الحسين عليه السلام وارث الأنبياء والأولياء عليهم السلام

الحسين عليه السلام وارث الأنبياء والأولياء عليهم السلام
تمهيد.
تذكر النصوص الدينية من الزيارات والأحاديث أن الحسين عليه السلام وارثًا للأنبياء والأولياء عليهم السلام، فقد جاء في زيارة وارث مثلًا “اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ نُوح نَبِيِّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ اِبْراهيمَ خَليلِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ مُوسى كَليمِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ عيسى رُوحِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ مُحَمَّد حَبيبِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا وارِثَ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلامُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ مُحَمَّد الْمُصْطَفى”، ولهذه الوراثة معنى جامع للكثير من المعاني والحقائق ذات البعد العرفاني والاجتماعي والسياسي وغيرها، وسنخصّص الكلام في هذه المقالة للحديث عما يمكن استفادته من معنى وراثة الحسين عليه السلام.
الوراثة في اللغة.
ذكر أئمة المعاجم اللغوية أن الجذر وهو “ورث” يعني “أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين”، ويظهر من بعضهم أن الموروث بمعنى الباقي، والإيراث هو الإبقاء على الشيء كما ذكر صاحب العين، وهذا المعنى لا يؤخذ فيه من حيث أصله ومفهومه كون الباقي أو المنتقل أمرًا ماديًّا، بل تتعدّد الموارد بتعدّد أطراف الوراثة، فالمورّث للمال كالأب مثلًا، حين يورّث ابنه يجعل الوراثة مادّية حسب متعلّقها وهو المال، وكذلك يكون توريث العلم أيضًا توريثًا حقيقيًّا بمعنى أنه لا يكون مجازًا لما مرّ من أنه لا يدخل في حدّ وتعريف الإرث إلا الانتقال أو الابقاء، وعليه تتعدّد كيفية التوريث بتعدّد متعلّقات الإرث، فالتوريث الشرعي اعتباري في موارد وراثة الابن من أبيه، أي ينتقل المال إلى الابن بحكم الشرع والقانون من دون أي تبدّل أو حركة تكوينية، ولا ينحصر استعمال العرب لهذا اللفظ بالتوريث الاعتباري فقد روي أن “الأكل على الجنابة يورث الفقر”[1]، وأن “قطيعة الرحم تورث الهمّ”[2]، فإن مثل هذه الاستعمالات ظاهرة في وجود أسباب تكوينية – أعم من كونها من سنخ الغيب أو الشهادة- تؤدّي إلى ما ذكر من النتائج.
الله تعالى هو الوارث.
ومن هنا، يكون الوارث حقيقة في جميع الأمور هو الله تعالى، لمكان مصير كل شيء إليه وانتقالها كذلك، وهو الوارث لمكان رجوع الفيض إليه حسب ما ثبت في الحكمة الإلهية والنقل الحكيم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ[3]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ[4]، فرجوع الكل إليه من مصاديق وراثته لها على ما تقتضيه الحكمة والتكوين، ويذكر العلّامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ[5] هذا المعنى حيث يقول: إن “الجاري من سنة الله سبحانه أنه يفيض الوجود على ما يخلقه من شيء ويمدّه من رحمته بما تتمّ له به الخلقة فيوجد ويعيش ويتنعم برحمة منه تعالى ما دام موجودًا حتى ينتهى إلى أجل معدود. وليس انتهاؤه إلى أجله المعدود المضروب له فناء منه وبطلانًا للرحمة الإلهية التي كان بها وجوده وبقاؤه وسائر ما يلحق بذلك من حياة وقدرة وعلم ونحو ذلك، بل بقبضه تعالى ما بسطه عليه من الرحمة، فإن ما أفاضه الله عليه من عنده هو وجهه تعالى ولن يهلك وجهه. فنفاد وجود الأشياء وانتهائها إلى أجلها ليس فناء منها وبطلانًا لها على ما نتوهمه، بل رجوعًا وعودًا منها إلى عنده، وقد كانت نزلت من عنده، وما عند الله باق فلم يكن إلّا بسطًا ثم قبضًا، فالله سبحانه يبدؤ الأشياء ببسط الرحمة، ويعيدها إليه بقبضها وهو المعاد الموعود”[6]. وهذا الرجوع للكل يذكره الفلاسفة والحكماء أيضًا في مباحث المعاد لديهم، حيث يثبتون أن القيامة والرجوع إلى الله تعالى رجوعان، الأول ما فرجوع الشخص والثاني رجوع الكل – أي ما سوى الله تعالى- ويكون رجوعًا إلى الوحدة بعد الكثرة، بما يليق بمقام القرب منه تعالى حيث الوحدة الحقيقية الحقة، وكذلك عالم الطبيعة له رجوع في طول رجوع الكل وهو انتقال لها إلى الآخرة. ويقول صدر المتألهين بهذا الصدد: “اعلم أن خلق العالم الكبير وبعثه كخلق عالم صغير وبعثه ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ…[7]. فإنّ السموات والأرض وما بينهما أبدًا في الانتقال والتبدّل حتى يخرج ما فيها من النفوس والأرواح، من القوة إلى الفعل على التدريج في مدة عمره الطبيعي… فإذا انقضت المدة وتمّت العدة، برزت إلى عالم الآخرة وحقيقة الدنيا”[8]. وعلى أي حال، فصدق وراثة الله تعالى لهذه الحقيقة حقيقي، بل صدقه أجلى من صدق الوراثة الحقوقية، لأن فيه انتقال حقيقي وتكويني لا اعتباري.
وراثة الحسين عليه السلام.
ومنه يظهر أيضًا أن من شروط الوراثة تحقق قابلية الوريث للإرث، سواء كان في التكوين أم التشريع، فالنسب أو السبب الشرعي متى ما تحقّقا تحقّق معهما مقتضى الوراثة الشرعية بين الابن وأبيه، وكذلك في أمر التكوين، وحيث إن الصفات النفسانية لا تقبل الانتقال، كالكرم والشجاعة فإنه لا ينتقل من شخص لشخص، إما بوصفها أعراضًا وقد حُقق أن انتقال الأعراض محال، أو لكونها من مراتب حركة النفس فلا تُسلخ عنها لتنتقل، عند ذلك لا بدّ من أن معنى وراثة هذه الأمور إما أن يكون بمعنى استمرار فاعلية الوريث على ما كان المورّث يفعله بمقتضى صفاته، فوراثة الابن شجاعة الأب تكون بمعنى استمرار جهاده الفعلي على ما كان عليه الأب من دون أن يكون المعنى أن الأب أعطى الابن خُلق الشجاعة، وإما بمعنى كون تربية الأب لابنه جعلت مقتضى إفاضة الصفات عليه. وأما لو اُطلق على الوريث هذا الوصف دون متعلّق الوراثة، كأن قيل “فلان وارث فلان” دون تحديد أن الوراثة هي وراثة مال أو علم أو صفة ما، فيمكن حمل هذا المعنى – بما يوافقه المعنى اللغوي- على انتقال المسؤولية إليه، فالحاكم يرث سلفه بمعنى أن أمر تدبير المملكة يؤول إليه، وكذا الحال في وراثة المقام، فهو وإن لم يكن انتقالًا لصفة انتقالًا من محل – أي المورِّث- إلى الوريث، فإنها تعني أن المقام المعنوي الذي كان عليه المورِّث قد ظهر في الوريث، فكأن المقام انتقل إليه.
ومن هنا تظهر وراثة الحسين عليه السلام للأنبياء والأولياء، حيث لم يُجعل لها متعلّق خاص، فلم تأت على ذكر أن الحسين وارث للمال أو العلم مثلًا، بل جاءت مطلقة عن أي متعلّق، فيجوز أن يكون معناها ما أسلفناه أخيرًا من الاحتمالين، أي إما وراثة المسؤولية، وإما وراثة المقام على النحو الذي ذكرناه، وإن كنا نعتقد بأن مسؤولية الأنبياء والأوصياء المعصومين، لا يقوم بها إلا من امتلك مقامًا خاصًا، فيتحد بذلك وراثة الحسين بمعنييه معًا.
خاتمة
إن الحسين عليه السلام هو الوارث، وهذه الوراثة ظهرت يوم عاشوراء بأعظم مظاهرها، حيث تجلّى على يديه في نهضته وجهاده بروز المقام الأعظم للإنسان الكامل الذي هو خليفة الله ووارث أمر إرجاع الخلق إليه، فكان جذب الخلق إلى الحق على يدي الحسين عليه السلام في عاشوراء وما بعدها منطلقًا من إحياء أمر القيم والشرع الذي هو زاد الرجوع بأبرز مظهر، حيث لا يمكن للحق أن يخفى، ولا يمكن للفصل بينه وبين الباطل أن يكون ملتبسًا على أحد.
 
[1] الفقيه: ١ / ٨٣، ح ١٧٨.
[2] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (القاهرة: إحياء الكتب العربية، 1962-  1967م)،  17 / 120.
[3]  سورة الحجر، الآية 23.
[4]  سورة الحديد، الآية 10.
[5]  سورة يونس، الآية 4.
[6]  العلّامة الطباطبائي، الميزان، 10: 11.
[7]  سورة لقمان، الآية 28.
[8] صدر الدين الشيرازي، المظاهر الإلهية، الصفحتان 132و133.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
وارث الأنبياءالإمام  الحسين (ع)عاشوراء

المقالات المرتبطة

“الدين في التصوّرات الإسلاميّة والمسيحيّة”

يعتبر البحث في موضوع الدين وعلاقته بالحياة، بالفرد وبالمجتمع، مـن أهم الموضوعات وأكثرها دقـة وحساسية، وجمالًا، سيمـا إذا كان الباحث

الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات

تقدّم في الحلقة السابقة من سلسلة “الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات” الحديثُ عن أهمّ الأزمات الأمنية، وبيان مواقف القائد واستراتيجياته في إدارتها وعلاجها،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*