الإنسان .. وفيك انطوى العالم الأكبر

الإنسان .. وفيك انطوى العالم الأكبر

في مؤتمر الإعجاز العلمي الأول للقرآن الكريم والذي عُقد في القاهرة عام 1986م، وقف الأستاذ الدكتور كيث مور (Keith Moore) [1]في محاضرته قائلًا: “إنني أشهد بإعجاز الله في خلق كل طور من أطوار الحياة في القرآن الكريم، ولا أعتقد أن الرسول محمدًا (ص) أو أي شخص آخر في حينه يستطيع معرفة ما يحدث في تطور الجنين؛ لأن هذه التطورات لم تُكتشف إلا في الجزء الأخير من القرن العشرين، وأريد أن أؤكد على أن كل شيء قرأته في القرآن الكريم عن نشأة الجنين وتطوره في داخل الرحم ينطبق على كل ما أعرفه كعالمٍ من علماء الأجنة البارزين”.

فبعد عشرات السنين والتي قضاها هذا العالم في الدرس والبحث في علم التشريح والأجنة توصل إلى نتائج عرضها القرآن الكريم قبل أكثر من 1440 عام، والتي تبقى من مواضيع التحدي والإعجاز القرآني التي تم اكتشافها في العلم الحديث، والذي فيه الكثير مما لم يكتشف حتى الآن.

﴿هَٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى ضَلَٰالٍۢ مُّبِينٍۢ﴾[2].

صفة الخلق ارتبطت بالله عز وجل وقد سمّى نفسه الخالق، التي وردت ثمان مرّاتٍ في القرآن الكريم مفردًا، وورد اسم الخلّاق مرتين، والخالق اسم فاعل من خلق: بمعنى قدر، والخالق: هو الذي أَوجد الأَشياء جميعها بعد أَن لـم تكن موجودة. والـخَـلْقُ فـي كلام العرب: ابتِداع الشيء علـى مِثال لـم يُسبق إِلـيه؛ وكل شيء خَـلقه الله فهو مُبْتَدِئه علـى غير مثال سُبق إِلـيه.

إحدى المخلوقات الإلهية هي الإنسان، الذي جعل فيه قدرات وإمكانيات تفوّق بها على سائر المخلوقات ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ..﴾[3]، وبالتالي استحق حمل الأمانة ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[4].

وقد وضحت الآيات القرآنية مواصفات الخلقة الإنسانية وقدراتها التي مكنتها من لعب هذا الدور الإلهي، والذي أظهر أيضًا المراحل التي مرّ فيها الإنسان في عملية التكوين ليصل إلى هذه النتيجة، فبالرغم من أن المصنع الرباني والذي لا يحتاج إلى أكثر من كلمة ليتكون (كن فيكون) فقد سارت عملية خلق الإنسان بمراحل عدة  ﴿خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون﴾[5]؛ بمعنى آخر رسم لنا السيرة الحياتية (Life span, life cycle) للإنسان في الدنيا من البداية حتى الممات.

  • البداية كانت من تراب ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ …﴾[6]، ولكي يصبح التراب قادرًا على التحول أضاف إليه ما جعل منه كل شيء حي وهو الماء ليصبح طينًا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾[7].
  • ينتقل القرآن الكريم ليصور لنا أن هذا التراب أو الطين قد تحول إلى نطفة ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾[8]؛ النطفة، بحسب أهل اللغة، هي الماء الصافي والمعبّر بأنها ماء الرجل، أي الحيوان المنوي والذي يأتي من صلب الرجل ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ﴾[9]. وهنا التحدي الأكبر أمام العلماء والمفكرين وكل من يملك قدرة علمية، كيف يتحول هذا الطين إلى شيء حي في قرار مكين أي في مكان ثابت ومستقر وهو الرحم، وكيف أن الحياة تبدأ من جامد (غير حي) وهو التراب؟ يذكر أن هذا المعنى ورد أكثر من 17 مرة في القرآن الكريم كتأكيد إلهي للناس على هذا الأمر. وللمفارقة قد أعلن العلماء في أواخر العام الماضي أنهم وبعد 15 سنة من البحث الجاد والذي كلف أكثر من 40 مليون دولار استطاعوا إنتاج أول خلية اصطناعية من خلال تركيب كروموزوم صناعي داخل خلية بكتيرية[10]. والفكرة هنا أنهم لم ينتجوا خلية حية بل أنتجوا كروموزوم وضعوه في خلية حية موجودة أصلًا.
  • في مرحلة النطفة وبحسب القرآن الكريم فإنه يحدّد الجنين إن كان ذكرًا أم أنثى، وهو ما يؤكده القرآن الكريم ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾[11]، وهو التحدّي العلمي الثاني أمام العلماء، ولم يقل أحد من علماء الغرب الموثوق بعلمهم، إن الجنين ناتج عن التقاء الحيوان المنوي للرجل مع بويضة المرأة قبل سنة 1775م والذي أوضحها العالم الإيطالي (لازارو) عام 1786 ، وتم تأكيد هذه النظرية في بداية القرن العشرين عند اكتشاف الكروموسومات.
  • وفي متابعتنا لرحلة خلق الإنسان فبعد أن أصبح نطفة وانتقل من صلب الرجل إلى الرحم تأتي مرحلة التلقيح لتتحول هذه النطفة إلى أمشاج داخل رحم المرأة ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾[12]؛ والأمشاج هنا هي الخليط ما بين ماء الرجل وماء المرأة (الحيوان المنوي والبويضة)، هذا الخليط والمحاط بالدماء يصبح علقة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾[13]؛ والعلقة هي الدم المتخثر العالق والثابت في الرحم.
  • المضغة خلقها من العلقة ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾[14]؛ والتي هي قطعة لحم قدر ما يمضغ أي بحجم كرة صغيرة بقطر 3-4 سنتم، والتي تكون في الشهر الأول (أول 4 أسابيع) للحمل التي تسبق تشكل معالم الوجه للجنين والتي أسماها القرآن مضغة مخلّقة حيث يبدأ بتصوير الإنسان في المراحل الأولى لنمو الجنين، وقبل تكون العمود الفقري (العظام)، ﴿مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾[15]، وهنا يشير القرآن الكريم إلى الغير مخلّقة والتي لم تبدأ مرحلة التصوير، وبالتالي هنا النكتة اللطيفة بأنه هنا يوجد خطر على الجنين أكثر من أي وقت آخر، وهو ما أثبته العلم الحديث بأن موت الجنين في المراحل الأولى من الحمل أكثر شيوعًا وانتشارًا بين الأمهات الحوامل من المراحل المتأخرة من الحمل. وبحسب الدراسات فإن احتمال وفاة الجنين في الرحم في الشهر الأول هو 25% ويهبط لتصبح 2-3% فقط في الثلث الثاني من الحمل أي ما بين الشهر الثالث والشهر السادس، وبحسب الدراسات فإن 50% من حالات موت الجنين في الرحم غير معروفة الأسباب[16].
  • في مرحلة التي تليها يبدأ تكون العظم من المضغة المخلّقة والتي تبدأ في الأسبوع السادس للحمل، حيث يبدأ تكون عظام الرأس والوجه ويأتي بعدها تكون العامود الفقري ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾[17]، فالعلم أثبت أن “أنسجة الهيكل العظمي هي أول الأنسجة الرئيسية التي تظهر بوضوح في عملية التمايز في تطور الأطراف العلوية”[18]، ومسألة كساء العظم باللحم هي تكون العضلات حول العظام والتي تثبّت على العظام بواسطة أوتار (Tendons)، والعبرة أن المؤشر على تكون العضلات هي في بدء تحريك الجنين لأعضائه خاصة أطرافه والتي يظهر بشكل واضح بالأسبوع السادس والسابع.
  • وينتقل القرآن الكريم للحديث مباشرة عن الطفل ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾[19]، وبخروج الطفل من رحم أمه في الشهر التاسع يكون قد أنهى الحقبة الأولى من حياته ملاصقًا، بل داخل أمه حيث لا يحمل أحد أحد، يتفاعل معها بكل شيء ليصبح قادرًا على الحياة ويخرج إلى الدنيا، يذكر أن كلمة طفل لم ترد بالقرآن سوى مرتين، ففي المرة الثانية كان ذلك في سورة النور الآية 59 ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾، ليتحدث عن مرحلة بلوغ الحلم مرحلة البلوغ ونضوج العقل والتمييز.
  • ولكن قبل بلوغ سن الحلم فإن الطفل يعيش في حقبة ثانية بكنف وحماية ورعاية والديه حتى يبلغ أشده ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾[20]؛ وبلوغ الشدة هو كمال القوة والقدرة عند الإنسان ليتمكن من القيام بتكاليف الحياة دون معونة من أحد.
  • مع بلوغ الحلم أو سن البلوغ والتي يصبح فيها الإنسان مهيأ جسمانيًّا وفيزيولوجيًّا للتزاوج والتي هي الحقبة الثالثة من حياته بعد حقبة الرحم والرعاية الأسرية، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾[21]، حيث يكوّن أسرة جديدة يحقق سنة الحياة في استمرارية الخليقة، وهي ذروة الحياة ليبدأ بعدها للانتقال إلى الجهة الأخرى من الجبل ويبدأ بالنزول ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾[22]، ليرد هذا الإنسان إلى أرذل العمل ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾[23]، ولأجل مسمّى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾[24]، ليختم فيه سيرة حياته في الدنيا بالموت.

هذا خلق الله، وهكذا يخلق الإنسان بحوالي 17 استحالة فيزيولوجيًّا من شيء إلى شيء آخر وهو تغير مرتبط بتغيير على المستوى السيكولوجي والاجتماعي وغيرها، لينتهي إلى التراب كما بدأ، ولكل مرحلة شأنها يمكن تأليف الكتب حولها.

فالعبرة علمية فلسفية، وهذا التروّي الإلهي في خلق الإنسان، الذي صنعه لنفسه وليخلفه في أرضه مجاوزًا في قدراته كل المخلوقات الأخرى، هو من التراب وإلى التراب، فيا أيها الإنسان ألا تقف وتعتبر…؟

والحمد لله رب العالمين

 

[1] أستاذ علم التشريح (1925-2019) في عدة جامعات منها جامعة تورنتو بكندا، وجامعة توينابك في الغرب الكندي وعمل على رأس العديد من الجمعيات الدولية؛ مثل جمعية علماء التشريح والأجنة في كندا وأمريكا، ومجلس اتحاد العلوم الحيوية، كما انتخب عضوًا في الجمعية الطبية الملكية بكندا، والأكاديمية الدولية لعلوم الخلايا، والاتحاد الأمريكي لأطباء التشريح، وفي اتحاد الأمريكتين في التشريح، حاصل على جائزة جرانت من الجمعية الكندية لاختصاصيي التشريح ، وشارك في تأليف عدة كتب في مجال التشريح الأكلينكي وعلم الأجنة، منها:

The Developing Human: Clinically Oriented Embryology وClinically Oriented Anatomy وEssential Clinical Anatomy.

[2] سورة لقمان، الآية 11.

[3] سورة البقرة، الآية 31.

[4] سورة الأحزاب، الآية 72.

[5] سورة الأنبياء، الآية 37.

[6] سورة الحج، الآية 5.

[7] سورة المؤمنون، الآية 12.

[8] سورة المؤمنون، الآية 13.

[9] سورة القيامة، الآية 37.

[10] وكالة رويترز 21-5-2020.

[11] سورة النجم، الآيتان 45و 46.

[12] سورة الإنسان، الآية 2.

[13] سورة غافر، الآية 67.

[14] سورة المؤمنون، الآية 14.

[15] سورة الحج، الآية 5.

[16] ولادة جنين ميت: تقييم وإدارة women health section magazine , Dr. Robert M. Silver., جامعة ولاية يوتا الصحة مركز العلوم، USA.

[17] سورة المؤمنون، الآية 13.

[18] Hand Embryology Gross Morphologic Overview of Upper Limb Development, Eric K Mooney, MD, MEDSCAPE, Oct 21, 2016.

[19] سورة غافر، الآية 67.

[20] سورة الحج، الآية 5.

[21] سورة فاطر، الآية 11.

[22] سورة غافر، الآية 67.

[23] سورة النحل، الآية 70.

[24] سورة الأنعام، الآية 2.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الإنسانالوجود

المقالات المرتبطة

التصالح المجتمعي بين الدين وعلمانية الدولة

يعالج هذا البحث التصالح المجتمعي بين الدين والعلمانية، وهو يبدأ بتعريف العلمانية، لينتقل بعد ذلك إلى معالجة التاريخ والنشأة،

غياب الإلهيات عن الثقافة

لا غنى لنا اليوم عن الاستغراق في تعميق مداركنا البحثية العميقة من أجل إنتاج علوم ومعارف ترشِّد الواقع العملي والمسلك الذهني والثقافي لأجيالنا الحالية.

العمارة الإسلاميّة في لبنان: سؤال الهويّة والأصالة

الوظيفة الجماليّة فتتصف باعتبارها المسؤولة عن الإمتاع البصري بالدرجة الأولى؛ لأن من مهامها الإجابة عما يتعلق بــ “الانتماء” إلى مكان فيه الراحة النفسيّة، مكان تشبه فيه مكونات البناء والزخرفة والأشكال الهندسيّة المعتمدة صورًا مألوفة من ذاكرة الناس وحياتهم المُعاشة، صورًا تشبه تاريخهم وتراثهم وأفكارهم وفلسفتهم حول العمل والحياة وغيرها من الأمور.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*