تاريخ علم الكلام | الدرس الثالث | مراحل تطوّر علم الكلام الإسلامي

تاريخ علم الكلام | الدرس الثالث | مراحل تطوّر علم الكلام الإسلامي

أهداف الدرس

في نهاية هذا الدرس سيكون الطالب قادرًا على أن:     

1- يُعدّد المراحل والحقبات المختلفة التي مرّ بها علم الكلام؛

2- يُبيّن خصائص كلّ مرحلة من هذه المراحل؛

3- يشرح التحوّلات العامة التي حدثت في كلّ مرحلة.

 

تذكرة

بيّنّا في الدرس السابق تعريف علم الكلام، واتّضح أنّه علم يسعى إلى استنباط المعتقدات الدينيّة من مصادرها الأساسيّة، ليعود ويعمل في مرحلة لاحقة على تبيين هذه العقائد وإثباتها، وينشغل في نهاية المطاف بالإجابة عن الشبهات، مستعينًا بالمنهجَين العقليّ والنقليّ. وبات معلومًا أيضًا أنّ علم الكلام تشكّل ضمن سياق ومسار تاريخيّ، بمعنى أنّه مرّ بمراحل عدّة وتطوّر خلالها.

ومن الطبيعي أن يكون موضوع هذا العلم وأهدافه قد خضعت لتغيّرات عدّة في هذا السير التكاملي. وسنعمد، في درسنا هذا، إلى تقديم إطلالة عامّة على التطوّرات والتغيّرات التي عرفها علم الكلام، وسنتعرّف على المراحل الأساسيّة لهذا العلم.

 

مراحل تاريخ الكلام

يمكن القول إجمالًا إنّ علم الكلام قد مرّ بأربع مراحل أساسيّة منذ بداية نشوئه حتّى الآن، تتسم كلّ واحدة منها بخصائص معيّنة، مضافًا إلى إمكان تحديد بداية ونهاية لها.

ونلفت هنا إلى أنّ تاريخ العلم قد يخضع إلى عدة تقسيمات بملاحظة جهات وحيثيّات مختلفة، لكن بما أنّ التطوّر التاريخي لعلم الكلام كان مرتبطًا ومدينًا بشكل كبير للتعامل مع العلوم المغايرة، اخترنا أن يكون معيارُ التقسيم علاقةَ هذا العلم وارتباطَه بسائر العلوم المنافسة، بمعنى أنّنا قمنا بتقسيم هذا العلم إلى مراحل مختلفة اعتمادًا على: مقارنة طبيعة العلاقة التي عرضت على هذا العلم تجاه باقي العلوم المنافسة، وملاحظة التحوّلات المختلفة التي طرأت عليه نتيجةً لذلك.

وبشكل عامّ، يمكن عدّ أربع مراحل أساسيّة لهذا العلم[1]:

المرحلة الأولى: نُطلق عليها عنوان مرحلة الأصالة، حيث كان علم الكلام ينشط بوصفه علمًا أصيلًا ومستقلًّا عن سائر العلوم.

المرحلة الثانية: نُطلق عليها عنوان مرحلة المنافسة والاختلاط، حيث ارتبط علم الكلام في هذه المرحلة – وكما سنوضح لاحقًا – ببعض العلوم الأخرى وراح يتأثّر بها، إلّا أنّه بقي في الوقت نفسه ناشطًا بوصفه علمًا متمايزًا، فكان بذلك منافسًا لهذه العلوم.

المرحلة الثالثة: وهي المرحلة التي اندمج فيها علم الكلام بالعلوم المنافسة من خلال قبوله لمبانيها، ما أدّى إلى تبدّله ومن ثَمّ أفوله، ولذلك لا يُعترف به في هذه المرحلة كعلم مستقلّ، بل كعلم تمّ تحييده لمصلحة علوم أخرى.

المرحلة الرابعة: وهي ما نطلق عليها عنوان مرحلة الإحياء والتجديد، وفيها اهتمّ علم الكلام بالعمل على ترميم نفسه وإعادة إحيائها، وبذل الجهود في سبيل استعادة استقلاليّته.

سنعمد، في درسنا هذا، إلى توضيح كلّ واحدة من هذه المراحل بالتفصيل تباعًا.

 

1- مرحلة الأصالة والاستقلال

أوّل مرحلة من مراحل علم الكلام هي مرحلة الأصالة والاستقلال التي تشمل القرون الخمس الأولى، والمراد من الأصالة هنا أنّ هويّة هذا العلم وأسسه قد نشأت في البيئة الثقافيّة والاجتماعيّة الإسلاميّة، ولم تتشكّل تحت تأثير العوامل الخارجيّة، ولم تخضع لتغيير جوهريّ. فقد ظهر علم الكلام استنادًا إلى احتياجات المجتمع الإسلامي، ولم يتأثّر بالعوامل الخارجيّة والثقافات غير الإسلاميّة أو يقتبس منها، ومن هنا نعدّ علم الكلام علمًا أصيلًا.

أما المراد من استقلال هذا العلم، فهو أنّه علم يتمتّع بأدبيّات متمايزة ومنطق متفرّد عن سائر العلوم، بمعنى أنّ الإطار الأساسي لهذا العلم ومنطقه لم يُؤخذا أو يُقتبسا من باقي العلوم. وقد حافظ علم الكلام الإسلامي في هذه المرحلة على استقلاله وتمايزه عن سائر العلوم المنافسة كالمنطق والفلسفة على الرغم من احتكاكه بسائر الثقافات وتعامله معها.

ومعلومٌ أنّ العالم الإسلامي قد شهد في القرنَين الثاني والثالث الهجريَّين ورود العديد من العلوم من ثقافات خارجيّة، كالمنطق والفلسفة، ولكن طرأ على هذه العلوم تغيير بنيوي بحيث تطوّرت وتكاملت بوصفها علومًا في المجتمع الإسلامي، وأصبحت بذلك محلًّا للاهتمام.

أمّا علم الكلام، فعلى الرغم من تعامله مع هذه العلوم، ووجود نوع ارتباط بينه وبينها، إلّا أنّه كان يعتمد على منطق وأدبيّات مستقلّة ومتمايزة عنها، ولذا يَسِمونَ علم الكلام في هذه المرحلة بأنّه علم مستقلّ.

وكما أُشير، فإنّ مرحلة الأصالة والاستقلال قد شملت القرون الخمس الأولى، حيث بدأت من زمان تشكّل علم الكلام في المجتمع الإسلامي في العقود الأولى للهجرة واستمرّت حتّى منتصف القرن الخامس الهجري، وفيها نشط علم الكلام بوصفه علمًا أصيلًا ومستقلًّا في المجتمع الإسلامي.

ويمكن من خلال التدقيق أكثر تقسيم هذه المرحلة إلى ثلاث حقبات فرعيّة:

أ- حقبة نشوء علم الكلام، وهي الفترة التي تشكّلت فيها جذور هذا العلم وأسسه.

ب- حقبة تكوّن الكلام النظري، حيث أخذت المباحث الكلاميّة شكلًا تنظيريًّا واكتسبت شكلًا أكمل.

ج- حقبة تدوين الأنظمة الكلاميّة، وهي الحقبة التي دُوّنت فيها المباحث الكلاميّة في قالب أنظمة كاملة مترابطة، واكتسب فيها علم الكلام معناه الاصطلاحي.

وسنقوم فيما يأتي باستعراض هذه الحقبات الفرعيّة المختلفة وتوضيحها بشكل أكثر تفصيلًا.

 

أ- حقبة ظهور المباحث الكلاميّة وتشكّلها

أوّل حقبة من حقبات علم الكلام في مرحلة الأصالة والاستقلال هي حقبة ظهور المباحث الكلاميّة وتشكُّلها. وقد استمرّت هذه الحقبة – التي بدأت من العقود الأولى للإسلام بعد رحيل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله – حتّى نهاية القرن الأوّل. وكانت النشاطات الكلاميّة في هذه الفترة تسير دون أن تتّصف بعنوان <الكلام>؛ ذلك أنّ طرح المسائل والأسئلة الكلاميّة في المجتمع الإسلامي كان يدفع البعض إلى الانشغال بالنشاط الكلاميّ بغية تحصيل الإجابة على هذه الأسئلة والدفاع عن العقائد. والحقّ أن يُقال إنّ علم الكلام قد تشكّل في هذه الحقبة إلّا أنّه لم يكن قد تكامل بعدُ، ولم يكن قد أُطلق عليه اسم الكلام.

 

خصائص هذه الحقبة

1- كان علم الكلام يستقي أكثر مسائله من الإطار السياسي والاجتماعي للمجتمع الإسلامي، ولذا كان الهدف من النقاشات والأبحاث الكلاميّة يأخذ طابعًا عمليًّا خارجيًّا أكثر منه نظريًّا، بمعنى أنّ أكثر المباحث الكلاميّة كانت تدور حول المسائل السياسيّة والاجتماعيّة التي تحتوي على نتائج  وآثار عمليّة في المجتمع الإسلامي.

ومثال ذلك، أن النقاش والبحث في هذه الحقبة حول مسألة الإمامة – بعنوانها مسألةً كلاميّةً – إنما انعقد بهدف تعيين قائد للمجتمع الإسلامي ومعالجة الوضع السياسي لهذا المجتمع، أي إنّ الحديث والنّزاع حول هذه المسألة لم يكتسب طابعًا نظريًّا وحسب، بل كانت هناك أهداف عمليّة من ورائه. ولأنّ النقاشات والنزاعات الكلاميّة في هذه الحقبة ظهرت في هامش النزاعات السياسيّة، عمد البعض إلى تسمية الكلام في هذه الحقبة بـ <الكلام السياسي>.

2- كانت معظم المسائل والأبحاث تُطرح وتنتقل بصورة شفهيّة وعلى شاكلة مسائل منفردة، فلم تكن المباحث الكلامية قد طُرحت ضمن نظام موحّد ومجموعة متكاملة، ولا يوجد شاهد على أنّ المتكلمين في هذه الحقبة قد استخدموا الكتابة في أغراضهم العلميّة، فكانت الخطابات والمناظرات والاحتجاجات هي العمدة في التواصل والارتباط بين المتكلمين في هذه الحقبة.

3- لم تأخذ الاختلافات الاعتقاديّة في هذه الحقبة منحًى يؤدّي إلى تشكّل فرق كلاميّة، ففي حقبة التشكّل وعلى الرغم من الاختلاف في الموضوعات والمسائل الاعتقاديّة ووقوعها موردًا للبحث والنقاش الكلامي، إلّا أنّ أطراف النزاع والنقاش بقيت منحصرةً في صورة مجموعات اجتماعيّة وثقافيّة، ولم ينتج عنها تشكّل فرق كلاميّة.

 

ب- حقبة تكوّن الكلام النظري

الحقبة الثانية من حقبات مرحلة الأصالة والاستقلال هي حقبة تكوّن الكلام النظري وتشكّله. بدأت هذه الحقبة في أواخر القرن الأوّل أو أوائل القرن الثاني للهجرة واستمرّت حوالي القرن من الزمن.

ينبغي لنا أن نعدّ هذه الحقبة فترة إرساء وتكريس علم الكلام، إذ على الرغم من أنّ المسائل والموضوعات الكلاميّة كانت قد ظهرت في حقبة التشكّل، إلّا أنّها كانت في تلك الحقبة – كما أوضحنا – تُعرض بشكل منفرد، وكثيرًا ما كانت تُطرح من أجل حلّ المشكلات الاجتماعيّة. أمّا في هذه الحقبة، فلقد باتت المباحث الكلاميّة أكثر عمقًا وراح المتخصّصون في هذا الفنّ يُقبلون على تبيين الأسس المعرفيّة للنصوص الإلهيّة، بالإضافة إلى انشغالهم في التنظير لهذه الموضوعات والمسائل الكلاميّة. من هنا، فإنّ واقع هذه الأبحاث قد تبدّل وأصبحت فرعًا مستقلًّا من العلوم الإسلاميّة.

 

خصائص هذه الحقبة

1- اكتسب علم الكلام اسمه في هذه الحقبة، فمنذ العقود الأولى للقرن الثاني الهجري باتت كلمة <الكلام> مصطلحًا يستعمله المتخصّصون في هذا الفنّ، وبات يُنظر إلى الأبحاث والتحقيقات الكلاميّة على أنّها جهود علميّة.

2- بدأت في هذه الحقبة التنظيرات الكلاميّة، فخلافًا للحقبة الأولى التي اتّخذت أبحاثها الكلاميّة بُعدًا عمليًّا، اكتسب علم الكلام في هذه الحقبة طابعًا اعتقاديًّا محضًا، وتفاقم فيه البُعد النظري، وراح المتكلّمون يُقبلون على التنظير في المسائل الكلاميّة.

3- الخاصّيّة الثالثة – والتي كانت نتيجةً للتنظير الكلامي والتطوّر الحاصل – تمثّلت في ظهور الفرق العقائديّة بنحو متمايز. فنتيجةً لتطوّر المباحث الكلاميّة وازدياد البعد النظري فيها، كان من الطبيعي أن تتمايز الفرق الكلاميّة عن بعضها فكريًّا، من خلال انشغالها في معتقداتها وتعمّقها فيها، ما أدّى إلى ظهور فرق اعتقاديّة، أو بتعبير آخر مدارس كلاميّة. ففي هذه الفترة كان ظهور الشيعة والخوارج والمعتزلة وأهل الحديث بوصفهم اتّجاهات وتيّارات كلاميّة، كما أنّ فرقًا داخل الشيعة كالإمامية والكيسانية والزيدية والإسماعيلية تمايزت وظهرت في هذه المرحلة.

4- الخاصّيّة الرابعة في هذه الحقبة هي ظهور الميراث المكتوب في مجال المباحث الكلاميّة، فخلافًا للحقبة الأولى حيث كانت الأبحاث والمسائل تنتقل بطرق شفهيّة، عرفت هذه الحقبة – أي حقبة تكوّن الكلام النظري – تدوين وكتابة رسائل صغيرة في المباحث الكلاميّة، ومن الطبيعي أن تكون بداية هذه الكتابات ضمن مواضيع ومسائل فرديّة. وعلى مرّ هذه الحقبة، دُوّنت عشرات الكتب والرسائل الكلاميّة من قبل شخصيّات الفرق والمذاهب الكلاميّة المختلفة ومتكلّميهم، وفي نهايتها تطوّرت هذه الكتابات الكلاميّة لتصبح حركةً علميّةً غير مسبوقة.

5- أخذت المناظرات الكلاميّة التي كانت تحصل في الحقبة السابقة بصورة متناثرة وغير مؤطّرة طابعًا منظّمًا وراحت تُعقد بصورة مجالس رسميّة وبحضور ممثّلين وحكّام من الفرق الفكريّة المختلفة، وباتت المحاورات فيها تسجّل وتُدوّن.

 

حقبة تدوين النُّظُم الكلاميّة الجامعة

الحقبة الثالثة من حقبات مرحلة الأصالة والاستقلال هي حقبة تدوين النُّظم الكلاميّة الجامعة، وقد بدأت هذه الحقبة منذ بدايات القرن الثالث للهجرة واستمرّت حتّى القرن الخامس.

 

خصائص هذه الحقبة

ترتبط خصائص هذه الحقبة بتكامل النُّظم الكلاميّة الجامعة وتدوينها.

1- تشكّلت في هذه الحقبة المنظومات المبتنية على أنظمة مفهوميّة[2] منسجمة، فقد بُيّن سابقًا أنّه بدأ في الحقبة الثانية – أي حقبة تكوّن الكلام النظري – التنظير الكلامي وازداد البعد النظري في الكلام، إضافةً إلى الشروع بالتدوين والكتابة وظهور الرسائل الكلاميّة، إلّا أنّه حتّى ذلك الوقت لم تكن المباحث الكلاميّة قد تشكّلت ضمن منظومة منسجمة، حيث كان كلّ متكلّم ينشغل بالبحث والتنظير لمسألة منفردة، أو يؤلّف كتابًا حولها، أمّا في الحقبة الثالثة – حقبة تدوين النُّظُم الكلاميّة الجامعة – فقد قام المتكلّمون بتأليف وتدوين المنظومات الجامعة والكاملة في المجال العقائدي، ونعني بها: <النظام الكامل الذي يبدأ من المباني المعرفيّة، ليشمل مباحث التوحيد والأسماء والصفات والنبوّة وينتهي بمباحث المعاد>.

إذًا، تشكّلت الأنظمة العقائدية الجامعة المبتنية على الأنظمة المفهوميّة، وطُرحت في هذه الفترة مسألة المباني والمصطلحات الخاصّة، فظهرت الاصطلاحات الكلاميّة والأنظمة المفهوميّة المنسجمة، وكان يُطلق عليها <لطيف الكلام>.

2- تكامُلُ المدارس الكلاميّة؛ فصحيح أنّ الفِرَق والمدارس الكلاميّة كانت قد ظهرت في الحقبة الثانية، لكن مع تكامل المباحث والأفكار الكلاميّة في كلّ واحدة من الفِرَق والمدارس، ومع تشكّل الأنظمة الكلاميّة الجامعة في هذه الحقبة، فإنّ المدراس الكلاميّة تكاملت هي الأخرى، حيث بتنا نشاهد مدارس كلاميّة كبيرة كالمعتزلة والأشاعرة والماتريديّة وغيرها من المدارس.

3- تمّ في هذه الحقبة إحصاء العقائد الدينيّة لكلّ مذهب وتعدادها، وعُرضت على هيئة رسائل عقائديّة، فراح كلّ مذهب أو مدرسة عقائديّة تعرض رسائلها ووثيقتها الاعتقاديّة، وهذه الرسائل كانت نتاجًا لتكامل المباحث الكلاميّة وتشكّل الأنظمة الجامعة. ومن الطبيعي أن يصبح المتكلّم عند بحثه في الموضوعات الكلاميّة المختلفة وخلقه للنظام الكلامي الجامع قادرًا على استخراج مجموعة معتقداته وعرضها بصورة منسجمة. ولهذا، فإنّنا نشاهد في هذه الحقبة العديد من الرسائل العقائديّة من المذاهب والمدارس المختلفة.

4- الخاصّيّة الرابعة لهذه الحقبة تتمثّل في تشكّل الكتب الكلاميّة الجامعة وتدوينها. فعندما تكاملت المنظومة العقائديّة في كلّ مدرسة، أقدم متكلّمو كلّ واحدة منها على تأليف الكتب الكلاميّة الجامعة. ومن هنا نواجه في هذه الحقبة العديد من الكتب المعبّرة عن نظام كلامي جامع.

 

2- مرحلة المنافسة والاختلاط

المرحلة الثانية من مراحل علم الكلام هي مرحلة المنافسة والاختلاط. لقد كانت المرحلة الأولى مرحلةً نشط فيها علم الكلام بوصفه علمًا مستقلًّا عن سائر العلوم، أمّا في هذه المرحلة التي بدأت في أواسط القرن الخامس مع دخول المنطق الأرسطي إلى ميدان الكلام الإسلامي، فقد دخل علم الكلام في مرحلة احتكاك وارتباط جدّيّ بالعلوم الأخرى، لا سيّما المنطق والفلسفة اليونانيَّين.

وقد كان علم المنطق من العلوم التي رفضت سابقًا من قبل المتكلّمين ولم تلقَ قبولًا، حتّى أنّ المتكلّمين ذوي النزعة العقليّة كالمعتزلة كانوا يخالفون هذا العلم في المرحلة الأولى ويعتمدون منهجًا متمايزًا ومختلفًا عنه. أما في مرحلة المنافسة والاختلاط، أي من منتصف القرن الخامس، وبالأخصّ مع الثورة التي أحدثها محمد الغزالي بقبوله للمنطق الأرسطي، والتي وصلت إلى ذروتها من خلال الجهود الواسعة التي بذلها الفخر الرازي في القرن السادس، فقد بات المنطق الأرسطي يُعدّ بشكلٍ رسميٍّ مقدّمةً لعلم الكلام، ونتيجةً لدخول هذا العلم والمنطق الجديد تغيّرت المفاهيم الكلاميّة. أمّا الفلسفة، والتي كانت حتّى ذلك الحين تحيا بشكل مستقلّ إلى جانب علم الكلام، فقد باتت محلّ نظر واهتمام من قبل المتكلّمين.

والمسألة المهمّة والأساسيّة في هذه المرحلة هي أنّه على الرغم من استعمال المتكلّمين في مرحلة المنافسة والاختلاط للمفاهيم والمنهجيّة الفلسفيّة وصياغة المباحث الكلاميّة اعتمادًا على المنطق الأرسطي، واستخدام المصطلحات والمفاهيم الفلسفيّة في علم الكلام، إلّا أنّهم لم يلتزموا بلوازم الفلسفة، أي إنّ المتكلّمين حال استعارتهم للمفاهيم الفلسفيّة واستخدامهم لها كانوا يصرّون على أفكارهم الكلاميّة وعقائدهم، وينهضون للدفاع عن المعتقدات في مواجهة الأفكار الفلسفيّة.

وكما هو معلوم، فقد كانت الاختلافات بين علمَي الكلام والفلسفة جدّيّةً في بعض الموضوعات والمسائل، وهذا كان ناتجًا عن طبيعة المباني الفلسفيّة، إذ أدّت بعض المباني التي استندت إليها الفلسفة في مجال العقائد إلى نتائج من قبيل قِدَم العالم، وعدم اختياريّة أفعال الإنسان، بالإضافة إلى تأثيرها في مسألة المعاد الجسماني، وهي معتقدات وأفكار لم تلقَ قبولًا عند المتكلّمين الذين رفضوها بشدّة؛ فكانوا من هذا المنطلق يحاربون الفلسفة ومبانيها أحيانًا.

لقد استفاد المتكلّمون في فترة المنافسة والاختلاط من المفاهيم الفلسفيّة والمنهجيّة الفلسفيّة، بيْد أنّهم ظلّوا يصرّون على عقائدهم، ولذا ظلّ علم الكلام حتّى آخر هذه الفترة ينشط بوصفه علمًا متمايزًا ومنافسًا للفلسفة.

 

3- مرحلة الاندماج

المرحلة الثالثة في تاريخ علم الكلام الإسلامي هي مرحلة الاندماج، التي بدأت في القرن التاسع الهجري واستمرّت حتّى القرن الثاني عشر، وفيها خسر علم الكلام نموّه ونشاطه، وبالتالي لم يعد علمًا مرغوبًا به، فأُهمل أو تمّ دمجه بغيره من العلوم كالفلسفة، ما أدّى إلى خسارة علم الكلام لمكانته وسقوطه عن محلّ الاهتمام.

ولقد لاقى الكلام الإسلامي عند أهل السنّة مصيرًا مختلفًا عن الكلام عند الشيعة، إذ إنّ الكلام السنّي في هذه المرحلة ابتلي بالركود والانحطاط التاريخي وفقد رونقه، حيث ابتعد متكلّمو أهل السنّة وعلماؤهم عن علم الكلام لأسباب محدّدة، فبات هذا العلم مهملًا غير مرغوب به وفقد نشاطه وخسر ازدهاره.

أمّا عند الشيعة، فقد لاقى الكلام مصيرًا مختلفًا، حيث تخلّى في هذه المرحلة، ومع قبول المتكلّمين الشيعة للمفاهيم والعقائد الفلسفيّة بشكل تامّ، عن هويّته الأصليّة لصالح الفلسفة. فعلى الرغم من كونه لم يندرس وينتهي، إلّا أنّه خسر أصالته واستقلاله ولاقى مصيرًا يتماشى مع الفلسفة. وقد بلغ هذا التقارب بين العلمَين حدًّا يمكن القول معه إنّ علم الكلام قد لاقى أفولًا وتمّت إزاحته وتحييده لصالح الفلسفة.

 

4- مرحلة الإحياء وإعادة بناء علم الكلام

المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل علم الكلام هي مرحلة الإحياء وإعادة البناء، التي بدأت في القرن الثاني عشر للهجرة مع دخول الشبهات الجديدة من الغرب، ولا زالت مستمرّةً حتّى عصرنا الراهن.

اتّضَحت في هذه المرحلة أمام الجميع ضرورة إعادة النظر في علم الكلام، وتوسعته لمجاراة الاحتياجات المعاصرة، فراحت الشخصيّات والتيّارات الكلاميّة المختلفة تسعى لإعادة إحياء علم الكلام، أي إنّ الأساليب والمناهج الكلاميّة – التي كانت في السابق قد أُهملت – عادت لتُستخدم مرّةً أخرى، واستعاد علم الكلام نشاطه وحيويّته في العالم الإسلامي.

طُرحت في هذه المرحلة من قبل بعض العلماء ضرورة تأسيس علمِ كلامٍ جديدٍ وتهذيب الكلام القديم من المباحث الزائدة، ويمكن القول في هذا الإطار إن جميع المدارس الكلاميّة التي ظهرت على طول الأحد عشر قرنًا قد وجدت لها ممثّلين ووكلاء في هذه المرحلة، وراح العديد من الأشخاص يسعون ويبذلون الجهد للنهوض بهذا العلم وإعادة إحيائه.

تمّ، في هذه المرحلة، استثمار إعادة قراءة الأفكار والمعتقدات ضمن أنظمة تفسيريّة جديدة، واستعمال الطرق والمناهج والأنظمة المفهوميّة الحديثة التي ظهرت في المراحل المعاصرة، في سبيل توسعة علم الكلام ومحاكمة الأفكار الاعتقاديّة إثباتًا أو نقدًا.

ومن الطبيعي أن نشاهد في مرحلة الإحياء وإعادة البناء تغييرًا في علم الكلام، وهذه التغييرات ستكون أعمّ من الموضوعات والمسائل، وستشمل التغيير على صعيد المناهج والأهداف أيضًا.

 

خلاصة الدرس

يمكن تقسيم تاريخ علم الكلام إلى أربعة مراحل أساسية بلحاظ التحوّلات التي طرأت عليه:

1- مرحلة الأصالة والاستقلال: بدأت في القرن الأوّل مع طرح الأسئلة الكلاميّة وتشكُّل علم الكلام، وانتهت مع تدوين الأنظمة الكلاميّة الجامعة في القرن الخامس للهجرة.

2- مرحلة المنافسة والاختلاط: في هذه المرحلة، وعلى الرغم من ورود المفاهيم الفلسفية والمنطق الأرسطي إلى علم الكلام واختلاط الفلسفة بعلم الكلام، إلّا أنّ المعتقدات الفلسفية لم تلقَ ترحيبًا في علم الكلام ولم تُقبل، وبقي علم الكلام منافسًا للفلسفة بوصفه علمًا متمايزًا.

3- مرحلة الاندماج: في هذه المرحلة التي بدأت في القرن التاسع الهجري، وصل الحال بعلم الكلام السنّي نحو الأفول، أمّا الكلام الشيعي فقد اندمج بالفلسفة من خلال قبوله التامّ للمفاهيم والأفكار الفلسفيّة.

4- مرحلة الإحياء والتجديد: مع دخول مسائل جديدة إلى العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر، بُذلت العديد من الجهود من أجل إعادة بناء المباحث الكلاميّة في العالم الإسلامي وتوسعتها.

 

أسئلة الدرس (لا تفوّتوا فرصة الحصول على شهادة تحصيل المادّة عند إجابتكم على الأسئلة في نهاية كلّ درس عبر التعليقات)

1- ما هي مراحل تطوّر علم الكلام؟

2- ما هي الفترات التي يمكن تقسيم مرحلة الأصالة الاستقلال إليها؟ أوضح ذلك.

3- ما هو محلّ الاختلاف بين مرحلتَي <المنافسة والاختلاط> و<الاندماج>؟

[1] اُنظر: سبحاني، محمد تقي، <كلام امامية ريشه ها ورويش ها>، مجلّة نقد ونظر، ربيع 1391 هـ ش، العدد 67، الصفحات 11 – 22.

[2] النظام المفهومي هو مجموعة المصطلحات والمفاهيم التي يحتاجها كل علم. [المترجم]


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
علم الكلام الإسلاميتاريخ علم الكلامعلم الكلام

المقالات المرتبطة

تاريخ علم الكلام | الدرس الأوّل | كليّات (1) تعريف علم <تاريخ الكلام>

علم <تاريخ الكلام> علمٌ متداخلُ الاختصاص[1]، ليس ذا سجلٍّ وتاريخٍ كبيرٍ بوصفه علمًا مستقلًّا، حيث إنّه ليس علم كلام محضًا ولا علم تاريخ محضًا، بل علم يرتبط بكلا العلمَين معًا، وهو فرع من تفرّعات علم التاريخ.

النظام الإسلاميّ

النظام الإسلاميّ، وأعني به هنا الهويّة الكلّيّة ذات التعريف المحدّد، والتي يختارها البلد والشعب وأصحاب الثورة – وهم الشعب. بالنسبة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | زكي نجيب محمود ورؤيته الفلسفية (4)

هل صحيح أنّ موضوع الفلسفة هو الإنسان؟ وهل هذا الكلام يقود بشكل تلقائي إلى إلغاء موضوع الفلسفة كما ورد في التعريفات التقليدية؟

تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. محمد ابراهيم
    محمد ابراهيم 6 يوليو, 2021, 21:04

    يمكن تقسيم مراحل علم الكلام الى أربعة مراحل أساسية: الأولى مرحلة الاصالة والاستقلال : وهى تبدأ من القرن الأول حتى النصف الأول من القرن الخامس الهجري، وتميزت هذه المرحلة بأصالة علم الكلام بمعنى أن هوية علم الكلام وموضوعة وبنيته المعرفية لم تكن وليدة ثقافة خارجية، ولكنها مستمدة من الداخل أي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع والثقافة الإسلامية، ومرتبطاً بتساؤلات واشكاليات طرحها المجتمع الإسلامي ذاته، كما تميز علم الكلام في هذه المرحلة أبضاً بالاستقلال الفكري والمنهجي، حيث اعتماده على أدبيات ومنطق مستقل مما جعله متفردا ومتميزاً عن بقية العلوم الأخرى خاصة الفلسفة والمنطق. والثانية مرحلة المنافسة والاحتكاك: وهى تبدأ من بداية النصف الثاني من القرن الخامس الى بداية القرن التاسع الهجري، حيث دخل علم الكلام في هذه المرحلة التاريخية في مجال من المنافسة والاحتكاك مع العلوم الأخرى ولاسيما المنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية، وفيه أصبح المنطق بشكل رسمي مقدمة لعلم الكلام، وصيغت المباحث الكلامية اعتماداً على المنطق الأرسطي، وتم استعارة المفاهيم الفلسفية في علم الكلام، وبالرغم من ذلك لم يلتزم علماء الكلام بقواعد الفلسفة، وتمسكوا بأسس العقيدة الإسلامية والدفاع عنها في مواجهة الأفكار الفلسفية وخاصة تلك المسائل التي كانت محل نزاع وخلاف بين الفلسفة وعلم الكلام كمسألة المعاد وهل هو روحاني أم جسماني؟ وتأتى المرحلة الثالثة: مرحلة الاندماج والتي تبدأ من القرن التاسع الى القرن الثاني عشر الهجري، وهي المرحلة التي اندمج فيها علم الكلام مع العلوم الأخرى، خاصة الفلسفة فأفل نجمة، ولم يعد مرغوبا فيه، وتراجع من ساحة الفكر ليترك المجال مفتوحاً أمام الفلسفة ويتم تحيده لصالحها. وتأتى المرحلة الرابعة: مرحلة الأحياء والتجديد وهى تبدأ من القرن الثاني عشر حتى الوقت الراهن، وهى المرحلة التي تمت فيها إعادة النظر في علم الكلام، حيث طرأت العديد من المسائل الجديدة على موضوعه، فرأى البعض ضرورة تأسيس علم كلام جديد مختلف من ناحية المنهج والهدف والموضوع، بينما رأى البعض الاخر ضرورة التمسك بعلم الكلام التقليدي مع اجراء بعض التعديلات عليه، ولازال وجهتي النظر محل نقاش حتى الان.

    وشهدت مرحلة الأصالة والاستقلال ثلاثة حقبات فرعية كان لها اثرا مهماً في تاريخ علم الكلام: أولاٌ: حقبة ظهور المباحث أو المسائل الكلامية خلال القرن الأول الهجري، والتي كانت تدور حول المسائل الاجتماعية والسياسية، وكانت تطرح بشكل شفاهي، ومنفرد، ودون أن تتصف تلك المسائل بعنوان الكلام، وأهم مسألة طرحت في هذه الحقبة هي مسألة الامامة، وأهم سمات هذه الحقبة أيضا هي عدم تشكل أي فرقة كلامية. ثانياً: حقبة تكون الكلام النظري حلال القرن الثاني الهجري، وأهم سمات هذه الحقبة هي اكتساب علم الكلام أسمة الذى أطلق من قبل المشتعلين لهذا الفن، وظهور الفرق الكلامية المتمايزة عن بعضها البعض في الأفكار والعقائد كالمعتزلة والشيعة والخوارج وأهل الحديث، فيها طرحت المسائل الكلامية بشكل كتابي، ودونت عشرات الكتب والرسائل الكلامية، كما شهدت تنظيم المناظرات والمحاورات الكلامية بشكل منظم ورسمي. ثالثا: حقبة تدوين النظم الكلامية الجامعة من بداية القرن الثالث الى القرن الخامس الهجري، حيث قام المتكلمون بتأليف وتدوين المنظومة الجامعة الكاملة في مجال العقيدة والبناء المعرفي التي تشمل التوحيد والاسماء والصفات الى مبحث المعاد، وظهور الاصطلاحات الكلامية والأنظمة العقائدية المؤسسة على الأنظمة المفهومية.

    ويمكن رصد محل الاختلاف بين مرحلتي المنافسة والاختلاط ومرحلة الاندماج بلحاظ هوية واصالة علم الكلام ففي مرحلة المنافسة والاختلاط لم بفقد علم الكلام هويته وحافظ على استقلاله وكيانه بين العلوم الأخرى كالمنطق والفلسفة بالرغم من استفادته منهما من ناحية والصراع القائم بينهما من ناحية أخرى، فقد كان له مبانيه العقائدية ومنطقهُ الخاص الذى كان سمة مميزة في اصالة واستقلالية علم الكلام، بينما في مرحلة الاندماج فقد علم الكلام استقلاله وأصالته وهويته لصالح الفلسفة.

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*