تجليات عبقرية الشهادة في جدلية الموت والحياة: كأس الموت والحياة.

تجليات عبقرية الشهادة في جدلية الموت والحياة: كأس الموت والحياة.
 
الكأس رمزٌ مُوَحِّد ومُفرِّق عند كل من عبقريّ الفلسفة واللاهوت والشهادة. ففي كل مرة سمعنا بكأس الموت، عند الأول كان السم الذي أباح موت الانتحار وعلى صورة مشهدية مسرحية. وعند الثاني كان تعبيرًا عن ضعف بشري أمام الامتحان حينما خاطب المصلوب على خشبة قائلًا: أبعد عني هذا الكأس. أما في الحالة الثالثة فكان الكأس رواءً للظمأ ومبعثًا للحياة الأبدية وعود الاغتراب إلى ديار الحبيب. في كربلاء قال الأب الحسين لابنه العطشان، قاتِل وسَيَسْقِيَكَ جدُّك من كأسِه الأوفى شربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا. وفي كربلاء أبلغ الابن لحظة الاستشهاد أباه أن لك عند جدي كأسًا لن تظمأ بعده أبدًا.
هذه المرة لم يكن الكأس سمًّا أو انتحارًا أو ابتلاء مكروهًا، بل كان الكأس ارتواء روح وحياة أبدية. ولم يقتصر الكأس على الابن والآب، بل بلغ رِواه وديمومته كل ملتحق بمسير نُصرة الحق بتجلياته التي قالتها ذواقة عبقري الشهادة زينب إنها عين الجمال. وهو ما يقبل أن يكون الحُكم على كل من صدق ما عاهد الله عليه ممن قضى نحبه وممن ينتظر. وهو الرزق الإلهي والبشارة المحفوظة عند الذين وصلوا ليسأدوها إلى الذين لم يصلوا إليهم بعد. ممن يريدون جعل الأرض كجنة الخلد، وزمانية المـُلك كتجرّد روح الملكوت. فما هي تلك البُشرى؟ وما روح معناها ومداها؟ يقول تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[1].
إن الخوف والفزع والجزع، إزعاج القلب لما يتوقع من المكروه، والأمن ضده. والحزن غلظ الهم، والسرور ضده والبشرى الخبر مما يظهر سروره في بشرة الوجه. والعزة شدة الغلبة، والعزيز من قوي حضوره ووجوده.
وبنظرة أولية إلى الآيات فهناك تأكيد على سُنَّة ووعد إلهي (لا تبديل لكلمات الله) بحصول البشرى الإلهية لصنف من الناس، إنهم:
  • أولياء الله.
  • الذين آمنوا.
    ج. أهل التقوى والاتقاء.
إذن، معادلة العزة التي يتلقى أهلها البشرى هي التحصّن بالولاية، بحيث يصبح المـُتوَلي وليًّا. والولي أصالةً هو الله سبحانه. وكل من عداه كانوا أهل ولاية بتوليهم لله سبحانه، ثم شرعوا بممارسة هذا الدور حسب عمق انخراطهم الروحي والعقلي والكياني بالولاية التوحيدية، ليكون منهم الرسول والنبي، ومنهم الإمام والوصي، ومنهم الصدّيق والتقي والمؤمن، ومنهم الشهيد. وهذا يعني أن الولاية هي عين الرسالة الوحيانية بمستوياتها المتقدّمة من الإيمان بكل مستلزماته،  ومن التقوى بكل مفرداتها، الأخلاقية، والمعرفية، والسلوكية الدينية والاجتماعية والسياسية.
أصحاب المشروع الولائي يصلون لحد من السكينة والطمأنينة، بحيث إنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقد أخذ الله سبحانه على نفسه أن يوصل إليهم البشرى. وهي ما يرغبون ويحبون مما تعشقه قلوبهم. قد يراها بعضهم، حسب الروايات، في الرؤيا الصادقة، وقد يعيشها بعضهم نصرًا من عند الله سبحانه. وقد يتلمّسها بعضهم آيات وعلامات هي وجه الله في رحمته ووصاله كتلك التي أشار إليها الشهيد قاسم سليماني. عندما قال: “يا معشوقي أحبك لقد رأيتك وشعرت بك مرات عديدة”[2].
إلا أن هذه البشرى قد تتجسّد سرًّا للولاية يُسْفر عن وجه غموضه بالطلعة الرشيدة في الدنيا وعند الموت وما بعده، وهو ما نقلته الروايات عن حضور محمد وآله؛ وهذا ما يسميه أهل العرفان بالكشف الأعظم، بحيث إن أحد العرفاء ذكر مرة فقال: إن أعظم ما انكشف لي سُماع الآذان بصوت محمد (ص).
وكثيرة هي الروايات التي تتحدث عن حضور النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عند المحتضر الموالي. فكيف الموالي الشهيد؟! وكم هي القصص التي تناقلها المجاهدون عن إخوان لهم عند شهادتهم تتعلق بما أفصحوا به من رؤية أهل البيت (ع). وعندما نستعيد ماء الحياة الذي لا يظمأ بعده الراغبون أبدًا من كأس الولاية المحمدية المستمرة دفقًا وحيويةً وانبعاثًا لا ينقطع، يكون الموت هنا ذوقُ عبقريةِ الحياة؛ لا سمٌ ولا خطيئة. وهو ارتواءٌ كامل. وهو ماء الخلود والصفاء والحب الذي لا انقطاع فيه.
ومنشأ هذا الارتواء من معين الولاية؛ الإيمان الذي يحيي العقل والفكر والقلب عند الذين ﴿يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ[3]. تفكّرُ ذات تكتشف الغائية والحق في عالم الآيات فتُشعل القلب والروح ليصدحان بالتنزيه والتعظيم “سبحانك”.
ومن مظاهر الأمن لهؤلاء ما ورد في سورة آل عمران ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ[4].
مظاهر البشرى في هذه الآيات تتبلور بجملة أمور:
الأمر الأول: أن ما يبدو للعيان موتًا، هو في حقيقة الأمر حياة؛ وأيُّ حياة؟ حياةٌ عند الحي الذي لا يموت، يأتيها رزقها دون انقطاع حتى الارتواء الكامل، ويغمرها الفرح الذي لا حُزن فيه ولا حَزَن.
الأمر الثاني: أن ما يبدو للعيان قد خَلَّفَ غمًّا وقهرًا، هو في حقيقته بُشرى يتوارثها ركب الشهداء، ومن انتسب إليهم من اللاحقين مسير الولاية، وهؤلاء إرثهم أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وكفيلهم الله.
الأمر الثالث: مضمون البشرى رزق، وفضلٌ ونعمة إلهية، وأجرٌ لا يضيع لكل من آمن بمسير الولاية، والتحق بركب الشهادة الحسينية. وهو قوله: ﴿ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ[5].
ثم لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يتعاظم الأجر، بناء على تعاظم البناء الروحي من الإيمان، لمقام الإحسان، وتعاضد مع تقوى بناءِ الحياة الإيمانية والجهادية والمجتمعية على قيم روح التقوى. لأولئك “الأجر العظيم”، الذي يتجاوز حدود التصور، فأن يكون مطلقُ الفضلِ والجودِ والإحسانِ؛ هو الذي يصف الأجر بالعظيم، فهذا يعني استبشروا يا أيّها الولاية والتقوى بما لا تعقلون مداه.
الأمر الرابع: من مظاهر فعل البُشرى وتأثيراتها؛ انقلاب ظواهر الأمور إلى ما يعاكسها، مثلًا حينما يشتد العُسر، فإن النتيجة هي اليُسر ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[6]. أو ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ…[7] ضمن الحسابات الطبيعية أن يولِّد الأمرُ انتكاسةً نفسيةً وخوفًا، لكن بسبب البشرى ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾؛ أعطاهم الطاقة الروحية غير المنظورة ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ أسندوا قلوبهم على الله، واحتسبوا أمورهم عنده، ثم توكلوا عليه مصدرًا للقوة والعزة.
وهنا التعبير الأقوى ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ[8]؛ (انقلبوا) بفعل طاقة البشرى؛ وهي إحداث الانقلاب. داخل الذات تتبدل صور الحقائق على نحو من الصدق والصفاء الخاصين، وتنقلب الإرادة من الخوف للفرح، وتنقلب القدرة لتكون الأعلى، وتنقلب أحوالهم بحيث ﴿ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.
الأمر الخامس: أن يرسم مسار بشرى الولاية صراطًا لا يحيد عن الحق ﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ[9].
وفي هذا السياق الذي يكشف عنه القرآن الكريم ذوق جمالي فيّاض بالحياة، بحيث تغيب فيه صورة الموت والقتل تمامًا، وبعبقرية تتجاوز حدود النقاش الذي دار في الفلسفة حول الروح الفردي في مواجهة الموت، والروح الكلي. كما تتجاوز ثنائية عالم الدنيا وما بعدها؛ إذ تُبدع وحدة من مسار تتآلف فيه الدنيا والآخرة، الفرد والجمع، الجزء والكل، البلاء والفرح. وعنوانه: البشرى. ودربه: الرضوان. وحقيقته حياة لا تعرف العطش والجوع والألم والضياع، كما لا تعرف اليأس وانتكاسةَ عدميةِ الموت.
والعبقرية في حدود جدلية الموت والحياة هي في أمرين: في الروح الكلي لفلسفة ارتواء الذات من البشرى عن كل ظمأ، وفي حركة الفرد الموالي وصاحب إرادة صنع النصر والحياة.
فمع الروح الكلي تتشكل وحدة الجماعة البشرية منذ فجر التاريخ إلى لحظات أفول الكون بالقيامة، وهي وحدة الأمة العقدية؛ (الإسلام بمعناه التوحيدي لكل من انتسب أو سينتسب إليه من أهل الشرائع والأديان)، كما أنها وحدة القلوب الواقعة بين يدي الله “ولكن الله ألّف بينهم”، ووحدة فعل العقيدة والحقيقة بإرادة تكوينية ينشأ عنها ولاية تشريعية واعتبارية هي “الولاية”، و”التولّي”. إلى درجة أن يصير الأمر على منظومة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[10]. بعد أن تحرك من خلال نظام توحيدي ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا[11]. وهذه الوحدة الكلية هي التي تنشيء مسارات خط الخلافة الإلهية القائمة على الحكم بالعدل، والمستبشرة بالنصر على الدوام. ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ[12]. ناتج الخلافة هي أن يحكُم المستخلَف الأرض بالعدل، وأن يحقق الغلبة والنصر لتشرق الأرض بنور ربها ﴿كَتَبَ اللهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[13]. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[14].
وتنتقل هذه الصورة الإبداعية في فعل خط الشهادة إلى نهاية غاياتها عند قوله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيء بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ[15].
هنا توُحّد منبع الروح الكلّي للوجود، مسار الروح الكلي للعالم من الكلام الإلهي، وآيات الكتاب إلى صراطية الهداية للنبيين والشهداء، ليكونوا هم ميزان الحق الذي قضى به المولى سبحانه. وهنا إبداع الموت الخلّاق لحياة النصر والبشارة والعدل الذي يعشقه أصحاب قتل الشهادة، الصانعين لحياة النُصرة والنصر. وهما هدف ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً[16]. وصورة هذا المسار في عاقبة الآخرة هو “التوحّد بين الإرادات الخيِّرة، بإرادة الله سبحانه؛ بل وتمام الذوات بمالكية الله المطلقة”.
وهنا ما يشير إليه أهل الله من أهل المعرفة والعرفان، من عودة قطرات الوجود والحياة إلى منبع حوض الرحمة والخلود والوجود.
أما فيما خصّ البعد الفردي والشخصي فإنه يتكامل بين دفتي المعرفة والإرادة. فالمعرفة قد تكون عقلًا يكتشف أو ينشيء حالًا جديدًا، أو يتصرف بالمعطيات ليحيلها معلومة على وِفق الدليل والتجربة والبرهان. وقد تكون مشاهدةً وكشفًا ومعاينة. وفي الحالة العقلية تتغذى الإرادة بما يحفظها من طموح وكمال. إلا أن صعوبة ترميم فجوة الثنائية بين العقل وما أنتج، ومحفّز الإرادة وحركتها. يبقى عائقًا يصعب ردمه وتجسيره تجسيرًا توحيديًّا. مما يقلّل من قوة الإيمان الإرادي – الاختياري، ويُضعف حالة اليقين الذاتي.
أما عند الحالة الثانية من المعرفة فإنها تتحول لحياة. ذلك أن مجاميع النفس بقواها وقابلياتها الإدراكية والإرادية والوجدية كلها تتوحد مع الإرادة لتكون بما هي تجلياتِ الروح، على تمامٍ من الوفاق. ليصبح الواحد الذي تكثّر؛ واحدًا بعد التكثُّر وهو ما يسمّيه أهل العرفان بالفطرة الثانية (الحياة الطيبة). ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[17].
لذا، تصبح حالة اليقين وحالة الإيمان واحدة ولا يعود النظر إلّا إلى النفس ذاتًا؛ بما هي عين الفقر والتعلّق بمصدرها. وهي النفس المطمئنة ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [18]. هذا الكلام الناظر إلى فردانية العارف، ترك انطباعًا وكأن العرفان هو دربٌ فردي أيضًا. وصار العارف كأنما هو الفرد المنفصل عن الآخر من الناس والطبيعة، والذي فعله إنما يتناغم مع فعل فرديٍّ حصرًا من عمل وعبادة وتوجه. وهنا الالتباس الخطير؛ إذ من الصحيح أن لكل عارف فرادته في إبداعه العبقري بتكامل الصلة بالله سبحانه. إلا أن هذه الفرادة لا تعني الفردية الشخصية أو فردية الصلة. العارف الحق كالفنان الأصيل هو عالمٌ فريد من روح المعنى المغمور بالروح المنبسط للعالم والمتشاكل مع أنوار المعاني لمدارج الوجود في كل مدرج بحسبه. فيصير العارف ذوَّاقًا ينظر لكل شيء من عالم الكون، ولكل أمر من عالم الأفعال فيرى فيه وجهًا وسنّة هما آية من آيات الواحد، إلا أنه يرى كل شيء بحسب ما تجلّى له الواحد من شؤونات المـُبدع فيما أبدع في المظهر وعند العارف. والحال الموحِّد للكل هو قَبَسٌ مما أعلنته العالِمة غير المـُعلّمة زينب (ع) “لم نر إلا جميلًا”. ولهؤلاء طاب ويطيب “كأس الحبيب محمد (ص)”.
* * *
[1]  سورة يونس، الآيات 62- 65.
[2]  من وصية الشهيد قاسم سليماني.
[3]  سورة آل عمران، الآية 191.
[4]  سورة آل عمران، الآيات 169- 174.
[5]  سورة آل عمران، الآية 172.
[6]  وسور الشرح، الآية 6.
[7]  سورة آل عمران، الآية 173.
[8] سورة آل عمران، الآية 174.
[9]  سورة آل عمران، الآية 174.
[10]  سورة التوبة، الآية 71.
[11]  سورة المائدة، الآية 55.
[12] سورة ص، الآية 26.
[13]  سورة المجادلة، الآية 21.
[14]  سورة الأنبياء، الآية 105.
[15]  سورة الزمر، الآية 69.
[16]  سورة البقرة، الآية 30,.
[17]  سورة النحل، الآية 97.
[18]  سورة الفجر، الآيات 27- 30.

الشيخ شفيق جرادي

الشيخ شفيق جرادي

الاسم: الشيخ شفيق جرادي (لبنان) - خريج حوزة قُمّ المقدّسة وأستاذ بالفلسفة والعلوم العقلية والعرفان في الحوزة العلميّة. - مدير معهد المعارف الحكميّة (للدراسات الدّينيّة والفلسفيّة). - المشرف العام على مجلّة المحجة ومجلة العتبة. - شارك في العديد من المؤتمرات الفكريّة والعلميّة في لبنان والخارج. - بالإضافة إلى اهتمامه بالحوار الإسلامي –المسيحي. - له العديد من المساهمات البحثيّة المكتوبة والدراسات والمقالات في المجلّات الثقافيّة والعلميّة. - له العديد من المؤلّفات: * مقاربات منهجيّة في فلسفة الدين. * رشحات ولائيّة. * الإمام الخميني ونهج الاقتدار. * الشعائر الحسينيّة من المظلوميّة إلى النهوض. * إلهيات المعرفة: القيم التبادلية في معارف الإسلام والمسيحية. * الناحية المقدّسة. * العرفان (ألم استنارة ويقظة موت). * عرش الروح وإنسان الدهر. * مدخل إلى علم الأخلاق. * وعي المقاومة وقيمها. * الإسلام في مواجهة التكفيرية. * ابن الطين ومنافذ المصير. * مقولات في فلسفة الدين على ضوء الهيات المعرفة. * المعاد الجسماني إنسان ما بعد الموت.  تُرجمت بعض أعماله إلى اللغة الفرنسيّة والفارسيّة، كما شارك في إعداد كتاب الأونيسكو حول الاحتفالات والأعياد الدينيّة في لبنان.



المقالات المرتبطة

الإيمان صبغة الله “ومن أحسن من الله صبغة”

لا بدّ، لمقاربة الإيمان نظريًّا، من تعيين الحقل الإنطباعيّ الخاصّ بمفردة إيمان، إذ معرفته لا تنحصر بدلالته العقليّة التصديقيّة

المسيحية العربية مقاربة قرآنية ـ تاريخية

تهتم هذه المقالة بإبراز جوانب الحراك الديني والثقافي والسياسي بين المسيحية العربية والإسلام من منظور تاريخي قرآني

جاك ديريدا ومغامرة الاختلاف

دار بعض الجدل حول شخصية “جاك دريدا”، فحسبه البعض ضمن عشيرة ما بعد الحداثة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*