المرأة ومركزيّتها في بناء الأسرة

المرأة ومركزيّتها في بناء الأسرة

تكمن نقطة البداية بحسب رأيي في المعرفة الجازمة لأهميّة المرأة، ودورها في المجتمع، وبإدراك خطورة هذا الدور، فهي المسؤولة عن حيّز كبير في بناء مستقبل الأجيال، والأصحّ بناء المستقبل للأجيال إن كانت أمًّا، مؤيّدين قول الشاعر: إذا أعددتها أعددت شعبًا طيّب الأعراق، إذ إنّها تُعنى ـ مثل الرجل ـ بإعداد الإنسان من جوانبه الإيمانيّة، والجسديّة، والنفسيّة، والفكريّة، والسلوكيّة، والاجتماعيّة.

إنّ من نتاج إدراك المرأة لأهمية الدور المنوط  بها، يعني سعيها لزيادة خبرتها المعرفيّة، والارتقاء بها، فمجتمعنا هو نتاج تربيتنا، وتأهيلنا، واهتمامنا، كما وعينا، وإدراكنا.

وأودّ الإشارة إلى أنّ ما سأتناوله في هذه المقال سيسلّط الضوء على ثلاث نقاط حول المرأة وموقعها العامّ في المجتمع في فكر الإمام الخامنئي، ومن ثمّ تعليم المرأة، ويليها إصلاح الجيل المُلقى على عاتقها.

لقد تناولت هذه النقاط من فكر السيّد الخامنئي من خلال الإطّلاع على بعض الكتيّبات التي تتضمّن فكره وأقواله، كذلك من خلال بعض محاضرات سماحته، وعددًا من الكلمات، والخطابات التي أطلقها في مناسبات مختلفة مع جهات وجمعيات وتجمّعات نسائيّة، وعامّة.

سأبدأ كلامي بالإطلالة على موقف للإمام الخميني (قدّس الله سرّه) عن المرأة ودورها وموقعها في المجتمع الإسلاميّ، حيث يقول: “المرأة مظهر لصرح المجتمع، والأمومة هي أرقى منزلة في حياة المرأة الاجتماعيّة… للنساء دور حسّاس ومهم في بناء المجتمع الإسلاميّ… “، ويلفت أيضًا إلى أنّ الإسلام يرفع من مكانة المرأة، فهي تستطيع أن تتحمّل مسؤوليّات مختلفة في نظام الحكومة الإسلاميّة بقدر ما تحقّقه من رقيّ ونجاح.

وبلمحة سريعة على واقع المرأة في إيران في السنوات الأخيرة، يمكننا القول: إنّه قبل انتصار الثورة في العام 1979 في إيران، كانت تُمنع المرأة المسلمة الملتزمة بالحجاب من الدخول في مجالات الحياة العامّة، ليس بحكم القانون، وإنّما بحكم العرف، والممارسة، وكان العديد من الأسر تمنع فتياتها من دخول الحياة العامّة خوفًا عليهن من التفلّت، والانحلال القيميّ، والأخلاقيّ.

وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران جرى وضع العديد من القوانين التي “تخدم المرأة وترفع من مستواها وتقوّي البنيان الأسريّ، هي موادّ تضمن حقوق المرأة، وتدعم وضعها القانونيّ والتشريعيّ بالنسبة لحقوقها الإنسانيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، مرتكزة على القيم الإسلاميّة، وحدودها، كما حاولت هذه القوانين توفير المجال المناسب لتنمية شخصيّة المرأة، وتأمين حقوقها الماديّة والمعنويّة، في فترات الحمل، والولادة والحضانة، كما الطفولة والشيخوخة”.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه و “قبل الثورة الإسلاميّة في إيران شكّلت نسبة النساء الأمّيّات أكثر من 75%، وانحصرت مشاركة النسوة بشكل كبير في الانتخابات وفي معترك الحياة العامّة… بينما مارست المرأة بعد الثورة الكثير من النشاطات العلميّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، فعلى سبيل المثال تحتلّ النسوة حاليًّا نسبة 30% من المهن ذات الاختصاص، وإنّ ما يربو على 30% من أعضاء الهيئات العلميّة في الجامعات هنّ من النساء”.

​فعلى سبيل المثال لا الحصر، وبحسب “إحصائيّات العامّ 2009 شكّلت النساء 51% من نسبة طلاّب الجامعات”، بينما بيّنت “إحصائيّات العامّ 2010 ارتفاع عدد طالبات المدارس إلى 144% “، وفي مجال التوظيف نشير إلى “تضاعف نسبة الموظّفات في مراكز التعليم العالي الحكوميّ بين ما قبل الثورة، وما بعدها بنسبة 11 ضعفًا”.

​والأمثلة في هذه المجالات وغيرها كثيرة وعديدة، ولا مجال هنا للتطرّق إليها، وسأكتفي بما ذُكر للدلالة، والإطلالة على الموضوع ليس إلّا.

وبناء على ما تقدّم نجد أنّ المرأة في إيران قفزت قفزات لافتة، إن على صعيد تعليمها، أو على صعيد مشاركتها في الحياة العامّة، وبالتالي فقد أعطت ثمارًا ونتائجًا إيجابيّة على صعيد المطالبة بحقّها في رفع سلطة الرجل عنها، كما في حقّها في التعلّم، والتعليم بهدف وصولها إلى كمالها الإنسانيّ، بحيث تكون مساهمة في تقويم الإنسانيّة، والمجتمع من خلال الإبداع، والتطوير بكلّ أشكاله المتاح لها ضمن حدود إمكانيّاتها”.

وإذا نظرنا إلى هذا التغيّر والتبدّل في المجتمع النسويّ الإيرانيّ، وحاولنا معرفة أسبابه، ومن يقف وراء هذه الحركة التغييريّة، فلن يسعنا سوى التوقّف للبحث في مضامين إرشادات وفتاوى، وخطابات، وتوجيهات، ورؤى بدأت مع الإمام الخميني (قدّس الله سرّه) وحذا حذوه الإمام السيّد علي الخامنئي (حفظه الله).

سنبدأ من موقع المرأة في المجتمع، وقد تناوله الإمام الخامنئي من خلال نقاط عدّة بقوله:

“إنّنا نسعى ونكافح ونقول من أجل بلوغ المرأة كمالها أي أن تنال المرأة في المجتمع حقوقها الإنسانيّة أوّلًا، وثانيًا من أجل ازدهار طاقاتها، ولتبلغ نضجها الحقيقيّ والإنسانيّ، لتصل في نهاية المطاف إلى كمالها الإنسانيّ، ولتتّخذ المرأة في المجتمع صورتها الإنسانيّة الكاملة، وتصبح إنسانة قادرة على المساهمة في تقدّم الإنسانيّة وتقدّم مجتمعها، ولتعمل في حدود إمكانيّاتها لتحويل العالم إلى بناء مزدهر وجميل”.

وهو ما يعني وبكل صراحة، منح المرأة حقوقها الإنسانية الكاملة، لتتمكّن من تعزيز قدراتها وإبراز طاقاتها.

كما يقول: “الإسلام يدعو إلى تكامل الإنسان، ولا فرق في هذا عنده بين الرجل والمرأة… فالإسلام لا يعير أهميّة بجنس الإنسان كأن يكون رجلًا أو امرأة، وإنّما المهمّ عنده هو الأخلاق الإنسانيّة، وإزدهار الطاقات وآداء التكاليف الملقاة على عاتق كلّ شخص، أو على عاتق كلّ واحد من الجنسين الذكر والأنثى”.

تناول الإمام الخامنئي هدف الإسلام من الدفاع عن حقوق المرأة بإشارته التّالية:

“عدم وقوعها فريسة الجور. عدم رؤية الرجل ذاته حاكمًا عليها. حدود الأسرة وحقوقها، فللرجل حقوقه، وللمرأة حقوقها، وقد جُعِلت حقوق كلّ منهما بشكل متوازن وعادل، ونحن نرفض ـ بحسب تعبير الإمام الخامنئي ـ كل أمر مغلوط  بحقّ المرأة وينسب إلى الإسلام، ورأي الإسلام في هذا الشأن واضح وبيّن، فهو يوازن في  حقوق كلٍّ من الرجل والمرأة في إطار الأسرة”.

في هذا العبارات دلالات وإشارات وتأكيدات هامّة تتناول موقع المرأة كما الرجل في المجتمع.

ويضيف: “احترام المرأة هو أن تُعطى الفرصة لإظهار طاقاتها، ومواهبها الهائلة التي أودعها الله تعالى في كلّ إنسان – بما في ذلك المرأة إضافة إلى المواهب المستثنية المودعة لديها  – على مستويات شتّى.. على مستوى العائلة، وعلى مستوى المجتمع، وعلى المستوى الدوليّ، ولأجل العلم، والمعرفة، والبحث العلميّ، والتربية، والبناء.

يجب على كلّ أفراد المجتمع وعلى الرجال في البلاد الإسلاميّة، أن يعلموا أنّ دور المرأة في نظر الإسلام هو عبارة عن وجودها في كلّ مجالات الحياة، وتعلّمها وجدّها، وسعيها، في كلّ الجوانب الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، والعلميّة في المجتمع، ويجب أيضًا أن يعلموا ماهيّة دور المرأة، وواجبها في محيط الأسرة وخارجه”.

هذا كلام واضح حول قدرات المرأة، وضرورة لحظ إمكانيّاتها، وتعزيز أوضاعها، ولا ضرورة للاستفاضة في تفسيره أو تحليله.

وقد أورد الإمام الخامنئي بخصوص موقع المرأة في المجتمع مجموعة من المَظالم تناولت دورها داخل الأسرة وخارجها وهي:

​1 . إذا لم تتوفّر للمرأة أسباب الأمن للدراسة والعمل، والكسب أحيانًا والراحة والاستراحة، فهذا ظلم يجب أن يتصدّى القانون والمجتمع لكلّ من يقترفه.

2 . إذا لم يسمح للمرأة بالتعلّم والحصول على التربية السليمة فهذا أيضًا ظلم.

  1. إذا لم تجد نفسها قادرة على التصرّف بممتلكاتها الخاصّة بحرّيّتها وإرادتها فهذا ظلم.
  2. إذا فرض على المرأة زوج لا دور لها باختياره، ولم تؤخذ إرادتها ورغبتها فيه فهذا ظلم.

5 . إذا لم تشبع عاطفتها من تربية الأولاد حينما تكون في دارها وفي ظلّ الأسرة، أو في حال الانفصال عن الزّوج فهذا ظلم.

6 . إذا كان لدى المرأة طاقات في المجال العلميّ، أو في مجال الاختراع والاكتشاف، أو قدرات سياسيّة، أو اجتماعيّة، ولكن لا يسمح لها باستثمار هذه الطاقات فهذا ظلم.

7 . قد تكثر أنواع المظالم ولكن يجب إزالتها…

ويؤكّد السيّد الخامنئي على موقع المرأة في الأسرة، ويشير إلى ما يعتبره الإسلام ظلمًا للمرأة من خلال ما يلي:

“كأن يتصرف الرجل في بيته وكأنّه المالك، أو ينظر للمرأة بعين الاستغلال، والاستخدام وهذا ظلم، وممّا يؤسف له ـ حسب قوله ـ أنّ الكثيرين يمارسون هذا الظلم، وهكذا الحال أيضًا خارج إطار الأسرة”.

الظلم هنا اجتماعيّ بكلّ المقاييس، لذلك أجد أنّ دور المرشد، والمشرّع، والمعنيّ، والناظم لآليات التنفيذ يتمحور حول رفع هذا الظلم بالطرق، والوسائل، والآليات المتاحة والممكنة.

ويضيف مؤكّدًا على دور المرأة في الأسرة “نحن نؤكّد على الدور الأسريّ للمرأة، ومهما استطاعت من آداء دور فاعل في المجال العلميّ، والعمليّ، يبقى دورها كأمّ، وكزوجة أهمّ دور يُمكن أن تؤدّيه، فلا يُمكن لأحد غيرها أن يؤدّي هذا الدور”.

كان لافتًا لَحْظَ الإمام الخامنئي للجانب النفسيّ لكلٍّ من الرجل والمرأة حيث قال: “لكلّ من الرجل والمرأة طبيعته الخاصّة، ولا يمكن أن يُرجى من المرأة أن تمتلك روحيّاته، وكذلك لا يمكن أن يُرجى من الرجل أن تكون له روحيّات المرأة، لذا من مصلحة البشريّة، بل من مصلحة المجتمع، والنظام الاجتماعيّ أن تراعى هذه الروحيّات الخاصّة في التعامل الأسريّ لكلٍّ منهما، لأنّ رعاية هذه المسائل هي سبب في سعادة الرجل والمرأة”، كما أضاف: “الرجال والنساء متساوون في ممارسة كلّ النشاطات المتعلّقة بالمجتمع البشريّ… تقسيم العمل يكون حسب القدرة والرغبة ووجود مجالات تقتضي العمل فيها”.

ويبرز جليًّا النظر بعين المساواة في طلب العمل، والعمل لكلٍّ من المرأة والرجل على حدٍّ سواء، ونراه من خلال أقواله التي لا مجال لتعدادها “لا يجد الإسلام فرقًا بين الرجل والمرأة في ممارسه هذه النشاطات ـ التعليم والعمل بمختلف مراحله ـ وإذا كان هناك ادّعاء أنّ الرجل يستطيع أن يدرس والمرأة لا تستطيع، أو أنّ الرجل يستطيع أن تكون له نشاطات اقتصاديّة والمرأة لا تستطيع، فهذا ادّعاء يخالف نظرة الدين الإسلاميّ”.

“إنّ النساء يستطعن أن يتابعن مسألة طلب العلم، وأن يصلن إلى درجات عالية ومرموقة فيه، وإذا كان البعض يعتقد أنّه لا يمكن للفتيات طلب العلم، فهذا اعتقاد خاطئ وخارج عن الصواب. يجب على الفتيات طلب العلم في الفروع التي يرغبن فيها، لأن المجتمع بحاجة إلى الاختصاصات العلميّة للفتيات والنساء كما أنّه بحاجة إلى اختصاصات الذكور”.

كما يؤكّد الإمام الخامنئي على دور المرأة في التعلّم كما التثقّف بالتوجيه قائلًا: “عليهم أن يسمحوا لبناتهم بالدراسة، والمطالعة وقراءة الكتب، وأن يطّلعن على المعارف الدينيّة والإنسانيّة التي تقوّي أذهانهن وعقولهن وتنشطها، إنّه أمر ضروريّ جدًّا”.

هنا إشارة واضحة إلى اقتران التعلّم بالتثّقف حيث يدعو المعنيين والمسؤولين عن تربية الفتيات إلى الاهتمام بأوضاعهن وتطوير قدراتهن وإمكاناتهن على مستوى متميّز…

“إنّ دراسة النساء أمر مهمّ جدًّا بهدف اكتساب المعرفة، ومهمّة من أجل رفع مستوى الرشد الفكريّ”، وفي ذلك رسالة واضحة وأهميّة بالغة لخصوصيّة تعليم المرأة، فالرشد الفكريّ هو شأن مهمّ، وأساسيّ في عمليّة النضوج الذاتيّ والاجتماعيّ، وهنا رأي لافت للإمام الخامنئي يتناول نظرته للمرأة قائلًا: “يجب أن تتمتّع النساء في بلادنا بالوعي الكامل والإلمام الشامل لنظرة الإسلام للمرأة ومكانتها فيه، لتستطيع أن تدافع عن حقوقها بالاتّكاء والاعتماد على هذه النظرة السامية الرفيعة للمرأة”.

وهنا تأكيد بالغ على مستوى معرفة النساء ووعيهن لحقوقهن كما إدراكهن، وقدرتهن على معالجة المشكلات التي تعترض مجتمعاتهن، حيث يقول: “ادفعن النساء إلى الدراسة، شجّعن الفتيات على الدراسات العليا، أمّن وسهّلن وسائل دخول الفتيات إلى المراكز العليا من خلال الطرق القانونيّة، وإذا حصل ذلك فستحلّ الأمور برأيي”.

يبدو واضحًا الإرشاد الاجتماعيّ والتربويّ، كما الإرشاد الإداريّ والقانونيّ بهدف تسليط الضوء على دور المرأة الأساسيّ في كيفية حل المشاكل.

وحول دور المرأة  في بناء المجتمع الإسلاميّ بشكل عامّ، يقول الإمام الخامنئي:

“لا فرق بين الرجل والمرأة، فكلٌّ منهما مسؤول أمام مسألة الأعمال والنشاطات الاقتصاديّة، ووسائل التخطيط والتفكير وغيرها، وأيضًا كلٌّ منهما مسؤول أمام شؤون الدولة، والمدينة، والقرية، وحتّى في شؤون التجمّعات الصغيرة، والمسائل الأسريّة ولكلّ منهما مسؤوليّته الخاصّة”.

ويضيف، “إذا كانت هناك نظرة خاطئة للمرأة في المجتمع، فإنّه لا يمكن تحقيق مسألة الإعمار وإعادة البناء الشامل”.

“يجب أن تتمتّع النساء في بلادنا بالوعي الكامل، والإلمام الشامل لنظرة الإسلام للمرأة ومكانتها فيه، حينها تستطيع أن تدافع عن حقوقها بالاتّكاء والاعتماد على هذه النظرة السامية الرفيعة للمرأة”.

“يجب على كلّ أفراد المجتمع، وعلى الرجال في البلاد الإسلاميّة، أن يعلموا أن دور المرأة في نظر الإسلام هو عبارة عن وجودها في كلّ مجالات الحياة، وتعلّمها وجدّها وسعيها في كلّ الجوانب الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة والعلميّة في المجتمع، ويجب أيضًا أن يعلموا ماهيّة دور المرأة وواجبها في محيط الأسرة وخارجه”.

وفيما يخصّ توجيهات الإمام الخامنئي في عمليّة إصلاح الأسرة، نلحظ قوله:

“… من جملة الأمور الأخرى الهامّة جدًّا، تعليمهن الأساليب الصحيحة للعمل والتصرّف داخل البيت، أي كيفيّة التعامل مع الأزواج، والأبناء، فهناك نساء جيّدات يمتلكن الصبر والعفو والأخلاق، لكنّهن يجهلن الأساليب الصحيحة للتصرّف مع الزوج والأولاد. علّموهن الأساليب العلميّة، والأمور التي تطوّرت من خلال التجربة البشريّة يومًا بعد يوم، حتّى بلغت مراحل جيّدة”.

في ذلك إشارة مهمّة ومؤكّدة حول الاستفادة من الخبرات البشريّة وتجارب الآخرين دون تحديد لزمان أو لمكان أو لفئة دون أخرى، بطريقة علمية، وهو ما يدور في فلك التوجيه نحو أهميّة التثقّف وليس فقط التعلّم الأكاديمي على أهميّته.

ولا يُمكن أن نتناول دور المرأة في إصلاح الجيل دون التطرّق إلى دورها في تربية الأطفال “إنّ أفضل طريقة لتربية الأطفال هي في أحضان أمّهاتهم المليئة بالحب والحنان والعطف، واللواتي يحرمن أطفالهن من هذا الحبّ والحنان يكنّ قد ابتعدن عن جادّة الصواب، لأنّ هذا الحرمان لا يضرّ الطفل وحده، بل يرجع ضرره إلى المجتمع كلّه، وهذا ما لا يجيزه الإسلام”.

لقد أكّد الإمام الخامنئي على أهميّة إصلاح الجيل من خلال مواقف عدّة، نذكر منها: رأيه حول المسؤوليّة، والقدرة والمعرفة والإدراك، وكان ذلك واضحًا في قوله: “إنّ مسؤوليّة إدارة وتطوّر المجتمع والبلاد تقع على عاتق الأفراد رجالًا ونساءً، ولكنّ مسؤوليّة النساء أبلغ أهميّة في الأسرة عن النشاط الاجتماعيّ”.

وهنا إشارة واضحة إلى أهميّة تعليم المرأة وتوعيتها التي لا تقتصر تداعياتها عليها فقط وإنّما على المجتمع ككلّ، وهو ما يترك أثره على صعيد بناء الجيل وإصلاحه.

“يجب على النساء أن يتعرّفن على ما يقوله الله تعالى عنهن في القرآن الكريم، وماذا يريد منهن، ويجب أيضًا أن يعرفن من الذي يحدّد مسؤولية المرأة، كي تستطيع أن تدافع عن حقّها بما يقوله الإسلام، وفي إطار الإسلام، وإذا كانت المرأة بعيدة عن هذه الأمور، فسوف تسمح لفاقدي القيم الإنسانيّة أن يمارسوا الظلم عليها”.

“إذا التزمت المرأة بالأسرة وتربية أولادها بهدف بناء جيل رفيعٍ ورشيد، فكلّ هذه الأعمال التي تقوم بها لا تنافي طلبها للعلم، أو ممارستها التدريس أو السياسة وغيرها من النشاطات الأخرى… لنسائنا اليوم دور فاعل في المجالات السياسيّة، والثقافيّة، والثوريّة، وكذلك على صعيد النشاطات العالميّة لهن دور فاعل أمام العالم كلّه”.

“أن تشعر الأمّ بأهميّة التربية وخطورتها، وخطورة الدور الذي تتبوّأه، كونها مسؤولة عن جزء كبير من مستقبل أبنائها وبناتها”.

ممّا لا شك فيه، أنّ من نتائج إدراك الأمّ لأهميّة التربية أن تسعى لزيادة خبرتها المعرفيّة والتربويّة والارتقاء بها، فلا يمكن أن ننكر أنّ واقع أولادنا هو نتاج تربيتنا نحن.

وفي إطار مسؤوليّة المرأة، ودورها في الحصول على حقوقها، وكما تعلمون أنّ الحقوق تُنتزع ولا تُعطى، ففي هذا السياق يحثّ الإمام الخامنئي المرأة على التبصّر، والعمل من أجل انتزاع حقوقها، لأنّه يعتبر: “من يجب أن يكون له نشاط في هذا المجال (مجال شؤون المرأة) هنّ نساء مجتمعنا، وإذا كان هناك قصور في المرأة المسلمة في المجتمع الإسلاميّ، سواء كان في إيران أو بعض الدول الإسلاميّة، فباعتقادي أنّ جزءًا منه يرجع إلى النساء أنفسهن، والجزء الآخر يكون بسبب الرجال. وإذا كانت المرأة بعيدة عن هذه الأمور، فسوف تسمح لفاقدي القيم الإنسانيّة أن يمارسوا الظلم عليها”.

يقول الإمام الخامنئي: “إنّ الرادع الحقيقيّ لممارسة الظلم يتمثّل في الله، والإيمان، والقانون”؛ أي في السلطة، “وأيضًا في معرفة المرأة لحقّها الإنسانيّ، والإلهيّ والدفاع عنه، وسعيها لتحقيقه بكلّ معنى الكلمة”.

وهو ما يستوجب بالتالي تعزيز قدرات المرأة المعرفيّة لتمكينها من استخدام المهارات، والوسائل الممكنة للحصول على حقوقها الإنسانيّة والاجتماعيّة.

لا ينفكّ الإمام الخامنئيّ يؤكّد على المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والفرص فبرأيه “ليس هناك أيّ تفاوت بين المرأة والرجل في مجالات الإعداد، والاقتصاد، والتخطيط، والتفكير، ووضع الدراسات لشؤون البلد، والمدينة، والقرية، والجماعة والشؤون الشّخصيّة للأسرة، فالكلّ مسؤول، وعلى الكلّ أن يؤدّي المسؤوليّة”.

كما أكّد الإمام الخامنئي على موقع المرأة وحقّها في الحصول على فرص عمل وإدارة، لذلك توجّه للمعنيّين بقوله: “عندما يريدون الأصلح لتولّي هذه الأمور ـ عنى بالقول المسؤوليّات، والمديريّات الأساسيّة ـ يجب أن يُنظَر إلى النساء بجانب الرجال، ويرون من هو الأصلح منهم دون أي تعصّب”.

في المحصّلة، لاحظنا أنّ تركيز الإمام الخامنئيّ في كلامه، وتوجيهاته على القضايا المتعلّقة بالمرأة ضمن مجالات مختلفة لم يغفل الجوانب النفسيّة، أو الاجتماعيّة سواء داخل الأسرة أو خارجها، إضافة إلى الأدوار الحركيّة الثوريّة، وحتّى التخطيطيّة والإداريّة والسياسيّة كما القانونيّة والاقتصاديّة.

وأشير هنا، إنّكم تدركون جيّدًا بأنّ الممارسات الاجتماعيّة تختلف في مرتكزاتها ونتائجها ـ وربّما كثيرًا ما تختلف ـ عن الفتاوى وعناوينها ومضامينها، كما أنّها تختلف عمّا قد تشير إليه القوانين وموادّها وآليات تطبيقها، فصحيح أنّ الفتاوى موجودة والحثّ على الالتزام بها وتطبيقها دائم، ومطلوب، وربّما يكون القانون أيضًا داعمًا لحقوق كلّ النساء، ولكن من خلال التجارب والأمثلة التي نواكبها ونصادفها يبقى المجتمع مختلفًا ومغايرًا عمّا نتعلّمه.

وهنا تكمن المشكلة، فالوعي والتوعية على الحقوق وحدهما وعلى أهميّتهما لا يكفي، فالزوجة الأم، أو حتّى الابنة، وربّما الأخت، قد تعمل كلّ ما في وسعها كي تصون بيتها وأولادها ضمن أسرتها، وتضحّي أحيانًا حتّى بحقوقها الماديّة والمعنويّة وبمكتسباتها الشخصيّة، على الرغم من معرفتها بكامل حقوقها وذلك لاعتبارات واعتبارت لا مجال لحدّها أو حصرها.

هو واقع مع الأسف موجود وتتمّ ممارسته في العديد من الأماكن، والمجتمعات ضدّ الأنثى سواء أكانت ابنة أو زوجة أو أمّ أو حتى جدّة بكامل أدوارها…

لقد تناول الإمام الخامنئي قضايا المرأة من زوايا مختلفة، فبحث في الاجتماعيّ كما المجتمعيّ، وفي النفسيّ، والتربويّ، والثقافيّ والعلميّ، والسياسيّ، والاقتصاديّ، والقانونيّ، والقيميّ، وجميعها مبنيّة ومرتكزة ومجترحة من الدينيّ الإسلاميّ.

كان هدف الإمام الخامنئيّ دائمًا -وهذا ما لاحظناه من خلال قراءاتنا في توجيهاته للمرأة- إشارة، وتلميحًا، وتصريحًا، وحثًّا، ومواكبة هو لفت النظر والتأكيد على العمل الجامع بين الإدراك والمعرفة والتعلّم، والوعي والتثقيف بهدف فتح كوّة في جذر كانت متأصّلة في النفوس، والعقول، ونتمنّى أن لا تبقى كذلك.

وأحبّ أن أنهي مداخلتي ببعض أقوال للإمام الخامنئيّ في موقع المرأة ومكانتها إذ يقول:

“إنّي مسرور لشعوري أنّ هناك حركة جدّية وحقيقيّة تجري لحسن الحظ من أجل إعادة الاعتبار لشخصيّة المرأة”.

ولا شكّ أنّ هذا القول يخفي ما يخفي من دلالات تفتح النقاش على ألف باب وباب بخصوص كلّ الحقوق التي تناولها الإسلام بشأن المرأة، وقد عمل الإمام الخامنئيّ على تناولها كما أكّد على أهميّة المضيّ في التفكير العلميّ، والعمليّ لصونها وصون حقوقها في الميادين كافّة.

​أمّا بخصوص دورها في إصلاح الجيل من داخل الأسرة كما من خارجها فيشير الإمام الخامنئيّ إلى مهمّة النساء اللواتي يجب “أن يربين في أحضانهن بشرًا بلا عقد، وإنسانًا صالحًا وسالمًا، تلك هي أهمّ قيمة لعمل المرأة، وهو لا يتنافى مع العمل العلميّ والعمليّ”.

وأختم مع التشريع، والمسؤوليّة القانونيّة في هذا الإطار بقوله: “لا يُمكن إزالة علل وأسباب الظلم الذي يُمكن أن تتعرّض له المرأة في مجتمع من المجتمعات إلاّ في ظل الأخلاق، والقانون”.

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
بناء الأسرةدور المرأةفكر الإمام الخامنئي

المقالات المرتبطة

الخطاب السياسي الفاطمي..

الزهراء(ع) سجلت المرأة الأنموذج في هذا الطريق الجهادي السياسي التبليغي، لقد أدّت السيدة الزهراء (ع) دورًا لا يختلف عن دور الإمام المعصوم.

الحقيقة الميتافيزيقيّة بين حسّ الطبيعة وحدس الوجود

يبدو أنّه من التعسّف أن نقارب السؤال عن ماهيّة الميتافيزيقا في ظرف ملتبس لا يخلو تمامًا من الممارسة الميتافيزيقيّة، فمنذ

الحضور المعرفي في النظرية الإسلامية المعاصرة (2)

إن ما انتهى إليه النظر العرفاني هو أنه ليس لنا من معرفة الشيء إلا بمقدار ما فينا منه. أي ما يدخل منه في حوزة النفس وإدراكها.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*