أهمية البحث في الفلسفة والعرفان 4

أهمية البحث في الفلسفة والعرفان 4
 لا زال الكلام في أهمية الأبحاث الفلسفية والعرفانية، وذكرنا أننا سنتعرّض لبيان أربعة أسباب لهذه الأهمية، هي:
  1. الوظيفة الأساسية للفلسفة والعرفان.
  2. خدمة الأبحاث الفلسفية والعرفانية للدين.
  3. تأثير الأبحاث الفلسفية والعرفانية على علم الكلام.
  4. تأثير الأبحاث الفلسفية على العلوم الإنسانية وعلى الحضارة.
وقد تقدّم الحديث في الحلقات السابقة عن الأسباب الثلاثة الأولى، وبقي الكلام في السبب الرابع والأخير.
السبب الرابع: تأثير للأبحاث الفلسفية على العلوم الإنسانية وعلى الحضارة.
الحضارة تتألف من مجموعة أمور، من أهمها العلوم الإنسانية التي بدورها تؤثّر في الكثير من العلوم والفنون. وكي يتضح أثر الفلسفة والعرفان في هذا المجال، سنقسّم البحث إلى نقطتين:
  1. تأثير الفلسفة على العلوم الإنسانية.
  2. تأثير الفلسفة على الحضارة.
النقطة الأولى: تأثير الفلسفة على العلوم الإنسانية.
تُطلق العلوم الإنسانية على أكثر من معنى، ومرادنا هنا هو: مجموعة العلوم المرتبطة بأفعال الإنسان الاختيارية، كأفعاله الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما شابه.
وبالتالي، تتكئ هذه العلوم على ركنين:
  1. الركن الأول: الفعل الإنساني الاختياري.
  2. الركن الثاني: غاية الإنسان في الحياة، وهذا ركن خفي، لكنه متفرّع عن الركن السابق، وسيوافيك شيء من التوضيح.
أما فيما يرتبط بالفعل الإرادي والاختياري للإنسان، فقد بيّنت الفلسفة مبادئه، فوضّحت المراحل التي يمرّ بها الإنسان ليصدر عنه الفعل الاختياري، وهي:
  1. المرحلة الأولى: العلم.
وهو بدوره على ثلاث مراحل:
  • المرحلة الأولى: العلم بالكمال، حيث يعلم الإنسان بكماله وسعادته.
  • المرحلة الثانية: العلم بفقدان الكمال.
  • المرحلة الثالثة: العلم بإمكان تحصيل هذا الكمال.
  1. المرحلة الثانية: الشوق.
فبعد أن تعلم بالكمال، وتعلم بفقدانه، وبأنه بإمكانك تحصيله، يحصل عندك شوق. وهذا الشوق ناشئ من حب الذات، وينتهي إلى حب حفظ الكمال الموجود والحصول على كمالات جديدة.
  1. المرحلة الثالثة: الإرادة.
وفي هذه المرحلة يوجد عدة آراء، لكن كيفما كان، بعد أن يعلم الإنسان ما تقدم، ويشتاق إليه، يريده.
  1. المرحلة الرابعة: العمل.
فيتضح أن العمل الإنساني الاختياري له غاية، فالإنسان يقوم بهذا الفعل والعمل لأجل تحصيل الكمال الذي يعلم به. وبالتالي، يكون هذا الكمال غاية للفعل الإنساني. فيُعلم أن الإنسان يقوم بأفعاله الاختيارية لأجل تحقيق عدد من الغايات.
وهنا يأتي الركن الثاني، وهو غاية الفعل الإنساني. ويُعدّ البحث عن هذه الغاية وغاية الحياة الإنسانية ومعناها من أشرف الأبحاث الفلسفية، وهو البحث عن العلة الغائية.
إذا علمت ما تقدّم، اتضح لك أن الفلسفة تنقّح أهم ركنين في العلوم الإنسانية، مما يؤثر على توجّه هذه العلوم ومسارها. وقد قطعنا في الفلسفة الإسلامية شوطًا معتدًّا به في هذا المجال؛ فقد حللنا الفعل الإنساني الاختياري، وكشفنا عن غايته.
ولا تغفلنّ عن أهمية هذين الركنين، إذ على أساس الغاية النهائية تُحدَّد حاجات الإنسان التي يجب عليها أن يسدّها، فيتّجه نحو إنتاج العلوم الإنسانية المناسبة لتلبية هذه الاحتياجات. فأدنى خلل وتقصير في تحديد الغاية، سيؤثر على العلوم الإنسانية التي ستؤثر بدورها على حياة الإنسان.
هذا مضافًا إلى أن الفنون والمهارات والحرَف تُنتَج أيضًا على ضوء هذه العلوم الإنسانية. كما لا يفوتنا الإشارة إلى أن التقييمات الفردية والاجتماعية أيضًا تكون متناسبة مع هذه العلوم الإنسانية.
وباختصار، نستطيع القول: إن الفلسفة تؤثّر على العلوم الإنسانية من عدّة جهات:
  1. من جهة بيان أهداف الفعل الإنساني الاختياري وغاياته.
  2. من جهة بيان منهج البحث المتّبع في العلوم الإنسانية[1].
  3. من جهة التقييم.
وعلى هذا الأساس، إن كانت علومنا الإنسانية مثلًا غير منسجمة مع الفلسفة الإسلامية –بلحاظ الجهات المتقدمة-، فإننا سنكون أمام أمرين:
الأمر الأول: إمّا أن تؤثر هذه العلوم في المباني الفلسفية فتدمّرها تدميرًا غير مستند إلى برهان ودليل[2].
الأمر الثاني: وإما أن تؤثّر هذه الفلسفة في العلوم الإنسانية، فتصحّح لها المسار.
النقطة الثانية: تأثير الفلسفة والعرفان على الحضارة.
يمكننا البحث ثبوتًا وتصوّرًا عن هذه النقطة، لكننا ارتأينا البحث عنها إثباتًا؛ أي من خلال ملاحظة ما قامت به الفلسفة الإسلامية في هذا الإطار. وفي المقام يمكننا الإشارة إلى عدة أمور:
الأمر الأول: تهيئة الأرضية المعرفية للحضارة.
أول أمر قامت به الفلسفة الإسلامية في هذا المجال هو تهيئة الأرضية للمراحل المعرفية للحضارة الإسلامية التوحيدية. إذ لا يخفى أن كل حضارة تكون مستندة إلى خلفية معرفية. نعم، لا زال يوجد الكثير من الخطوات التي لا بد من طيّها في هذا المجال، إذ بعض المباحث المعرفية لا زالت تحتاج إلى مزيد من التنقيح والبحث.
الأمر الثاني: بناء الأسس العقلية في أبحاث الوجود ومعرفة الإنسان.
يمكن لبعض الحضارات أن تقوم على أساس الخيالات والأوهام والقصص والأساطير؛ لكنها ستكون حضارة هشّة. بل حتى لو قامت الحضارة على أساس العرفان، فإنها لن تكون متينة إلّا إن برز هذا العرفان بصورة عقلانية. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الدين، فلا يمكن إقامة حضارة ثابتة راسخة على أساس الدين إن لم يكن مستندًا إلى أساس عقلي. فأمتن حضارة هي التي تقوم على أساس فلسفي عقلي مُحكَم. ولا بدّ في هذه الحضارة المتينة من بيان أبحاث الوجود ومعرفة الإنسان بنحو عقلي، حتى تضمن هذه الحضارة استمرارها وبقاءها.
الأمر الثالث: التمهيد لحضور الدين في المجتمع.
شئنا أم أبينا، ثمة أثر كبير للفلسفة على حضور الدين في المجتمع، فبإمكانها أن تمهّد الأرضية ليكون المجتمع متدينًا عاشقًا للدين، وبإمكانها أن تساهم في حذف الدين من المجتمع أو تأطيره ضمن إطار محدّد. ولو لاحظنا الفلسفة الإسلامية، لا سيما الحكمة المتعالية، لوجدنا أنها تعتقد بحضور الدين في كل أبعاد الحياة الإنسانية، لذا، تُعَدّ عنصرًا أساسًا لتهيئة المجتمع لقبول الدين بشكل متين ومحكم.
الأمر الرابع: توجيه الحكمة العملية.
الحكمة العملية هي العلوم الإنسانية نفسها. وأوّل من فصّل في هذا البحث هو أبو نصر الفارابي. لكن ابن سينا، كان يعتقد أن الفقه يُغني المجتمع عن الحكمة العملية، لذا لم يعتنِ بها كثيرًا، وتلاشى البحث عنها كثيرًا حتى صار كالمعدوم، إلا في علم الأخلاق.
فلو أردنا أن نُحيي العلوم الإنسانية بناء على تراثنا، فلا بدّ من إحياء الحكمة العملية مرة أخرى.
الأمر الخامس: الخدمات التي قدّمتها الفلسفة.
لقد ساهمت الفلسفة كثيرًا في تطور علم الكلام. وهذا ما تقدّم الإشارة إليه في السبب الثالث.
كما أثّرت إيجابًا في العرفان الإسلامي، فبعد أن كان مشتملًا على الخرافات، أُضفي عليه الطابع العقلي فصار متينًا. قديمًا، كان العرفاء يحاربون العقل؛ لأنهم يعتقدون أن العقلانية الواردة من الفلسفة غير منسجمة مع الدين. أما مع صدر المتألهين وبعده، صار العرفاء حكماء، والحكماء عرفاء.
كما ساهمت أيضًا في علم أصول الفقه. ولا ريب في أن بحث تقسيم الموجود إلى حقيقي واعتباري، له أثره المهم على علم أصول الفقه، سواء بلحاظ المنهج أو بلحاظ الغاية. فالفيلسوف يتأمل في الوجود ويدرسه، فإن كان الموجود اعتباريًّا، فما هي القواعد التي تجري فيه؟ وهل تحكمه القواعد العقلية الجارية في الموجود الحقيقي؟ فهذه أبحاث شريفة نافعة في علم أصول الفقه.
وبهذا يكون تمّ الكلام الذي أردنا التعرّض له باختصار فيما يرتبط بأهمية الأبحاث الفلسفية والعرفانية، على أنه يمكن بسط البحث والتفصيل أكثر مع الإتيان بكثير من الشواهد والأمثلة، لكن ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه.
والحمد لله رب العالمين
[1] لم نُشِر له فيما سبق، لكن يمكن إدراكه بأدنى تأمّل.
[2] وهذا ما يريده الغرب لأجل زلزلة استمرار الثورة الإسلامية في إيران؛ إذ الثورة الإسلامية منسجمة مع الفلسفة الإسلامية التي هي بدورها مبنية على أساس عقلي محكَم.



المقالات المرتبطة

التصالح المجتمعي بين الدين وعلمانية الدولة

يعالج هذا البحث التصالح المجتمعي بين الدين والعلمانية، وهو يبدأ بتعريف العلمانية، لينتقل بعد ذلك إلى معالجة التاريخ والنشأة،

حفريات الخطاب الغربي محددات الخطاب

عرّف ميشيل فوكو Michel Foucault (1926-1984) الخطاب بأنه نظام أو نسق معرفي وفكري

علم الاجتماع: بين خبير في تحصين النظام وباحث في تغييره

من الضروري، بداية، أن نُذكِّر بأن التزام عالم الاجتماع باستكشاف فرص التغيير بات اليوم أكثر إلحاحًا، في ظل التوسع المتواصل لسياسات العولمة التي تتضافر في فرضها

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*