المرأة والسلوك العلمي والعملي في الفكر المعاصر، طرق الاقتداء بالسيرة العلميّة والعمليّة للسيدة نصرت أمين في العصر الحاضر

المرأة والسلوك العلمي والعملي في الفكر المعاصر، طرق الاقتداء بالسيرة العلميّة والعمليّة للسيدة نصرت أمين في العصر الحاضر

مقدّمة.

لا شك في أنّ الثورة الإسلامية الإيرانية استطاعت أن تُغيّر وجه العالم، وأن تعيد الألق للشعائر الإسلامية في الكثير من الدول العربية، لا بل إلى دول العالم الإسلامي أجمع؛ وهي إذ “تعتز… بهويتها” لم تسمح لأي كان أن يقف في وجهها، “واستمرت في طريقها المبارك” لتفتح الأبواب أمام إيران على العالم حولها، وقد بارك ربّ العالمين خطوات القائد الراحل الإمام الخميني (قده)، فأعاد بثورته الحياة إلى المجتمع الإيراني في المستويات كافة السياسية، والعسكرية، والدّينية والثقافية، وأصبحت إيران حاضرة ثقافية يؤمها المثقفون من أصقاع الأرض كافة.

إنّ المرأة بحسب رأي الإمام الخميني (قده) “ليست عضوًا خارج المجتمع أو على هامشه، بل هي في قلب المجتمع؛ لها دورها الأساس والفعّال”[1]، لذا أخذ بيدها لتثبت نفسها مثقفة في ساحات العلم، وساعدها على تحقيق وجودها في السّاحة الثّقافيّة الإيرانيّة والعربيّة.

سار على خطاه كل من آمن بطروحاته؛ ومنهم السيد علي الخامنئي حفظه الله؛ حيث أشار إلى ضرورة تكريم المرأة من خلال “تکریم…. السیدة الکریمة الأصفهانیة “السیدة أمین”، وتعریف العالم العربي والإسلامي على “شخصیة عرفانیة وفقهیة وفلسفیة من النساء في بلادنا”، وهذا “عملٌ مفید في إحیاء القیم الإسلامیة بین النساء”.

إذًا المرأة….. ومنذ بدء الخليقة؛ كانت ولا تزال شغل العالم الشاغل بكل المستويات؛ الفكرية الثقافية الاجتماعية والاقتصادية. رغب المثقفون في تحريرها من قيود المجتمع التي كانت تكبل حركتها؛ ودعوا إلى إنصافها بالرجل؛ ووضعها على قدم المساواة معه في الميادين كلها…

تناسوا أنّ هذه القيود وضعيّة؛ وأنّ الإسلام أعطى  المرأة حقّها في “أن تعرف واجبها كاملًا، وأن تسترشد بهدى النّماذج الكريمة التي قدّمها تاريخ الإسلام للمرأة المؤمنة المجاهدة في سبيل الله، بانية الشباب الكريم النافع وصانعة الأجيال الطيبة”[2]، وقد حرّرها حين دعا الناس إلى التخلّي عن مبدأ العبودية؛ وقد وضعها في المكانة اللائقة بها؛ وخصها بما لا يستطيع أحد من البشر منافستها عليه، إذ توَّجها سلطانة على عرش الأسرة تربي، تعلّم تهذب، وتقود أبناءها في طريق الخير والصلاح؛ وقد كانت السيدة زينب (ع) قدوة المرأة المسلمة في هذا الإطار.

هنا، قد تتفوق المرأة على الرجل لأنّها تواكب أسرتها ليل نهار، أمّا الأب فقد يغيب لبعض أعماله؛ وتأمين معيشة العائلة بمن فيهم الوالدة.

إذًا؛ لا يمكن للرجل أن يأخذ دور المرأة؛ ولن تستطيع المرأة أن تتفوق على الرجل في بعض الميادين. أَوْهَمَها المجتمع أنّ خروجها إلى العمل سيعطيها استقلاليتها المادية؛ وحرية التصرف بمالها وحياتها؛ وامتلاك زمام أمرها وأمر أسرتها المادي؛ وأنها ستفرض مكانتها في المجتمع ما يجعلها ندًّا للرجل في المستويات كلها.

يرى بعض المثقفين وفي مقدّمهم الأديب المصري “أحمد أمين” ضرورة تعليم المرأة، وهذا طبعًا لا خلاف عليه؛ وذلك أسوة بالرجل، وقد أمر رسول الله أن “نطلب العلم ولو في الصين”، ما يؤكّد أنه واجب وضرورة لأبناء المجتمع؛ وليس لفئة دون أخرى.

إلا أن هؤلاء ربطوا بين خلع الحجاب وتعليم المرأة؛ إذ هو – حسب وجهة نظرهم – يعيق الفهم ويؤثر على مكانة المرأة ومستواها الاجتماعي.

وفي غمرة الدعوات المتكررة إلى تحرير المرأة؛ ومع هجمة العولمة والتكنولوجيا؛ وجدنا بعضهن وقد تحررن من الأخلاق والقيم؛ وتبين أنّ خروج المرأة إلى العمل بالطريقة المتبعة الآن حولتها إلى سلعة بأيدي تجار الرقيق، وعبيد المال؛ تباع وتُشترى. بهرتها المدنية الوافدة كما بهرت العالم بأسره؛ فأنزلتها عن عرشها؛ وأغرقتها في وحول الحضارة الزائفة الزائلة.

على الرغم من كل ما وصل إليه وضع المرأة بشكل عام؛ إلا أنّنا نعثر على نماذج من النِّساء لا تزلن تحافظن على موقعهن ومكانتهن؛ وذلك بالاستناد إلى تعاليم الإسلام الحنيف؛ وسنعثر على نساء تفوقن على الرجال في ميادين محددة، ونلن إعجابهم لا بل أكثر من ذلك؛ فقد وقفوا إلى جانبهن وساندوهن في مسيرتهن العلمية والعملية؛ وفي مكان معين كانوا يتعلمون منهن.

المجتهدة العالمة الإيرانية السيدة “نصرت أمين” إحدى هؤلاء النساء؛ وقد حصدت غير إجازة في الرواية والاجتهاد من علماء عصرها؛ وقد أثبتت جدارة غير معهودة بين نساء زمانها؛ وكانت لها اليد الطولى في الأخذ بيد المرأة الإيرانية إلى ميادين التعليم والعلم والعمل ضمن الأطر الشرعية؛ فإلى أي مدى نجحت هذه السيدة في ترسيخ صورة مغايرة للمرأة المعاصرة؟ وإلى أي حدّ ستكون مؤثرة في تلميذاتها وبنات جيلها؟ وما هي الطرق التي يمكن للمرأة المعاصرة أن تسلكها لتسير على منوالها وخطاها حيث تكون مؤثرة وفاعلة؟

السیدة المجتهدة “أمین” ومكانتها العلمية.

وُلدت السیدة المجتهدة “أمین” في “عائلة تاجر غني متدين من تجّار إيران”[3]، ما يعني أن هذه السيدة ولدت في أسرة محافظة لوالد له علاقاته الاقتصادية في المجتمع الإيراني، وهو منفتح فكريًّا، وقد “تربت في بيت مليء بالإيمان محبٍ للعلم والعلماء، حيث بدأت بتعلم القرآن الكريم والقراءة وهي في الرابعة من عمرها، ثم قرأت المقدمات وأولويات العلوم العقلية، وجانبًا من أوائل الفقه والأصول عند أفاضل علماء عصرها كالشيخ علي اليزدي، والميرزا علي أصغر الشريف”[4] وغيرهم الكثير، وفي أحضان والدها حصلت على تربية صحيحة بعيدة عن كلّ المعتقدات التي تمنع على المرأة التعلم والمشاركة في الحياة الأُسرية، إضافة إلى تربيها تربية إسلامية صحيحة قوامها الدّين والأخلاق، ونحن نعرف أنّ المجتمع لم يكن يسمح للمرأة بالخروج إلى ميادين العمل لا في إيران ولا في المنطقة العربية بأسرها.

أضف إلى أنّ البلاد  كانت تمرُّ بمرحلة صعبة، “وكانت الأجواء السياسية فيها ملبّدة بالاضطرابات، وبالمشاكل الدّاخلية والخارجية”[5]، ما يُعقد الأمور ويأخذ بها إلى التدهور فيؤثر بشكل مباشر على تحركات الناس. في هذه الأجواء “بلغت السيدة أمين من الشهرة بين أهل العلم حدًّا جعل العلماء والفضلاء من إيران والعراق، يتسابقون للقائها”[6]، فيمكننا أن نفهم مما تقدّم الحديث به أنّ الحجاب لا يؤثر في عدم فهم المرأة، وأنّه يمكنها أن تفرض احترامها، وتحتل مكانة علمية واجتماعية من غير أن تكون سافرة أو مبتذلة، إذ لا علاقة لذلك بما تحمله من أفكار وآراء؛ قد تضاهي فيها الكثير من الرجال. وما الدعوة إلى تحريرها من حجابها إلا دعوة مشبوهة إلى تحريرها من الفكر والاحترام، ومن ثّمَّ توجيه الفكر عندها باتجاه القشور لتصبح في ما بعد سلعة وأداة.

تعدُّ السيدة نصرت أنموذجًا کاملًا وجامعًا للمرأة المسلمة في وقتنا الحاضر. فقد “تمیزت بإبداعاتها في مجالات علمیة وعملیة”، ووصلت إلى درجة عالية من “العلم والحكمة والعرفان”[7]،  وقد أدرك العديد من العلماء الأعلام والعرفاء والفقهاء وأرباب الحكمة هذا الأمر، فقاموا تباعًا بزيارتها ليناقشوها ويستمعوا إلى آرائها؛ ولإجراء حوارات علمانية أو عرفانية، ومن بين هؤلاء العلامة الأميني، وآغا رحيم، والعلامة الطباطبائي، وآية الله مرعشي وغيرهم الكثير. ومما جاء في بعض أحاديث الشهيد مطهري فقال: كيف تستطيع امرأة أن تدرك المسائل المعقدة والفلسفية، وأن تحفظ هذه المصطلحات والعناوين الفلسفية وتدرك أغوارها”[8]، ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى أنّ فكرها المتوقد وتربيتها الأصيلة أخذاها باتجاه الإفادة من قدراتها الفكرية، وقدرات والدها المادية، حيث حصلت على التعليم في منزلها، في الحقبة الأولى؛ وقد أحضر لها والدها الأساتذة  للتعلم، ومن ثم راحت توسّع مداركها بالمطالعة الفردية؛ إذ لم تكن تكتفي بما يقدمه لها المعلمون، وأبدت شغفها بالنهل من أمّهات الكتب في المرحلة التالية، الأمر الذي حدا بها إلى توظيف ذلك في مساعدة بنات جنسها، حيث “بدأت السيدة نصرت في الأربعين من عمرها التدريس: محاضرة أسبوعية في منزلها للنساء والشابات”[9]؛ ونعرف أنه ذات مرّة جاءتها امرأة “أُميّة ترجوها أن تعلمها، ولم يكن التّعلّم في ذلك الحين أمرًا معتادًا بين الأميّين والأميات…..حضتها السيدة على التعلم، وعاهدتها… أن تجعلها في عداد تلميذاتها، وهذا ما حصل”[10]، وما هذه القصة التي نقلتها إحدى تلميذاتها إلا دليل على أنّ السيدة المجتهدة كانت محبوبة ومؤثرة في النساء من حولها؛ ويعني أنّ همها الأول هو أن تخرج النساء من شرنقة الجهل إلى ميادين العلم الرّحبة حيث الثقافة والتطور والنمو؛ الأمر الذي يؤدي إلى نسج نواة صالحة لبناء أُسرٍ مثقفة منفتحة متعلمة، وكل ذلك في إطار الثقافة الإسلامية؛ فالتعليم وحق المرأة في العمل موجودان في الإسلام الذي أهداهما إلى الحضارة الغربية أصلاً، ومن حقها أن تمارسهما في حدود قيمنا ومفاهيمنا”[11].

إذًا التزمت هذ السيدة بالضوابط الشّرعيّة في حياتها العلميّة، واستطاعت أن تثبت ذاتها، فأسست العديد من دور العلم، وتربعت على عرش الثقافة بما امتلكت ناصيته؛ واستطاعت أن تأخذ بيد العديد من بنات جنسها إلى ساحات النضال، بغية “معرفة الحقائق غير المنمقة لكي تتمكن من تقدير تبعات القرارات المختلفة التي تواجهها في الحياة”[12]، وهكذا صُنِّفت السيدة نصرت في زمانها من “أهل الفقه والحكمة والتفسير”[13]، وهذا الأمر كان من الصعب أن تحصل عليه سيدة في تلك الحقبة، وهذا شرف آخر لها.

أخذت هذه المجتهدة على عاتقها النهوض بالمرأة الإيرانية ومساعدتها لتجد مكانتها الثقافية والعلمية اللائقة. وما تقدّم الحديث به ينفي أن تكون المرأة في تلك الحقبة غير متحضرة أو غير فاعلة في المجتمع، وهذا ما يشير إلى أنّ التّقدم والحضارة قد حُصِرا في نزع الحجاب والخروج إلى المحافل الثقافية المختلطة، وذلك بالاستناد إلى مفاهيم التحرر التي أطلقها الغرب.

لم تكن السيدة نصرت بحاجة لأن تخرج إلى العالم لتبين نشاطها واجتهادها، بل العالم زحف إليها يطلب منها المقابلات والأحاديث الفسلفية والعلمية والفقهية، حفظت مكانتها ودورها وريادتها العلمية، وفي ذلك يقول الطالقاني[14]: “في ذلك اليوم، بعد انتهاء الجلسة، وإدراك مقامها الرّفيع، أحسست أنّ من واجبي، طالما أنني في أصفهان أن استفيد أكثر من محضر السيدة المعنوي”[15]،  وقد حولت العالمة بيتها إلى منتدًى أدبيٍّ للعلماء والمثقفين من الرجال والنساء، وكانت متقدِّمة في ذلك على النهضة في الدول الأجنبية، وقد ألَّفت العديد من الكتب تتمحور في معظمها حول القضايا الفلسفية والاجتماعية والدّينية والتربوية.حصلت على إجازات في التفسير والاجتهاد، كما أنّها أعطت العديد من الفقهاء إجازات في الرواية والاجتهاد، وهذ بحد ذاته اعتراف من الرجل بمكانة هذه السيدة، وبالتالي مكانة المرأة وفضلها ومقامها وقيمتها العلمية.

السیدة المجتهدة “أمین” ومكانتها العملية.

لا شك في أنّ المرأة العربيّة قد تربّت ونشأت على العديد من العادات السلبيّة؛ وقد حملت معها إلى صباها وحياتها الأُسرية تبعات التربيّة التي تلقتها في عائلتها، حيث فيها الكثير من الدّعة والخمول؛ فوصلت إلى حدّ التنازل عن دورها في التفكير وتركت للرجل أن يقوم بهذا العمل عنها؛ وهذا ما لم يعجب الكثير من المثقفات؛ ووجدن أنّ المرأة تتحمل جزءًا من هذه المسؤولية؛ “فحملت معها بذور التربيّة التي تحدد لها المكانة والدور، وتعزلها عن الكثير من الأمور المتعلقة بها كإنسانة لها حقوق في أن تشعر وتشارك وتتحمل تكاليف دعوتها ودينها”[16]؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التّراخي يشمل واقع المرأة في دول العالم أجمع وفي مختلف المؤسسات والقطاعات.

ومن  ينظر الآن إلى الخطاب الإسلامي يرى فيه تحولًا مهمًّا؛ وقد بدأ يقترب من توزيع جديد في مسؤوليات المرأة “مع التّمسك بحدود معينة من التقييد؛ والذين راقبوا التّجربة الإسلاميّة في إيران وجدوا أنّها فتحت آفاقًا واسعة لمشاركة المرأة في مختلف الميادين ومرافق الحياة العامة”[17]. هذا التحول فهمته المجتهدة العالمة باكرًا وراحت تعمل من خلاله.

بعد أن تجاوزت السنّ القانونيّة بقليل؛ أفصحت في تصرفاتها عن سيدة واعية تملك زمام أمرها الثّقافي والاجتماعي والعملي وكانت “ذات قدرة غير عادية على فهم ما يجري حولها، وربط النتائج بالأسباب، نظرت إلى النّساء حولها، فهالها أن تراهن على الرّغم من الذّكاء والمواهب التي يتمتعن بها، غارقات تحت ركام الخرافات”[18]. فقررت المواجهة وتحدّي الصعاب؛ بالانزواء عن الجلسات النسائيّة الفارغة من المضامين العلميّة والثقافيّة، والتي تحسبها مضيعة للوقت، ولجأت إلى أمهات الكتب تنهل منها ما تيسر لها.

أرادت أن تكون السيدة المثال والقدوة؛ ورغبت في أن تُحدِث نقلة نوعية في وضع المرأة؛ مستفيدة في ذلك مما امتلكته من مال. لم يتوقف عملها عند حدود التأثير على الشابات وحثهم على التعلّم والاجتهاد؛ وهي التي أضفى وجودها في تلك الحقبة على العديد من النساء الإحساس بالأمان؛ لا بل أكثر من ذلك فقد كانت النّبع الذي يرتوين منه ثقافة وعلمًا وإيمانًا واجتهادًا؛ ما حفزهن على زيادة التحصيل العلمي.

في مرحلة لاحقة كانت تحذرهنّ من الاعتقاد بالخرافات؛ لأنها تسيء إليهن وإلى مكانتهن الفكرية والاجتماعية، كما أنّها تشوه صورة الإسلام الحنيف؛ استطاعت بتنورها أن تغيّرَ الكثير في وضع المرأة الإيرانية، “ففتحت أول مدرسة ابتدائية للبنات”[19]، وقد كانت تُدرّس فيها المواد نفسها التي كانت تُعطى في المدارس الأجنبية، وذلك لأجل تشجيع الأهل على تعليم بناتهن؛ وعدم تركهن من دون تعليم؛ ينهش الجهل فكرهن وحياتهن.

إذًا؛ رسمت السيدة أهدافها مبكرًا، وشمّرت عن ساعديها لتدخل سوق العمل؛ وبالطريقة التي أحبتها. بدأت في الفترة الأولى العمل في منزلها؛ حيث كانت تعقد جلسات التدريس؛ وتعلّم الفتيات ما يجب أن يحصلن عليه من علوم تكون الساعد والمساعد لهن في حياتهن الزوجية. انتقلت في ما بعد إلى إدارة المدرسة التي أنشأتها؛ وتفرّدتْ يومها المجتهدة بتدريس اللغة العربية والعلوم الدّينية؛ وعن ذلك تقول تلميذتها السيدة همايوني: “إنّ أستاذتها السيدة أمين هي التي أصرّت عليها أنّ تُدرّس هي أيضًا في منزلها السيدات اللواتي كن يرغبن في دراسة اللغة العربية والعلوم الدّينية”[20]؛ وهكذا نرى أنّ السيدة نصرت قد فتحت باب العمل أمام بنات جنسها على مصراعيه؛ ودفعت بهن إلى ميادين العمل الجاد الرّصين.

حصلت السيدة أمين في العام 1964 م على رخصة لإنشاء مدرسة دينية ابتدائية لتعليم البنات “ولما علمت النساء… اللواتي كن يحضرن… درس التّفسير في منزل السيدة طالبن بفتح مدرسة دينية ثانوية”[21]، وتوالت بعد ذلك المؤسسات التّعليميّة التي أنشأتها السيدة نصرت ومنها: الحوزة الفاطمية؛ والمدرسة الثانوية “مكتب أمين”، وقد شُيدت هذه المؤسسات على نفقتها؛ وأدارتها بمساعدة صديقاتها، وطالباتها ومن تتقدم من النساء لخوض غمار الحياة العملية. ساهمت في تغيير الواقع العملي للمرأة الإيرانية، وقد أعطتها الفرصة لتثبت مكانتها  ودورها القيادي الذي لا يقل أهميّة عن دور الرجل، ورفدت الأُسر الإيرانية بفتيات متعلمات مثقفات مؤمنات؛ وأظهرت أن الدّين يقف خلف تقدمهن في مجالات العلم والعمل، ودحضت المزاعم التي تقول عكس ذلك؛ ما يشير إلى أنّها سيدة صاحبة رؤية نافذة، وصبر متوقد، وعزيمة لا تني ولا تكل أو تتعب.

وتتابع تلميذتها الحديث عن إنجازاتها فتقول: “إن هذا الأمر الذي كان في حينه كان أمرًا مستغربًا، لا سابقة له، صار من بعد أمرًا عاديًّا وشاع تأسيس مثل هذه المدارس والحوزات في مختلف إيران…”[22]؛ وقد سبقت السيدة نصرت زمانها في الاستجابة إلى التّطور في مناهج التّعليم، حيث كانت تدرّب المعلمات على أساليب التعليم؛ والتعامل مع الطلبة بطريقة هي أقرب إلى الطرق الحديثة المتبعة اليوم.

استطاعت السيدة أن ترسم للمرأة دورها العملي حين اختارت مهنة التعليم، ونحن نعرف أنّها من أَجَلّ المهن وأشرفها، لأنّها عملية متكاملة في بناء الإنسان وهي تترافق مع التربية حيث كانت “في المدرسة الفاطمية، أي كلية البنات الدّينية….. تدرّس يومًا في الأسبوع تفسير القرآن، وكان مراجع قم يرسلون إلى السيدة الطالبات اللواتي يدرسن في قم لملاقاتها، وتوجيه الاستفسارات إليها، والاستفادة من محضرها”[23].

فهؤلاء الطالبات اللواتي يغادرن منزل ذويهن في الصباح الباكر إلى المدرسة ولا يعدن إليه إلا بعد الظهر، فقد أصبحن أمانة في أعناق معلميهن ومعلماتهن؛ فالمعلمة تصوب الأخطاء، وتصحح التصرفات؛ وتشير إلى الخلل في التعامل مع الناس.

تتقدم العمليّة التربويّة في مهنة الأستاذ على العملية التعليمية؛ وقد ترافقت التسميّة التي أُطلقت على الوزارة “بوزارة التربية والتعليم” ما يعني أنّ مهمة المعلمة واسعة ولا تنحصر في ناحية من دون أخرى وعلى عاتقها تقع تربية الأجيال التربية الصالحة؛ وتغذية العقول بكل ما هو خير من القيم والمفاهيم التي ستخدمه في المستقبل على المستوى الإنساني، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية مع الأهل والأصدقاء والرفاق وأبناء المجتمع؛ وإذا أردنا أن نصنّف حالة المجتمعات علينا أن ننظر إلى معلميها؛ لنعرف أين هي في سلم العلم والمعرفة.

كان هدف السيدة في الحياة أن تمضي النفس بما يتناسب مع التعاليم الإلهية التي لا تبعد بعيدًا من حقل النفس الإنسانية في التعامل مع الله ومع البشر.  إنها محقّة في طرحها؛ وفي هذا السياق يمكن للمرأة المعاصرة أن تقتدي بالسيدة نصرت في تعلمها وفي عملها.

قد يأتي من يقول إنّه ما عاد بإمكاننا العودة إلى الزمن الذي نشأت فيه تلك المجتهدة؛ ونحن على ما نحن عليه من التقدم والحضارة؛ فأقول إن هذا الطرح صحيح وسليم، ولكن يمكننا في مدارس البنات أن نتعلم ما نشاء من العلوم، مع المحافظة على الحياء والخفر الذي كانت تتمتع به نساء ذلك الزمن، والمحافظة على الزّي الإسلامي وقد أثبتت هذه السيدة بالمرتبة العلمية التي وصلت إليها أن الحجاب ليس عائقًا والعكس صحيح، والالتزام الدّيني والتعمق في فهم الإسلام دافع مهم يقف خلف المرأة في تحصيل علومها؛ مع المحافظة على توازنها فلا تعرف الغرور، ولا التكبر وتزهد في طلب الأمور الدّنيويّة.

في المستوى العملي يمكن للمرأة أن تعمل، وتزاول المهن التي تستطيع مزاولتها، إن على المستوى الجسدي أو على المستوى الفكري؛ فالله خلق المرأة لتكون ربة أسرة تتربع على عرشها؛ ومسؤولية إعالتها تقع على عاتق الرجل، ولكن وبما أن التطور التكنولوجي ساهم في زيادة نسبة البطالة بين الرجال، وبما أن العالم المتحضر أراد المرأة أن تكون سلعة يتحكم بها على هواه، وأن يسيّرها كما يشاء باسم التطور والحضارة؛ فقد فتح باب العمل أمامها في ميادين شتى فنال بذلك من أخلاقها، وقدراتها الجسدية والذهنية، وانجرفت مع تيار الفساد والتفلت من الأخلاق الكريمة.

ومن يقرأ سير النساء المحافظات اللواتي وصلن إلى مراتب علمية وعملية سامية يتأكد له أن المرأة بإمكانها أن تفعل ما تشاء في مقابل أن لا تتنازل عن أنوثتها ومركزها ومكانتها. وما أحوجنا اليوم إلى المرأة وهي تتمثل بالسيدة نصرت ليعود إلى الأسرة تماسكها، وللمجتمع توازنه.

خاتمة.

تبين لنا أن السيدة نصرت كانت مستقلة في قرارتها المادية والسياسية والاجتماعية؛ محبة للعلم متواضعة على الرغم من المكانة العلمية، والاجتهادية التي وصلت إليها.

هي زاهدة في طلب المراكز الدنيوية؛ واكتفت بأن تكون معلمة لبنات جيلها انطلاقًا من منزلها مع محافظتها على متانة أسرتها وحياتها العائلية على أحسن ما يكون.

كانت مؤثرة وفاعلة في بنات جنسها في الحقبة التي نشأت فيها، وقد مدّت يد المساعدة لهن، وأنشأت لهن المدارس والثانويات، وعلمتهن اللغة العربية، وفتحت لهن باب الثقافة على أوسعه.

امتهنت التعليم لما لهذه المهنة من الأثر التربوي والتعليمي على المجتمع؛ ونحن نعرف أن المرأة هي التي تنشئ وتعلّم، وهي لا تزال إلى اليوم محط اهتمام الدولة الإيرانية للأثر الذي تركته في مجتمعها.

كانت صاحبة رأي سياسي، وقد تفاعلت مع الأحداث التي جرت في بلدها، وأبدت إعجابها بثورة الإمام التي غيرت معها تاريخ المنطقة العربية بأسرها.

هي سيدة راقية تستحق بجدارة التكريم والتقدير، وتنظيم المؤتمرات حولها، ويا حبذا لو يصار إلى ترجمة الكتب التي تتناول حياتها إلى اللغة العربية، ليتنسى لنا الاستزادة منها، وفهم هذا السيدة بشكل أفضل وأعمق.

 

فهرس المراجع.

  1. الإمام الخميني، الكلمات القصار، مكتبة المعارف الإسلامية للطباعة والنشر، الطبعة 2 ،2010م.
  2. أنور الجندي، حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام، سلسلة على طريق الأصالة الإسلامية، دار الأنصار للطباعة والنشر، لا ط، 1980م.
  3. دلال عباس، نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، دار المحجة البيضاء، بيروت، لبنان، الطبعة 1، 2018م.
  4. زينب السادات علوية همايوني، مجتهدة نصرت السادات أمين، منشورات كلبهار إصفهان، الطبعة3، 1386هـ،ش2007 م.
  5. كاري لوكاس، خطايا تحرير المرأة، ترجمة: وائل محمود الهلاوي، سطور جديدة للطباعة والنشر، مصر، الطبعة 1، 2010م.

الندوات.

  1. ندوة مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل، الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده، الكويت الأمانة العامة للأوقاف 1993م.

المواقع الإكترونية.

  1. ويكي شيعي الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت http://ar.wikishia.net.

الدوريات.

  1. فصلية شوراى اجتماعى زنان، العدد الأول، سنة 2018م.

[1] الإمام الخميني، الكلمات القصار، (مكتبة المعارف الإسلامية للطباعة والنشر، الطبعة 2 ، 2010م)، الصفحة 279.

[2] أنور الجندي، حركة تحرير المرأة في ميزان الإسلام، سلسلة على طريق الأصالة الإسلامية، (دار الأنصار للطباعة والنشر، لا ط، 1980م)، الصفحتان 17و 18.

 

[3] دلال عباس، نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب (بيروت: دار المحجة البيضاء، الطبعة 1، 2018م)، الصفحة 10.

[4] ويكي شيعي الموسوعة، الإلكترونية لمدرسة أهل البيت  http://ar.wikishia.net.

[5] زينت السادات علوية همايوني، مجتهدة نصرت السادات أمين، (منشورات كلبهار إصفهان، الطبعة3، 1386هـ،ش2007 م)، الصفحة 23.

[6] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحة 183.

[7] المصدر نفسه، الصفحة 183.

[8] فصلية شوراى اجتماعي زنان، العدد الأول، الصفحة 81.

[9] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحة 195

[10] المصدر نفسه، الصفحة 196.

[11] أنور الجندي مصدر سابق، الصفحة 16.

[12] كاري لوكاس، خطايا تحرير المرأة، ترجمة: وائل محمود الهلاوي، (مصر: سطور جديدة للطباعة والنشر، الطبعة 1، 2010م)، الصفحة 12.

[13] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحة 186.

[14] هو أحد العلماء الذين كانت لهم لقاءات مع العالمة أمين.

[15] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحة 191.

[16] ندوة مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل، الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده، (الكويت: الأمانة العامة للأوقاف 1993م)، الصفحة 274.

[17] ندوة مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل، الصفحة 38.

[18] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحتان 18 و 19.

[19] المصدر نفسه، الصفحة 21.

[20] نصرت أمين مجتهدة عالمة في الزمن الصعب، مصدر سابق، الصفحة 198.

[21] المصدر نفسه، الصفحة 199.

[22] المصدر نفسه، الصفحة 199.

[23] المصدر نفسه، الصفحة 199.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
نصرت أمينالفكر المعاصرالمرأة

المقالات المرتبطة

كربلاء الجمال والجلال

سؤال واحد يجول منذ أمد لماذا أمسك بيد نافع بن هلال وسار معه في تلك الليلة ؟ إي نافع …

الإمام موسى الصدر وقضايا الوحدة والتعددية

فمشروع الإمام السيد الصدر يناقض الطائفية، ويعمل من خلال دوائره المتعدّدة لرفع الحيف والظلم والحرمان عن فئات المجتمع اللبناني بصرف النظر عن انتماءاتها الدينية والمذهبية.

الحبّ في التراث العربيّ الإسلاميّ

هذا المولود نشأ عن الحبّ بل عن الوصال في الحبّ. ولكنّ الوصال في الحبّ الذي نشأ عنه الحمْل قد تقدّم عليه، ورافقه،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*