“المشروع الفكري لسماحة آية الله الشيخ اليزدي وتأثيراته على الفكر الإسلامي المعاصر”

 
عقد المنتدى الدولي للحوار المسؤول، ندوةً فكريةً[1]، بعنوان: “المشروع الفكري لسماحة آية الله الشيخ اليزدي وتأثيراته على الفكر الإسلامي المعاصر“. بإدراة الأستاذ عدي الموسوي، وبمشاركة كل من: الشيخ حسين السعلوك من لبنان، الدكتور إدريس هاني من المغرب، فضيلة الشيخ الدكتور علي جابر من لبنان، فضيلة الشيخ مازن المطوري من العراق، فضيلة الشيخ الدكتور نبيل الحلباوي من سوريا، والدكتور كمال لزيق من لبنان.
افتتح الأستاذ عدي الموسوي الندوة مرحبًا بالحضور الكريم، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء خُصِّص للحديث عن آية الله الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي، وعن المشروع الفكري لسماحته، وتأثيراته على الفكر الإسلامي المعاصر. داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يمنّ عليه بالصحة والعافية وأن يشفيه من مرضه.
البداية كانت مع كلمة معهد المعارف الحكمية؛ الجهة المنظّمة لهذا اللقاء، ألقاها سماحة الشيخ حسين السعلوك، مفتتحًا كلامه بالدعاء لشفاء سماحة آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، ثم تطرق  للحديث عن المؤلفات التي تولّى معهد المعارف الحكمية طباعتها مؤخرًا، مسلّطا الضوء على الدور الذي قامت به هذه المؤسسة، والثغرات التي حاولت أن تسدّها.
وأشار سماحته إلى أن الشيخ المصباح هو عَلَم بارز واسم علمي كبير، وليس لمؤسستنا أو لغيرنا من المؤسسات أن تدّعي الفضل أو الريادة، في أن تُظهر وتُجلّي ما قدّمه وأنتجه هذا الطود الشامخ. لقد عكفنا على الاشتغال على نتاجات الشيخ المصباح لأنّنا وجدنا أنّه رغم كثرة الترجمات لكتبه، إلا أنّ هنالك جزءً كبيرًا من العناوين البارزة لم تُترجم. فهو شيخ غزير الإنتاج، ولا يكلّ من التدريس ومن الوعظ ومن الإرشاد.
وبيّن سماحته أنّ ما ركز عليه معهد المعارف الحكمية هو وفق التفصيل الآتي:
1 . رصد النتاجات التي لم تُترجم للشيخ، وتسليط الضوء عليها، وهي تنقسم ضمن أبواب:
الباب الأول: وهو مجموعة المحاضرات والدروس الأخلاقية، التي يواظب سماحة الشيخ على إعطائها بشكل أسبوعي تقريبًا، وكان هذا الدرس في السنوات الأخيرة يُقام في مكتب السيد القائد حفظه الله في قم. وفيها جمع الشيخ كل ما هو عنده من مخزون علمي ومعرفي وقام بتوظيفه، في استطلاع وقراءة النص المعصوم. وكانت كل هذه المحاضرات تُقرَّر وتدوّن ثم تنشر في كتب. ولأنّها لم تكن تُرجمت بعد إلى اللغة العربية، كانت من أبرز استهدافاتنا.
وأوضح الشيخ السعلوك أنّ العنوان العريض لهذه الكتب هو الأخلاق، ولكنّ الشيخ يضيف إليه نكات كلامية أو عقائدية، ويبرز الكثير من المسائل المنهجية التي تعلمنا كيف نتعاطى مع النص القرآني أو المعصوم. كما أنّه يورد أحيانًا مسائل أصولية في باب أصول الفقه، كنكات مستفادة، يمكن أن يستعين بها، وغيرها الكثير. ويحاول أن يعطي للمستمع وللقارئ، وجبة دسمة بشكل مبسّط، يمكن لغير المتخصص أن يستفيد منها. لافتًا إلى أن هذا أول عنوان عريض ركزنا عليه. وقد طبعنا ما يقارب الثلاثة عشر عنوانًا إلى الآن، منها شرح الخطبة الفدكية، وشرحه لوصية الرسول لأبي ذر الغفاري، وشرحه لوصية أمير المؤمنين لابنه الإمام الحسن، وشرحه على الخطبة المعروفة بالقاصعة، وغيرها من الكتب.
الباب الثاني: هو ما كان واقعًا مغايرًا عن القارئ العربي. فالشيخ المصباح له باع طويل في علوم العقليات وتحديدًا في موضوع الدرس الفلسفي. فقد درّس في مسيرته العلمية تقريبًا كل الكتب الفلسفية الأساسية التي تُدرس في المسارات الحوزوية. فنجد عنده شرحًا على نهاية الحكمة، وعلى أسفار الملا صدرا، وعلى إلهيات الشفاء، وعلى برهان الشفاء، وغيرها من الكتب. وكانت كلها مغيبة، ولا أظن أنّ القرّاء العرب كانوا يعرفون بوجودها. وهذا هو مدار مهمتنا الثانية، والذي هو واقعًا العمل عليه أصعب من الأول، لأنّك تحتاج إلى مترجمين متخصصين وإلى مراجعين للترجمات، وكثير من الجهد. وبحمد الله تعالى وُفِّقنا بنشر حوالي الخمس أو الست كتب في هذا الإطار، ويمكن اعتبارها كتبًا تخصصية، منها الجزء الأول من شرحه على إلهيات الشفاء، والجزء الأول من شرحه على نهاية الحكمة، وغير ذلك من الكتب.
وأضاف الشيخ السعلوك، نعتزم أن نعكف على الكتب التي تُرجمَت سابقًا، إلا أنّها نفذت الآن. ثم بعد ذلك قد نصل أيضًا إلى الكتب المترجمة والموجودة، لنقدم ترجمة جديدة أو منقّحة، بحيث يكون لمؤسستنا شرف أن تطبع كل أعمال الشيخ المصباح، لأنّنا نؤمن أنّ أعماله لا بدّ أن تُجمع بشكل علمي لائق بها. وأن تكون موجودة تحت مسمّى واحد، وعنوان واحد، بحيث يمكن للأجيال القادمة أن تستفيد منه، كما استفادت أجيالنا من الأعلام السابقين عليه.
ولفت قائلًا: يعتبر السيد القائد أنّ العلامة المصباح اليوم هو من يسدّ ثغرة غياب أشخاص كالعلامة الطباطبائي والشيخ المطهري. وعندما يكون للشيخ المصباح هذا الثقل العلمي، يصبح من الخطأ الكبير أن لا نترك للأجيال القادمة نتاجاته وترجمات لائقة بها.  
وختم الشيخ حسين السعلوك قائلًا: نحن بصدد أن نتلقى ما قد يُكتب عن الشيخ، وسنفتح في القادم من الأيام بابًا للتعاون مع كتابات كُتِبت عنه، إما مقالات أو أبحاث أو رسائل ماجستير أو دكتوراه، ضمن الأطر المرعية الإجراء عندنا في المؤسسة. مثلًا بعد أن تصل الرسالة يتم إخضاعها لقراءة هيئة علمية، وسنوسع دائرة الاهتمام لتشمل أيضًا ما قد يُكتب عن الشيخ، سواء بنشره عبر الموقع الإلكتروني، أو بواسطة من وسائط نشرنا.
بعد ذلك، تحدث الدكتور إدريس هاني[2] من المغرب، وقال: أحييكم جميعًا أيها الحضور الكريم كلٌّ باسمه مع حفظ الألقاب، وأشكركم كجهة منظّمة على هذه الفرصة، لكي نتناول بالحديث متنًا وشخصًا لرجل، في الحقيقة هو بقية، أو بعض من بقية حلقة السيد الطباطبائي والإمام الخميني في حقل الفلسفة والعرفان. وبهذه المناسبة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشافيه ويرزقه الصحة والعافية.
وقال الدكتور هاني: الحديث محيّر عندما نريد أن نتحدث عن شخصيات من هذا القبيل، وخصوصًا أنّها شخصية تنتمي لحقل الحيرة، حقل حائر بطبيعته، وهو حقل الفلسفة والحكمة. ولا أخفي أنّ التحضير للحديث عن الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي يحتاج إلى وقت كبير، لأنّ الرجل موسوعة، وهو خلاصة مدرسة اشتغلت كثيرًا على الفلسفة من ألِفِها إلى يائها بكل المطالب التقليدية المعروفة.
وتابع الدكتور هاني قائلًا: إنّني أبحث عن مفتاح أساسي لهذه الشخصية. وسوف نتساءل عن القيمة المضافة لقيد الإسلامية في الفلسفة الإسلامية، وهو السؤال الذي سيجعلنا نتساءل: هل هو قيد تهذيبي لمطالبها أم هو قيد إضافة لموضوعاتها؟ وهل الفلسفة هي حقل قابل للتهذيب والتقيّد أم هي مجال للسؤال القلق المفتوح؟ وقال: وصلت إلى أنّ ثمة سمتين تستمدان معناهما من مجال الاشتغال نفسه، وكلاهما يشكّل سمة لمفتاح شخصية الشيخ محمد تقي لمصباح اليزدي: السمة الأولى كونه فيلسوف غير قلق. والسمة الثانية: وهي كونه رائد السكولاستيكية الجديدة، وهو مدخل مهم كي ندرس هذه التجربة. فكونه فيلسوف غير قلق سنجد أنفسنا بالتالي أمام مفارقة، ستكون مدخلًا لفك الحصار عن التعريف الملتبس للفلسفة فيما آلت إليه اليوم. وتساءل: كيف يكون الفيلسوف غير قلق بينما مجال اشتغاله يدعو للقلق والسؤال والحيرة؟
ثم قال: إنّ دور الفيلسوف ووظيفته هي تحيير السؤال، لأنّ العلم يزعم أنّه يقدّم أجوبة حاسمة بينما الفلسفة لم تزعم هذا. وحينما زعمته فلأنّها كفّت أن تكون فلسفة، وإنّما كانت شيئًا آخر سنتطرق إليه.
كما تساءل الدكتور هاني: هل نحن أمام انتهاك للتعريف التداولي للفلسفة باعتبارها حيرة؟ موضحًا بأنه لا يخفى أنّ كل فلسفة تستدعي الحيرة، والاستجابة هي التي تجعل السؤال الفلسفي قاصدًا وممكنًا وإيجابيًّا. ومع أنّ التعريف لموضوع الفلسفة استقر في الوجود من حيث هو موجود. فالذي يزكّي الحاجة للفلسفة كونها تشكّل قاعدة اليقين، في موضوع الكلية التي تشتغل عليه. كما سنجد معنى ذلك في تعليقة لسماحة الشيخ محمد تقي المصباح على نهاية الحكمة لأستاذه السيد الطباطبائي، حينما وصل إلى قوله (غير أنّا لا نشك) سنجد أنفسنا أمام نفس الكوجيتو الديكارتي. والحدث نفسه سيتكرر مع ديكارت وقبل ذلك ستكون قاعدة الوجود أعمق وأوضح في منحوتة الملا صدرا وأصالة الوجود، وهو قفز إلى مستوى آخر متقدم في القول الفلسفي.
وأكّد الدكتور هاني أنّ الفلسفة الحديثة طالما استهترت فيما آلت إليه باليقين. وقد آل الوضع إلى أنّ الفلسفة التي كانت تشكّل كل هذه العلوم، باعتبارها أم العلوم، انتهت في العصر الحديث إلى ميتافيزيقا.  ولفت الدكتور هاني، أنه حينما نقول إنّه فيلسوف غير قلق، فلأنّه ينحدر من النهاية، من مخرجات هذا السفر العقلي، الذي يعبر إلى ما بعد الميتافيزيقا نفسها ليقبض على الحكمة. من هنا فإنّ قولنا أنّ الشيخ مصباح اليزدي هو مثال لفيلسوف غير قلق، هو لأنّه طالب حكمة وليس طالب فلسفة. وهو في دورة التدريب على الفلسفة، ينحدر من لحظة الوصول، وبلغة حكمية. ثم يعود في قوس النزول ليقدّم نتائج الحكمة من خلال أدوات الفلسفة.
وأشار الدكتور هاني إلى أنّ الفلسفة تطرح تحديين: الأول: انشغالها بالسؤال الحائر. والثاني: انطلاقها من النهاية وسوف تكون مطالبة بتقديم نتائج الحكمة لنا. فهل الفلسفة بالفعل تستطيع أن تقدّم كل هذا اليقين، الذي لا يمكن أن يوجد إلا في الحكمة، وتحديدًا الحكمة الإلهية في أدوات الفلسفة الميتافيزيقا؟ ويرى أنّ الشيخ المصباح اليزدي، قد أحيا التقاليد المدرسية الجديدة السكولاستيكية، لأنّها ضرورية في عصرنا هذا، وفي البيئة العربية نفسها والإسلامية.
وختم الدكتور إدريس هاني قائلًا: هناك محاولة لتجاهل أو لجهل الفلسفة الأخلاقية، وهذه محطة لم تُدرس في مجالنا العربي والإسلامي، وهناك من يعتقد أنّه لم يُطرح القول الأخلاقي في الفلسفة الإسلامية. وعندما أسمع أنّه يتحدد في كلمته حول فلسفة الأخلاق، والعمل هو قليل في حجمه ولكنّه عظيم في محتواه. ودعوة أنّ القيمة الخلقية متوقفة على الأمر لا قيمة لها. وهذه العبارة تلخص الإشكال الكبير في فلسفة الأخلاق.
ثم انتقل الكلام إلى فضيلة الشيخ الدكتور علي جابر[3] من لبنان، وممثل للأمانة العامة لحزب الله عبر كلمته في الندوة. الذي أثنى على الدعوة، وعلى فكرتها في إظهار معالم الشخصية الفكرية والروحية، للعلّامة آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، نظرًا لما يمثّل من نهج، ومن شخصية فريدة في هذا الزمان.  
وقال: من أجل رسم شخصية سماحة الشيخ العلّامة، أستعين بكلمة لسماحة الإمام الخامنئي دام ظله الشريف، حيث يقول في إحدى كلماته في العام 1999: “إنني أعرف سماحة الشيخ مصباح اليزدي منذ ما يقرب من أربعين عامًا، وأنظر إليه بعنوان كونه فقيهًا، وفيلسوفًا، ومفكّرًا، وصاحب رأي في المواضيع العلمية الأساسية. وأحبّه وأميل إليه، وإذا كان الله سبحانه وتعالى لم يوفق هذا الجيل الحاضر للانتفاع من شخصيات كبيرة مثل العلامة الطباطبائي والشهيد مطهري، ولكنّه جل وعلا أنزل لطفه على هذه الشخصية العزيزة والعظيمة القدر، فملأ بها الفراغ الذي تركه أولئك الأعزاء في زماننا”.
وأوضح الشيخ جابر أنّ كلمته ستكون مدخلًا لتناول معالم شخصية العلامة الشيخ، ومشروعه الحضاري الإسلامي في زمننا الراهن.
وتابع قائلًا: لقد غلبت صفته كفيلسوف وكمفكّر على شخصيته الفقهية التي غذّت تفكيره وفهمه للآيات والأحاديث. ونلحظ ذلك جليًّا في شرحه لموازين ومراتب العرفان ومنازله في كتابه القيّم (العرفان الإسلامي). كما وانعكس سلوك الشيخ المصباح وفهمه للعرفان على درسه الأخلاقي، الذي اشتُهر به وكان بطلب من آية الله الشيخ بهجت قدس سره، فجذب الجيل الجديد من الشباب والشابات الذين تأثروا به، وهو ما أعاد إحياء الدرس الأخلاقي -ليس في الحوزة فقط وإنّما أيضًا- في أوساط المتدينين العاديين، وفي أوساط المثقفين. هذا ما يمكن أن نطلق عليه (الإحياء الأخلاقي) الذي هو من المعالم الأساسية للمشروع الإسلامي المعاصر للعلامة الشيخ المصباح حفظه الله تعالى.
ثم أثنى الشيخ جابر على الملاحظة الأخيرة التي أبداها الدكتور إدريس، فيما يتعلق بالموضوع الأخلاقي، معتبرًا أنّ السمة الأخلاقية هي في صلب تفكير الشيخ مصباح اليزدي، وتمثّل سمة مشروع الإحياء والاستنهاض الإسلامي من جديد. وأشار إلى إنّ العلّامة كان من تلامذة العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، ولا سيّما في الفلسفة، رغم تأثّره الشديد بأستاذه لكنه كان يؤمن باليقين العقلي، وصاغ منهجًا عقليًّا متينًا، فناقش أستاذه وعارضه في مواطن كثيرة من بحثه الفلسفي. ويظهر ذلك جليًّا في تعليقته على نهاية الحكمة لأستاذه، حيث يخالفه الرأي في نهاية المطاف. فهو فيلسوف عقلي بامتياز، وتطغى على آرائه النزعة الأرسطية، وامتدادها في فلسفة الشيخ الرئيس ابن سينا.
وأضاف الشيخ جابر قائلًا: وضع العلامة المصباح حصيلة منهجه العقلي والعلمي في معالجة المسائل الاعتقادية والفلسفية والفكرية. سواءً في درسه، أو في دروسه العقائدية التي قدم من خلالها نتاجات مهمة أيضًا، منها دروسه في العقيدة الإسلامية، والذي صيغ بطريقة حديثة، مخالفة للشكل الكلاسيكي التقليدي الذي كانت تكتب به أصول العقيدة الإسلامية وفروعها. وقدّم في معالجته للمسائل الفلسفية نتاجات عديدة، منها المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، مضافًا إلى تعليقته على نهاية الحكمة.
وأشار الشيخ جابر إلى إخلاص العلّامة للولاية، وتقديره الكبير لسماحة الإمام الخامنئي دام ظله الشريف، ودفاعه وإخلاصه الشديد له، وأنا كنت شاهدًا في زيارة له في قم، على حبه الشديد أيضًا لسماحة الأمين العام قائد المقاومة السيد حسن نصرالله، وقد أوصانا أن نكون في خدمته وأن نلازمه في هذه النهج، وكان يدعو له على الدوام.
ثم ختم الشيخ الدكتور علي جابر كلامه بطرح خلاصة في ثلاث نقاط لمعالم المشروع الفكري لشيخنا العلامة، ويتمثّل بالتالي:
أولًا: اعتماد التفكير العقلي والفلسفي لمعالجة قضايا المسلمين الراهنة، لأنّ العقل مات في عالمنا العربي والإسلامي. ومعالجة القضايا الراهنة عقائديًّا وفكريًّا، وهي تحتّم قراءة فكر الآخر وما يطرحه ويجذب الجيل الجديد إليه، لكي نناقشه ونرد عليه.
ثانيًا: الأساس الأخلاقي في بناء الشخصية المسلمة وتعزيز روح الإيمان.
ثالثًا: الالتزام الشرعي والتمسك بمبدأ الولاية.
ثم بعد ذلك تحدث فضيلة الشيخ مازن المطوري[4] من العراق، وقال إنّ: التعريف بشخصية سماحة الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي وخصائصها، والوقوف عند مُنجَزِه المعرفي والثقافي أمر صعب جدًا. وهذه الصعوبة ترجع إلى سببين أساسيين:
الأول: أنّ الشيخ اليزدي عافاه الله تعالى ذو غزارة إنتاجية في حقول معرفية متعددة، تتراوح موضوعاتها بين الفلسفة، والكلام، والسياسة، والحقوق، والتفسير، والأخلاق، ومجالات معرفية أخرى.
والثاني: أنّ مقاربة شخصية فلسفية معرفية ودينية كبيرة كشخصية الشيخ مصباح اليزدي، تحتاج إلى فسحة كبيرة من الحوار والنقاش والبيان لا تسعه هذه الفرصة، لأنّ مسيرته حافلة، حيَّة، فعّالة ذات ثراء معرفي وعلمي، وأبعاد ودلالات متعدّدة كثيرة.
وأشار الشيخ المطوري إلى أبرز الخصائص العامة في شخصية الشيخ المصباح ومنجزه المعرفي:
الخصوصية الأولى: هي التديّن الحقيقي والحضور المعنوي له. وشخصيته المعنوية طاغية وظاهرة للعيان جدًا. وعلى خلاف التصور الشائع عند كثيرين، في أنّ المشتغل بالأبحاث الفلسفية والعقلية عادة ما يكون ذو شخصية جافة وحازمة وصعبة، فإنّ الشيخ وعلى خلاف هذا التصور، يمتاز بشخصية معنوية خاشعة، تلتهب مشاعرها بالمناجاة والعبادة والدعاء والذكر والزيارة، وسائر ما يرتبط بالعبادة لله سبحانه وتعالى. وهو متواضع بكل معنى الكلمة ومن الزهاد والعبّاد. ومن الشخصيات التي تذكّرك بالله من خلال رؤيته وأقواله وأفعاله.
الخصوصية الثانية: هي الموسوعية والشمول، وهذا البعد في الشخصية العلمية والمعرفية للشيخ مصباح اليزدي واضح من مؤلفاته وكتاباته ودروسه. فهو في مسيرته الفكرية والعلمية تناول مجالات مختلفة بالبحث والدرس والتحقيق من الفلسفة إلى علم الكلام إلى السياسة إلى التفسير والأخلاق والحقوق وسائر ما يتصل بالعلوم الشرعية. وفي هذه الموسوعية والشمول لم يكن مجرد ناقلًا للآراء أو مستعرضًا وساردًا لها، وإنّما يمتاز بالعقلية النقدية والعقلية المفكّكة، فعندما يستعرض مقولة من المقولات، أو نظرية من النظريات، يُرجعها إلى أصولها الأساسية ويحلّلها، ثم يقف عندها ناقدًا ليسجّل الملاحظات والمؤاخذات عليها، ثم يقدم التصور الذي يرتئيه وفق الدليل الذي يؤمن به.
الخصوصية الثالثة: وهي خصوصية الهمّ الديني، فهو من الشخصيات القليلة جدًا التي تتابع وتتصدّى للإثارات والشبهات والإشكاليات التي يتعرض لها المجتمع الإسلامي، سواء على مستوى المعارف والاعتقاد، أو على مستوى الاجتماع والسياسة.
الخصوصية الرابعة: وهي الشخصية الاجتماعية، حيث يجد المتابع لسيرته وحياته أنّه يلتقي بالشباب والناس، ويجتمع بهم، ويلقي عليهم الدروس والمحاضرات والمواعظ، ويشرح لهم خطب نهج البلاغة وكلمات الأئمة (ع)، وأدعية الصحيفة السجادية، وأدعية المعصومين (ع). ويعطيهم الزخم المعنوي، والتعبئة الفكرية والثقافية، ويشد على قلوبهم وعلى عقولهم. وهو مصداق واضح للآيات والروايات الشريفة التي تتحدّث عن وظائف علماء الدين، وتحضّهم على الانغمار والدخول في المجتمع.
وختم الشيخ مازن المطوري قائلًا: أدعو الشباب إلى التعرف على شخصية الشيخ مصباح اليزدي، وإلى الاهتمام الكبير والأكيد بكتبه ومؤلفاته ومحاضراته، ففيها نبع صاف، وغنى كبير في القلب وفي العقل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على سماحته بالصحة والعافية وأن ينتفع منه المسلمون بشكل أكبر.
ثم تحدث من سوريا فضيلة الشيخ الدكتور نبيل الحلباوي[5] الذي أثنى من جهته على فكرة الندوة، ثم قال: أتشرّف بالحديث عن عالم فلسفي بارز في زماننا هذا، ولقد دعونا الله له في مقام السيدة رقية، وبجوار مقام السيدة زينب (ع)، أن يسبغ الله عليه العافية والصحة والسلامة، ليتابع مسيرته في خدمة الإسلام والمسلمين، ولا سيّما مدرسة أهل البيت (ع).
قال الشيخ الحلباوي: نجد في مسيرة هذا الأستاذ الكبير، على غرار مسيرة علمائنا وفلاسفتنا الكبار، كابن سينا في القدماء، والعلامة الطباطبائي والشهيد مطهري رضوان الله عليهما في زماننا الحاضر، أنّها تنطلق من الفلسفة، ثم لا تلبث أن تتلبّث عند القرآن، وتتوقف عنده، وتعمّق بحثها فيه، ثم تصل إلى العرفان. فائدة ذلك أنّ القرآن هو الذي يرشّد الفلسفة، من جهة، ويسدد العرفان من جهة أخرى.
وتابع الشيخ الحلباوي قائلًا: الملفت في مسيرته هو هضمه للفلسفة الغربية، ووصوله إلى كل آفاقها وأبعادها، وهذا ما قام به شخصيًّا، وما ندب له تلامذته في مؤسسة الإمام الخميني رضوان الله عليه في البحث والتحقيق. كما وجعلهم يتخصصون حتى في أحدث الفلسفات الغربية وأن ينالوا شهادة الدكتوراه فيها.
وعن موقف العلّامة من الفلسفة الحديثة قال الشيخ الحلباوي: يقف منها موقف الدارس والمتعمق والفاهم والعارف بكل دقائقها وخفاياها وأسرارها. وينتقد حتى عند الفلاسفة المؤمنين من المحدَثين في الغرب، وقوعهم في مأزق أنّهم تخيلوا وشُبّه لهم أنّ الله يتحول. وأنّ التحول هو علامة التكامل، غافلين عن أنّ الكامل المطلق لا يتكامل، ولا معنى لتكامله، بل يتكامل من فيه نقص.
وعن أبحاث العلّامة الأخلاقية قال سماحته: لقد أضاف إضافات كثيرة ومهمة، فهو ممن ابتكر فكرة أنّ المفاهيم الأخلاقية -وإن كانت اعتبارية- تستند إلى الحقائق. بمعنى أنّها قائمة على علاقة علّيّة ومعلوليّة بين المصالح والمفاسد، وما يؤدي إليها وما يدعو إلى تجنّب المفاسد. كما وأضاف إضافة لطيفة في دراسته للعلم الإلهي، أنّه حتى الملا صدرا كان قد انتهى إلى أنّ الماديات لا تحضر عند الله إلا مجردة، لأنّ العلم هو حضور مجرد عند مجرد. ولكنّه قال: لا يجب قياس الخالق على المخلوق، ويجب أن نفرّق، ونفهم أنّ الماديات حاضرة عند الله عز وجل.
وبيّن الشيخ الحلباوي أنّ الهدف الذي نذر له نفسه، منذ أن قامت الثورة الإسلامية، هو مواكبتها في التغيير الذي تحدثه في العالم على الصعيد السياسي والمفاهيمي، والفلسفي والعرفاني والقرآني أيضًا. وقدّم للشباب بالذات، وللدارسين في الحوزات والجامعات على الأقل كتابين كبيرين جدًا، وهما “دروس في العقيدة الإسلامية” بمنهجيته الاستثنائية المتميزة المبدعة، وكتابه “المنهج الجديد في تعليم الفلسفة” بتنسيقه الرائع البارع في سبعين درسًا، وتتناول كل عشرة دروس شيئًا ما.
وأكّد الشيخ الحلباوي أنّنا بحاجة إلى ضم جهود كل تلامذة العلامة الطباطبائي والإمام الخميني، لنقدّم للبشرية ما كانت تصبو إليه، من فكر يقوم على العقل، ويغنى بالقرآن وكلام المعصومين. ثم يصب في تغذية العلاقة بالله عز وجل، ليكون ممّن يظفر بالأنس بالمحبوب، غير غافل عن أنّ له كتابًا قديمًا صغيرًا مهمًّا جدًا هو “معرفة الذات لبنائها الجديد” ترجمه المرحوم الشيخ محمد علي التسخيري لشدة إعجابه به، ويرى فيه منهجًا متكاملًا مختزلًا مركزًا لبناء الذات في الإسلام.
وختم الشيخ الدكتور نبيل الحلباوي قائلًا: ندعو للعلامة الأستاذ مصباح اليزدي بالشفاء العاجل، وبكل التوفيق والخير والمتابعة الحثيثة إن شاء الله لمسيرته، وجهوده في خدمة الفكر الإسلامي وإغناء الفكر العالمي.
 
وكان ختام الكلام مع الدكتور كمال لزيق[6] ممثّل رئيس جامعة المعارف في بيروت، الذي تحدث عن سماحة آية الله الشيخ المصباح اليزدي، وقال: الحديث عنه يعني الحديث عن فقيه وعارف وحكيم متألّه، جمع العلوم من أطرافها بقلب روحاني عال، في زمن تحكمت به الحضارة المادية في الحياة الإنسانية.
واعتبر الدكتور لزيق أنه عندما نتحدث عن آية الله الشيخ مصباح اليزدي، نحن نتحدث عن الوجه الثقافي الحقيقي للثورة الإسلامية المباركة في إيران، وطرحها الحضاري. وعندما يتحدث سماحة القائد عن الحضارة الإسلامية المعاصرة فإنّ أفضل ممثّل لها هو العلّامة المصباح اليزدي، الذي جمع في منهجه الأصالة الإسلامية الحقيقية، وهي الجمع بين العقل والنص للحديث عن الدين، أو إبراز الدين في معانيه الحقيقية.
وركز الدكتور لزيق على بعض الميزات عند العلامة المصباح اليزدي:
الميزة الأولى: أنّه مفكّر جمع بين قدرته على التجريد العالي في مطالبه العالية في الفلسفة والعرفان، وخصوصًا في مجال أسفار الملا صدرا، أو تعليقه وشرحه لنهاية الحكمة عند العلامة الطباطبائي، وغيرهما من الكتب العالية المطالب، والعالية التجريد في الوقت عينه. استطاع أن يكتب بلغة الشباب والمبتدئين في الحوزة والجامعة، وهذه من المميزات التي امتاز بها الشهيد مطهري.
الميزة الثانية: موضوعة المعاصَرة، فالازدواجية التي يعيشها كثير من المفكرين الإسلاميين في الجمع بين الأصالة والحداثة هي ازدواجية في التفكير. وفي الوقت الذي تعمّق العلّامة المصباح اليزدي في المنهج الحوزوي والتقليدي، اطّلع هو شخصيًّا على علوم الغرب في مجال الفلسفة، وعلوم الإنسان، والتربية والاجتماع. وأرسل البعثات العلمية، وخريجين أصيلين من الحوزة، ليتعرّفوا على الغرب في علومه، وآليات تفكيره ومناهج المولدات المعرفية لديهم.
وقال لدكتور لزيق: تلفتنا هذه المعاصرة بمزجها مع الحداثة في مقولة الإمام الخميني في محاولة الجمع بين الحوزة والجامعة. وفي فكر المصباح اليزدي -ثقة الإمام الخميني والإمام الخامنئي، وهو المكلف بمتابعة التنظير الثقافي والفكري بموضوع التأصيل الثقافي على مستوى الجمهورية الإسلامية في إيران- الأصالة لديه هي أساس في شخصية المفكر الإسلامي. والمعاصرة ليست بمعنى المغادرة للتراث، وإنّما قراءة الغرب بكل إنتاجاته المعرفية والمنهجية، ثم محاولة الدمج على قاعدة الوحدة الطولية، وهذا فكر العلامة اليزدي متأثرًا بفكر الملا صدرا متأثرًا بطولية الأشياء.
وختم الدكتور كمال لزيق قائلًا: العلاقة بين الجامعة والحوزة هي علاقة طولية تنتج فردًا واحدًا هو في ذاته وفي كينونته يمثّل الحوزة والجامعة. وهو على مستوى التأصيل الثقافي والعلمي، من أكبر المشاريع الموضوعة الآن على الطاولة في الجمهورية الإسلامية، والمؤسسة المسؤولة عن هذا المشروع في إيران بكليته هي (مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي) التي يشرف عليها آية الله المصباح اليزدي. وكل الوثائق التي تصدر في الجمهورية الإسلامية تحت عنوان التحوّل البنيوي، أو التحوّل الثقافي، معنية بالعودة إلى الإطار التنظيري الذي يصدر عن مؤسسة الإمام الخميني، والتي يديرها ويشرف عليها العلامة اليزدي.
 
[1] الأربعاء، 9/ 12/ 2020.
[2] كاتب وباحث في الفلسفة والشؤون الاستراتيجية، وعضو الهيئة الاستشارية لعدد من الفصليات العلمية المحكمة وصاحب العديد من المؤلفات في هذا المجال.
[3] أستاذ حوزوي، وأستاذ الدراسات الفلسفية في الجامعة اللبنانية.
[4] أستاذ في حوزة النجف الأشرف.
[5] إمام مقام السيدة رقية عليها السلام في مدينة دمشق، وهو رئيس لجنة الفلسفة والكلام في جامعة المصطفى العالمية فرع دمشق مع صفات أخرى.
[6] معاون عميد كلية الأديان والعلوم الإنسانية في جامعة المعارف.



المقالات المرتبطة

الإعلام الديني ودوره في مواجهة التطبيع

الإعلام الديني ودوره في مواجهة التطبيع

توازنات المنطقة والعالم في ظل الانحدار الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية

عقد المنتدى الدولي للحوار المسؤول نهار الأربعاء الواقع في 14/ 10/ 2020 ندوة حوارية بعنوان: “توازنات المنطقة والعالم في ظل الانحدار الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية

“لا يمكن لدولة كلبنان أن تكون محايدة” الدكتورة ليلى صالح

من ندوة “الحيادية قراءة في المفهوم والمسار الإقليمي” التي أقامها المنتدى الدولي للحوار المسؤول في معهد المعارف الحكمية بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين بتاريخ 9-9-2020

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*