توثيق السيرة الحسينية

توثيق السيرة الحسينية
واقعة كربلاء من المقاطع التاريخية الأشدّ حضورًا في وجدان البشرية، حفظها الناس لقرونٍ مشتعلةً ملتهبةً في قلوبهم، وهي في الفكر الإسلامي حدثٌ مفصلي، وحركةٌ دقيقةٌ لخصوصية الأشخاص والمكان والزمان والكيفية؛ لذلك فإن لها بُعدًا عقائديًّا وسياسيًّا وتشريعيًّا، فضلًا عن البعد العاطفي.
ولم تسلم هذه الواقعة من التشويه والدّس والتحريف، سواءً في سرد أحداثها، أو في تحليلها وبيانها، شأنها شأن كثير من الأخبار التاريخية الضخمة، فقد تناول كثيرٌ من المحبّين المخلصين، خاصةً قرّاء العزاء والخطباء، هذه الواقعة، مفرِطاً في بيان جانب المظلومية والمأساة في كربلاء، حتى عمد إلى إضافة أخبارٍ لم تُذكر، وتفاصيلَ لم تروَ استجلابًا لعَبرات الجمهور، أو إلى بثِّ الأشعار بما فيها من مجازاتٍ وتشابيهَ وأخبارٍ بلسان الحال تدرّجت لاحقًا في وجدان النّاس، بل على ألسنة الخطباء أنفسهم لتُعدَّ حقائقَ ووقائع.
كذلك، لم يُغفل الأعداءُ هذه القضية، فساهموا كذلك في تحريف وقائعها وحرفها عن وجهتها وأهدافها الكبرى، فحاولوا تغيير الثوابت التاريخية، وتجريد عاشوراء عن بعدها العقائدي السياسي، بل ليس غريبًا أن يكونوا قد دسّوا الخرافاتِ فيها بقصد تسخيفها لاحقًا؛ وفي النتيجة لم يسلم تراث واقعةِ كربلاء من الأكاذيب والأباطيل والأخبار التي قد يكذِّبها العقلُ المحض، أو أصول المعرفة العقائدية بالمعصومين، أو التحقيق التاريخي.  
وقد تصدّى جمعٌ من العلماء الأجلّاء -خاصةً في الآونة الأخيرة- لتنقيح هذا التراث وتصحيحه، والإشارة إلى الموضوعات والمخترعات فيه، وبيان المنهج السليم في مقاربة ونقل أحداث عاشوراء، من الكتب التي صُنِّفت بشكلٍ أساسيٍ بهذا الدافع:  
  • “نفس المهموم” للمحدّث القمّي (١٣٥٩ هـ).
  • “الملحمة الحسينية” للشهيد مطهري (١٣٩٩ هـ).
  • “الصحيح من مقتل السيد الشهداء” للشيخ محمد الريشهري (حفظه الله).
  • موسوعة “الصحيح من سيرة الإمام الحسين” للسيد مرتضى العسكري (١٤٢٨ هـ). والشيخ محمد باقر شريف القرشي (١٤٣٣ هـ)، والسيد هاشم البحراني (١١٠٧ هـ).
  • موسوعة “سيرة الحسين في الحديث والتاريخ” للسيد جعفر مرتضى العاملي (١٤٤١ هـ).
  • موسوعة “مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة” الصادرة عن مركز الدراسات الإسلامية في الجمهورية الإسلامية بجهود مجموعة من العلماء المحقِّقين.
كذلك تصدّى علماءُ مخلصون ومحقِّقون ناشطون، من منطلق غيرتهم على التراث العاشورائي، على منابرهم وصفحاتهم على وسائل التواصل لبيان ضعف أو خطأ بعض الأحداث في السيرة الحسينية، أو جمع الضعيف منها، أو بيان مسألة كثرة هذه الموارد في السيرة الحسينية.
إلّا أن خروج التحقيق عن إطاره العلمي الدقيق بتسليط الضوء على جهةٍ دون أخرى من البحث، أو اعتماد الخطابة وتضخيم المسائل في الحلّ والفصل، قد يؤدي إلى حرف أذهان الناس ووقوعهم في مغالطات وإشكالياتٍ قد تجرُّهم إلى مواقف سلبية قد يصعب إصلاحُها لاحقًا، فيقع المحقِّق بما لا يريدُه ولا يقبلُه بسبب أسلوب الطرح وحجمه ومكانه.
وقد حصل فعلًا أن كثيرًا من الأشخاص -متأثرًا بتشكيكات المحقِّقين في بعض الأحداث الحسينية- قد فقدوا ارتباطَهم العاطفي بواقعة كربلاء، فإمّا يحضرون مجالس العزاء بأذن المدقِّق المحقِّق الحذِر المشكِّك قد صار الكذبُ عندهم كالأصل في كلِّ ما يُروى؛ فهم محرومون من التفاعل والحزن ورقّة القلب وجريان الدمعة، أو قلّت مشاركتهم فيها، أو امتنعوا عن الحضور مطلقًا، بل قد يعمدون لاحقًا إلى تسخيف الذكرى وشعائرها وأهلها وانتقادهم، وإثارة الشبهات ضدهم.
كما أن من آثار بثِّ هذه التحقيقات من غير انضباطٍ وخطةٍ ورؤيةٍ كلية للموقف أن فُتح الباب على مصراعيه للتشكيك والتحليل والتقييم، فاستسهل كثيرون ردَّ أخبارٍ وأحداثٍ بحجةِ منافاتها لعقولهم أو لصورة المعصوم (ع) في أذهانهم… من غير اعتمادٍ على ضوابط التحقيق والتأريخ ومعرفةٍ بالمصادر وتفاوتها، ومن غير استنادٍ إلى نظريةٍ متكاملة قوامها العقل والعقيدة والروايات والتراث الإسلامي بشكلٍ عام.
إذن، فقد نشأ بفعل هذه الانتقادات والإشكالات والتحقيقات -سواء كانت محقّةً أم لا- وأسلوب طرحها ونشرها تصورٌ خاطئٌ بأن كلَّ السيرة الحسينية أو جُلَّها محضُ تأليفاتٍ واختراعاتٍ وموضوعاتٍ وأكاذيب.
والحقُّ أن واقعةَ كربلاء -رغم وجود هذه التحريفات والموضوعات- من أكثر الأحداث التاريخية توثيقًا، وأشدِّها وضوحًا وجزمًا يثبتها التاريخ والتحقيق بلا شكٍّ أو ترديد؛ ذلك أنه إن اتّسع مجالُ رؤيتنا ومثلت الواقعةُ بكلِّ أبعادها أمام أعيننا نجد أنّ السيرة الحسينية تنقسمُ إلى أحداثِها الكبرى وخطوطِها العريضة ووقائعِها الأساسية – وهي العناصرُ الأهم في البعد العاطفي والتحليلي- وإلى الأحداث الجزئية والأخبار التفصيلية الكامنة في طيات تلك الأحداث الأساسية؛ ثم نجدُ أن أغلب التشكيكات والموضوعات تتعلّق بتلك التفاصيل، أما الأحداث الكبرى فهي متواترةٌ بحيث يحصلُ القطعُ بها، وهذا حاصلٌ بالطرق التالية:
  • المصادر التاريخية: فقد ذكر المؤرِّخون هذه القضية منذ القرون الأولى في أهم كتب التاريخ الإسلامي معتمدين على مصادر سابقة كمقتل أبي مخنف، وأخبارٍ متصلةٍ بزمن الواقعة، ولم يناقش أحدٌ منهم في وقوعها من أقدم هذه المصادر:
    • كتاب التاريخ للطبري (٣١٠ هـ).
    • العقد الفريد لابن عبد ربه (٣٢٨ هـ).
    • مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي (٣٤٦ هـ).
    • مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني (٣٥٦ هـ).
    • الإرشاد للشيخ المفيد (٤١٣ هـ).
    • روضة الواعظين للفتّال النيسابوري (٥٠٨ هـ).
    • الخرائج والجرائج للقطب الراوندي (٥٧٣ هـ).
 
  • المصادر الروائية: حيث ورد ذكر أخبار قضية عاشوراء في مصادر متعدّدة وبرواياتٍ متواترة إلى الأئمة (ع)، بل وإلى الرسول الأكرم (ص)، يمكن مراجعة مصنّفات الشيخ الصدوق (٣٨١ هـ)، وكامل الزيارات لابن قولويه (٣٦٨ هـ)، وأمالي الطوسي (٤٦٠ هـ)، والاحتجاج للطبرسي (٥٤٨ هـ)، وقرب الإسناد للحميري (القرن الثالث)، وبصائر الدرجات للصفّار (٢٩٠ هـ).
  • تناقل الواقعة وإحيائها المتصل جيلًا بعد جيل منذ خطبة السيدة زينب (ع)، والإمام زين العابدين (ع) في طريق السبي، ثم اهتمام الأئمة (ع) بذكر عاشوراء، كذلك استمرَّ ذلك إلى يومنا الحاضر، فلم يخلُ زمانٌ من إحياء واقعة عاشوراء وإقامة العزاء للإمام الحسين (ع)، فقد وصلتنا هذه القضية من صدرٍ إلى صدرٍ، ومن جيلٍ إلى جيلٍ واضحةً جليةً لا لبس فيها.
وكلُّ ذلك يعود بشكلٍ كبيرٍ إلى خصوصياتٍ في واقعة كربلاء اقتضت ظهورها بهذا النحو البيّن، بحيث لا تنالها شبهةٌ أو تشكيك أو تعتيم، بل إنّ بعض أهداف نهضة الحسين (ع) لم تكن لتتحقِّق لولا هذا الظهور، من هذه الخصوصيات:
  • كون نفس أحداث العام ٦٠ للهجرة ضخمةً خطيرة، من موت معاوية إلى تولي يزيد الحكم، ورفض أمثال عبد الله بن الزبير مبايعته، والنهضة الحسينية التي انطلقت من المدينة المنوّرة برفض البيعة، أي أن هذه الأحداث كانت حديثَ الساعة في كلِّ البلاد الإسلامية من اليمن جنوبًا، إلى العراق وفارس شمالًا، وبالتالي يصير وضعُ هذه الواقعة في التاريخ أو تحريف خطوطها الأساس مستبعدًا جدًّا، بل لعلّه من المحال بحسب أوضاع الناس والسياسة والأخبار.
  • قصد الإمام الحسين (ع) تظهير نهضتِه منذ خروجه من المدينة سالكًا الطريق الأعظم، رافضًا تنكّب الطريق كأنه أراد إعلان َموقفه، ثم نزوله أشهرًا في مكةَ المكرّمة في موسم الحج، حيث ملتقى الحجيج من كل الأقطار، إلى أن وصل إلى كربلاء فتعمّد أن يخطب مرارًا ليبيّن لمعسكر الأعداء الوقائع ويعلن موقفه. بل يقول الشهيد مطهّري: إن الإمام (ع) قصدَ تشكيل مشهد الأحداث يوم عاشوراء بنحوٍ يكونُ أشدَّ تأثيرًا ورسوخًا في الأنفس. ولعلّ بعض أهداف الإمام (ع) من نهضته المباركة لم تكن لتتحقَّق لولا البعد الإعلامي الذي حظيت به.
  • مساهمة الأعداء من حيث لا يدرون بتوثيق هذه الواقعة، إذ كان لإرهابهم الاستثنائي في يوم عاشوراء، وقيامِهم بنقل سبايا الحسين (ع) والمرورِ بهم على البلدان، وتعمّد إظهار الفرح والشماتة بهم، أثرٌ كبيرٌ في إعلان هذه الواقعة، فصارت حتى الأماكن في مسير السبي شاهدةً خالدةً عليها.
  • حرصُ الأئمة (ع) على ذكر عاشوراء وإحيائها، وإقامة العزاء، وإظهار البكاء، وبيان الوقائع، كما مرَّ سابقًا، بحيث حافظت القضية على ظهورِها ووضوحِها ومنعتِها عن الدّس والتعتيم.
ثمَّ لا يُتوهَّم أنّ ذلك التوثيق خاصٌ بأصل الواقعة دون جميع التفاصيل، بل إن هذه الدرجة من التوثيق تلقي بظلالها على كثيرٍ من الأخبار والتفاصيل التي وردت في نفس تلك المصادر وفي غيرها، وتبرِّرُ كثرتَها وجزئيتَها، أي بملاحظة عوامل بروز الواقعة يصير من الطبيعي أن يهتمَّ المسلمون والمحبّون بأدقِّ تفاصيلها. مثلًا الكتب والموسوعات المحقَّقة في السيرة الحسينية، التي مرّت آنفًا، ليست عبارةً عن كتيّبٍ أو مقالاتٍ، بل تشكِّل عشرات المجلّدات من السيرة الحسينية المحقَّقة المنقَّحة.
وأعيدُ التأكيد أن هذا الاستدلال لا يعني خلوَّ السيرة الحسينية من الموضوعات والأكاذيب والخرافات، لكن مقصودَه ونتيجتَه أنه رغم ذلك تبقى واقعة كربلاء من أكثر الأحداث التاريخية توثيقًا، فلا ينبغي تضييعُ بركاتِها بالانسياق في تيار التشكيك والإنكار.
فالمأمول ممّن يطرحُ أبحاثَه وتحقيقاتِه في السيرةِ الحسينية -بملاحظة أحوال الناس وانفعالاتهم وخواصِّهم النفسية- أن ينقلَ الصورةَ بإطارها العام فيكون أكثرُ حرصًا على إثبات الوقائع من حرصِه على نفي الموضوعات، ويراعي جمهورَه وحالَهم ويستشرفَ أثر كلامه فيهم، خاصةً إذا لم يكن متعلَّق التشكيك موجبًا لانحرافٍ عقائديٍ أو سلوكي، أو إذا كان التشكيك دفعيًّا مفاجئًا، أو جماعيًا لعددٍ كبيرٍ من الأحدث، فإن وجدَ أن محذورَ الطرحِ أكبر فليتوجّه إلى العلماء والخطباء ليحصلَ الإصلاحُ تدريجًا من غير محذور، وإلا انقلب حرصُهم على التراث الحسيني سببًا لضعفه والتشكيك فيه.
أما الخطباء وقرّاء العزّاء من خدمة سيد الشهداء (ع) فينبغي أن يتعاملوا مع القضية الحسينية بأعلى درجات الحساسية والدّقة والأمانة العلمية، وأن يملكوا همّة تنقيح متونهم ومحفوظات صدورِهم، ويكبروا في أنفسهم نسبة قولٍ أو فعلٍ إلى المعصوم (ع) وقضيتِه دون بحثٍ وتحقيق، وإلا انقلبت خدمتُهم خصومةً للحسين (ع)، وتشويهًا لنهضتِه وتنفيرًا للناس عنه.     
ولأمة الإمام الحسين (ع) من المحبِّين المصابين به، فإنَّ مولاكم الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) قد ثار في العام الـ٦١ للهجرة في كربلاء، مؤثرًا مصارعَ الكرام على طاعة اللئام، رافضًا الذِّلة، حافظًا للمِلّة، فخذله النّاس وخانوه، ونصره قومٌ وافتدوه، فقاتلَ بنفسِه وأهلِه وأصحابه حتى لم يبقَ منهم أحد، فخلدت ذكراهم في النفوس إلى الأبد، ثم احتُزَّ رأسُه الشريف وداست الخيلُ صدرَه المنيف، وسُبيت عيالُه وأطفالُه، فطيفَ بهم على البلدان وهنَّ أصل الخدر المصان، أفلا توجبُ هذه الأحداثُ الرهيبة والأخبارُ العجيبة، إقامةَ العزاء والنوحِ عليهم والبكاء، ثم التمسّك بسيرتِهم وعقدِ العزمِ على نصرتهم، في وجهِ كلِّ ظالم إلى أن يقومَ القائم، فتنعمُ الدنيا بطلّته الغرّاء، ونطلبُ وإياه دمَ المقتول بكربلاء.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
السيرة الحسينيةكربلاء

المقالات المرتبطة

نهاية تاريخ ونهاية أيديولوجيات

إن أول ما يثير الإنتباه في حوارنا هذا مع داعية نهاية التاريخ، البروفسور فرنسيس فوكوياما، هو ظاهر التحلل من الموقف التمامي الذي رافق أطروحتين شغلتا العالم،

خطّة الحسين عليه السلام ونصرة المحسوس

من الحقائق الجليّة التي يحكم بها العقل ويرتضيها العقلاء هو أنّ الإنسان الكامل في مواهبه لا بدّ أن يزن الأمور بميزان عقله الواعي ليدرك خطرها ويتبصّر بمصيرها

الواقعية الفلسفية والفضاء الأقصى للمعنى

غلب الوضع الإلهي على مباحث المعرفة في التراث الإسلامي، وطال البحث علاقة العلم الإلهي بمتغيرات الواقع،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*