماعة الإيمانيّة المخوّلة لتأسيس مجتمع توحيدي إلهي كما أراده الله، وهو غاية ما أراده الله بناء دولة ومجتمع متّقٍ.

ثانيًا- الاقتدار

وهو على شقّين: الاقتدار السياسي والاقتدار الاقتصادي.

الاقتدار الاقتصادي الذي من مصاديقه الاهتمام بمقدّرات البلاد حتّى تصبح مكتفية وغير متأثرة بما يمكن أن تقوم به الدول الاستكباريّة من الضغط الاقتصادي الذي يودي إلى الاستسلام والخضوع لها، وهذا ما أبلاه الشعب الإيراني في الحصار الاقتصادي عليها في الحرب المفروضة. فقد ذكر الإمام الخامنئي أنّ من فعّاليّات نهج الإمام الخميني العظيم أنّه أصرّ على بناء البلاد من الناحية الاقتصاديّة والأعمال الأساسيّة من ناحية تأمين الدخل العائد للشعب والدولة حتّى تتمكّن من تقديم أنموذج عيني وعملي من البناء الإسلامي[13]، ولما يمثّله الاقتصاد من قدرة على الاستقلال السياسي والثقافي وعدم التبعيّة للغرب في حين كان الشعب مكتفيًا بنفسه أو يستطيع أن يصمد في الظروف الصعبة.

تعتمد أصول الإمام في الاقتصاد على الاقتصاد الوطنيّ، على الاكتفاء الذاتيّ، العدالة الاقتصاديّة في الإنتاج والتوزيع، الدفاع عن الطبقات المحرومة، مواجهة ثقافة الرأسماليّة واحترام الملكيّة. رفض الإمام سياسة الرأسماليّة الظالمة، لكنّه أكّد على احترام الملكيّة، الثروة، واحترام العمل. وأكّد أيضًا على عدم الاضمحلال في الاقتصاد العالميّ، وعلى استقلاليّة الاقتصاد الوطني. هذه هي أصول الإمام في الاقتصاد[14]. وهو ما يؤدي بحسب رأي الإمام الخميني إلى العزّة الوطنيّة، بالإضافة إلى الاقتدار التكنولوجي وغيرها من المجالات.

وفيما يخصّ الاقتدار السياسي والعسكري، يدعو الإمام الخميني إلى التحرّر عن سلطة القوى الكبرى، وأنّ هناك تحديين اثنين يواجهان الدولة الإسلاميّة؛ الأوّل وهو ضغط الاستكبار العالمي، والثاني يختبئ خلف الجماعات التكفيريّة، ويدعو إلى الصمود في مواجهة نفوذ هذه القوى وعدم التساوم معها.

والاقتدار السياسي يستدعي معرفة وافية بالعدوّ، واستعداد كافٍ لمواجهة أيّ خطر عبر التدريب العسكري وامتلاك الأسلحة المناسبة لصدّ أيّ هجوم.

وهناك أبعاد في هذا المنهج نكتفي بذكر البارز منها:

البعد الأول: امتزاج المعنويّات بالسياسة، فلا يمكن الفصل بينهما في هذا المنهج، حيث ترى امتزاج السياسة بالعرفان والأخلاق؛ فإنّ الإمام المجسّد لخطّه السياسي كان حاويًا للعرفان والسياسة معًا، وكان يسعى إلى تطبيقهما في الواقع الخارجي من خلال جهاده، فكان العرفان يشكّل نواة سلوكه، وكانت جميع مواقفه تدور حول محوريّة الله عزّ وجل، حيث كان مؤمنًا بإرادته التشريعيّة وموقنًا بإرادته التكوينيّة، وكان عالمًا بأنّ الذي يسعى إلى تحقيق الشريعة الإلهيّة سيحظى بمساعدة قوانين الخليقة، إلاّ أنّ الدافع الذي يحرّكه نحو الهدف هو العمل بالتكليف، والقيام بوظيفته الشرعيّة، ولا يهمّه بعد ذلك تحقّق النصر أو لم يتحقّق؛ ولذلك لا يتطرّق إليه الخوف أو الشكّ أو اليأس أو الغرور، ولا يحيد عن مواقفه، ولا يعتريه التعب.

البعد الثاني: الإيمان الراسخ والصادق بدور الأمّة، إذ كانت للهويّة الإنسانيّة في منهج الإمام السياسي قيمتها وكرامتها وقدرتها على التأثير والإبداع، ونتيجة لذلك، كان يرى ضرورة أن تلعب آراء الناس دورًا أساسيًّا في تقرير مصير المجتمع.

 وعليه، فإنّ سيادة الشعب في منهج الإمام – المنبثق من صُلب الإسلام – هي سيادة الشعب بما للكلمة من معنى، وليست مجرّد شعار خلاّب خادع كما هو الحال في سيادة الشعب الأمريكيّة وما شاكلها، فالشعب هو الذي يختار طريقه بإرادته وإيمانه ورأيه.

وانطلاقًا من اعتماده على رأي الشعب وإرادته الحديديّة، كان يرى إمكانيّة الوقوف بوجه جميع القوى العالميّة المعتدية[15].

ثالثًا- العدالة الاجتماعيّة

إنّ العدالة الاجتماعيّة في نهج الإمام الخميني (قدّس سرّه) لا تعني سوى ردم الهوّة السحيقة بين مختلف الطبقات، والقضاء على كلّ مظاهر الحرمان، والقيام بمبادرة جادّة لإصلاح أوضاع المستضعفين والمحرومين والحفاة حماة الثورة الحقيقيّين.

إضافة إلى تشريع القوانين القضائيّة اللازمة لإقرار العدالة والأمن الاجتماعيّين، ومكافحة كلّ المظاهر العدوانيّة وهضم حقوق المظلومين، والوصول بالقضاء إلى المرحلة التي يكون فيها ملاذًا لكلّ من تُهضم حقوقه أو يُعتدى على حقّه، في حياة آمنة مطمئنة.[16]

إنّ المجتمع التوحيدي هو مجتمع لا يوجد فيه طبقات أو طبقيّة؛ لا يوجد فصل بين جماعاته البشريّة على أساس الحقوق والمزايا. فجميع الناس في هذا المجتمع يعيشون تحت سقفٍ حقوقيٍّ واحد، والكلّ يعيشون ويتحرّكون ضمن مسيرة واحدة، ويتمتّعون بنوعٍ واحد من الإمكانات ونوع واحد من الحقوق. هذا هو المجتمع الذي يقدّمه ويعرضه التوحيد أمام أذهاننا وتصوّراتنا من ناحية الطبقيّة الاجتماعيّة[17].

يتلازم في خطّ الإمام الخمنيني (قدّس سرّه) البعد المعنوي العرفاني، وبُعد الاقتدار في كلّ النواحي من غير أن يعني الاقتدار الشدّة والصلابة بين المؤمنين أنفسهم. فالمنهج العرفاني عنده ليس عرفانًا نظريًّا بعيدًا عن الحياة والتطبيقات العمليّة، بل هو صلب الممارسات الحياتيّة التي تضمن للفرد الهداية، وتوفّر القوانين والقواعد التي تمكّن المجتمع من الترقّي والصلاح، فتحفظ للفرد خصوصيّته من جهة، وارتباطه بالجماعة بشكل سليم من جهة أخرى.

إنّ نهج الإمام الخميني (قدّس سرّه) هو نهج الإسلام المحمّدي الأصيل المتكامل الذي يلحظ كلّ شؤون الحياة وتفاصيلها لضمان حياة طيّبة كريمة تحت مظلّة التوحيد التي تعتبر الضابطة التي تضمن سير الأمور بشكلها السليم دون أن يختلّ النظام العامّ، وهذا ما يميّزه عن غيره من المناهج.

[1] من كلام للإمام الخامنئي (حفظه الله) بشأن الإمام الخميني (قدّس سرّه):  “لقد توفّر ذلك الإنسان الفذّ على مجموعة من الخصال النفسيّة، والصفات السامية التي لم تجتمع لقرون متمادية – إلّا بندرة – في إنسان واحد، إذ كان يجمع قوّة الإيمان إلى العمل الصالح، والإرادة الفولاذيّة إلى الهمّة العالية، والصفاء المعنوي والروحي إلى الذكاء والكياسة، والتقوى والورع إلى السرعة والحزم، والهيبة ووقار القيادة إلى الرقّة والعطف والرأفة… وهي لعمري صفات يندر اجتماعها مرّة واحدة”. عباس نور الدين، نهج الإمام في بيان القائد/3/ (بيروت: مركر بقية الله الأعظم، الطبعة 1، 1998)، الصفحة 14.

[2] الإمام الخامنئي، روح التوحيد ورفض عبوديّة غير الله (بيروت: دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، 2014)، الصفحة 15.

[3] المصدر نفسه.

[4]  المصدر نفسه.

[5] المصدر نفسه، الصفحة 16.

[6]  الإمام الخامنئي، التوحيد وآثاره (بيروت: دار المعارف الحكميّة، 2015)، الصفحة 15.

[7]  شفيق جرادي، الإسلام المحمّدي (بيروت: دار المعارف الحكميّة، الطبعة 1، 2018)، الصفحة 109.

[8]  كلمة الإمام الخامنئي في الذكرى العاشرة لرحيل الإمام الخميني، في 14/3/1378ش. 19/2/1420هـ. 4/6/1999هـ.

[9]  المصدر نفسه.

[10]  الذكرى السنوية الحادية والعشرون لرحيل الإمام الخميني (قدس سره) الزمان: 14/3/1389ش. 21/6/1431هـ.

[11]  كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى 27 لرحيل الإمام الخميني قدس سره.

[12]  كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى 27 لرحيل الإمام الخميني قدس سره.

[13]  كلمة الإمام الخامنئي دام ظلّه في الذكرى السنوية الثالثة لرحيل الإمام الخمينيٍ  (قدس سره).

[14] كلمة الإمام الخامنئيّ في مراسم الذكرى 24 لارتحال الإمام الخمينيّ في حرم الإمام (قدس سره).

[15] الذكرى الخامسة عشر لرحيل الإمام الخميني (قدس سره).

[16] بيان الإمام الخامنئي بمناسبة مرور أربعين يومًا على رحيل الإمام الخميني (قدس سره).

[17]  التوحيد وآثاره، مصدر سابق، الصفحة 91.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*