مفهوم الحياد السياسيّ

مفهوم الحياد السياسيّ

يفيد مصطلح الحَياد، لغويًّا، دلالة الميل والانحراف وترك الجادة الصحيحة والفرار وحماية النفس من الرماة، لأنّ الكلمة في أصل الوضع اسم فعل أمر قياسيّ على وزن” فعال” المشتق من الفعل الثلاثيّ “حاد-يحيد”[1] الدال على الميل، وهذا المصطلح” حَيادِ” ورد مركّبًا مع كلمة أخرى في الخطبة التاسعة والعشرين[2] للإمام عليّ (عليه السلام) التي خاطب فيها الناس المجتمعة أبدانُهم، والمختلفة أهواؤهم، فقال:” تقولون في المجالس: كيت وكيت، فإذا جاء القتالُ، قلتم: حِيدي حَيادِ”، وهذا التركيب اللغويّ يقوله الهارب عند الفرار، ويفيد معنى “الحيدان”؛ أي الميل والانحراف والفرار من المواجهة، فمفهوم الحياد، إذًا، مرتبط باعتزال القتال الذي تكون نتيجته اللا موقف، وفق ماجاء في توصيف الإمام الذين اعتزلوا القتال معه: “خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل”[3].

استنادًا إلى المعنى اللغويّ يجوز القول: إنّ مفهوم مصطلح “الحَياد”، سياسيًّا، مرتبط بالدلالة اللغويّة، بوصفه مصطلحًا سياسيًّا يشير إلى خروج الدول الراغبة في الحَياد من الصراعات الدوليّة، ومن المشاركة في الأحلاف العسكريّة، ومن الانحياز إلى أي طرف من أطراف الصراع، فتبقى خارج دائرة الاقتتال بهدف إبعاده عن أراضيها وحدودها وشعبها، فالدلالة المباشرة تشير إلى الفرار من المواجهة، وإلى اعتزال القتال، وإلى الغياب عن طاولة القرارات الدوليّة، فلا يكون للدولة المحايدة دور في تكريس الحقّ أو نصرة الباطل، فهي دول ترى وتسمع؛ ولكنها لا تفعل، على الرغم من وجود قوانين دوليّة تجيز للدولة المحايدة أن تشارك في إيجاد حلول للأزمات، وتخفيف التوتر، والبحث عن آليات تعزّز الأمن والسلام، ودعم حركات التحرّر والقضايا المحقّة التي تنصّ عليها قوانين دوليّة صاغ واضعوها تعريفات وشروطًا تمنح الدول هويّة الحياد الإيجابيّ الموقت أو الدائم.

يفصح مفهوم الحياد الموقت عن قدرة الدولة المحايدة على التحرر من الأحكام والقوانين الموضوعة وعدم الالتزام به، فتلغي الاتفاقات وتعلن عن استعدادها للمشاركة في الحروب، لأنّ الحياد الموقت اتفاق قانونيّ يتزامن مع وقوع نزاع مسلح سواء أكان دوليًّا أم داخليًّا، تضع فيه دولة ما نفسها خارج إطار النزاع بملء إراداتها، ويحق لها أن تنهي هذا الالتزام، وأن تدخل ميدان المعارك ساعة تشاء، ومثاله حياد الولايات المتحدة الأميركيّة التي شاركت في حربين عالميتين بعد فترتين من الحياد، وكذلك حياد اليونان في أثناء الحرب العالميّة الأولى، فهو حياد يضمن للدولة استرجاع سيادتها عندما تقتضي المصلحة الوطنيّة نقض الاتفاق، أما مفهوم الحياد الدائم فهو الملزم دولة ما أن تخضع لشروط قوانين الحياد، فلا تتدخل في أي نزاع مسلح سواء أكان داخليًّا أم دوليّا، حاضرًا أم مستقبلاً، بهدف تعزيز التعايش السلمي مع الجوار، وهذا يفرض عدم التدخل في أحلاف عسكريّة، وعدم قبول إقامة قواعد حربيّة لقوات أجنبية، أو استخدام الأرض لغايات غير سلميّة فتحصل مقابل ذلك على تعهّد من الدول الأخرى بالمحافظة على أمن هذه الدولة، وعدم التعرض لها بعمليات عسكرية في حال وقوع نزاع مسلّح، ومثاله حياد الفاتيكان.

يهدف الحياد الدائم إلى ضمان الحقوق وعدم المساس بحقّها المشروع، وفق ما تنصّ عليه بنود المعاهدة الدوليّة  التي تسمح بالدفاع عن النفس، غير أنّ هذه المعاهدات والاتفاقات تخضع في تطبيقها لنسبيّة تتوافق ومصالح الدول الكبرى التي تفرض تحييدًا، وليس حيادًا، على عدد من الدول المسلوبة الإرادة لتبقى قابضة على حاضرها ومستقبلها، فتجعلها ساعة تشاء مسرحًا للصراعات والحروب، وسوقًا خصبة لبيع الأسلحة، وتربة مناسبة لتجارب أسلحة التدمير الشامل.

تتمتع الدول المحايدة، وفق ما تنصّ عليه، القوانين الدوليّة، بحقوق تفرضها طبيعة النزاعات المسلحة ومكانها وزمنها، فوضعت حقوق للدول المحايدة في زمن النزاعات المسلحة البريّة، والنزاعات المسلحة البحريّة والحروب الجويّة، وبموجب هذه المعاهدات يحق للدولة المحايدة أن تحمي أراضيها، وأن تدافع عن حدودها، وأن تقيم علاقات تجاريّة مع الأطراف المتحاربة، شريطة أن تمتنع عن تجنيد مقاتلين وترسلهم إلى أي طرف من أطراف النزاع، وعن تقديم المساعدة لأي طرف من أطراف النزاع، ولذلك يمكن القول: إنّ هذه الدولة مسلوبة السيادة في مجال علاقاتها الخارجيّة، فكيف تكون الدولة سياديّة وقويّة وهي مكبّلة بشروط تكبّل علاقاتها، وتمارس عليها سلطة القمع؟

استنادًا إلى كلّ ما سبق يجوز القول: إنّ مفهوم الحياد في السياسات العالميّة المعاصرة مفهوم ملتبس، فهو من حيث الظاهر يوحي بالطمأنينة وتحقيق الأمن والسلام، ونبذ الحروب، وعدم التدخل في شؤون دول أخرى تشهد نزاعات وصراعات، وهذا يضمن للدول الراغبة في تطبيق القوانين والشروط الاستقرارَ الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والسياسي والوطنيّ، والأمنَ الغذائيّ والقوميّ، غير أنّه في حقيقته وجوهره ما هو إلاّ دعوة إلى الفرار والتهرّب من تحمّل المسؤوليّة الوطنيّة والقوميّة، وميل عن جادة الحقّ، وعن نصرة الأوطان والدفاع عن كرامة الإنسان.

 مما لا شكّ فيه أنّ الدعوة إلى حياد الدول التي تعيش أزمات لا حصر لها، وتشهد أرضها صراعات ونزاعات تهدف إلى زعزعة الثوابت الوطنيّة، لا يمكن توصيفه بالحياد السياسيّ الفعّال والإيجابي، بل هو تحييد لا بد له من أن يترك أثره في دلالة اسم فعل الأمر “حَيادِ” وتحويلها من الخضوع لفعل أمر ذاتي داخليّ، إلى الخضوع لفعل أمر خارجيّ هدفه اعتزال القتال وغياب الدور الفعّال والبقاء على هامش التاريخ، والقبول بما يقدّم من فتات الموائد، فتخسر الدولة المحايدة حضورها الأمميّ وحقّها في البقاء، فتخذل الحق ولن تنصر الباطل، وربّما يبقى لها وجود على قائمة الطعام بعد أن خسرت وجودها على الطاولة، كما قال السيناتور الأميركي مايك أنزي:

If you’re not on the table you’re on the Menu – Mike Enzi US Senator.

إن لم تكن موجودًا على الطاولة فإنك ستكون حكمًا على قائمة الطعام.

– ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، مج3، ص 159,[1]

 الإمام عليّ” عليه السلام”، نهج البلاغة، ابن أبي حديد، تحقيق الشيخ حسن تميم، دار مكتبة الحياة، بيروت 1963، مجذ، ص 353.[2]

 الإمام علي” عليه السلام” نهج البلاغة، ضبط نصه وابتكر فهارسه العلميّة الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبنانيّ، ط3، 1991، الحكمة 18، ص 471[3]

مها خيربك ناصر

مها خيربك ناصر

باحثة وأستاذة جامعيّة


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
السيادةالحيادمصالحالدولة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<