مباني فهم النص عند الشهيد الصدر: الحلقة 9

مباني فهم النص عند الشهيد الصدر: الحلقة 9
 
المبنى السادس: الحوار بين النصّ والمفسِّر
ها قد وصلنا إلى المبنى السادس والأخير، من مباني فهم النص عند الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (ره)، وقد عنونّاه بـ: الحوار بين المفسّر والنص.
وقد تحدّث الشهيد الصدر عن هذه المسألة المنهجية أثناء بحثه في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وبيان كيفية العمل في هذا التفسير.
 ويصرّح بأن المفسِّر لا يبدأ عمله من النص، بل من واقع الحياة، فيركّز نظره على موضوع من موضوعات الحياة، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ونقاط فراغ، ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعًا جاهزًا مُشرّبًا بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النص القرآني حوارًا: المفسّر يسأل على ضوء ما حصّله من التجارب البشرية، والقرآن يجيب.
فيجلس المفسّر سائلًا ومستفهمًا ومتدبّرًا ومستنطقًا للقرآن.
وبالتالي، يلتحم القرآن مع الواقع والحياة. فتكون عملية التفسير قد بدأت من الواقع وانتهت إلى القرآن، لا أنها بدأت من القرآن وانتهت إليه بحيث تكون عملية منعزلة عن الواقع ومنفصلة عن تراث التجربة الإنسانية[1].
 ومن هنا يتضح أنه يُستفاد من الواقع في عملية فهم النص وتفسيره على مستويين:
المستوى الأول: على مستوى اختيار الموضوع المراد معرفة رأي النص فيه.
المستوى الثاني: على مستوى التشبّع بالتجارب البشرية الواقعية، مما يرفع من مستوى أهلية الباحث لفهم النص القرآني. فهنا، يظهر مدى العلاقة الوثيقة بين التطبيق الخارجي –وهو التجربة البشرية- وبين النظرية – وهي فهم النص القرآني-.
وقد بيّن الشهيد الصدر أهمية العلاقة بين النظرية والتطبيق ووجود ترابط وثيق بينهما؛ غاية الأمر أنه طبّقه على العلاقة بين الفقه والأصول[2]، لكن يمكننا أن نأخذ روح الفكرة ونطبّقها هنا على المستوى الثاني المذكور.
ولعل اختيار الشهيد الصدر لبحث السنن التاريخية ومعالجته معالجة قرآنية، مصداقٌ لكلا المستويين؛ فكأنه رأى مشكلة طرحها التيار الماركسي الذي تحدّث عن قواعد التاريخ وقوانينه. فكأن الشهيد الصدر استفاد من الواقع الذي عايشه، فأخذ هذا الموضوع، ثم حاول طرحه على النص القرآني حتى يرى جواب القرآن عنه[3].
وهذه النظرة في تفسير القرآن الكريم تُلفِت نظر المفسّر إلى أمور، منها:
الأمر الأول: أن لا ينظر المفسِّر إلى القرآن بنظرة تجزيئية، بل يلاحظه كوحدة متكاملة. ولأجل ذلك، من يطالع كتابات الشهيد الصدر، يجده في بعض الأحيان، يستفيد من آيات قرآنية متعدّدة، ومن سور مختلفة، لأجل معالجة موقف محدّد وقضية خاصة. فهذا ما يجعل المفسِّر يقدّم فهمًا متكاملًا للنص القرآني[4].
الأمر الثاني: يجب على من يريد تفسير القرآن الكريم أن لا يكون منعزلًا عن الواقع؛ بل يجب أن يعايش الواقع بهمومه ومشكلاته، فيعيها بشكل صحيح، ثم يجلس أمام النص القرآني، فيطرح هذه المشكلة عليه، منتظرًا الجواب القرآني. وبالتالي، لا يكون هدف المفسِّر فهم النص بنحو سطحي وتفكيك كلماته وعباراته، بل يحاول أن يستفيد من النص القرآني لأجل حلّ المشكلات الواقعية. وبعبارة أخرى: يجب أن لا يقف المفسِّر في فهم النص على فهم عباراته، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى الواقع ليتّخذ من القرآن وسيلة لمعالجة المعضلات الواقعية[5].
ولا بدّ من الالتفات أيضًا، إلى أن الشهيد الصدر يعتقد بأن القرآن الكريم ذو معان لا متناهية، لذا يمكننا أن نستنتج أن عملية الحوار هذه لا تنتهي؛ بمعنى أنه لا يمكن أن نصل إلى مرحلة نكون قد استوعبنا فيها كل المعاني القرآنية[6].
وبهذا نكون قد أنهينا البحث في مباني فهم النص عند الشهيد الصدر (ره)، لكننا ذكرنا أنها الحلقة ما قبل الأخيرة فيما يرتبط بمباني فهم النص عند الشهيد الصدر (ره)، لأننا نرى أنه من الأفضل أن نذيّل هذه الحلقات الثلاث عشرة بوقفة تحليلية مع هذه المباني. وهذا ما سوف نسعى أن نكتبه في الحلقة القادمة.
 
[1] انظر: المصدر نفسه، الصفحتان 29و 30.
[2] دروس في علم الأصول (الحلقة الأولى)، الصفحة 53.
[3] وللاطلاع على بعض التطبيقات على فكرة الحوار بين المفسّر والنص، انظر: المدرسة القرآنية، الصفحات 157- 170. المصدر نفسه، الصفحتان 158و 159.
ويمكننا الإشارة إلى ما يمكن أن يكون تطبيقًا ثالثًا لهذه الفكرة، حيث أثّر الواقع الحياتي على اختيار الموضوع المُراد بحثه في القرآن الكريم. ففي زمن الشهيد الصدر، راج الفكر الماركسي المتأثّر بالفكر الهيجلي، والذي يهتم بفلسفة التاريخ. ولعل هذا ما أثّر على الشهيد الصدر فدعاه ليبحث عن هذا الموضوع في القرآن الكريم. ولأجل ذلك عرض الأسئلة التالية على القرآن الكريم، وسعى لبيان الإجابة عنها، وهذه الأسئلة هي: هل للتاريخ البشري سنن في مفهوم القرآن؟ هل له قوانين تتحكّم في مسيرته وفي حركته وتطوره؟ ما هي هذه السنن التي تتحكم في التاريخ البشري؟ كيف نما؟ كيف تطور؟ ما هي العوامل الأساسية في نظرية التاريخ؟ ما هو دور الإنسان في عملية التاريخ؟ ما هو موقع السماء أو النبوة على الساحة الاجتماعية؟
ففي هذا البحث، يكون الشهيد الصدر متأثّرًا بالواقع الذي يعيشه في مقام اختيار الموضوع وطرح الأسئلة على النص لاستنطاقه. ولمزيد من الاطلاع على هذا البحث، انظر: المصدر نفسه، الصفحات 46- 102.
[4] انظر على سبيل المثال: المصدر نفسه، الصفحتان 348و 349.
[5] المصدر نفسه، الصفحتان 30و 31.
[6] الإسلام يقود الحياة، (قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، 1426 ق)، الصفحة 23.



المقالات المرتبطة

إطلالة على المعايير المميّزة للثقافة الإسلاميّة الرساليّة

يبدو من وجهة نظرنا أن القسم الأساس للثقافة هو نفس عقائد وأخلاقيات فرد ما أو مجتمع.

التوحيد والعدل في فكر العلامة محمد جواد البلاغي

لا تخرج المسائل العقائدية عن الزمن وتطوّراته، إذ تشكّل بالنسبة للمؤمنين بها، ركائزًا منها تتشكل مقارباتهم وقياساتهم لكل مستجدّات العصر

تصالح الإمكان الإسلامي مع الإمكان الحداثي

اختارنا لكم من ضمن المختارات التي نرفعها على صفحات هذا الأسبوع حوار مع الدكتور إدريس هاني

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*