الكائن الرّقمي

الكائن الرّقمي

“إنّ التّكنولوجيا ليسَتْ فقط الأدواتِ والوسائلَ مهما بلغَتْ درجةُ تعقيدِها، تلك التي يستعملُها الإنسانُ، بل هي أفقٌ وطريقةُ انكشافٍ وكيفيّةُ تفكيرٍ ونمطٌ للعلاقةِ مع الآخرين ومع العالم، إنّها نمطٌ في الوجود”[1].

لا يمكننا استحضارُ مفهومِ “الكائن الرقميّ” مِن غيرِ أن يتبادرَ إلى الأذهانِ التّكنولوجيا وأثرُها المباشرُ على حياتنا اليوميّة، حيث لمّا كان الهدفُ من هذه التّقنيّة هو رفعَ المستوى المعيشي وتطويعَ الطّبيعةِ والسّيطرةَ  على المستقبل والتّحكمَ به، وهذا ما بدا يتقهقهرُ بشكلٍ يبعثُ على التّساؤل في ظلّ مكتسباتِ “الذّكاء الاصطناعيّ” والانغماسِ التّام في العالم الرّقميّ، وخلقِ جيلٍ من البشريّةِ يتّسمُ “بالاستلاب الواقعي” تسيّرُه  أدواتُ التّقنيّةِ حتّى الاستعباد، وهنا نواجهُ سؤالًا تُحدّدُ إجابتَه العلاقةُ التّفاعليّةُ بين الإنسان والتّكنولوجيا في “العصر الرّقمي”، فهل إنّ التّطلّعَ  إلى تنامي السّيطرة على الطّبيعة وتزايدِ الإنجازات والاكتشافات يخدمُ  بالضّرورة وجودَ الإنسان وغايتَه، ويكفلُ له مساحةً أوسعَ من التّكامل والتّعرف على الذّات والوجود والقيم العليا، أم أنّها محضُ لحظةٍ تاريخيّةٍ في عمر البشريّة قد نشأَتْ مِن غيرِ إدراكٍ لجوهر الإنسان ولا مراعاةٍ لطبيعتِه وحاجاتِه وغاياتِه، وبالتّالي فنحن بحاجةٍ إلى تجاوزِ ما هو آخذٌ بِنا إلى التّدهورِ والانحلال[2].

لسْتُ هنا بصدَدِ التّقييمِ، ولا لإلقاءِ الأحكامِ على عواهنِها، فالأمرُ، وكما يعبّرُ عنه الفيلسوفُ الألمانيُّ هايدغر، لا يقفُ عند حدّ القبولِ والإنكار لهذا الواقع، بل لا بدَّ من التزام “مبدأ الاعتدال” في علاقتنا التّفاعليّة مع التّقنيّة، فلا نرفضُها رفضًا أخرقًا، ولا ننجذبُ إليها انجذابَ الغواية، أي أن نُعملَها ونتحرّرَ منها في الوقت ذاته[3].

وقد حاولْتُ في سطورِ هذا المقال استجلاءَ معالمِ الشّخصيّةِ المنغمسة بإفراطٍ في مواقع التّواصل الاجتماعيّ، والتّي تمثّلُ الغالبيةَ في راهنِ عصرِنا. ومِن خلالِ ملاحظتي لمستخدمي هذا العالم، خلصْتُ إلى عدّةِ نقاطٍ تتّسم بتأرجحِها بين الشّدةِ والضّعفِ، وذلك باختلافِ طبيعةِ وظروفِ مستخدمي هذه المواقع. ولا بدّ من الالتفاتِ إلى أنّ هذه النّقاطَ المذكورةَ لا تستوعبُ جميعَ تفاصيلِ الجزئيّاتِ التّي قد تحتاجُ لبحوثٍ مطوّلةٍ في هذا الصّدد، ومنها:

  1. الاحتكامُ لرأيِ الأغلبيّةِ: أصبحَتِ الأحكامُ المنبثقةُ من معاييرِ العقل الجمعيّ هي البوصلةَ لتوجيهِ الرّغباتِ وتمحيصِ الأفكار، فتقَولبَتْ كلُّ فكرةٍ لتجذبَ الذّائقةَ العامّةَ في المجتمع الافتراضيّ، حيث تصبحُ وسائلُ جذبِ المتابعين وكسبُ تعاطفِهم من أوْلى الأولويّات، وكلُّ ما دون هذا يفقدُ دينمايّتَه في الفضاء الرّقمي. فكما هو واضحٌ، أنّ الأغلبَ من جمهور “social media”  يخضعُ  لعمليّةِ تعويمٍ وُجوديّ[4]، التّي لا تخوّلُّه لتحديدِ ما هو الواقعيّ وما هو موهوم،  فيخلطُ الأصيلَ بالمصطنعِ والحقَّ بالباطل. حتى على الصّعيد الفكريّ، فلم يسْلَمِ “العلمُ” من توظيفِه في هذا العالم لتحصيل مكتسباتٍ وقتيّةٍ تعزّزُ شعورَ التّميّزِ للأنا المتشظّية بين الlikes وcomments.
  2. الشَّرَهُ الاستهلاكيّ: يمكنُ ملاحظةُ هذا مِن خلال التّوجّهِ العامِ نحوَ الطّلبِ الدّائمِ لضخّ كل ما هو جديدٌ لأجلِ تحقيقِ نشوةٍ لحظيّةٍ، والتّي ما تلبثُ أن تستبدلَ بأخرى وتطلبَ المزيدَ. الأمرُ الذي خلقَ نوعًا من “الاستفحال الاستهلاكيّ” عَضَدَتْهُ الأدواتُ الإعلاميّةُ لتحوّلَه إلى نمطِ حياةٍ وغايةٍ مرجوّةٍ بذاتِها. وقد سرى ذلك إلى جميعِ جوانبِ الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، فحتى العلاقاتُ العاطفيّةُ والانفعالاتُ الإنسانيّة ُلم تسلَمْ من هذا التّنميط، فنرى المستخدمَ لهذه الوسائلِ في حالة استفراغٍ للوسع والعمل على جذب المتابعين بكافّة الأشكال والأدوات التّي تصلُ إلى استهلاكِ الذّات لإرضاء ” followers” هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى أنّ وسائلَ التّواصلِ بإتاحتِها خاصيّة التّعرّف على الآخرين واستباحة مساحة الخصوصيّة، صعّبَتْ خلقَ علاقاتٍ عاطفيّةٍ مُستدامةٍ، وذلك لكثرةِ البدائلِ وتعدّدِ الخيارات فأصبحَتِ العلاقاتُ تبدأ بزرّ like وتنتهي بblock. وما بين الزّريْنِ، فُقدَتِ القيمةُ الإنسانيّةُ وتفلّتَ الإنسانُ من مفاهيمِ المسؤوليّة والالتزامِ تجاه الآخر، هذا وبالإضافة لازدواجيّةٍ مفرطةٍ في التّعبير عن الانفعالات الإنسانية، فنرى المستخدمَ يغضبُ ويرفعُ عقيرتَه بالرّفض والتّأييد والدّفاع عن قضايا إنسانيّة، أو مواقفٍ سياسيّةٍ أو اقتصاديّةٍ، وكلُّ ذلك ضُمنَ نطاقِ الواقع الافتراضيّ، حيث نراه يثورُ لقضيّةِ قتلٍ أو اغتصابٍ لاقَتْ رَواجًا ” trendy”، بينما لا يحرّكُ ساكنًا إن واجهَ مثيلتَها في الواقعِ الخارجيّ، وأقصى ما قد يفعلُه هو إخراجُ التّليفون وتصويرُ الحادثة لكي يشجبَها لاحقًا مع أصدقائه “الشّبحيين”، فيكون “الإنساني” الوحيدَ في ظلامِ هذا الكونِ المتوحّش!
  3. الانعزالُ الجمعيُّ: إنّ التّمركزَ حولَ الذّات، واستغراقَ الإنسانِ في قيَمِ الفردانيّةِ والشّخصنةِ قد عملَتْ وسائلُ التّواصلِ الاجتماعيّ على تعزيزها، حيث زادَتْ “تضخّم الأنا” من خلال الابتعاد عن الأسرة والمجتمع، واللّجوء إلى إقامةِ علاقاتٍ افتراضيّةٍ ماهيّتُها الانفصالُ في الحقيقة، وهذا ما خلقَ نوعًا من اللّامبالاة تجاه المجتمع والآخر، في عصرٍ يتمحورُ حولَ الإنسان ويتّخذُ منه قيمةً عليا تُضبطُ على أساسِها تطلعاتُ المؤسّساتِ والقوانين. بَيْدَ أنّه من المفارقةِ أن يفقدَ الإنسانُ جوهرَه في خضم كلّ هذا، حيث تحوّلَ وجودُه إلى أداةٍ آليّةٍ وقيمةٍ كميّةٍ تُسثمرُ لتحقيقِ أكبر نفعٍ ممكن، فبات “مشروعًا تسويقيًّا” يخضعُ لطلبِ وعرضِ “القيم المتعيّة”[5]، والاستغراقِ في نشدان الرّفاهيّة والرّاحة واللّذة بمختلفِ الطّرق والأشكال، بدءًا من الإفراط في الجنس والإباحيّة كتجارةٍ مضمونةِ الرّبح، إلى الهَوَسِ في تنميطِ الجسد وِفْقَ معايير ارتضَتْها “الصّناعاتُ الإعلاميّةُ”، وصولًا إلى تنميطِ الفكرِ والثّقافة بأنساقٍ تُجاري ذائقةَ الأغلبيّةَ والتّي عبّرَ عنها هايدغر “بغَيبَةِ الكينونةِ”، ومن أماراتِها هيمنةُ الكائنِ حدّ عربدتِه وتغييبُ الآلهة وأفولُها، فضلًا عن تيهِ الإنسان وضياعِه[6]. وصفوةُ القولِ: إنّ الجميعَ أصبحَ مشغولًا بجذبِ وإغواءِ الجميع بفردانيّةٍ مفرطة.
  4. أزمةُ المعنى: إنّ استغراقَ الإنسانِ في ذاتِه وهجرَه للأنساق المعرفيّة العليا، فضلًا عن تآكل انتمائِه “الهويّاتي”، وتحييدِ القيَمِ الدّينيّةِ والاجتماعيّةِ بقيَمٍ فرديّةٍ أنتجَها الفردُ في مساحةٍ تحدّدُها خياراتُه الشّخصيّةُ المحمّلةُ بالرّغباتِ المحدودةِ واتّخاذها كقيَمٍ مطلقة، علاوةً على كثافةِ المُدخلاتِ وكثرةِ البدائل والاتّجاهات المذهبيّة والآراء الفكريّة جعلَتْه كائنًا هجينَ المعرفةِ والتّطلّع، فغدا ورقةً تتلاعبُ به رياحُ التّغييرِ المستمرِ ممّا دفعَ بالأغلبيةِ إلى التّوجهِ نحو الواقع الافتراضيّ لتأصيلِ معارفِه من خلال “posts” في facebook أو تغريدةٍ على twitter إلى المستوى الذي جعلَه يجترحُ مقارباتٍ لقضايا معرفيّةٍ كبرى بالاستناد إلى جملةٍ كُتِبَتْ على صفحةِ أحدِهم، فيتّخذُ من هذه الوسائلِ أداةً معياريّةً لتكوينِ رؤيتِه المعرفيّة وأحكامِه العمليّة تجاه الكثيرِ من القضايا بطريقةٍ لاشعوريّةٍ تعتمدُ على تلقين “youtubers”، والعدوى النّفسيّة لجماهيرِ العالمِ الافتراضيّ، ما جعلَه يتّسمُ بالخواءِ الفكريّ بالرّغم من تُخْمتِه والفراغِ المعنويّ الذي غيّبَه عن ذاته ووجوده. وليطفِئَ قلقَه تجاه الأسئلةِ الوجوديّةِ الكبرى، لجأ إلى الأفلام الإباحيّة والرّؤى الفوضويّة والتّمرّدِ لأجل التّمرّدِ، والرّفضِ المستمر لأجل التّميّزِ كأفْيونٍ مؤقّتٍ، في عصرٍ موضتُه الاهتمامُ بكلّ شيء ولا شيء، فحطّ بذلك قيمةَ كلّ مهمّ[7].
  5. عبادةُ الجسد: أصبحَتْ وسائلُ الإعلامِ وما تبثُّه مِن إعلاناتٍ  في المواقعِ المختلفةِ الأداةَ الأهم  في صنعِ معايير الجمال والنّماذج المثاليّة للجسد، في بوتقةٍ تخدمُ الثّقافةَ الاستهلاكيّةَ باتَ فيها الإنسانُ رهينَ جسدِه. فبمجرّدِ إلقاء نظرةٍ سريعةٍ على أعدادِ المُقبلينَ على عمليّات التّجميل من النّساء والرّجال، والهوَسِ بمختلفِ أنواع الرّياضاتِ والحِمياتِ، والسّعيِ الدّائمِ لتحصيلِ الكمالِ الجسديّ بالهروب من الشّيخوخةِ والتّرهّل، وحتى من الإفرازاتِ الطّبيعيّة للجسد، سيتّضحُ أنّ هناك نوعٌ من التّقديسِ للجسد الماديّ يقابِلُه إغفالٌ مفرطٌ للجانبِ الرّوحيّ المتعطّشِ لتجاوزِ الذّات ورغباتِها، هذا وإن كان تاركًا بأثرِه على الجنسيَنِ إلّا أنّ المرأةَ قد نالَها النّصيبُ الأكبرُ من خلال إعادة قَولبةِ وجودِها ضمنَ سرديّة “الإغراء اللّامتناهي”، والجذْبِ اللّامتناهي الذي دفعَها للانشغالِ بجسدِها حتى الهَوَس. “وقد رَوّجَتِ الأساطيرُ العاطفيّةُ التي تتضمّنُها بعضُ الرّواياتِ الإباحيّة وأفلامِ العنف والغناءِ الهابطِ لتنميطِ علاقةِ حبٍ امتلاكيّةٍ تُجرّدُ المرأةَ من كلّ سِمةٍ إنسانيّةٍ (كالذّكاء والموهبة والثّقافة والقدرات الإبداعيّة والحنان والدّفء والجمال الطّبيعيّ)، وتعاملَتْ معَها باعتبارِها مانحةً  للمتعةِ وأداةً طيّعةً لا بدَّ أن تتنكّرَ بأقنعةٍ بارعةٍ توفّرُها عملياتُ التّجميلِ وموادُ التّبرّجِ والمجوهراتُ والأزياءُ لتُرضيَ النّزعةَ الاستحواذيّةَ لدى الشّخص المستهلك”[8].

 

[1] الأخلاقيات الرقمية والحداثة في التواصل الإنساني، المجلة الأردنية للعلوم الاجتماعية، الصفحة 259.

[2] راجع، ألكسيس كارل، الإنسان ذلك المجهول.

[3]محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر هايدغر، الصفحة 608.

[4] التشظي والتذبذب.

[5] جيل ليبوفتسكي، الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة. انظر عصر الفراغ.

[6] راجع، نقد الحداثة في فكر هايدغر، مصدر سابق، الصفحة 601.

[7] مارتن هايدغر، التقنية، الحقيقة، الوجود، الصفحة 188.

[8] باتريك زوسكيند، عن الحب والموت، الصفحة 15.



المقالات المرتبطة

السلفيّة الجهادية ومسألة الدولة

يكتنف مصطلحَ أو مفهومَ “السلفية” الغموضُ، إن في دلالته أو مضمونه، أو بيان نشأته، أو معرفة حدّه. وتلك سمة الكثير

معركة لغير وجه الله

يقدّم الباحث الأستاذ فهمي هويدي في مقاله المنشور على صفحات جريدة الشروق المصرية قراءةً حول تاريخ التجاذب

لماذا التعاند بين النص والعقل

السؤال رغم مباشرته وطبيعته التكرارية يستحق بعض التأمل، النص هنا لا نعني به كل ما هو مكتوب ومدون. بل ما نعنيه المعنى الخاص له. أولئك الذين حصروا العقل بالصور البرهانية البحتة، بل بالتحديد أولئك الذين اعتبروا أن العقل هو مولّد الحقائق وخالقها.

تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. الاسم الحقيقي: عبدو حميه
    الاسم الحقيقي: عبدو حميه 26 مايو, 2021, 10:55

    مقالة علمية تحقيقية عصرية رائعة راقية بامتياز.

    بقي انني سمعت من بعض اهل التحقيق ان العالم الرقمي، وكما تعلمون في عوالم الوجود هناك تقسيم حقيقي واقعي، منشا اثر، فلسفيا ان صح التعبير، فهناك جبروت وملكوت ولاهوت..
    وهناك سفلوت.. عوالم نارية..
    فالمهتمين بعالم المعنويات.. يلتفتون..

    المشاركة الثانية: فب الجمهورية الاسلامية لاحظت انهم يتعاطون بشكل مختلف مع وسائل التواصل.. الايميلات.. الوتساب.. وغيرها.. شرحها صعب..

    والله العالم

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*