الطقوس العاشورائية وإشكالية تأويلها في العلوم الإنسانية

by الدكتور أحمد ماجد | أغسطس 24, 2020 6:23 ص

قدّمت الدراسات الإنسانية محاولات متعدّدة لفهم وتأويل الطقوس العاشورائية، وعملت على إظهار المعنى المختزن فيها، وهي وإن حاولت أن تقارب الموضوع على أسس علمية إلّا أنّها وقعت في مأزق يحتاج إلى مراجعة وإعادة تقييم؛ لأنّها أغفلت عن عناصر هامة، تركت أثرها في النتائج، فأسقطت على الظاهرة الدينية أمورًا من خارجها، مما أدّى إلى تعمية الإجابة، وجعلها مفارقة للظاهرة المدروسة وغير معبّرة، وهذا الكلام لا يعني الانفصال عن العلوم الإنسانية، إنّما دعوة إلى إعادة النظر فيها والعمل على بلورة رؤية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار كيفية حضور الظاهرة وخصوصيتها في مجتمع معين.

يؤدّي الكلام السابق وما يحمله من إشارات إلى ضرورة تأسيس علوم إنسانية إسلامية، لا تقطع مع العلوم الاجتماعية، كما نشأت في المجتمعات الغربية، التي من الممكن الاستفادة منها على مستوى الوصف العام للظاهرة، إلا أنّها تصبح عديمة الفائدة عندما تصل إلى مرحلة التأويل العام للظاهرة. فكما هو معروف أنّ كلّ عملية فهم تقتضي مراحل متعدّدة، تبدأ من عملية وصف الظاهرة عبر دراستها وعيشها ورؤيتها كما هي، وهذه المرحلة لا تتعدّى كونها أولية، يقف فيها الباحث أمام الظاهرة ليعاينها، إلّا أنّها لا تؤدّي للوصول إلى معناها، لذلك لا بدّ من الانتقال بها إلى مرحلة أخرى، يتمّ فيها إخراج كلّ ما ليس من أصل هذه الظاهرة، حتى يستطيع الباحث أن يصل إليها بذاتها خالية من كلّ العناصر التي قد تشكّل  عائقًا أمام الفهم.

هذه المرحلة التمهيدية مهمة لأنّها تضع الكاتب أمام الظاهرة، ولكنّها قد لا تؤدّي إلى عملية فهم إذا جرى إبعادها عن عناصر أساسية يمكن أن تؤسّس لفهمها، وهذا ما تقع به معظم الدراسات الإنسانية، وهي:

  1. الرؤية الكونية المؤسّسة، وفي هذا المجال لا يمكن أن نفصل الطقوس العاشورائية عن الرؤية الاعتقادية عند الشيعة، لذلك الجماعة الشيعية تعبّر عن هذه الرؤية في طقوسها، كي يتماهوا مع حقيقة هذه الظاهرة، فالطقوس هي الوسيلة التي تُظهر تكمالهم مع أصل الظاهرة، والسعي إلى الكمال الإنساني والصفة السامية التي يسعون لتحقيقها، وهم عندما يمارسونها، يسعون للتجرّد من المادة التي تقف عائقًا أمام العبودية لله – وهذا الكلام يمكن التوسّع به في فترة لاحقة – وهنا يُطرح سؤال ألا يعتبر إدخال الرؤية انحراف عن الموضوعية والعلمية؟ في هذا المجال لا بدّ من إعادة النظر بالعديد من الأساطير التي ترافقت مع ظهور العلوم الإنسانية الغربية المعاصرة – ومنها أسطورة الموضوعية – فكلّ موضوعية هي موضوعية ذاتية، ألا يشكّل المنهج المستخدم وسيلة للتحكم بالموضوع، وكلما تغيّر المنهج تغيّرت النتائج المتعلقة به؟ وهنا يُطرح سؤال آخر أليست العلوم الإنسانية من نتاج الحداثة؟ وهل هذه الحداثة عبارة عن شعار أم هي إعادة نظم رؤية كونية جديدة للعالم؟

وحتى لو أردنا الركون لمبدأ الموضوعية وعدم فرض الرؤية الكونية، لكن هذا لا ينفي وجودها بشكل غير مباشر عبر وجود اللامفكّر فيه واللاوعي عند الباحث عند مقاربته للظاهرة الدينية، وهذا مرتبط بأصل ثان لا بدّ من العودة إليه عند تأويلنا للظاهرة الدينية، وهو اللغة.

  1. اللغة مهمة جدًّا في مقاربة الظاهرة الدينية، وهي وإن كانت نظام من العلامات، لا يمكن فهمها إلا من خلال الظاهرة نفسها وربطها بالنظرة الكونية، فهي ليست فارغة بذاتها، إنّما تحمل المعنى في السياق الذي صيغت فيه، بالتالي لا يمكن أن تفهم أو تأوّل إلا من خلال الجماعة التي تستخدمها، وهنا يقع الخطر الأكبر حين يتمّ تصور العلامة لها معنى معمّم، فيجري التعامل معه بطريقة عشوائية، فيفرض عليه معنى من خارجه، وهذا ما يؤدّي إلى تعسف في الفهم والنتائج. على هذا الأساس لا بدّ من إعادة ربط اللغة بمرجعيتها النصية والاعتقادية لرؤية حركتها ضمن النسق المنتج لها، وإلا ستكون وسيلة تُستخدم من أجل إعادة إنتاج معنى جديد ليس له علاقة بالمعنى الأصلي الموضوع له.

مقتضى الكلام، لا يمكن فهم الطقوس العاشورائية إلا بإعادة ربطها بالنظرة الكونية وتحديد القيم التي تحملها في سياقها العام، كما أنّه لا بدّ من إعادة ربط اللغة المستخدمة بأصولها حتى نستطيع أن نفهم المراد منها، وإلا نكون أمام عملية هرمنيوطيقا تعيد إنتاج المعنى بإضافة عناصر غريبة عنه، بينما الغاية عند البحث الوصول إلى عملية تأويلية تعيد المعنى إلى أوله لفهم المراد منه، وفي معظم الدراسات الإنسانية نحن أمام عملية هرمنيوطيقية تعيد إنتاج فهم جديد، ولكنّها لا تفصح عن معناه.

Source URL: http://maarefhekmiya.org/10308/toukous/