أولويّات دور المرأة في فكر الإمام الخامنئي

أولويّات دور المرأة في فكر الإمام الخامنئي
 
تثير قضيّة المرأة، منذ عقود، الكثير من النقاش على المستويات كافّة: الحقوقيّة، والاجتماعيّة، وحتّى البيولوجيّة. وما كان من البديهيّات أو الثوابت في السنوات الماضية وفي الأدبيّات الدينيّة أو الاجتماعيّة والثقافيّة لم يعد كذلك. فقد طُرحت الأسئلة ليس فقط على مستوى حقوق أو واجبات كلّ من الزوجَين، أو أدوار كلّ من الرجل والمرأة في المجتمع، بل تجاوز الأمر ذلك إلى رفض اختلاف الأدوار، استنادًا إلى الاختلاف البيولوجيّ الذي يعود إليه الكثيرون في التمييز بين أدوار ووظائف الذكور والإناث. وقد كانت فكرة “الجندر” صريحةً وواضحةً في هذا المجال عندما دعت إلى تجاوز هذا التمييز “الجندريّ” من أجل علاقات متساوية، بغضّ النظر عن النوع الجنسيّ في المجتمع. هكذا طُرحت الأسئلة حول الأدوار في داخل الأسرة بين الرجل والمرأة، وحول السلطة فيها، وحول الوظائف الأساسيّة للمرأة، وهل هناك حقًّا وظائف أساسيّة في مقابل وظائف ثانويّة يمكن أن تتخلّى عنها إذا تعارضت مع وظائفها أو أدوارها الأساسيّة.
كان من الطبيعيّ أن يتناول هذا النقاش المفتوح حول قضيّة المرأة مسألة المشاركة السياسيّة، أو ما يسمّى اليوم بـ”التمكين”، ومدى مساهمة المرأة في عمليّة التنمية من خلال هذه المشاركة. وقد ساهمت المؤتمرات الدوليّة منذ بداية التسعينات، وخصوصًا بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ، في تشجيع هذه الدعوات إلى نيل المرأة حقوقها، وإلى تغيير أوضاعها وعلاقاتها التقليديّة، بحيث تحوّلت مواثيق هذه المؤتمرات إلى ما يشبه خارطة طريق نحو حقوق المرأة، بغضّ النظر عن المجتمعات التي تعيش فيها النساء. ولتأكيد عالميّة هذه الحقوق تبنّت الأمم المتحدة المواثيق المتعلّقة بحقوق المرأة، ودعت الدول كافّةً إلى التصديق عليها. لكن رغم ذلك كلّه استمر النقاش حول هذه القضيّة. وساهم المفكّرون والعلماء في هذا النقاش بين مؤيّد ومعارض أو متحفّظ على تلك الحقوق أو على بعض ما جاء فيها.
لم يكن قادة الرأي والمفكّرون المسلمون خارج هذا النقاش حول قضيّة المرأة وحقوقها وأدوارها. ومن المعلوم أنّ الرأي الإسلاميّ التقليديّ الذي لا يواجه أيّ اعتراض بين المذاهب يرى في دور المرأة الأموميّ أولويّةً على ما عداه من أدوار. وقد تراجع التحفّظ على عمل المرأة الذي كان قويًّا في القرن الماضي. كما بات تعليم المرأة ومتابعة هذا التعليم إلى أعلى المستويات خارج النقاش أو الاعتراض في مختلف الأوساط الإسلاميّة. ولم تخلُ مؤلّفات أيّ عالم من علماء المسلمين من كتاب أو مقال أو دراسة عن قضيّة المرأة، لكنّ الأسئلة التي كانت تُثار حول هذه القضيّة لم تكن دائمًا متشابهةً. ففي كلّ عصر كان على هؤلاء العلماء مواجهة أسئلة جديدة لها علاقة بالتطوّرات العلميّة وبالتغيّرات الاجتماعيّة والثقافيّة التي تحصل في المجتمع. وهي في عصرنا الحاليّ تغيّرات متسارعة لا يمكن مقارنتها بما حصل من تغيرات في القرنَين الماضيَين.
الإمام الخامنئي قائد الثورة في إيران كتب وتحدّث بدوره عن هذه القضيّة منذ نحو عشرين عامًا، من خلال تجربة المجتمع الإيرانيّ ودور المرأة الإيرانيّة، ومن خلال رؤيته الإسلاميّة العامّة لهذه القضية. وأهمّيّة ما قاله الإمام الخامنئي وما كتبه لا تقتصر فقط على الدمج بين الرؤية وبين التجربة في هذه القضيّة، بل وعلى علاقة ما قال وما كتب بالعصر الذي نعيش فيه؛ عصر التحوّلات المتسارعة وعصر الانقلاب على القيم والثوابت الأخلاقيّة، وعصر التأثير القويّ للتكنولوجيا التي تفتح الفضاء الواسع أمام أنواع الثقافات المختلفة.
  1. استعادة الهويّة
لا يتردّد الإمام الخامنئي في اتّهام من يثير قضيّة المرأة اليوم بأنّهم لا يعرفون قيمة المرأة، ولا يريدون لها هذه القيمة أو الكرامة. فقد باتت هذه القضيّة، كسواها من القضايا، ألعوبةً في أيدي النفعيّين الذين يتاجرون بكافّة القيم الإنسانيّة في العالم، وفي وسائل الإعلام العالميّة على مرّ السنين، والذين لا يعرفون قيمةً للمرأة ولا للبشريّة ولا للكرامة الإنسانيّة سوى ما يهمّهم من المكاسب المادّيّة[1].
وعلى المرأة بالنسبة إلى الإمام الخامنئي، في مواجهة هؤلاء النفعيّين، “أن تستعيد هويّتها عن طريق التأمّل في المفاهيم الإسلاميّة والمثل الدينيّة، وأن تتسلّح بالأدلّة الموضوعيّة”.
يدافع السيّد القائد عن الدور المعنويّ للمرأة، الذي أشار إليه القرآن الكريم {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}[2]، وعن الدور السياسيّ للمرأة باعتبار بيعتها أمرًا ضروريًّا وحيويًّا، في مقابل التجربة الغربيّة التي بقيت فيها المرأة حتّى العقود الأخيرة لا يحقّ لها إبداء الرأي ولا الانتخاب ولم يكن لها حتّى حقّ الملكيّة، وكان زوجها هو المالك لأموالها، {إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ}[3]. ولم يقل رسول الله بأنّ الرجال ينوبون عن النساء في الاختيار، “إنّ قيمة فاطمة الزهراء عليها السلام تكمن في عبوديتها لله، ولولا عبوديتها لما وصفت بالصدّيقة الكبرى”، “إن عبودية الله هي المعيار والميزان”.
  1. العائلة رأس الأولويات
أوجب الإسلام على الرجل المحافظة على المرأة داخل الأسرة كما الوردة: “المرأة ريحانة”. ويقول السيّد الخامنئي:
إنّ هذا هو رأي الإسلام الذي حافظ على المميزات النسويّة للمرأة والتي يقوم على أساسها كلّ ما لديها من مشاعر وإرادات، فلم يخضعها ولم يطلب منها أن تفكّر كالرجل أو تعمل كالرجل أو تكدح كالرجل، أي إنّه حفظ لها خصوصيّتها الأنثويّة. في حين أنّه فتح أمامها شتّى أبواب العلم والمعنويّة والتقوى والسياسة. ولا يحقّ للرجل في داخل الأسرة أن يجبر المرأة أو يضطرها أو يدفعها للقيام بما ليس من واجبها.
إنّ المجتمع الصغير المكوّن من الرجل والمرأة سيجعل من المرأة، خاصّةً، عرضةً للجور إذا لم تقم عماده في ظلّ مجتمع تسوده القيم والمثل.
ويقول أيضًا:
إنّ دور المرأة في الأسرة يفوق في نظري جميع الأدوار التي يمكن أن تؤدّيها أهمّيّةً. وهذا لا يعني استثناء المرأة من العمل العامّ، بل على العكس إنّ مسؤولية إدارة المجتمع الإسلاميّ وتقدّمه تقع على كاهل المرأة والرجل كلّ منهما بحسب طبيعته وإمكانيّاته.
          ويقول في موضع آخر:
إنّ السؤال المهمّ هو: هل يحقّ للمرأة التضحية بدورها في المنزل كأمّ وزوجة بسبب المغريات التي قد تتصوّر وجودها خارج نطاق المحيط العائليّ؟ وهل لها الحقّ في ذلك؟ إنّنا نؤكّد على هذا الدور. وإنّ أهم دور يمكن أن تقوم به المرأة على مختلف مستوياتها العلميّة والدراسيّة والمعرفيّة هو دورها كأمّ وزوجة، فهذا أهمّ من كلّ أعمالها ونشاطاتها الأخرى؛ لأنّه لا يمكن لأحد غير المرأة القيام به. وليس ضربًا من البطولة أو الفنّ أن تقلّد المرأة الرجل في عمله، فللمرأة عمل نسائيّ يفوق في أهمّيّته كافّة الأعمال الرجاليّة.
يناقش السيّد الخامنئي الفكرة الغربيّة:
إنّهم يقولون: إنّ من العيب أن نقول إنّ المرأة امرأة، وأن الرجل رجل. إنّ للمرأة أن تفخر بأن تكون امرأةً كاملةً وأنثى كاملةً وهي لا تقلّ بأيّ حال عن قيمة الرجل، وهي قد تفوقه في بعض الأحيان فلماذا نتخلّى عن ذلك؟
يعتبر أنّ ما حلّ بالحضارة الغربيّة من انحدار ودفعها إلى شفا الانهيار هو ما فشا في المحيط النسويّ بعدما جرّوا المرأة إلى الابتذال وأفسدوها حتّى داخل الأسرة، ما أدّى إلى ضعف الكيان الأسريّ. لكنّ قدرتهم الإعلاميّة تقلب الأمور رأسًا على عقب، وبدل أن يدافعوا عن أنفسهم كيف فعلوا ذلك يتحوّلون إلى أصحاب حقوق وإلى مدافعين عن حقوق المرأة، وإن “الاتّجاه الثقافيّ والحضاريّ العامّ في الغرب ليس في صالح المرأة بل ضدّها”.
إنّ حركة الدفاع عن المرأة في الغرب غير جدّيّة بالتقليد ولا تستحقّ أن ينظر إليها بلد إسلاميّ ليستقي منها شيئًا. كانت هذه الحركة حركةً مضطربةً وبعيدةً عن المنطق، وقائمةً على الجهل ومجرّدةً من القيم الإلهيّة والاستناد إلى الفطرة الطبيعيّة لكلا الجنسَين. فلحقت أضرارها في نهاية الأمر بالجميع رجالًا ونساءً، وأكثر ضررها بالنساء[4].
يشدّد السيّد الخامنئي على الدور الأموميّ:
تكمن الخطيئة الكبرى للحضارة المادّيّة في تضعيف هذا الدور، بل ونسيانه أحيانًا، فحيث تمّ الحديث عن تضعيف الأسرة، فقد تمّ التغافل عن دور هذا النصف المهمّ (المرأة)، وحيثما تمّ الحديث عن عدم الاهتمام بفنّ الأمومة وتربية الذرّيّة في حضن الأمّ العطوف، فقد تمّ تجاهل هذا الدور. ولو أنّ نساءنا قمن برفع مستواهنّ المعرفيّ والعلميّ فسوف لا يمكن مقارنة دورهنّ بأيّ مؤثّر آخر من المؤثّرات الثقافيّة والأخلاقيّة أبدًا.
إنّ العالم الذي ينتزع المرأة من وسط الأسرة ويخرجها من خلال الوعود الزائفة، إنّما يعمل على إضعاف المرأة وتقويض الأسرة وتعريض الأجيال القادمة للخطر. إنّ هذه الكارثة تعدّ من السيول الجارفة التي ستعصف بأسس الحضارة الغربيّة وتقوّض دعائمها.
بإمكان المرأة، بحسب رأيه، “أن تجمع بين أن تكون أمًّا صالحةً وأن تشارك في الأنشطة الاجتماعيّة”[5].
يفترض السيّد الخامنئي أنّنا يجب أن نكون في الموقع الهجوميّ وليس الدفاعيّ في مواجهة الأفكار الغربيّة عن المرأة. وهو يعتبر “الإسلام والتجربة الإيرانيّة أصحاب دعوى على العالم في ما يتعلّق بقضيّة المرأة”. وأمّا أن تأتي بعض المؤسّسات التابعة للأمم المتّحدة وسواها، أو تأتي بعض التجمّعات الصحافيّة لتثير قضايا حول الحجاب أو ما شابه باسم حقوق الإنسان، فإنّ هذا لن يغيّر من الحقيقة شيئًا.
نحن الذين نخاطب العالم الغربيّ قائلين: لقد ارتكبتم خيانةً بحقّ البشريّة جمعاء، ولا سيّما المرأة، عن طريق جرّ المرأة والرجل إلى مستنقع الفساد والرذيلة والتشجيع على العلاقات الجنسيّة غير المشروعة وغير القانونيّة.
  1. تعديل الفقه
يتعرّض السيّد الخامنئي إلى قضيّة مهمّة تواجهها بلدان عدّة ومن بينها إيران، هي ما يسمّيه البعض “الانسجام مع المعاهدات الدوليّة تجاه حقوق المرأة”؛ والمقصود بالنسبة إلى هؤلاء تغيير القوانين لكي تنسجم مع هذه المعاهدات، أو تعديل الأحكام الفقهيّة لتكون أكثر انسجامًا مع متطلّبات المؤتمرات والمواثيق الدوليّة عن المرأة. وقد تأثّرت هيئات ومنظّمات كثيرة بهذه الدعوات، ومن بينها هيئات إسلاميّة نسائيّة، بحيث باتت هذه الأخيرة تدعو بدورها إلى مثل هذه التعديلات لتكون النظرة الإسلاميّة أكثر عصريّة تجاه قضيّة المرأة.
يحدّد السيّد الخامنئي شروط التعامل مع هذه الدعوات بقوله:
إنّنا لا ندّعي أنّ فقهنا يشتمل على كامل ما يتعلّق بالمرأة من أحكام. فمن الممكن أن يأتي فقيه بارع ويحكم بتغيير أحد الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالمرأة طبقًا لما قام به من تحقيق واجتهاد، وهذا لا غبار عليه. ولكنّ شرط ذلك أن يصدر عن فقيه بارع متبحّر في أصول الفقه، لا أن يعتمد أحدهم على ذوقه الشخصيّ انسجامًا مع إحدى المعاهدات الدوليّة أو توافقًا مع أحد المحافل العالميّة التي تتناقض أراؤها واتّجاهاتها من الناحية الفكريّة مع آراء الذين يعيشون على أرض إسلاميّة، ويعتقدون بالأصول والقواعد الإسلاميّة، ثمّ يأخذ من أحكام الإسلام ما يريد ويترك ما لا يريد بلا تعمّق أو رويّة، فهذا خطأ فادح ولا يمكن الدفاع عنه؛ لأنّ ما جاء في الأحكام الإسلاميّة والفقه الإسلاميّ مطابقًا للمصلحة فهو المعوّل عليه، وهو الصحيح. وعلى الناشطين في قضايا المرأة ممّن يعرفون موارد الخلل أن لا يفكّروا بأن سبيل التغلّب على هذه الموارد هو التصرّف في أحكام الفقه الإسلاميّ. وليس صحيحًا أن نعالج الأمور بما يتماشى مع ما يصدر من قرارات ومعاهدات في بعض المجامع والمحافل الدوليّة.
يؤكّد السيّد الخامنئي، من خلال رؤيته الإسلاميّة الشاملة، في معظم اللقاءات التي عقدها مع ممثّلي الجمعيات النسائيّة في المناسبات المختلفة على ما يعتبره أولويّة في التعامل مع قضيّة المرأة في هذا العصر من خلال:
  • استعادة الهويّة.
  • أولويّة الدور الأموميّ.
  • عدم الاعتراض على أدوار المرأة السياسيّة والاجتماعيّة.
  • عدم الثقة بدعوات الغرب إلى تحرير المرأة.
  • المحافظة على الثوابت الإسلاميّة في أيّ تعديل للأحكام تجاه حقوق المرأة.
 
[1] ذكرى ولادة الصدّيقة الطاهرة السيّدة الزهراء عليها السلام ويوم المرأة، 20 جمادى الثانية 1421هـ.
[2] سورة التحريم، الآية 11.
[3] سورة الممتحنة، الآية 12.
[4] “دور المرأة في الحياة الإنسانيّة”، لقاء بشعراء ومدّاحي أهل البيت عليهم السلام، مشهد 27/7/2005.
[5] “دور المرأة في كيان الأسرة”، في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، طهران 4/7/2007.



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

لم يقدم زكي نجيب محمود مجرد فلسفة، إنّما رؤية متكاملة تقوم على أسس منهجية واضحة، جاءت تعبيرًا عن موقف من التراث العربي – الإسلاميّ،

الجمال بين الحب والتجلي عند ابن عربي

يتناول هذا البحث فلسفة الجمال عند ابن عربي، الذي بدأ رحلته العلميّة باكرًا مذ كان في عمر الثماني سنوات، فحفظ القرآن الكريم، ودرس الحديث والفقه.

المهدي (عج)، الانتظار، والتمهيد

لا ريب أن الاعتقاد في المهدي/المخلص لا يختص بالإسلام أو بالمذهب الشيعي الاثني عشري، وإنما يمثل مشتركًا عقائديًّا يؤمن به العديد من أبناء الديانات سواء الإبراهيمية أو غيرها،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*