الأسس والجوانب الثورية في فكر الإمام الخميني

الأسس والجوانب الثورية في فكر الإمام الخميني

مقدمة.

الرجل العظيم هو دور تاريخي.

    لا يشكّل الرجل العظيم ظاهرة متخارجة وواقعها بكافة معاني هذا الواقع جغرافيًّا وتاريخيًّا؛ بل هو دائمًا وبالضرورة ابن بار بهذا الواقع، من حيث معايشته له وولوغه فيه واندماجه به، فلا يكون هذا الرجل العظيم عظيمًا إلا بقدر ما يتماهى واتجاه الحركة التاريخية وقوانينها الحاكمة في إطار واقعه المعين، حيث تُناط هذه العظمة بمدى وعيه باتجاهات هذا الواقع ومتطلباته التاريخية، وبمدى موضعه هذا العظيم لذاته ومُجمل فعاله ضمن السياق والاتجاه العام للحركة التاريخية، بما يدفعها قدمًا على طريق التقدّم الاجتماعي والإنساني.

    وكثيرة هي النظريات التي صيغت في مفهوم البطولة وفي معنى العظمة، وقد بلغ الشطط ببعضها أن تفسر التاريخ على ضوء البطولة، فترى التاريخ موضوعًا للإرادة البشرية للأبطال والعظماء والأقوياء من سياسيين وعسكريين وفلاسفة ومفكرين ورجال دين، مُلغية لكافة القوانين الفاعلة والصانعة لذلك التاريخ، ومُختزلةً إياه من ملحمة عظيمة من العوامل والضرورات والتفاعلات المتعارضة والمتشابكة إلى رغبات وأهواء وسجايا، كذا محاسن ومثالب هذا أو ذاك من الملوك والحكام!!

    وعلى جانب آخر اشتط بعضهم باتجاهه للجبرية المطلقة المتجاهلة لأي فعالية إنسانية، فالإرادة البشرية لا دور لها، ولا أهمية لعبقرية أو بطولة مفكر أو زعيم؛ فما هو سوى أداة صماء بيد عمياء، يتجسد مسارها وأداؤها في النهاية في الصيرورة التاريخية المحددة سلفًا ليس بغائية مُسبقة، بل بقوانين وحتميات مادية صارمة لا تعرف للإنسان دورًا ولا ترى له أثرًا.

    وكما أن الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، والعدل وسط بين ظلمين، فالحقيقة وسط بين شططين. فالحقيقة أن التاريخ ليس بتلك البساطة ليُختزل في معادلات من الدرجة الأولى، وبحيث يصبح إما بلا قانون فتتلاعب به المصادفات من أهواء ومطامح وسجايا بشرية من جهة، أو يصبح مسارًا حديديًّا لا يملك له ولا فيه البشر فعلًا ولا أثرًا من جهة أخرى.

    فكما أن للتاريخ قوانين وجدليات واقعية، فإن للفعل البشري المتوائم معه دوره الحاسم في كثير من الأحوال، وقد يعمل الاثنان بتناغم كما قد يتعارضا، وهنا تتمايز الدرجات وتتباين الفروقات، فالضرورات المادية والجدليات الاجتماعية يبقى لها الحسم على المدى الطويل، فلا يؤثّر غياب البطل سوى في تأخير إنجاز المهمة التاريخية المعينة أو إنجازها على وجه آخر من النقص أو القصور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد تتيح هذه التفاعلات الاجتماعية ذاتها لفرد إمكانية التغيير في الخصائص والملامح الذاتية لظاهرة تاريخية معينة، وبحيث تتلبس تلك الظاهرة ببصمة واضحة مميزة لهذا الفرد بما يميزه خاصّةً من أهواء وسجايا، وذلك بحكم ما قد تتيحه – تلك التفاعلات الاجتماعية – له من قوة طاغية مُتفردة ناجمة عن طبيعة علاقات القوة المنبثقة عن العلاقات الإنتاجية والاجتماعية والهياكل السلطوية والمؤسسية المرتبطة بها في المجتمع الذي يمارس ذلك الفرد سلطته فيه.

    وهكذا يلعب المفكّر والزعيم التاريخي دوره ضمن شروط وظروف تاريخية موجودة ومصنوعة سلفًا، وما عليه سوى إدراك دوره التاريخي بتلمّس ووعي الضرورة التاريخية، والعمل بمقتضاها وفقًا لقيم التقدّم الإنساني والاجتماعي، فليس الرجل العظيم بصانع لتاريخ – رغم أن هذا صحيح بدرجة ما وعلى مستوى معين من المقاربة التاريخية – بقدر ما هو دور تاريخي، وهذا الدور التاريخي هو نقطة الانطلاق الدائمة في فهم ودراسة الرجال التاريخيين، حيث من خلاله تتسنّى معرفة ضرورتهم، وكيف استقاموا بأعبائهم وتحملوا مهامهم، كذا كيف كان أثرهم الخاص والشخصي – بفكرهم وممارساتهم – في التاريخ، في سياق فعلهم في الدور التاريخي الذي اضطلعوا به، كمسؤوليتهم التاريخية.

    وهكذا لا بدّ وأن نبدأ بدراسة الظرف التاريخي الذي ظهر فيه الإمام الخميني.

*عن الظرف التاريخي.. الثورة الأولى محمد مُصدق والمؤامرة الإمبريالية.

    لم تكن موجة الخمسينيات الثورية لتمر على إيران دون أن تأخذ فيها برهة وتترك بها بصمة، خاصةً مع ما كانت تعانيه – شأنها شأن غيرها من أقطار العالم الثالث – مِن فقر وظلم اجتماعي واستبداد سياسي، في ظل تبعية سياسية واقتصادية للغرب تجلت بأقصى صورها أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها؛ حيث سقطت إيران – بسبب موقعها وثرواتها النفطية وغير النفطية – ضحية لصراع جبار بين القوى الكبرى الثلاثة في العالم – آنذاك – بريطانيا وأميركا والاتحاد السوفياتي، التي خرجت منتصرة من الحرب على خصومها في المحور، لينتهي التحالف الغريب الذي جمعها سويًّا عليه التهديد النازي الهتلري، ولتبدأ في التنازع فيما بينها على مناطق النفوذ وشبكات المصالح، ضاربةً عرض الحائط باستقلال إيران وبحقها في استثمار ثرواتها بالشكل الذي ترتئيه ويرتضيه شعبها، وبما تمليه مصالحها العليا.

    فترتيبات ما بعد الحرب – التي تراجعت فيها مكانة وقوة بريطانيا السياسية والاقتصادية والعسكرية بعد حروبها المتوالية، وتقدم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي – هذه الترتيبات قد فرضت إعادة تقسيم وتوزيع مناطق النفوذ وشبكات المصالح، خصوصًا مع صعود نجم الاتحاد السوفياتي دوليًّا، والصراع الشرس بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية الناجم عن المطامع الإمبريالية الأمريكية الطبيعية من جهة، ورغبتها المتوحشة في السيطرة على جميع منابع النفط كسلعة استراتيجية من جهة ثانية، كذا خططها لاحتواء الاتحاد السوفياتي ضمن استراتيجيتها الدولية في محاصرة الشيوعية من جهة ثالثة، وهى الترتيبات التي انتهت بإيران في حجر الولايات المتحدة الأمريكية التي أجادت ألاعيب الدبلوماسية، واستغلت ضعف الشاه والاحتياجات الاقتصادية والمالية لما بعد الحرب، والتوجس الإيراني التاريخي من المتنافسين التقليديين عليها ممثلين في بريطانيا وروسيا [1]، كذا كرهه الشديد للشيوعية وإدراكه بخطرها الشديد على ملكه، ووعيه بانتهاء الإمبراطورية البريطانية، ورهانه بالتالي على الحصان الفائز الجديد أميركا.

    وقد كانت النقطة المفصلية في ذلك الصراع هي الثورة المُصدقية؛ فقد “خرج الدكتور محمد مُصدق بنظرية جديدة عام 1947 عندما طلب الروس منحهم امتيازًا للتنقيب عن البترول في شمال البلاد، وكانت نظريته تقول: إن الروس على حق في دعواهم، وأنه يجب تحقيق المساواة بينهم وبين البريطانيين، وهذا يعني طرد الاثنين معًا عن طريق سحب الامتياز البريطاني”[2]، فالحل الوطني لا يكون بالانصياع لهذا البلد بدلًا من ذاك، ولا بالانتقال من عبودية بريطانيا إلى روسيا أو أميركا؛ بل بالاستقلال الكامل، مُتمثّلًا في استقلال القرار الوطني، والسيطرة المطلقة على كامل الموارد الوطنية.

    وهكذا كانت ثورة مُصدق الهادفة لتقليص نفوذ الأسرة الحاكمة لتوسيع الهامش الديمقراطي وإنفاذ الدستور، ولتأميم البترول الإيراني وإعادته للسيطرة الوطنية، والتي قُوبلت بمؤامرة مزدوجة من كل من بريطانيا وأميركا؛ فقد وضعت بريطانيا خطة انقلابية لإسقاط مُصدق وإعادة الشاه، وذلك بعد كل ما قامت به من حصار اقتصادي واستعراض عسكري بالأساطيل البحرية، وضغوط دولية لم تنجح كلها في إثناء مُصدق عن عزمه، ورغم مساندة أميركا لها.

    كما أعدّت أميركا خطة أخرى بعدما هدّدت بقطع معوناتها عن إيران أو عدم زيادتها، وبعدما تزايدت مخاوفها من تزايد التقارب مع السوفييت، وتعجّلت تنفيذها بعد علمها بالخطة البريطانية؛ وذلك خوفًا من استئثار بريطانيا بالمغانم إذا ما رعت هي الانقلاب؛ فقد “وجد الأمريكيون أن قيام بريطانيا وحدها بالعمل في إيران سيحول دون تحقيق طموحاتهم المستقبلية، ولهذا أسندت مهمة التخلص من مُصدق بسرعة لكيرميت روزفلت، ولتنفيذ المهمة وضعت مليون دولار أمريكي تحت تصرفه للإنفاق منها على إثارة الشارع الإيراني وتجنيد العملاء ضد مُصدق”[3]، “ونجح الأمريكيون في خلع مُصدق وإعادة الشاه من روما إلى إيران، كما تم تعيين الجنرال فضل الله زاهدي لرئاسة الوزارة، وأُسندت إليه مهمة وقف تأميم البترول الإيراني، وإعادة توزيع الأنصبة الأجنبية بطريقة جديدة لا يكون للبريطانيين السيطرة القديمة نفسها على منابع البترول الإيراني”[4]، “وأُعُيد تنظيم الشركة البريطانية الإيرانية المؤممة بطريقة أصبحت بعدها بريطانيا ضمن مجموعة من المحتكرين للبترول الإيراني، وأُطلق على الكارتل (الكونسرتيوم)، وضم ثماني شركات عالمية على النحو التالي”[5]: الشركات الأمريكية (وتملك 40 % من مجموع الحصص)، الشركات البريطانية (وتملك 40 % من مجموع الحصص)، الشركات الهولندية (وتملك 14 % من مجموع الحصص)، الشركات الفرنسية  (وتملك 6 % من مجموع الحصص).

    وهكذا تم التآمر على المشروع الوطني للدكتور مُصدق، وعلى المطامح المشروعة للشعب الإيراني، ليتم وأدها على مذبح المصالح الإمبريالية، وبدلًا من أن يأخذ الشعب الإيراني حقه في الحياة بالسيطرة على مقدراته – سواء كانت اقتصادية مُمثلة في تملك موارده وأراضيه، أو سياسية مُمثلة في الديمقراطية التي تكفل مشاركته في القرار الوطني إن لم يكن امتلاكه كليًّا – نقول: بدلًا من هذا كله تم الانتقال من سيد إلى سيد، ومن مُستغل إلى آخر.

    وتصور الأمريكيون أنهم انتصروا بإعادتهم الشاه وامتلاكهم البترول وسيطرتهم على كافة المواقع الحيوية بإيران بما فيها الجيش.. فأنّى للمستكبرين أن يدركوا أن الشعوب لا تموت ؟!

 

نار تحت الرماد.. إيران ما قبل الثورة.

    بعد الانقلاب على مُصدق والإتيان بحكومة زاهدي الأمريكية – التي ألغت التأميم وفتحت الأبواب على مصراعيها للأمريكيين على وجه الخصوص – وعودة الشاه ووضعه للبرنامج الأمريكي في التحديث – أو بالأصح في التبعية – موضع التطبيق كان لا بد للشاه من شن حملة انتقامية ضد كافة قوى المعارضة، وبهدف استئصالها؛ لإخلاء الساحة الإيرانية له، بحيث يحكم بيد من حديد وبسلطات مُطلقة بمعونة أمريكية إسرائيلية، وبأدوات القهر التقليدية من جيش وشرطة، مُضافًا إليها جهاز السافاك الدموي.

    واستهدف في حملته كافة القوى الوطنية، “فبدأ بحل الجبهة الوطنية، وألقى القبض على معظم زعمائها وعلى رأسهم مُصدق، كما أعدم وزير الخارجية حسين فاطمي،…، كما تحمل حزب توده وزر المرحلة المُصدقية كلها، فتم القبض على خمسة آلاف عضو من أعضائه، وأُعدم أربعون عضوًا من بينهم، وحُكم بالسجن المؤبد على مئتين، وفقد الحزب كل جذوره النشطة في الجمعيات المهنية، أو داخل النقابات أو في لجان الأرياف”[6].

    وكان من نتيجة سياساته هذه أن بدأ رجال الدين في ملء الفراغ السياسي، فنشأت حركات جديدة، وبالأساس من رحم الجمعية الوطنية وتوده الشيوعي، وبالمزج النقدي بينهما أحيانًا، أو بمكونات فكرية وسياسية جديدة، فتكونت جماعات كجماعة تحرير إيران التي كان من ضمن قادتها الدكتور علي شريعتي، وفدائيي خلق ومجاهدي خلق، وغيرها من جماعات فدائية صغيرة نبتت كالفطر في أرجاء إيران، وجنحت لمنهج الإرهاب وحرب العصابات باعتبارهما المنهج الوحيد الممكن لمواجهة النظام الشاهنشاهي الإرهابي.

    كما تحولت مدينة قم مركزًا لمناهضة الشاه، بنواتها الصلبة والقوية من رجال الدين من مراجع وآيات يتمتعون بقدر معقول وكاف من الاستقلال المالي والإداري عن السلطة، ويعملون بتنظيم مُحكم وقوي رسخته المدارس ومناهجها وتراتيباتها التعليمية على مر السنين.

    وتصاعدت حالة الغليان على مدى عشر سنوات بعد الانقلاب الأمريكي، حتى كانت لحظة الانفجار بعد إعلان الشاه عما أسماه بـ “الثورة البيضاء”[7]، والتي كانت مجرد تدشين للسياسات الأمريكية في إيران من جوانب كثيرة وفقًا للخطة التي وضعوها له لتعزيز سيطرته على المجتمع الإيراني، والتي تضمنت كثيرًا من السياسات التي مسّت الطبقات التجارية والأوقاف الشرعية للحوزات، كما مسّت بعض التقاليد الدينية والاجتماعية؛ ما عبأ ضده قطاعات واسعة من المجتمع والتي كانت تعاني أصلًا من الأوضاع المعيشية السيئة، والنهب، والفساد المستشري في كافة أرجاء ومفاصل الدولة، فتحرك الطلاب وشباب رجال الدين والتجار والمهنيين، وذلك تحت قيادة رجال الدين، وبفضل دعاياتهم ضده.

    وفي هذه الظروف ظهر الإمام الخميني الذي فجر ثورة 1963 بخطاباته الثورية الجريئة ضد الشاه، والتي حركت الجماهير الغفيرة في مواسمها الدينية لتحيلها من احتفالات وشعائر دينية إلى تظاهرات معادية للنظام، ومُعرِّضة بالشاه بالشكل الذي تدخل معه الجيش إلى جانب الشرطة لقمعها بالقسوة المعتادة وبالاعتقالات التقليدية في صفوف المعارضة، والتي طالت الإمام الخميني نفسه ومعه سيد تقي فلسفي وما يقارب العشرين من تلامذته؛ وهو ما فجر الأمور أكثر ووسع نطاق الاحتجاجات لتشمل إلى جانب طهران وقم مشهد وتبريز وأصفهان ومدن أخرى، وكانت الحصيلة ما يقارب العشرين ألف شهيد والآلاف من الجرحى والمعتقلين… إلخ.

    وبعد ثمانية شهور أُطلق سراح الإمام الخميني، ليخرج ويستكمل مسيرة نضاله بلا هوادة ولا مساومة، وعندما يُطرح قانون منح الحصانة الدبلوماسية للأمريكيين بإيران على البرلمان يلقي خطابًا عنيفًا في 26 أكتوبر 1964 بمدينة قم بمناسبة مولد السيدة فاطمة الزهراء (ع)، يختصر فيه المهزلة بكلمات قليلة ولكنها حادّة قاطعة كالسيف، تنطلق كسهام تصيب هدفها مباشرة، فيقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون، إنني لا أستطيع إبداء ما في قلبي من آلام،…، ويا ليتني مت قبل هذا، وما شاهدت هذا العار… فليس لإيران بعد اليوم عيد، لقد حولوا العيد إلى مأتم، لقد باعونا وباعوا استقلالنا، وفي نفس الوقت أضاؤوا المشاعل، وأقاموا حفلات الرقص العامة… إنهم صدقوا على قانون الحصانة الذي ألحقنا بمعاهدة  فيينا… إنهم منحوا الأمريكان بجميع فئاتهم من خبراء عسكريين وفنيين وإداريين وخدم وكل من له أدنى علاقة بهم الحصانة القضائية…”[8]، وتم بعد هذا الخطاب المباشر القبض عليه ونفيه[9] إلى تركيا التي تركها وانطلق منها إلى العراق، ليستمر في نضاله ضد الشاه بالرسائل وشرائط الكاسيت التي كانت تصل حتى للقرى النائية في إيران عبر التنظيم المحكم للحوزات الدينية، ورغم كافة محاولات الشاه وأجهزته الأمنية العنيفة في منعها ومصادرتها وحتى فرض العقوبات والغرامات القاسية على بائعيها ومشتريها.

    أمّا الشاه فقد استمر في سياساته في التبعية المطلقة لأميركا، وفي العمل كشرطي لمنطقة الخليج بالوكالة عنها، واستمر في تدعيم علاقاته بإسرائيل، كذا دعم الطبقات الغنية الفاسدة المرتبطة بحكمه وتدليل الجيش دون أدنى مبالاة بالشعب الفقير الذي تزداد حالته سوءًا يومًا بعد يوم، ومُعتمدًا في مواجهة هذا الشعب فقط على أذرعته الأمنية الجبارة، وعلى تكديس أحدث أنواع السلاح الأمريكي، المشتراة فقط لحماية عرشه وبغضّ النظر عن مدى حاجة بلده لها، ويكفي الاطلاع على الجدول التالي الذي يكشف لنا عن حجم النمو الدراماتيكي في النفقات العسكرية غير المبررة للشاه، والتي بسببها لم يشعر الشعب الإيراني بنتائج الطفرة السعرية للنفط أواخر 1973 [10]:

سنة 1954

78 مليون دولار

سنة 1973

2452 مليون دولار

سنة 1964

241 مليون دولار

سنة 1974

3680 مليون دولار

سنة 1970

961 مليون دولار

سنة 1977

9400 مليون دولار

سنة 1971

1352 مليون دولار

سنة 1978

أكثر من 10 مليار دولار

سنة 1972

1847 مليون دولار

 

 

    وكان استتاب الأمر للشاه دافعًا له لمزيد من الغي والتجبّر والعمى عما يخبئه له المستقبل؛ فقد أصابه جنون العظمة، فأصبح يرى أن قوة بلاده في الخليج تفوق قوة بريطانيا فيه أيام تسلطها عليه، ويقيم حفلًا لتتويج نفسه بمناسبة مرور 2500 سنة على تأسيس الإمبراطور كوروش لأول إمبراطورية فارسية، وينفق عليه ما يقارب المليار دولار في بعض التقديرات[11]، ويدفع المساعدات الاقتصادية للدول والشركات الأوروبية والأمريكية – وليس النامية فقط – لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية ذاتية[12]، وأكثر من هذا تحويله إيران لملكية خاصة له لأسرته، فالأم تتملك الأراضي والعقارات، والأخ يستخرج المعادن، كما أنه أكبر مساهم في شركة استخراج الفيروز وشركة شاهراند وشركات أخرى، والأميرة أشرف الأخت تشارك بالأعمال المصرفية والورق، ومعهم طبعًا الأصدقاء والأتباع والجنرالات وحتى الخدم!!

    ويكفي لإعطاء صورة عن مدى الفساد والاستغلال المالي للأسرة الإمبراطورية لثروات البلد وتحويله لشركة خاصة ما تؤكده الأرقام شبه الموثوقة عن تحكم آل الشاه بـ ” 80% من صناعة الأسمنت، و70% من الفنادق السياحية، و62% من البنوك والتأمين، و40% من صناعة النسيج، و35% من صناعة السيارات وهكذا “[13].

    وهذا كله طبعًا لم يكن سوى قمة الجبل الجليدي الذي يتكون جسمه من طبقات وشرائح اجتماعية طفيلية من كومبرادور وبيروقراطية عسكرية وغير عسكرية تعتاش على الفساد والتمييز السلطوي وتحتكر الموارد بما فيها حتى المياه، وذلك في الوقت الذي لا يجد فيه الفلاحون الأرض ولا المياه التي يزرعون بها، ويهربون إلى المدن بحثًا عن عمل، فيجدون العمل بالمصانع في وضع يُرثى له، فليسوا بالأفضل حالًا؛ إذ يعملون لساعات طوال بأجور منخفضة مع قانون كسيح لا يُطبق، وقسوة أمنية تواجه الإضرابات العادلة بالقتل والاعتقال طويل الأمد[14].

    كما حابى الشاه بعض الطوائف والأقليات لتساهم في دعم حكمه وتوجهاته المعادية لرجال الدين، فترك لليهود والبهائيين الفرصة للسيطرة بدرجة كبيرة على الاقتصاد الإيراني، كما استخدم الكثير منهم في المؤسسات الحيوية – كالجيش وغيره – باعتبارهم كأقلية سيكونون أكثر ولاء له، كما أنهم هم من كانوا يملكون معظم دور اللهو والأندية الليلية وبيوت الدعارة ومحلات الخمور وغيرها[15] مما كان من المباذل الخلقية التي أثارت رجال الدين وأحنقتهم على حكم الشاه.

    ومع هذا المناخ العطن والجو الفاسد – المحمي بعباءة الإرهاب السافاكي والمدعوم أميركيًّا – تزايدت المواجهات ما بين الدولة والمعارضة بوتيرة متصاعدة من العنف المتبادل وغير المتكافئ بالطبع، وإن كانت المعارضة قد نجحت كثيرًا في توجيه ضربات مُوجعة للنظام، وخصوصًا بعمليات الاغتيالات والتصفيات التي شنتها ضد رجاله، وكانت هذه العمليات – بما تمثله من عنصر تحفيز ثوري للجماهير، وعنصر تثبيط وتفكيك بعيد المدى لقوى النظام، إضافةً إلى الحركات الجماهيرية الاقتصادية والاجتماعية المنتظمة – تحتاج ليس فقط إلى غطاء وخطاب شرعي لها؛ بل أيضًا فكر وخطاب ينتظم في وجه الخصم، فيقود جماهير الشعب ويحركها ويفتّت قوى النظام ويدمرها، خطاب لم يكن أهلًا به سوى رجل من رجال الدين الذين أصبحوا المعنيين بالقيادة، والمناط بهم مسؤولية التغيير الثوري في إيران منذ تحطمت باقي القوى الوطنية، وأُضعفت بالإرهاب السافاكي المتواصل منذ الانقلاب على الثورة المصدقية، ولم يكن أهلًا لهذه المهمة سوى آية الله العظمى الإمام الخميني.

عن الإمام الخميني وفكره.. نبذة مُوجزة عن حياته.

    هو روح الله مصطفى أحمد الموسوي الحسيني، المولود ببلدة “خُمين” جنوب غربي قم عام 1902م[16]، سليل عائلة راسخة في العلم والجهاد من ذرية السيدة الزهراء، وأبوه مصطفى أحمد الموسوي كان واحدًا من كبار العلماء، وقد قُتل غدرًا بعد شهور قليلة من ميلاده برصاص بعض عملاء كبار الملاك؛ لدفاعه عن حقوق الفلاحين الفقراء.

    تكفّلت عمته مع والدته السيدة هاجر ميرزا أحمد بتربيته، وإن كانتا قد توفيتا في وقت مبكر، ليذهب إلى أخيه الأكبر “باسنديده موسوي” رجل الدين الذي شارك في تعليمه، وانضم الخميني لحوزة “آية الله عبد الكريم الحائري”، وانتقل معه من مدينة آراك إلى مدينة قم عام 1922م، وواصل دراسته حتى حصل على درجة تُسمى بـ”محلة السطوح العالية”، ليبدأ في مساعدة أستاذه مُتخصّصًا في الفلسفة الإسلامية والمنطق والأخلاق، حتى منعته شرطة الشاه لكثرة تطرقه للمسائل السياسية في دروسه.

    وتزوج عام 1927م من السيدة خديجة ابنة صديقه الحجازي “الشيخ محمد الثقيفي الطهراني”، والتي رفضته في البداية لرغبتها في الزواج من موظف حكومي تذهب معه للحياة في طهران، وليس رجلًا من رجال الدين، ثم عدلت عن رأيها في اليوم التالي بعدما رأت رؤيا ترى فيها امرأة عجوزًا تشير لرسول الله والإمام علي وفاطمة وتقول إنهم لا يحبونها لرفضها ابنهم روح الله[17]، وقد أنجبا ثلاثة أولاد وخمس بنات، مات منهم ثلاثة هم على ولطيفة وكريمة، كما اغتيل مصطفى عام 1977م بأيدي السافاك، وبقى أحمد خميني مساعده الأول، كما تزوجت بناته الثلاثة الأخريات فريدة وصادقة وفاطمة من رجال دين ممن كانوا ضمن مساعديه.

    وقد وضع الإمام الخميني ما يربو على العشرين مؤلفًا، أهمها: تحرير الوسيلة[18]، الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه، جهاد النفس أو الجهاد الأكبر، سر الصلاة أو صلاة العارفين، حكم الشريعة، تهذيب الأصول… إلخ.

    وقد بدأ الإمام الخميني معارضته للشاه منذ وقت مبكر يرجع لأربعينيات القرن العشرين، بل ولما قبل ذلك، وقد جذبت دروسه الملتهبة بالمعارضة والرفض المرير لسياسات الشاه الأنصار والمعجبين والأتباع سواء من شباب رجال الدين أو من العامة، ونذكر تأييده للأهداف والمبادئ العامة للثورة المصدقية، ووقوفه خلف الإمام الكاشاني رفيق محمد مُصدق في معظم مراحل الثورة المصدقية.

    هذا التاريخ وهذه المكانة هما ما جعلا لكلماته ذلك الوقع الجبار الذي دفع الجماهير الشيعية المسلمة للثورة، وتحويل احتفاليات دينية تقليدية متكررة إلى انتفاضات وثورات هزت العرش الشاهنشاهي المتجبر، فكانت خطاباته النارية ضد الشاه وانتقاداته العنيفة له – وخصوصًا بعد إعلانه الأخير عما سماه بـ “الثورة البيضاء”، وتماديه في تطبيع علاقاته مع إسرائيل وأميركا – شرارة تفجير ثورة 1963م التي أشعلها أكثر فأكثر رد الفعل العنيف لشرطة الشاه وجيشه، والتي أُخمدت في النهاية بسبب القمع العنيف، واعتُقِل فيها الخميني لثمانية أشهر.

    وعلى ما سبق ذكره لم يهدأ الإمام الخميني بعد إطلاق سراحه رغم كافة المساومات والتهديدات، فقد استمر في نقده الشجاع لكل سياسات الشاه حتى تم نفيه إلى تركيا التي أقام بها إحدى عشر شهرًا، ليتركها بعدها ذاهبًا إلى العراق، ليقيم بالنجف الأشرف حيث كان يدرس، مُستمرًا في إرسال دروسه الأسبوعية إلى قم مُسجلةً على أشرطة كاسيت، والتي عملت على استمرار إلهاب العواطف والمشاعر ضد حكم الشاه الظالم.

    وظل بالنجف حتى طُلب منه الرحيل عن العراق بناءً على طلب من شاه إيران، وذلك بعد تسوية نزاعاتهما عام 1977م وبعد توقيع اتفاقيته مع العراق عام 1975م والتي نصّت ضمن ما تنص على عدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، فكان الخياران المطروحان عليه إما السكوت وإما الرحيل، فغادر إلى الكويت التي رفضت استقباله، فسافر إلى فرنسا في بداية أكتوبر من عام 1977م التي طلبت منه في البداية عدم تناول الشؤون السياسية ومعارضة الشاه كشرط لبقائه، فرفض، مطالبًا إياهم بالاتساق مع دعاواهم الديمقراطية!!

    وبقي الإمام الخميني بباريس يمارس قيادته للجماهير الإيرانية، ويوجه جنود الجيش الإيراني بضرورة ترك خدمة الطاغوت والانضمام لموقعهم الطبيعي مع المستضعفين، حتى غادر الشاه إيران في 16 يناير 1979م، فعاد إلى إيران في الأول من فبراير ليقود الثورة إلى النجاح الكامل بصلابته وإصراره الحديدي على استكمالها، فأصر على إسقاط حكومة شهبور باختيار المعينة من قِبَل الشاه، وعلى تطهير كافة مؤسسات الدولة من عملاء الشاه وأتباعه، ومن الخبراء الأجانب غير الموثوق بهم، حتى استطاع بناء حكومته الإسلامية المرجوة، هذه الحكومة التي استطاع حمايتها بقيادته الحكيمة والشجاعة والصلبة للجماهير الإيرانية المناضلة من الغزو العراقي المدعوم سعوديًّا وأميركيًّا، رغم ما كانت عليه إيران عمومًا وقواتها المسلحة خصوصًا من ضعف شامل بعد الصدامات الطويلة والقاسية في الثورة.

    وانتهت الحرب، ليموت بعدها الإمام بعام واحد بعد أن أدّى مهمته وقاد الجماهير في مسيرة ثورتها العسيرة حتى وطدت حكومتها وثبتت أركانها، وكانت على بداية طريق النهوض كدولة قوية ومهيبة ومُستقلة عن أي هيمنة أميركية أو غير أميركية، ترعى مصالحها الوطنية ومصالح شعبها دون أي تدخل أجنبي جائر.

    وقد عاش ومات الإمام الخميني زاهدًا فقيرًا متواضعًا، مُفترشًا الأرض طوال حياته، يأكل أبسط الطعام، ويسكن بمنزل صغير حتى بعدما أصبح في قمة السلطة الدينية والدنيوية معًا، ولم تتجاوز ممتلكاته الدنيوية الدوشك (أي بطانيته التي ينام عليها) وصندوق ملابسه وكتبه، وهذا من شهادات المراقبين المحايدين[19]، بل ومن ما يمكن اعتباره إقرارًا بالذمة المالية قدمه في تعريفه بنفسه[20]، فهو الرجل الذي احتقر الدنيا ووضعها طرف حذائه، عالمًا عاملًا بحكمته الفذة: “إذا كنت لا ترى في طلب الدنيا عارًا، فلا تطلبها من مخلوق ضعيف مثلك على الأقل”.

الجوانب الثورية في فكر الإمام الخميني

    إذا تناولنا فكر الإمام الخميني من منظور قضايا عصره فإن ثوريته ستتكشف لنا في ست قضايا أساسية، وهي:

  1. موقفه من الاستعمار العالمي.

    كان موقف الإمام الخميني الثابت هو رفض كافة أشكال الاستعمار والسيطرة من أقصى صورها ودرجاتها حتى أدناها، فلم يستثن قوة كبرى ذات مطامع من حسابات التصدي والمقاومة، حيث كان الاستقلال الوطني في مواجهة المطامع الغربية والشرقية على السواء هو هدفه الأول، بحيث أعلن شعارًا طبقه بإخلاص هو “لا شرقية ولا غربية”، فلم يستخدمه كغطاء للأمركة كما فعلت كثير من الأنظمة العميلة بالمنطقة وقتها، حيث وضع الإمام الخميني هذا الاستقلال كمرتكز للتعامل مع كافة الدول والقوى، وللانطلاق في كافة الممارسات السياسية الدولية، بحيث تتناسب المسافة ما بين إيران وأي قوة دولية تناسبًا طرديًّا مع حجم مطامعها ودرجة ميولها الاستعمارية، كما وضع هذا الاستقلال باعتباره العمل انطلاقًا من المصالح الوطنية الاستراتيجية والمرتبطة بالصالح العام للشعب، وليس بالارتهان بأي طرف دولي، ولا بالمراهنة على أي طرف، مُنطلقًا من “قناعة راسخة في العمل التحرّري تتلخص في أن نهوض الأمة من كبوتها رهن بالخروج من أسر المراهنة على الشرق في مواجهة الغرب، وعلى الغرب في مواجهة الشرق”[21].

    ورغم وصفه للقوتين العظميين في زمنه بـ “قطبي نهب العالم” إلا أنه كان على وعي بالفرق الهائل ما بين الاثنتين، وبحيث قدّم أميركا باعتبارها “الشيطان – الاستعماري – الأكبر”.

    ويؤكّد هذا الشيخ حسين كوراني بقوله: “ويتكرر دائمًا في نص الإمام مصطلح الاستعمار الشرقي والغربي، إلا أن هذا لا يتم أبدًا على حساب أولوية التصدي لأمريكا واعتبارها رأس الحربة ومصدر كل شر؛ فقد سأله مراسل     الـ إن.بي.سي عن تعريف الأجانب، فأجاب: على رأسهم أمريكا التي أصبح نفوذها في كل شؤون الدول معروفًا”[22].

    وقد اعتبر الإمام الخميني أن قضية إيران هي مواجهة الاستكبار العالمي ودحره، وذلك بجمع كلمة المستضعفين وتوحيد شتاتهم على مستوى العالم كله ضدهم، فقد “وضع تقسيمًا شاملًا للمجتمع الدولي على أساس الاستكبار والاستضعاف؛ فهناك جبهة المستكبرين التي تضم القطبين العالميين وحلفاءهما وأتباعهما، وهناك جبهة المستضعفين التي تشمل الدول والشعوب التي تعيش ظلم الجبهة الأولى واستغلالها وسيطرتها”[23]، ويقول: “يتعين على شعب إيران خصوصًا والمسلمين عمومًا بذل كامل وسعهم لحفظ هذه الأمانة الإلهية…، وأن تتفق كلمة جميع الحكومات والشعوب على ضرورة هذا الأمر، فيقطعوا دابر القوى الكبرى ناهبة العالم والمجرمين التاريخيين إلى الأبد، ويرفعوا أياديهم عن رؤوس مظلومي العالم ومضطهديه”[24].

    ولم يجره هذا الموقف لاتخاذ موقف معادٍ للأجانب كبشر، فهو أجاد التمييز ما بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، رغم تحميله لهذه الشعوب مسؤولية صمتها عن سياسات حكوماتها، مع تقديره البالغ لمن وقفوا إلى جانب الحق وساندوا إيران في تحركاتها المشروعة والعادلة، فبقوله: “أنا أدين الدول الكبرى المعتدية،… لا شعوب هذه الدول، وأنا أشكر الناس الغربيين الذين دافعوا عن شعبنا”[25]، وقوله: “إن شعبنا متنفّر من حكومة أمريكا ودولتها بسبب الهيمنة الأمريكية،… وأنا قلق من أن تؤدي هذه التدخلات إلى تنفر الشعب الإيراني من الشعب الأمريكي، فيجب على الشعب الأمريكي أن يحمل دولته على عدم التدخل في شؤوننا الداخلية”[26]، كذا “إننا نفرق بين الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية، ونريد من الشعب الأمريكي أن يدعم الثورة في إيران”[27].

    وقد بنى على هذا أن المواقف من الدول قائمة على مبادئ وسياسات – وليس على مواريث الماضي – مهما كان سوءها، فـ “ستكون علاقاتنا مع أمريكا وكذلك سائر دول العالم على قاعدة الاحترام المتبادل، ولن نعطي أمريكا حق تقرير مصيرنا”[28]، كما أنه “في الحال الحاضرة يقف الاتحاد السوفياتي والصين في الصف المعادي لشعبنا من خلال دعمهما للشاه، وفي المستقبل ستبنى سياستنا الخارجية على ضمان حرية البلد واستقلاله والاحترام المتبادل، وعليهم أن يتخذوا قرارهم وفقًا لذلك”[29].

    وقد كتب في وصيته تأكيدًا نهائيًّا لكل هذه المعاني، فقال: “وصيتي إلى وزراء الخارجية في هذا العصر وما بعده هي أن مسؤوليتكم مسؤولية كبرى، سواء على صعيد إصلاح وضع الوزارة والسفارات، أو على صعيد السياسة الخارجية وحفظ استقلال البلاد ومصالحها وإقامة علاقات حسنة مع الحكومات التي لا تنوي التدخل في شؤون بلدنا، فعليكم أن تجتنبوا اجتنابًا تامًّا كل أمر تُشتمّ منه رائحة التبعية بكافة أبعادها، ويجب أن تكونوا على علم بأن التبعية في بعض المجالات تؤدي إلى تفسخ جذور الدولة وإن كان لها منافع وقتية”[30].

    كما أكد قبلها على أن النصر سيكون حليف المظلومين، ومهما كانت الظواهر الخارجية وما توحي به من انهزام، ومهما كان ما تمتلكه قوى الاستكبار العالمي من قوى وما تمارسه من غطرسة، فيقول: “نحن أعرضنا عن الشرق والغرب، عن الاتحاد السوفياتي وأمريكا؛ لندير بلادنا بأنفسنا، فهل من الحق أن نتعرض بهذا الشكل لهجوم الشرق والغرب؟! إنه لاستثناء تاريخي في أوضاع العالم الحالية أن يكون هدفنا منتصرًا حتى بموتنا وشهادتنا وانهزامنا الظاهري”[31].

    بل لو تجاوز الأمر الانهزام وصولًا للفناء فلا تنازل عن المبدأ ولا تراجع عن مسألة الاستقلال، فـ “إيران لن تمد يدها نحو أمريكا أبدًا إن شاء الله، حتى لو تعرّضت للفناء”، فيخطئ هؤلاء الذين “يتصورون أننا سنستسلم لأمريكا في سبيل النفط أو أي شيء آخر، والحال أننا لن نستسلم لأحد أبدًا حتى الفناء”[32].

  1. 2. موقفه من الحكّام الفاسدين والمستبدّين والملكيات.

    إذا جاز لنا اختزال حياة الإمام الخميني قبل الثورة والحكم في كلمة واحدة فلربما اختزلناها في كلمتين لا غير، وهما “مقاومة الظلم”، فجهاد الرجل ضد الشاه بفساده واستبداده وعمالته كان معركة طويلة لا هوادة فيها ولا رحمة، كما أن خطبه وكتاباته الحافلة في هذا المجال تحتاج مجلدات لاحتوائها.

    فهو يرفض الفساد المالي الذي ينهب عرق المستضعفين لرخاء الحكام، ويهاجم الحكام وعلى رأسهم الشاه لإسرافهم وترفهم، فيقول: “انظروا إلى ما يفعله رؤوساء الجمهوريات!! وكيف يعيش هؤلاء السلاطين!! انظروا ما حدث في إيران، إن الشاه بالإضافة إلى فساده وظلمه يتلاعب ببيت مال الشعب وبيت مال المسلمين بكل حماقة،…، لقد ذكرت عدة مرات شخصًا كتب لي أن واحدة من أخوات الشاه أخذت فيلا في مكان ما في الخارج، وأذكر أن الثمن كان مرتفعًا جدًّا بشكل يحير العقول، والذي أذكره من تفاصيل الموضوع أن تكاليف تشجير تلك الفيلا وتزيينها بالورود بلغت خمسة ملايين دولار، أي 35 مليون تومان،… لقد رأينا سلطانًا [يقصد الإمام علي بن أي طالب] يطفئ المصباح كي لا يبقى مُضاء لمدة دقيقتين يتكلم أثناءها مع أحد الأشخاص كلامًا عاديًّا لا يتعلق ببيت المال”[33].

    ويرفض العمالة للخارج على حساب المصالح الوطنية ومصالح الفقراء في الوطن، فيعلن بوضوح عمالة الشاه المتعاون مع إسرائيل ضد المسلمين، والمهدِر لثروات بلاده في خدمتهم، بينما يعاني الشعب ضيق العيش بسبب تفريط الحاكم، فيقول: “الأمة تعيش حالة الشظف، والسلطات تمعن إسرافًا في الأموال، وتمعن في زيادة الضرائب، تشتري طائرات الفانتوم ليتدرب عليها الإسرائيليون، وبما أن إسرائيل في حالة حرب مع المسلمين فكلّ من يساعدها ويساندها هو بدوره في حرب مع المسلمين، وقد بلغ النفوذ الإسرائيلي في بلدنا حدًّا لا يُطاق، حتى أن العسكريين الإسرائيليين يتخذون من أراضينا قواعد لهم وأسواقًا لبضائعهم، مما سيؤدي إلى اندحار أسواق المسلمين تدريجيّاً”[34].

    كما يرفض الاستبداد، ويطالب في وصيته السياسية بحكومة الحق المقامة لأجل المستضعفين والمناطة بالوقوف في وجه الظلم وإقامة العدل: “إن المرفوض في نهج الأنبياء – عليهم السلام – والذي حذروا منه إنما هو الحكومات الشيطانية الظالمة المستبدة التي تقوم لأجل التسلط ولدوافع دنيوية منحرفة، ولجمع المال والثروة والسعي للتسلط والتجبر، وبالنتيجة الدنيا التي تسبب غفلة الإنسان عن الله تعالى، أما حكومة الحق المقامة لأجل المستضعفين والوقوف بوجه الظلم والجور وإقامة العدالة الاجتماعية – كالحكومة التي أقامها سليمان بن داود ونبيّ الإسلام العظيم (ص) وما سعى إليه أوصياؤه العظام – فإنها من أجلّ الواجبات، والسعي إليها من أسمى العبادات، كما أن السياسة الصحيحة التي مارستها تلك الحكومات هي من أوجب الأمور”[35].

    وأعلن بوضوح لا يحتمل اللبس رفض الإسلام للأنظمة الملكية الوراثية أيًّا كان شكلها ونوعها، فـ “النظام الملكي يناقض الحكم الإسلامي ونظامه السياسي؛ فلقد أبطل الإسلام الملكية وولاية العهد، واعتبر في أوائل ظهوره جميع أنظمة السلاطين في إيران ومصر واليمن والروم غير شرعية،… إن الملكية وولاية العهد هو أسلوب الحكم المشؤوم الباطل الذي نهض سيد الشهداء الحسين (ع) لمحاربته والقضاء عليه، وإباءً للضيم، واستنكافًا من الخنوع لولاية يزيد ومُلكه، قام بثورته التاريخية ودعا المسلمين جميعًا إلى مثل ذلك، فليس في الإسلام نظام ملكي وراثي”[36].

    فلم يكن الرجل ممن وصفهم بوعّاظ السلاطين دعاة الخضوع للطغاة وعبادة الحكام، أولئك المنادين بحرمة الخروج على الحاكم، بل إنه كثيرًا ما حمل عليهم وهاجمهم باعتبارهم عبّاد الدنيا وخدم الطاغوت، فقال في شأنهم: “ما أدري لماذا يتمسك بعض الناس بروايتين ضعيفتين في مقابل القرآن الذي أمر موسى بالنهوض في وجه فرعون وهو أحد الملوك، وفي مقابل ما ورد من الأحاديث الكثيرة الآمرة بمحاربة الظالمين ومقاومتهم، فالكسالى من الناس هم الذين يطرحون كل ذلك جانبًا ليتمسكوا بروايتين ضعيفتين تزكّي الملوك وتبرر التعاون معهم، ولو كان هؤلاء متدينين لرووا إلى جانب تينك الروايتين الضعيفتين مجموعة الروايات المناهضة للظلمة وأعوانهم، مثل هؤلاء الرواة لا عدالة لهم؛ لما بدر منهم من انحياز إلى أعداء الله وابتعادهم عن تعاليم القرآن والسنة الصحيحة، بطنتهم دعتهم إلى ذلك لا العلم، وفي البطنة وفي حب الجاه ما يدعو إلى السير في ركاب الجائرين”[37].

    بل إنه لينادي بالحرب على الطاغوت ويحرض على تدميره، فيقول: “علينا محاربة الطاغوت؛ لأن الله تعالى قد أمر بذلك، وهو قد نهى عن طاعة الطاغوت والسير في ركابه، وعلى السلطات غير العادلة أن تخلي مكانها لمؤسسات الخدمات العامة الإسلامية،… وقد ندبنا الله في كتابه الكريم إلى الوقوف صفًّا كالبنيان في وجه السلاطين، وأمر موسى بمعارضة فرعون ومقاومته، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة “[38].

  1. 3. موقفه من الفقراء والمستضعفين.

    كان الفقراء والمستضعفون ضمن الاهتمامات المركزية للإمام الخميني، بل إنه ليكاد يكون مفهومي المستكبرين والمستضعفين المكونين المركزيين في فلسفته وفهمه للإسلام، لهذا فلا غرابة في صرخات الرجل المتكررة بالمستضعفين[39]:

    “يا مستضعفي العالم.. انهضوا واتحدوا، واطردوا الظالمين؛ فإن الأرض لله، وورثتها هم المستضعفون”.

    “إذا أراد مستضعفو العالم أن يعيشوا حياة إنسانية مشرقة فعليهم أن يتحدوا، وأن يحدوا من قدرة القوى التي تمتلك حق النقض”.

    “يا مستضعفي العالم، ويا أيتها الدول الإسلامية، ويا مسلمي العالم.. انهضوا وحاربوا بأيديكم وأسنانكم لأخذ حقوقكم”.

    “يا مستضعفي العالم.. انتفضوا على المستكبرين أكلة لحوم البشر، وخذوا حقكم منهم؛ فالله معكم، وهو لا يخلف الميعاد”.

    “على المستضعفين في جميع أنحاء العالم أن يهبّوا لأخذ حقهم بأيدٍ واثقة، وأن لا ينتظروا من أولئك أن يعيدوا لهم حقهم؛ فإن المستكبرين لن يعيدوا لأحد حقه”.

    “يا محرومي العالم ومظلومي التاريخ.. انهضوا ولا تنتظروا أن يبادر الظالمون إلى إطلاقهم من القيد”.

    “إن النصر النهائي يكمن في انتصار جميع المستضعفين على جميع المستكبرين”.

    “عيد الشعب المستضعف هو ذلك اليوم الذي يكون فيه المستكبرون قد دُفِنوا في الأرض”.

    ونلحظ من نداءات الرجل سعة أفقه، وعدم تقيده بقيود الدين ولا الفرقة أو المذهب، بل إن نداءاته المتكررة كانت دائمًا لـ “مستضعفي ومحرومي العالم”، و”مظلومي التاريخ”.

    كما أنه لم يتوقف عند مجرد النداءات المتكررة للمستضعفين بضرورة تحركهم؛ بل كان طبيعيًّا أن يربط هذه النداءات بتأصيلها أيديولوجيًّا وأخلاقيًّا بإعادة تأسيس العدالة والتأكيد عليها كمفهوم مركزي في دين الإسلام الحق الذي اختزله شيوخ السلطان في طاعة ولي الأمر الظالم في الغالب!! وحولوه عن مهامه الثورية التقدمية إلى خدمة السلطان والاستكبار[40]:

    “إن طريق الإسلام هو: دعم المستضعفين والدفاع عنهم”.

    “إننا – وتطبيقًا للإسلام العظيم – ندعم جميع المستضعفين”.

    “لا أظن أن هناك عبادة أفضل من خدمة المحرومين”.

    “لقد جاء الإسلام من أجل المستضعفين وأَوْلاهم الأهمية الأولى”.

    “أوصي الجميع بالسعي في سبيل تحقيق الرفاه للطبقات المحرومة؛ فإن في ذلك خير الدنيا والآخرة”.

    “ليس من الإنصاف أن يبقى إنسان بلا مسكن في حين يمتلك الآخر العمارات”.

    ولا يكتفي الخميني بهذا الدعم الديني لخدمة المستضعفين؛ بل إنه يردفه بتقريظ لأخلاقهم، وباعتراف بفضلهم بكافة فئاتهم الكادحة، وكيف يقوم عليهم تقدم المجتمع ومجد الدولة، كما يحمل على الأغنياء والمستكبرين وأخلاقهم الطفيلية والمنحرفة[41]:

    “اخدموا المستضعفين والمحتاجين وساكني الأكواخ؛ فهم أولياء نعمتنا”.

    “يجب أن نعمل على تخليص شعبنا من أخلاق سكان القصور”.

    “إن أكثر هذه الطبائع الفاسدة سرت من الطبقة المترفة إلى عامة الناس”.

    “إن طبائع سكان القصور لا تنسج والتربية السليمة، ومع الاختراع والتصنيف والتآلف وتحمل المصاعب”.

    “عندما نطالع مذهبنا ونلاحظ غنى فقهنا وفلسفتنا، ونتعرف على الذين وصلوا بهذا الفقه إلى هذا الغنى وأوصلوا الفلسفة إلى هذا الغنى سنرى أنهم من سكان الأكواخ، لا سكان القصور”.

    “لقد نزلت بنا مصائب كثيرة في أحداث الحركة الدستورية كان السبب فيها المترفين من سكان القصور، وكانت مجالسنا مملوءة بالمترفين، ولم يكن بينهم إلا عدد قليل من سكان الأكواخ، غير أن هذا العدد القليل استطاع أن يوقف الكثير من الانحرافات”.

    “الحمد لله… أن دولتنا ليست دولة المترفين، وفي اليوم الذي تتوجه فيه الدولة نحو القصور علينا أن نقرأ فيه الفاتحة على الدولة والشعب”.

    “إذا تخلى رئيس جمهوريتنا عن طبائع الفقراء وأصبح على طباع المترفين فإنه سيتعرض هو ومن حوله للانحطاط”.

    كما يعطي إشارات خاصة بالعمال والفلاحين، فيقول[42]:

    “العمال هم أثمن طبقة وأكثر الشرائح الاجتماعية نفعًا في المجتمعات”.

    “إن عجلة الإنتاج البشرية العظيمة تتحرك وتدور بأيدي العمال القوية”.

    “يوم العامل هو يوم دفن سلطة القوى الكبرى”.

    “إن العامل والفلاح هم الأساس في كل بلد، فالأساس الاقتصادي للبلد مرتبط بالعامل والفلاح”.

    “العمال والفلاحون أساس استقلال الوطن”.

    ومما يعكس الأثر الإيجابي للخطاب الفكري والسياسي والديني للإمام الخميني المؤيد للفقراء والكادحين في مواجهة المستغلين شهادة زعيم الحركة الإسلامية بتونس الشيخ راشد الغنوشي، حيث قال فيما يمكن اعتباره نوعًا من سيرة ذاتية: “في سنة 1981 وفي سياق انتفاضة العمال سنة 1978 استيقظ وعينا الاجتماعي فبدأنا نكتشف هذه الأبعاد الراسخة في نصوص الإسلام، مثل النص القرآني الذي أحياه فكر الخميني ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[43]؛ مصطلح جديد دخل خطابنا لأول مرة هو مصطلح المستضعفين في مواجهة المستكبرين، كما بدأنا نكتشف نصوص أحاديث نبوية تؤكّد على مناصرة الفقراء والمستضعفين ومقاومة الترف والاستغلال، فبدأنا نبرزها في خطابنا مثل أحاديث “كاد الفقر أن يكون كفراً”، “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر”، “اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا”. وعبّرنا عن تلك المعاني ضمن البيان التأسيسي سنة 1981 الذي أعلن عن ولادة حركة سياسية (حركة الاتجاه الإسلامي) عبرت عن التزامها الكامل بالفكرة الديمقراطية وعن انحيازها إلى صف الفقراء والعمال في صراعهم ضد طغيان الرأسمال”[44]، “بدأ التيار الإسلامي يدخل النقابات ويزاحم اليساريين، وصرنا ندفع قاعدتنا للانتماء للحركة النقابية من منظور أن في المجتمع صراعًا حقيقيًّا بين الرأسمالية وبين جماهير الناس المسحوقة، وأن الإسلام ليس حياديًّا وإنما منحازًا إلى الطبقة الفقيرة، وسرعان ما حدث تحول في عملنا اليومي؛ كنا في المرحلة الأولى عندما يدعو اليساريون في الجامعة وفي النقابات إلى الإضرابات نعمل على كسرها وندعو إلى إفشالها على اعتبار أن عملاً يقوده شيوعيون كفار لا بد بالضرورة أن يقاوَم، لقد تغيرت نظرتنا إلى الأمور وصرنا نعي أن الله لم يخلقنا لنقاوم الشيوعية، وإنما لنحقق أهداف الإسلام التي قد تلتقي مع الشيوعية وأي مذهب آخر في بعض النقاط، وأن أهداف الإسلام الأساسية قيام العدل في العالم، فقيمة العدل هي القيمة الكبرى في الإسلام، والعدل اسم من أسماء الله، فكيف نتورط في معارضة الذين يكافحون لأجل مصالح الفقراء والمستضعفين حتى لو كانوا يساريين؟!”[45]، “رأينا في الثورة الإيرانية شيخًا معمّمًا استطاع أن يقود ثورة المستضعفين ضد نظام مستبد عميل للإمبريالية وضد طبقة رأسمالية متعفنة، أهم ما قدمته الثورة الإيرانية لنا كان مقولة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، وهي ترجمة أخرى للصراع بين الفقراء والأغنياء للصراع الطبقي، ولكن في إطار إسلامي أشمل وبمصطلحاتٍ إسلامية”[46].

    وتعكس هذا المقتبسات الطويلة ذلك الأثر الهائل الذي تركته الأطروحات الثورية والتقدمية للإمام الخميني وللثورة الإيرانية على بعض من الحركات الإسلامية التي ظلت لفترة طويلة تخدم الظلم والطغيان الرأسمالي بوعي أو بغير وعي، ولا تبالي بحقوق الفقراء والمستضعفين والكادحين من عمال وفلاحين وغيرهم، وإن كان هذا الأثر – للأسف – لم يتوسع ليشمل كافة الحركات الإسلامية بما يمهد الطريق لتكوين نوع من لاهوت تحرير إسلامي، حيث عملت الرجعيات العربية على توظيف الموروث الديني الطائفي والطغياني التقليدي في قطع هذا الطريق، ولا عجب في هذا؛ فالمصالح الدنيئة والامتيازات الحقيرة مُقدَّمة على الدين عند أغلب ساكني القصور الذين لطالما انتقدهم الخميني وشكك دائمًا بإمكانية الاستناد إليهم!!

  1. 4. رفضه للإسلام السلطاني الطائفي.

    كما حارب الإمام الخميني الطغاة واستبدادهم، ونابذ فقهاء السلطان المنضوين تحت لوائهم كان طبيعيًّا أن يكشف ويعرّي تحريفاتهم للإسلام ومذاهبهم الضالة المضلّة التي نشأت ونمت في خدمة السلطان وهواه، والتي جمعها تحت اسم جامع هو الإسلام الأمريكي/السلطاني، أي الإسلام الموظف في خدمة الطغيان من استبداد ملكي وهيمنة أمريكية، ذلك الطغيان الذي كان القضاء عليه هو قضيته المركزية، فيكشف عن مغزى “ما ينفقه الملك فهد سنويًّا من مبالغ طائلة من أموال المسلمين على طبع القرآن الكريم والتبليغ بالوهابية – هذا المذهب المشحون بالخرافات والباطل جملةً وتفصيلًا – سعيًا في تطويع المسلمين والشعوب الغافلة للقوى الكبرى، والقضاء على الإسلام العزيز والقرآن الكريم باسم الإسلام والقرآن”[47].

    كما يرى أن الإسلام الحق لا يمكن أن يكون دينًا طائفيًّا تمزقه أشلاء الخلافات الفكرية والمذهبية مهما كانت، فقط رفض التعصب المذهبي، فـ “الإخوة السنة منا، ونحن معهم إخوة في كل شيء نريده لأنفسنا”، و”كلنا إخوة لأننا مسلمون، إننا نعيش التلاحم مع الإخوة السنة، نحن معهم وهم معنا، وإذا قال أحد كلامًا خلاف ذلك فهو يقصد الفرقة بين المسلمين”[48]، مُعتبرًا الفُرقة على أسس مذهبية إحدى القواعد الثابتة في الإسلام الطغياني المصنوع لخدمة الجور بأيدي فقهاء السلطان، فافتعال الصراعات المذهبية ما بين الفرق الإسلامية هو مؤامرة خطرة يدبرها أعداء الإسلام والأمة الإسلامية من ملوك وحكام وفقهاء يعملون في خدمة القوى الكبرى ومخططاتها، فـ “مؤامرة بث التفرقة ما بين المذاهب الإسلامية من الجرائم التي تخطط لها وتحرص على تعميقها القوى الكبرى وعملاؤها المنحرفون، وخاصّةً وعاظ السلاطين الذين فاق سواد وجوههم سواد وجوه سلاطين الجور”[49]، كما أن “أولئك الذين يريدون إيجاد التفرقة فهم ليسوا بسُنَّة ولا شيعة؛ إنهم عملاء للدول العظمى وفي خدمتهم”[50]، و”بينما تبذل إيران جهودها المكثفة لنشر وحدة الكلمة والتمسك بالإسلام العظيم، والاتحاد بين جميع المسلمين في العالم فإنّ الشيطان الأكبر يوعز إلى واحد من أقبح الوجوه الأمريكية وأخبثها وأحد أصدقاء الشاه المخلوع والمقبور ليأخذ فتوى من الفقهاء وأصحاب الفتيا من أهل السنة تقول بكفر الإيرانيين الأعزاء! حتى لقد أفتى بعض هؤلاء الأذناب قائلًا: “إنّ الإسلام الذي يدين به الإيرانيون غير ما ندين به من إسلام”! أجل إنّ إسلام إيران غير الإسلام الذي يدين به أولئك الذين يدعمون عملاء أمريكا”[51].

    كما أنه كثيرًا ما أكّد على رفض الإسلام لكافة أشكال الظلم والفساد والاستبداد وكافة صور الملكيات والملك العضود، كما سبق أن بينا في البند (3/2/ج).

  1. 5. تجاوز المفهوم التقليدي للتقية.

    بعد حسم الصراع بين الإمام علي ومعاوية بانتصار معسكر الأخير وتمكّنه من السلطة وتوقيعه الصلح مع الإمام الحسن، ورغم تضمن الصلح لشرط الأمان العام وعدم التعرض لأنصار آل البيت بعامة، فإن معاوية قد وضع نصب عينيه تأمين سلطته التي انتوى توريثها، مُتخذًا في سبيل ذلك كل التدابير الضرورية، والتي كان على رأسها القضاء على معارضيه ورافضي حكمه الذين يتصدرهم أنصار الإمام علي وآل البيت، لهذا لم يأل جهدًا – ومَن خلفه – في اضطهادهم بكافة الوسائل الممكنة، بدءًا من قطع الأرزاق، ومرورًا بالسجن والنفي والتعذيب، وليس انتهاءً بالقتل والصلب والتمثيل بالجثث مما لا يقبله دين ولا ضمير، حتى وصل الأمر بأن أصبح من الآمَن والأضمن للمرء أن يقال له “زنديق أو كافر” على أن يقال له “شيعيّ”.

    فكان هذا الاضطهاد هو ما جعل مبدأ التقية ضروريًّا، حيث لم يعد الأمر ترفًا ولا هوىً؛ بل ضرورة بقاء، خصوصًا مع تعزز الاضطهاد وتصاعده مع تواتر ثورات الشيعة وتكرارها، وكما يقول الدكتور محمد عمارة: إن “الذين يعرفون ما تعرَّض له الشيعة على مر التاريخ الإسلامي من محن واضطهادات – بلغت حد المأساة – لا يمكن أن يتصوروا بقاء التشيع رغم هذا الاضطهاد إلا مع احتماء الشيعة بهذه (التقية).. فهي درع أُجبر الشيعة على التدرع به اتقاءً للاضطهاد وهربًا من الهلاك والفناء”[52].

    والحقيقة أن مفهوم التقية بهذا المعنى هو مفهوم إنساني عامّ، مارسته أي جماعة إنسانية تعاني الاضطهاد، فليس الأمر حكرًا على الشيعة، وإن كانوا هم من أصَّلوا له فكريًّا وفقهيًّا بحكم كونهم مِن أكثر من تعرضوا للاضطهاد، وبالتالي كانوا الأكثر حاجة لذاك المفهوم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بحكم كونهم فرقة تميل للتأصيل والتدقيق والترتيب والتصنيف في ظل وجود هيئة مرجعية مُنظمة من الأئمة الأوائل ومن المراجع والآيات والمجتهدين المتأخرين.

    وقد عرَّفها الشيخ المفيد بأنها “كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضررًا بإظهار الحق ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية”[53]، فالتقية ليست مُطلقة؛ بل إنها مُناطة بالظرف الموجب لها، وإلا سقطت.

    كما أنها أساسًا مُقسمة فقهيًّا للأقسام الفقهية التقليدية: ما بين الواجبة والمستحبة والمباحة والمكروهة والمحرمة، ومحكومة بقواعد فقهية مشهورة ومُتفق عليها: كقاعدة تقديم أقلّ الضررين، وتقديم أوجب المصالح، وقاعدة براءة المكره، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات… إلخ.

    والتقية المحرمة هي التي ترتبط بمصلحة أو بمفسدة عظيمة، كتلك المتعلقة بالدم والفتوى، أمّا المكروهة فتلك التي يترتب عليها مكروه بغير داعٍ أو مُوجب أو ضرورة.

    إلا أن المشكلة كانت في التوسع بلا مُوجب مِن قِبَل كثير من العلماء في الالتزام بالتقية، وخصوصًا في الجانب السياسي، حتى كاد الأمر يصبح عرفًا وقانونًا، لولا مرات نادرة هي في حكم الاستثناءات التي تثبت القاعدة ولا تنفيها، وهى استثناءات في قضايا قليلة الأهمية، ولا تمثّل صدامًا حقيقيًّا وجذريًّا مع السلطة، حيث استمرت قاعدة تغليب التقية على مر السنين وصولًا للسادة المعاصرين للإمام الخميني، حيث تركوا الحبل على الغارب للشاه وتجبره، حتى كانت واقعة الهجوم على المدرسة الفيضية وقتل واعتقال الكثيرين، وذلك على خلفية ما حدث من خلافات وصدامات مع حكومة الشاه بخصوص ما سماه بـ “الثورة البيضاء”، والأهم تعاونه مع إسرائيل وأميركا ضد الدول العربية والإسلامية، والتي تصدّى فيها الخميني للشاه بصلابة، محمِّلًا إياه كامل المسؤولية عن تلك الجرائم وغيرها، ومُنتقدًا سكوت العلماء، مُعلنًا أن “السكوت اليوم معناه التضامن مع النظام المتجبر”[54]، كما أصدر بيانًا شهيرًا بعنوان: “محبة الشاه تعني الخراب”، مُحرِّمًا التقية قطعيًّا في مثل هذه المواقف مهما كانت النتائج، ومُطالبًا العلماء بمواجهة الشاه، متوجهًا لهم بقوله: “تكلموا أيها الإخوة، قولوا كلمتكم، فماذا يستطيعون أن يفعلوا لو تحدث جميع علماء الإسلام عن أمر ما؟! وقد حل بالإسلام الخطر”[55].

    ثم يؤكد في موضع آخر “منذ القِدم كان الأنبياء – عليهم السلام – وإلى نبوّة الرسول الأكرم (ص) ثم خلال إمامة الأئمة (ع) جميعهم كانوا يواجهون الظلم، حتى حين وجودهم في السجن فقد كانوا يواجهون الظلم؛ فموسى بن جعفر (ع) لم يترك مسؤوليته في المواجهة حتى عندما كان يرزح في السجن، وكذا أبو عبد الله الحسين (ع)، فقد كان يقف بوجه هؤلاء رغم التقية الكذائية والكذائية، تنقل الرواية المقبولة أنه كان يقف ضدهم بالكلام ويمارس التبليغ ويحرك الناس لمعارضتهم”[56].

    ويأتي بخلاصة القول في كتابه (الحكومة الإسلامية) فيؤصل للمسـألة قائلًا: “لا ينبغي التمسّك بالتقية في كل صغيرة وكبيرة؛ فقد شُرّعت التقية للحفاظ على النفس أو الغير من الضرر في مجال فروع الأحكام، أمّا إذا كان الإسلام كله في خطر فليس في ذلك متسع للتقية والسكوت، ماذا ترون لو أجبروا فقيهًا على أن يشرّع أو يبتدع ؟! فهل ترون أنه يجوز له ذلك تمسكًا بقوله (ع): “التقية ديني ودين آبائي” ؟! ليس هذا مِن موارد التقية أو من مواضعها، وإذا كانت ظروف التقية تلزم أحدًا منا بالدخول في ركب السلاطين فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله”[57].

    فتجاوز الخميني للمفهوم التقليدي الشائع والشائه والخانع للتقية هو الوجه الآخَر لرفضه للاستبداد والفساد والطغيان، كذا رفضه لتدجين الإسلام ووضعه في خدمة السلطان.

  1. 6. التجديد لمفهوم ولاية الفقيه.

    ليس الاعتقاد بالمنقذ الذي يأتي آخر الزمان ليملأ الأرض عدلًا بعدما مُلئت جورًا بالاعتقاد القاصر على الشيعة؛ بل هو اعتقاد عالمي بكل ما لكلمة عالمي من معنى، ففكرة المنقذ فكرة راسخة عند كافة الأمم والشعوب فيما نعرف، وهى ثابتة بكافة الأديان السماوية وكثير من غير السماوية إن لم يكن كلها، فما يعيشه البشر مِن ظلم وجور يبدو أحيانًا بلا نهاية، ولا يبدو معه ومع طغيانه وفجوره واشتداد ظلماء ديجوره بارقة أمل لا يجد البشر السلوى سوى في الإيمان بغد بعيد يأتي فيه المنقذ العادل الذي يعيد الأمور إلى نصابها، ناشرًا الحق والخير والجمال في كافة ربوع الأرض.

    وهذا ظرف عامّ نجد أثره في معتقدات البشر كافة وبقدر عموميته ذاتها، أما الخاص في الأمر المتعلق بالشيعة كفرقة فنابع من تاريخهم الخاص كفرقة مظلومة ومُضطهدة تكونت عقائدها في مواجهة الظلم الفادح الواقع عليها على مدى تاريخ طويل، والذي لشهرته لسنا ملزمين بالخوض فيه.

    كما أن الفلسفة التي قام عليها التشيع ذاته باعتباره تشيعًا لفئة محدّدة وواضحة المعالم مُمثلةً بآل البيت وما ارتبط بها من عقيدة الإمامة التي جعلوها أحد أركان الإيمان، كان لها أثرها في التجسد الأكثر خصوصية لعقيدة المنقذ لدى الشيعة، حيث المنقذ المنتظر هو المهدي المنتظر عليه، وهو إمام آخر الزمان المناط به إقامة دولة الحق والعدل دولة الإسلام، فهو “الرابع عشر من الأطهار، الإمام المحجوب عن زماننا، يقيم في عالم فوق طبيعي لا يُرى للبشر حتى ظهوره المقبل، رجعته النهائية التي تختم المرحلة الحاضرة من عالمنا، فالزمن الذي نعيشه هو زمن غيبته كإمام مُنتظر”[58]، وهو الذي أنبأ به النبي الإمام علي (ع) بقوله: “إن الأئمة يكونون من بعدي اثني عشر، الأول هو علي بن أبي طالب، الثاني عشر هو القائم، المهدي، وهو الهادي الذي يأخذ الله بيده ليعمل على فتح مشارق الأرض ومغاربها”، وقوله: “الأئمة الهادون المهديون سيكونون يا عليّ اثني عشر من ذريتك، أنت أولهم، وآخِرهم يكون على اسمي، وعندما يظهر يملأ الأرض عدالة وألفة، كما هي الآن ملآنة جورًا وعسفًا”[59].

    فدولة الحق والعدل إذن لا يقيمها سوى الإمام، هكذا هي العقيدة الرسالية، وهذا هو الخط العام الذي تشابكت حوله الاجتهادات والمسالك، حتى تبنّى الإمام الخميني الرأي الجهادي بقوله: “لقد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر،… في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام مُعطلة يعمل خلالها الناس ما يشاؤون؟! ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟!”[60].

    وهكذا دعا الإمام الخميني لرؤية مفادها ضرورة أخذ الأمر بالإرادة عاجلًا لا آجلًا، مُحفّزًا الشعب – وفي مقدمته الفقهاء – على التحرك لدفع الظلم والثورة على الجور؛ لإقامة حكومة العدل، بدلًا من الانتظار الذي قد يطول “ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر”.

قيادة الثورة.

    بعد الانقلاب الأمريكي على الثورة المصدقية، وما شنّه الشاه من حملات تصفية وسجن وخلافه ضد كافة قوى المعارضة لم يبق أي قوة منظمة فعليًّا لمواجهة طغيان الشاه سوى الحوزات العلمية، فحتى ما بقي من أحزاب وما أُنشيء من حركات المعارضة المسلحة لم يكن قادرًا على حشد الجماهير وقيادتها ضد النظام الذي اتخذ الإرهاب منهجًا لبقائه وفرض وجوده، مُستندًا لما كدّسه من أكوام الأسلحة التي اشتراها بدم وعرق وثروات الشعب المسكين، وبجهاز السافاك الإجرامي الذي كفل له ملاحقة المعارضة وتصفيتها، فوق التنصت على ما تسره الألسن وتلحظ به العيون!!

    فقط الحوزات العلمية ورجال الدين هم من كانوا يستطيعون قيادة الشعب بما يمتلكونه من تنظيم وتراتبية تعليمية مُحكمة وقنوات اتصال دائمة ومستقرة مع جماهير الشعب، بما يكفل سيولة الاتصال وقوته وسريته عند اللزوم، كذا استحالة قطعه، حيث يشترط الأمر عندها تحطيم التنظيمات الحوزوية وقنوات الاتصال ما بين الشعب ورجال الدين، وهو المستحيل بعينه؛ حيث يعني واقعيًّا الحرب ضد الدين نفسه!!

    وفي ظل هذه الظروف فإن الوضع التاريخي نفسه هو ما أناط مهمة القيادة برجل دين، فلم يكن غير رجل دين ثوري قادرًا على تحريك وتفعيل هذا التنظيم الوحيد القادر على معارضة النظام وإسقاطه.

    كما أن ما كان الشاه يمارسه عبر نظامه من قمع وحشي لم يكن لأحد أن يواجهه سوى بعقيدة راسخة الجذور مدعومة باستعداد استشهادي يتم بثه وتنميته في قلوب وعقول الجماهير عبر سنوات بحيث تواجه الرصاص والدبابات والطائرات بلا وجل، فلا الموت ولا ما هو أكبر منه سيثنيها عن هدم دولة الظلم، ولم يكن أقدر من الإمام الخميني على التصدي لهذه المهمة والقيام بها بفكره الثوري السباق، وبشجاعته وصلابته وإصراره الذي لا يلين؛ فهو الرجل الذي واجه النظام بفساده وعمالته، وهو الرجل الذي أعلن بوضوح وبشكل لا يحتمل اللبس ضرورة إسقاط النظام وإقامة دولة عادلة عندما كان ذلك النظام في أوج قوته وجبروته، والذي أعلن ضرورة المبادرة بمواجهة الظلم وعدم انتظار المنقذ الذي قد يتخلف آلاف السنين، كما ربط إسقاط النظام الفاسد بقضايا المسلمين والمستضعفين، والأهم بمواجهة القوى الاستكبارية الاستعمارية، أيضًا هو الرجل الذي وضع نفسه في صفوف المستضعفين وعلى رأسهم في مواجهة الطاغوت.

    لهذا لا عجب أن اتجهت كافة القوى السياسية للتعاون مع الرجل، وبحيث تصدَّر المشهد كقائد ورمز لمعارضة نظام الشاه، فلم تكن هناك زعامة وقيادة ذات وزن جماهيري كبير بعد مُصدق لسحب المعارضة خلفها، خاصّةً وقد أعلن الرجل منذ منتصف الستينات عدم شرعية النظام القائم وضرورة إقامة حكومة العدل الإسلامية، بما يعني إسقاط نظام الشاه.

    وأكثر ما يدل على الاعتراف الكامل بهذه الزعامة ما أورده البعض عن تنسيق ما بين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع الخميني، وما جرى بينهما من اتصالات بخصوص مناهضة الشاه، ودعم وتدريب المعارضة[61].

    وقد صنعت كاريزما الإمام الخميني – إلى جانب التنظيم الحوزوي المحكم – التأثير الجماهيري المطلوب، فحشدت الجماهير في المساقات السياسية المنشودة ضد الشاه، وهو الأمر الذي اختبره الخميني للمرة الأولى بنجاح في الثورة الأولى عام 1963 عندما استطاع استغلال فرصة الاحتفالات بيوم عاشوراء، وألقى خطابه العنيف ضد الشاه وسياساته الموالية لأميركا وإسرائيل.

    والحقيقة هي أنه من الصعب حصر دور الإمام الخميني في تلك الثورة الكبرى، فإذا كانت الأحداث التاريخية الكبرى لا تُصنع صنعًا، فإن الأثر الكبير والبصمات الواضحة للإمام الخميني على الثورة الإيرانية وتحولاتها يكاد يقود البعض لاعتباره صانعًا للحدث من ألفه إلى يائه خارج سياقه الطبيعي، وهو الأمر غير الحقيقي والذي لم يتيسر حتى اليوم لجنس بشر؛ فالأحداث التاريخية الكبرى أكبر من أن يصنعها إنسان فرد مهما كانت عظمته وقدرته، علاوةً على ما في ذلك من افتئات تاريخي كبير!!

    وهذا القول لا ينفي حقيقة هامة، هي أن هذه الثورة ربما تأخّرت كثيرًا لو غاب عنها شخص الإمام الخميني وزعامته، كما أن الخميني نفسه مَن أكّد على أن التاريخ تصنعه الجماهير وليس البطل، فيقول في إحدى إعلامياته التحريضية: “يُقال أحيانًا إن البطل هو جوهر التاريخ، لكن من قال ذلك فهو مخطئ؛ إن الشهيد هو جوهر التاريخ، الروح الدافعة وراءه”[62].

وقد كان تفجير الإمام الخميني للثورة الأولى عام 1963م بمثابة البروفة الثورية لثورة 1979م، حيث دُربت الجماهير على مواجهة السلطة وتحطيم هيبتها بالصدام والاستشهاد، وبمواجهة أجهزتها الغاشمة الجبارة التي صدرت عن نفسها دائمًا صورة الأجهزة التي لا تُقهر، وقد كان هذا التدريب ضروريًّا بلا شك رغم ما نتج عنه من ضحايا تجاوزوا العشرين ألف شهيد وآلاف الجرحى حسبما سبق بيانه.

كما كانت الإعلاميات التحريضية للإمام الخميني بحد ذاتها – لا نقول فقط إحدى – أهم الوسائل الثورية التي عملت على التعبئة المتواصلة للجماهير على مدى سنوات[63]؛ حفاظًا على اشتعال الجذوة الثورية في نفوس الجماهير حتى بلوغ اليوم المنشود الذي تنفجر فيه تلك الجذوة بركانًا يكتسح الشاه ونظامه المتفسخ.

 أمّا عن مساهمته الأخرى الكبرى: فكانت في تحييده لقدر هائل من قوة الجيش الذي مثّل دائمًا قاعدة النظام وسنده الأمين، والذي يعود إليه وجوده ذاته منذ صعد رضا بهلوي إلى سدّة الحكم عام 1925م، والذي حظي دائمًا بتدليل زائد – خاصّةً لكبار ضباطه – لضمان ولائهم، كما اتُبعت به سياسة تعيين الأقليات في بعض المراكز الحساسة لضمانه تقديم ولائهم للنظام على الولاء للشعب الذي تتكون أغلبيته من طائفة أخرى مغايرة.

    وقد أدرك الإمام الخميني أن الجيش هو العقبة الكأداء أمام أي ثورة، فلا أمل بنجاح الثورة بدون تحييد الجيش، فلم يكن الخميني مُقتنعًا بإمكانية انتصار حركات المقاومة المسلحة على الجيش مهما أوتوا من سلاح؛ حيث لا مجال للمقارنة ما بين قدراتهم الشديدة المحدودية، والقدرات الجبارة للجيش الشاهنشاهي الذي تُنفق عليه المليارات كما سبق ذكره، وقد رأى مُحقًّا أن “الطريقة الوحيدة لمحارية الجيش هي نزع سلاحه”[64]، ورغم صعوبة تحقيق هذا لما سبق ذكره من امتيازات، والتركيبة الأقلوية بالجيش، ومدى الارتباط بالشاه فإنه لم ييأس، وبدأ في تنفيذ خطته، فشرع بإرسال إعلاميات متتالية متزايدة للقوات المسلحة برسائل بسيطة متدرجة ومتطورة.

    ففي البداية: “عليهم ألاّ يخدموا الشاه؛ فالشاه هو الشيطان الطاغوتي المتجسد، وهم جند الله المستضعفون، وينبغي عليهم ألّا يطلقوا الرصاص على إخوانهم من المسلمين؛ لأن كل رصاصة تصيب قلب مسلم هي أيضًا رصاصة تصيب قلب القرآن، يجب أن يعودوا إلى قراهم ولأسرهم وأراضيهم، يجب أن يرجعوا إلى المسجد، إلى الله”[65].

    وبعدما وجد بوادر استجابة طور ندائه ليصبح: “فلتتركوا الجيش بأعداد صغيرة إما فرادى أو كل اثنين أو ثلاثة معًا، فأنتم جند الله، خذوا أسلحتكم معكم، فهي أسلحة الله”[66].

    وفي ضوء استراتيجية واضحة رسمها الإمام الخميني في مخيلته للصدام المتوقع في الثورة فقد ربط بما سبق من توجيهات لجنود الجيش توجيهات أخرى للجماهير الثائرة؛ حيث نبهها لعدم الرد بالعنف على الجنود، بل محاولة كسبهم وكسب قلوبهم؛ فهم في النهاية من الشعب، وسيعودون إليه بعدما تكسر الجماهير بدماء شهدائها الحلقة التي تربط الجنود بالشاه، واضعًا تلك التضحيات في إطار العقيدة الاستشهادية الراسخة إسلاميًّا بصفة عامة، وشيعيًّا بصفة خاصة.

ثم كان لقيادته الواعية باستحالة الحلول الوسط ولشخصيته الحادة في الحق والمستقيمة استقامة السيف أثرها في استكمال الثورة حتى نهايتها دون أدنى مساومة أو مصالحة، فلا توجد حلول وسطى بين المستضعفين والمستكبرين.

    وبالنهاية يمكن القول: إن تبنّي الإمام الخميني للجوهر الثوري للإسلام باعتباره جهادًا للمستضعفين ضد المستكبرين بكافة معاني هذا الجهاد، وبكافة جوانبه داخليًّا وخارجيًّا وقدرته بحكم مكانته الدينية وكاريزميته الشخصية على تفعيل هذا الفهم جماهيريًّا بنقله إلى جماهير الشعب الواسعة وإصراره على استحالة الحلول الوسطى مع الطغيان هو الدور الرئيسي الخميني الذي استطاع من خلاله وفي ظل ظروف إيران – التي ضعفت فيها كافة القوى الثورية والتقدمية – من قيادة الشعب الإيراني إلى النجاح في ثورته العظيمة، وتحرير بلاده من أسر الاستبداد الشاهنشاهي والهيمنة الأمريكية.

خاتمة.. ما يبقى من الإمام الخميني للتاريخ.

    إن الأسس الثورية التي أرساها الإمام الخميني من انحياز للمستضعفين ضد المستكبرين، ومن رفض للتبعية وإصرار على الاستقلال الكامل لهي من التقاليد التي ستبقى تاريخيًّا مهما حالت الأحوال، كما أن إيران الدولة القوية المستقلّة والمتحرّرة من الهيمنة الغربية والشرقية على السواء هي – إضافةً لكونها نتاج لتضحيات أبناء شعبها العظيم – فإنها أيضًا لممّا يُحسب ضمن إنجازات القائد الذي قاد ذلك الشعب في معركة تحرره الوطني.

    والتاريخ وحده من يحاكم، وليس الانحيازات الشخصية، فالضرورات التاريخية لإيران التابعة والمحكومة بالهيمنة التاريخية لم تكن لتخرج عن ضرورات التحرّر الوطني من الهيمنة، حيث تكون أي طموحات أخرى نوعًا من الترف الذي لا يعبأ به التاريخ. هذه نقطة.

    أمّا النقطة الأخرى فهي أن أي شخص إنما يُقيم داخل إطار منظومته وحسب وليس خارجها، وبهذا المعيار قد قدَّم الإمام الخميني أعظم ما يمكن تقديمه من استعادة للمضمون الثوري للإسلام، تمامًا كما قدَّم أعظم نموذج لرجل الدين الثوري.

* باحث مصري.

 

[1] يعود تاريخ الصراع البريطاني الروسي على إيران لما يزيد على المئة عام وقتها، وتسجل لنا الدكتورة آمال السبكي في كتابها “تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)” صورة من صور العسف الإمبريالي المبكر الذي كانت تمارسه كل من بريطانيا وروسيا على إيران، فتذكر لنا أنه قد “أُجبر ملوك القاجار على عقد اتفاقيتي تركمانجاي 1827، وباريس 1858 مع روسيا وبريطانيا، حيث أدّت الاتفاقيتان إلى تنازلات إقليمية، واستسلام اقتصادي ضار بالفئات الاجتماعية الناشئة، لتحقيق مصالحهما”، “وكان من بين هذه التنازلات تخفيض عائدات التصدير للدولتين المذكورتين، ومنحهما حق إنشاء وكالات تجارية في طهران، ومنح الإعفاءات الجمركية على بضائعهما، ثم تخفيض عائدات عبور الطرق الإيرانية. ونتج عن مجمل التنازلات إغراق الأسواق الإيرانية بالبضائع المستوردة عالية الجودة، مما أضعف منافسة الصناعات اليدوية الإيرانية، وأدّى تدريجيًّا إلى اندثار العديد منها. وكان على رأس الصناعات التي أُضيرت بفعل الاستيراد صناعة النسيج اليدوي على اختلاف أنواعها، في الوقت الذي شجعت فيه الدولتان الكبيرتان توسيع إنتاج السجاد اليدوي بغرض التصدير لهما وبالأسعار التي فرضوها في حلقة من حلقات الاحتكار الاقتصادي”، الصفحة 12. بل ولما يسبق ذلك زمنيًّا، إذ يذكر لنا الأستاذ محمد حسنين هيكل عن الأفغاني “أنه اكتشف أن هناك قوتين أوروبيتين عظيمتين، بريطانيا وروسيا، تتصارعان على جثة إيران”، مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة”، الصفحة 42.

[2] أحمد مهابة، إيران بين التاج والعمامة، الصفحة 48، بتصرف.

[3] تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)، مصدر سابق، الصفحة 176.

[4] المصدر نفسه، الصفحة 176.

[5] المصدر نفسه، الصفحة 177.

[6] تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)، مصدر سابق، الصفحة 173.

[7] كان الخميني قد أعدّ عريضة بالتعاون مع شباب رجال الدين، وضمنها ثلاثة مطالب أساسية، وهى: أولًا، تحطيم سلاسل العبودية لأميركا، وعدم التضحية باستقلال الأمة واستقلال معتقدات الشعب في سبيل تأمين مصالح أميركا والصهيونية، وثانيًا، ضرورة احترام المسلمين والحريات الإسلامية، وعدم فرض حكمه بالرصاص وخداع الناس بحيل الانتخابات والثورة البيضاء، وثالثًا: ضرورة استخدام ثروة إيران المتزايدة لمكافحة الفقر والجهل، وترك الشعب يأخذ حريته ليبني مستقبله”، بتصرف من كتاب “مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة”، محمد حسنين هيكل، مصدر سابق، الصفحة 117.

 

[8] د. سليمان المدني، الملف العربي في القرن العشرين، الجزء 8، الصفحة 439.

[9] لم يكن ممكنًا سجنه مرة أخرى، لحيازته مرتبة آية الله العظمى، والتي تحظى بحصانة خاصة ضد الاعتقال بنص دستور 1906، وبالطبع لمكانته الكبيرة لدى الشعب الإيراني بمجمله.

[10] الملف العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، الجزء 8، الصفحة 472.

[11] سُجلت في الدفاتر الرسمية 50 مليون دولار فقط، الملف العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، الجزء 8، الصفحة 489.

[12] فقد قدّم لفرنسا مليار دولار كدفعة مسبقة لبناء خمسة مفاعلات نووية في إيران، ومليار ومئتي مليون لبريطانيا كقروض لشركات تجهيزات صناعية، ومئة مليون دولار كمساهمة في شركة كروب الألمانية لفك أزمتها، وثلاثة مليارات دولار لإيطاليا بدل مشاريع مشتركة لم يتم تحديدها، وملياري دولار لأفغانستان كمساعدة للنظام القائم فيها، ليحافظ على الخط السياسي الذي كان يرضي الشاه!… إلخ، وذلك في الوقت الذي “اضطرت إيران منذ سنة 1976 إلى تعديل كثير من خطط التنمية، بحيث جمدت العمل ببعض المشاريع، وألغت البعض الآخر”، بتصرف، الملف العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، الجزء 6، الصفحتان 485 و 486.

[13] مدافع آية الله…قصة إيران والثورة، مصدر سابق، الصفحة 128.

[14] الملف العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، الجزء 8، الصفحة 483. بتصرف.

[15] يُذكر في ذات السياق الانتشار المرضي لإدمان المخدرات بين كافة طبقات الشعب، وبحيث تشير بعض الإحصاءات لكون نسبة 73 % من طلاب مدارس طهران عرفوا المخدرات بشكل من الأشكال، كما كان عدد المدمنين بطهران وحدها حوالي 600 ألف، وللعجب أنه بينما كان المدمنين من الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى يُقادون إلى السجون، وليس المصحات كما هو مفترض، لم يكن الأثرياء وأصحاب النفوذ تنالهم أي عقوبة، بل وتتاجر الأميرة أشرف أخت الشاه نفسها في المخدرات، بينما يحكم القانون على المُتاجرين بالمخدرات بعقوبات تصل للإعدام، الملف العربي في القرن العشرين، الجزء 8، الصفحتان 490و 491. بتصرف.

[16] تقول بعض المصادر بميلاده عام 1900م.

[17] محمد حسنين هيكل، مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة، الصفحة 179، ويستحسن قراءة كتاب علي أبو الخير، إيران من الثورة إلى الدولة، مركز العراق للدراسات.

[18] الذي نال به درجة “آية الله العظمى”.

[19] مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة، مصدر سابق، الصفحة 181.

[20] أدرج الإمام الخميني ما يلي باعتباره كل ما يملك من الدنيا، في نص عرف به نفسه:

(أ) الأموال غير المنقولة (مع ذكر الخصوصيات):

(1) منزل في قم يشتمل على ديوان وبيت للعائلة ويقع في محلة باغ قلعة المعروفة.

(2) قطعة أرض وصلت عن طريق الإرث من الوالد وحسب معلومات السيد بسنديدة فإنها مشتركة بيني وبينه وبين ورثة المرحوم أخي السيد الهندي، وحسب معلومات السيد بسنديدة أيضًا فإن سهمي من مال إجارتها هو 4000 ريال لا استلمها في الوقت الحاضر.

(ب) الأموال المنقولة: من النقدية أو الإيداعات الموجودة في البنوك والأسهم، والأموال المنقولة الأخرى مع ذكر القيمة التقريبية.

(1) مبلغ صغير من المال موجود في طهران وهو إمّا نذورات أو هدايا شخصية.

(2) لا أملك شيئًا من الأثاث المنزلي، نعم يوجد قليل من الأثاث في قم وطهران وهي ملك لزوجتي، توجد سجادتان في البيت أعطوها لي لكي اعتبرها من أموال الخمس إذا شئت وليس لي ولا للورثة أي حق فيهما، ويجب أن تُعطى للفقراء من السادة.

    عدد قليل من الكتب المتبقية من الكتب التي نهبت من مكتبتي في عهد الشاه المخلوع ولا أعرف عددها، وعدد من الكتب التي اُهديت لي من قبل مؤلفيها خلال مدة إقامتي في طهران، ولا اعرف قيمتها التقريبية ولكنها مبلغ زهيد.

    الأثاث الموجود في البيت الذي أسكنه حاليًّا في طهران هو ملك لصاحب البيت والسيد أحمد على علم بذلك.                                                                                      

 (3) جميع الأموال المودعة في البنوك أو الموجودة في البيت أو عند بعض الأشخاص الذين يعرفهم السيد بسنديدة – باستثناء المال القليل الذي سبقت الإشارة إليه – هي من الحقوق الشرعية وهي ليست ملكًا لي وليس للورثة فيها حق، وقد حددت مصيرها في وصيتي.

المصدر: الإمام يتحدث عن نفسه، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

http://www.alwelayah.net/welayah.

 

[21] الإمام الخميني والاستعمار.. جذرية الرؤية، الصفحة 5، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[22] المصدر نفسه، الصفحة 4.

[23] السيد سليم الحسني، مبادئ الإمام الخميني في الصراع الدولي والسلام العالمي والأمن القومي، الصفحة 47، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[24] المصدر نفسه، الصفحة 48.

[25] الإمام الخميني والاستعمار.. جذرية الرؤية، مصدر سابق، الصفحة 9، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[26] الإمام الخميني والاستعمار.. جذرية الرؤية، مصدر سابق، الصفحة 10، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[27] المصدر نفسه، الصفحة 10.

[28] المصدر نفسه، الصفحة 10.

[29] المصدر نفسه، الصفحة 11.

[30] مبادئ الإمام الخميني في الصراع الدولي والسلام العالمي والأمن القومي، مصدر سابق، الصفحة 57، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[31] انظر، بيان الحج للإمام 2/11/1400 هـ. والمنطلقات الفكرية للإمام القائد للدكتور علي النجار، الصفحة 25، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[32] صحيفة الإمام، الجزء 11، الصفحة 266، عن كتاب الاستكبار الأمريكي في كلمات الإمام الخميني.

[33] خواطر للإمام الخميني، الصفحة 28.

[34] الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، الصفحة 114.

[35] الإمام الخميني، الوصية الإلهية السياسية، الصفحتان 20 و 21.

[36] الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 12.

[37] المصدر نفسه، الصفحة 60.

[38] الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 146، مما سبق يتضح لنا السبب الرئيسي في العداء الشديد الذي يكنّه ملوك وسلاطين الإسطبلات الخليجية – وعلى رأسها ملكية آل سعود – للخميني وفكره الثوري المعادي للطغيان عمومًا والملكي منه على وجه الأخص.

[39] الكلمات القصار.. مواعظ وحكم من كلام الإمام الخميني، الصفحتان 115 و 116.

[40] الكلمات القصار.. مواعظ وحكم من كلام الإمام الخميني، الصفحتان 296 و 297.

[41] المصدر نفسه، الصفحتان 297و 299.

[42] الكلمات القصار.. مواعظ وحكم من كلام الإمام الخميني ، مصدر سابق، الصفحتان 301 و 302.

[43] سورة القصص، الآية 5.

[44] السيرة الذاتية، الغنوشي وأطوار من نشأة الحركة الإسلامية في تونس… (من القرية إلى الزيتونة)، المصدر: موقع الشيخ راشد الغنوشي.

http://www.ghannoushi.net.    

[45] المصدر نفسه.

[46] المصدر نفسه.

[47] الوصية السياسية الإلهية، مصدر سابق.

[48] الإمام الخميني، أنوار الطريق، الصفحة 31.

[49] المصدر نفسه، الصفحتان 12 و 13.

[50] المصدر نفسه، الصفحة 32.

[51] صحيفة الإمام، الجزء 13، الصفحتان 207 و 208، عن كتاب الاستكبار الأمريكي في كلمات الإمام الخميني.

[52] دكتور محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، الصفحة 340.

[53] محمد محمد النعمان، تصحيح اعتقاد الإمامية، الصفحة 137.

[54] الكوثر، مجموعة من خطابات الإمام الخميني، الجزء1، الصفحة 65، موقع دار الولاية للثقافة والإعلام.

[55] المصدر نفسه، الصفحة 70.

[56] المصدر نفسه، الصفحة 214.

[57] الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 142.

[58] هنري كوربان، في الإسلام الإيراني جوانب روحية وفلسفية.. الشيعة الإثنا عشرية، الصفحة 76.

[59] هنري كوربان، في الإسلام الإيراني جوانب روحية وفلسفية.. الشيعة الإثنا عشرية، مصدر سابق، الصفحة 77.

[60] الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، الصفحة 26.

[61] لمزيد من التفاصيل راجع، عبد الناصر والثورة الإيرانية لفتحي الديب.

[62] مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة، مصدر سابق، الصفحة 193.

[63] خاصّةً في ظل ما كان يمارسه الشاه من سياسات تكميم للأفواه، ورقابة على الصحف تصل لحد إرسال بعض المقالات جاهزة من أجهزة الأمن للصحف لنشرها، ويذكر مدير صحيفة كيهان “إننا الآن مرتاحون في عملنا، حيث كنا نكتب وهم يراقبون، والآن هم يكتبون بأنفسهم”، خواطر للإمام الخميني، الصفحة 8.

[64] مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة، مصدر سابق، الصفحة 190.

[65] المصدر نفسه، الصفحة 191.

[66] المصدر نفسه، الصفحة 191.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
ثورةتاريخالإرادةالإمام الخميني

المقالات المرتبطة

الحبّ في التراث العربيّ الإسلاميّ

هذا المولود نشأ عن الحبّ بل عن الوصال في الحبّ. ولكنّ الوصال في الحبّ الذي نشأ عنه الحمْل قد تقدّم عليه، ورافقه،

دور المرأة في حفظ الأمن المجتمعي

من أبرز التحدّيات وأخطرها والتي تواجه أمننا الاجتماعي في هذا العصر هو التحدي الإعلامي، وعلى رأسه الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

الإمام موسى الصدر وقضايا الوحدة والتعددية

فمشروع الإمام السيد الصدر يناقض الطائفية، ويعمل من خلال دوائره المتعدّدة لرفع الحيف والظلم والحرمان عن فئات المجتمع اللبناني بصرف النظر عن انتماءاتها الدينية والمذهبية.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*