مستقبل مجتمع المقاومة

مستقبل مجتمع المقاومة

أوجدت الحروب في التاريخ البشري الحاجة إلى الإدارة والتنظيم كما لم تفعل أي ظاهرة اجتماعية أخرى، فقد كان لزامًا لمجتمع يريد أن يدفع عن نفسه الغزو والإذلال إقامة الأسوار الحجرية والدروع البشرية القتالية وتكريس جزء كبير من الرجال القادرين جل وقتهم في إنجاز هذه المتطلبات المصيرية، وكذلك كان حال من ابتغى الغزو وضم الأراضي وإخضاع الآخر، حيث احتاج الكثير من الأدوات القتالية والحمولات اللوجستية والميزة العددية لتحقيق مآربه. تبع ذلك الاضطرار إلى تنظيم الموارد العينية ومن ثم المالية لعزل ما هو متعلق بالشأن العام وقضايا الأمن القومي عما هو متاح للمصلحة الفردية أو تجمعات المصالح الفردية، وبذلك نشأت الإدارة العامة بتفرعاتها وتمركزت السلطات بالتدريج وبتزايد مستمر. القرآن الكريم دعا إلى الحرب ناظرًا إلى آثارها الحضارية المتعالية كما توضح الآية الكريمة {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}[1]، فهي حركة أرضية واقعية ذات غاية ملكوتية تكاملية سامية تمنع الإنسان من التثاقل والسقوط في وديان الجمود المادي. حركة النفير والقتال تجمع بين الفعل الجسدي والقرب من الموت والآخرة وكذلك الجهد الذهني والإبداعي والتركيز العصبي، فهي بذلك تشكل سلمًا تصاعديًا للروح على حساب زنزانة الجسد، ومعبرًا للذات للخروج من الأنانية وإعطاء الشأن العام حيزًا مركزيًا. استغراق الفعل الحربي من ناحية أخرى في المجال الواقعي المباشر وتأثيره البنيوي في المجتمع لناحية توجيه الموارد والأولويات، وكذلك نظرًا للتكاليف المادية والبشرية الكبرى للحروب، فقد تحولت الحرب إلى دائرة ثقافية قائمة بذاتها تشغل مساحات الاهتمام وتكرس لغتها ورموزها المختلطة بصوت صليل السيوف أو رائحة البارود، لا فارق، والجوانب الحسية للإحتكاك بين فئتين متصارعتين. بقاء فعل المقاومة منحصرًا في ميدان الحرب صانعًا ثقافة “حربية” تلتزم لغتها ورموزها هو وقف لحركة النفير في التاريخ وحصر لغاياتها المتعالية ضمن فئة محددة شاركت في الميدان بشكل مباشر أو غير مباشر، في حين أن فلسفة النفير التي قدمها القرآن الكريم تقع في موقع كلي  تكاملي. لا بد، إذًا، من تسييل النموذج المقاوم خارج سياق الزمان والمكان الحربي، وتحويله إلى عقل جماعي حاكم في كل الشؤون، لتتحقق الغاية القصوى لفعل المقاومة في التاريخ، وتتحول حالة الضرورة الزمنية إلى معرفة حضورية جماعية سارية في الوجدان وغير مشترطة بالحيثيات المختلفة. الضرورة الزمنية التي يفرضها العدوان أو الغزو الخارجي الفعلي أو الداهم تخلق بيئة قهرية تستدرج نخبة المجتمع إلى الجبهة وتأخذهم في اختبار معنوي أقصى، تنضج خلاله صفات كامنة وخصال غافية، فيتوج منهم شهداء ويكلل منهم جرحى وتستقطب نحو بوتقة الصهر فئات جديدة كلما مر الزمن. الخصال التي نضجت خلال تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان عديدة وفائقة الأهمية لمجتمع يعيش في الإطار اللبناني الهجين، حيث يقبع الاهتمام بالشأن العام في أسفل سلم أولويات الفرد نتيجة ضمور الهوية الوطنية، وترتكس الثقة بالنفس بالمقارنة مع الدول والكيانات الأكثر قوة في مقابل بلد ضعيف اقتصاديًا وعسكريًا. استعادت المقاومة “الشعور بالاقتدار” والإمكان حين حققت إنجازًا تاريخيًا عجز عنه كُثُر، ولم يوقفها في الطريق نحو التحرير صعوبات أو عثرات، وتحملت النخبة الثائرة المصاعب المتطاولة والمستمرة طوال السنين، وثبتت في أداء الواجب الملقى على عاتقها دون سعي خلف بريق صورة أو شهرة اسم. “معرفيًا”، قدمت نموذج حرب الأدمغة في مواجهة عدو متفوق علميًا وأكاديميًا وأكثر خبرة وكوادر، وطورت الدقة التكتيكية وعقلها العملي حتى أعجزت العدو عن الحركة، مُمارِسةً عملية إبداعية متكاملة في الصورة الاستراتيجية الكلية كما على المستوى التفصيلي، ومستندةً إلى ثقافة متماسكة في فن الحرب ومعرفة العدو، عملية معرفية متكاملة بعقل هادئ وأعصاب باردة وسط ميدان التحدي. “معنويًا”، انتقل الإنسان المنخرط في فعل المقاومة من حالة الخوف والكمون إلى شعلة من الدوافع الذاتية المسؤولة والمثابرة والإخلاص في العمل بتوقد دائم ضروري لخوض مواجهة لامتماثلة مع عدو مادي ليس لديه محرمات على كل الأصعدة والمستويات. “رؤيويًا”، صُقِلَتْ روح المقاوم بالآلام والجراح والبلاءات فانفتح سمعه وقلبه على عالم الملكوت وغدا بعد المراس منسجمًا مع نفسه في تحمل الصعاب بصدق ودون منة على أحد، وانبثق من ظلام الهزائم السابقة خيال جبار يرى الأفق المزدحم بالغيوم بابًا إلى النصر وحاملًا طموحًا تغييريًا جذريًا، أصبت صوابيته ومصداقيته في ميدان التجربة. “أخلاقيًا”، قاربت المقاومة المثالية في الإيثار والتضحية والبذل لأجل الآخرين وقدمت بطلها ممزق الأشلاء في سبيل أهله وأخوته بقلب دامٍ نازف من مظلومية المستضعف، ومن بعد آخر لم تحمل ذلك البطل شراسة القتال الدموي على الانسلاخ من الرحمة الإنسانية وتخطي الحدود الربانية التي متح شريعتها أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، حتى تجاه العدو وبيئته الحاضنة وما حصل صبيحة تحرير جنوب لبنان مع جيش عملاء اسرائيل كان المثال الأنصع. “نُظُميًا”، فتحت تجربة المقاومة الباب واسعًا أمام تنظيم الشأن العام، ولولا ذلك لما توفر التراكم التكاملي في تلك التجربة، كما أن الانتظام هو مرتكز بنيوي في حضور الجماعة وقدرتها على الإنجاز، وهو تمظهر ذوبان الذوات الفردية في الهم الجماعي، هم الآخر. العناصر الكلية الستة التي نضجت واختمرت في ساحة الضرورة التاريخية (الاقتدار، المعرفة، المعنويات، الرؤيا، الأخلاقية، الانتظام) هي خلاصة كل هذا النضال والجهاد الطويل والمستمر في بعده المتعالي التكاملي والملكوتي، وهي التي تشكل ميراث الشهداء الحقيقي وروح رسالة دمائهم الزاكية، والوفاء لكل هذا الجهد والتضحية يكون بحفظ هذه القيم العليا جنبًا إلى جنب مع حفظ المكاسب السياسية والعسكرية والإعلامية، وهي سبب لحياة المجتمع ونهضته وخروجه من مآسيه وقصوراتها المختلفة والمتفاوتة، فهي بالصورة المتجردة التي نطرحها تصلح مُثُلًا في الإبداع الفني، التربية والتعليم، العمل الإداري، الإنتاج المعرفي وقبل كذلك في السلوك الفردي، والانتقال من حالة العزلة والانطواء على المصلحة الذاتية إلى حالة التشاركية والتخادم المتبادل وصولًا إلى حالة تحمل المسؤولية العامة والبذل والتضحية لأجل الآخر في كل تفاصيل الحياة. يُخلَق بذلك توليد حضاري شامل مرتكزًا إلى بؤرة الولادة الاجتماعية الأولى: المقاومة. بذلك تصبح المقاومة حقيقة تتخطى الزمان والمكان والحيثية لتعبد الطريق نحو مستقبل مشرق لمجتمعها، مستقبل حضاري متكامل ماديًا ومعنويًا واجتماعيًا ومعرفيًا وروحانيًا. القيم التي عرضنا لها ليست جديدة وهي قيم كلية، لكنها تمثل في إطار مجتمع المقاومة رموزًا قابلة للاستحضار والإحياء بنماذج واقعية، لأنها تحولت طوال تجربة المقاومة إلى قيم ومُثُل ممكنة وحقيقية من خلال السلوك والفعل والتأثير، وبذلك يمكنها أن تشكل رافعة حضارية لهذا المجتمع، وأي مجتمع آخر عاش حالة التفاعل الروحي والمعنوي مع تجربة المقاومة. “تطبيقيًا”، لا بد لنا من توضيح المقصد من الرؤيا المطروحة، وكيفية التسييل القيمي والإنتقال من البيئة الجهادية للمقاومة نحو التمثُل في الأبعاد الاجتماعية المختلفة، ففي مجال “الإبداع الفني” يمكن لنا أن نتمثل الإبداع الذي نضج في المقاومة تحت عنوان حرب الأدمغة بظروفه وتحدياته ودوافعه والجهود الكبرى التي بذلت، أما في “التربية” والتعليم فإلى جانب الإبداع نحتاج إلى مؤسسات وكادر تعليمي يحمل قيمًا أخلاقية عليا تخولها تقديم الجهود المطلوبة في سبيل رفع مستويات قابلية التعلم الجماعي على كل صعيد، وكذلك في مجال “العمل الإداري” نحتاج إلى الرؤيا التي تدفع بالمؤسسات إلى التماسك وتخطي الحواجز الشكلية والذاتية والعثرات الواقعية التي تقف في طريق تحقيق الغايات والأهداف العليا، بينما نتمثل قيمة الاقتدار في “الإنتاج المعرفي” لنكتسب الاستقلال الفكري والجرأة العلمية الضرورية للخروج من سكة التقليد والتكرار، وأخيرًا في مجال السلوك الفردي نحتاج لاسترجاع كل النموذج القيمي المقاوم ليكتسب الفرد هوية اجتماعية متكاملة فيحمل مسؤولية النظام العام والنواميس الاجتماعية على كل صعيد في الحياة الشخصية والعامة. بالتأكيد نحن بحاجة لمصفوفة شاملة في هذه الأبعاد المختلفة، ففي كل ميدان نحتاج كل القيم وإنما أوردنا بعض الأمثلة هنا في هذه العجالة، كما أننا نحتاج لاحقًا إلى خطة ثقافية شاملة تسهل تسييل المنظومة القيمية في سبيل مجتمع مقاوم للمستقبل….

  [1]  سورة التوبة، الآية 38.

تحميل المقال 



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*