الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

الفكر العربي الحديث والمعاصر | نقد الخطاب الفلسفي الوضعي عند محمود (6)

لم يقدم زكي نجيب محمود مجرد فلسفة، إنّما رؤية متكاملة تقوم على أسس منهجية واضحة، جاءت تعبيرًا عن موقف من التراث العربي – الإسلاميّ، نتج من ظروف موضوعية صاغت شخصيته بالإضافة إلى تراكم معرفي، وهذا يقتضي أن يكون النقاش معه، يتعدى العرض كما هو موجود في الدراسات الأخرى التي طاولته لتدخل إلى عمق مشروعه الفكريّ لحواره ومسألته، وحتى لا نطيل سنكتفي بنقطتين، ونختم الكلام عن محمود لننتقل إلى فيلسوف آخر هو عبد الرحمن بدوي.

أ. في أساس الرؤية

يبدأ التساؤل مع زكي نجيب محمود في أصل الرؤية الفلسفية ومبتناها، فهو لم يخف أنّ أصل هذا المشروع، يقوم على قاعدة أساسية، تُبتنى على أرضية مراجعة الأصول، فبدأ بطرح إشكالية عمله التي تقوم على الأخذ من الغرب وتليين الثقافة العربية – الإسلامية لتصبح قادرة على الأخذ بمعالم الحضارة الغربية، وطرح هذه الفكرة من خلال اعتباره بأنّ المجتمعات العربية أمام خيارين: إما أن نقبل الحضارة فتكيف لها الجانب الثقافي، وإما أن نختار الحفاظ على حقيقتها الثَّقافيَّة، فنرفض المظهر الحضاري المستعار: “فمن حق كل منا أن يختار أحد الخيارين، على أن يتصدى لشرح ما اختار والدفاع عنه، وكان اختيار صاحبنا هو أن يُؤخذ الوجه الحضاري من عصرنا، وأن يُكيَّف المضمون الثقافي ليتلاءم مع الظاهر الحضاري المأخوذ”[1].

فما يسعى إليه هذا الفيلسوف ليس تجديدًا كما ورد في عنوان أحد كتبه “تجديد الفكر العربي”، إنّما هو ثورة على كلّ النظام المرجعي الذي يحكم المنظومات الفكرية بكليتها. وفيلسوف حصيف مثل “محمود” لا يمكن أن يفوته إلى أنّ الثقافة تؤسس دائمًا على فكرة كلية، تشكل الأساس النظري لها، ولا يمكن التحرك إلا من خلالها، وهذا الأمر يظهر لديه بشكل واضح، فبعد أن قام باستعراض المدارس الفلسفية في القارة الأوروبية، وصل إلى نتيجة مفادها: “إذن اختيارات لهذا الركن أو ذلك الركن من أركان أربعة لمربع واحد، وذلك هو عصرنا في واقعه الفكري، وأما “المربع الواحد” في تشبيهنا، فهو “الإنسان”، فمذاهب عصرنا الفكرية جميعًا، قد تلاقت على موضوع واحد، هو “الإنسان”، هنا على هذه الأرض، من هو؟ وكيف ينبغي له أن يكون؟ فكأنما أجاب الشمال الغربي لأوروبا قائلًا: إنّ إنسان العصر هو من يبني حياته على العلم. وأجاب الأمريكي: إنه هو من يقيم على ذلك العلم صناعة تلد مستقبلًا ناجحًا مأمولًا. وأما أهل القارة الأوروبيَّة فيجعلون الأولوية لحياة الإنسان قبل أن يجعلوها لعلمه وصناعته، إلا أن الجانب الغربي من أوروبا ركّز اهتمامه على الإنسان فردًا، بينما ركّز الجانب الشرقي اهتمامه على الإنسان مجتمعًا”[2].

الكلام السابق يجعلنا أمام حقيقة مفادها إلى أنّنا أمام تحوّل جذري، فكما هو معلوم أنّ النهضة الأوروبية، لم تقم فقط نتيحة التجديد الديني، إنّما تشكلت على أرضية التحوّل في الرؤية الكونية للعالم، التي أدّت للانتقال من مركزية الكنيسة إلى مركزية الإنسان، وهذا ما أوضحه “زكي” نفسه في الشاهد السابق، وهذا ما أدّى إلى مجموعة من النتائج التي أطاحت دور الكنيسة لصالح النخبة المثقفة الجديدة.

وإذا أردنا التدقيق في هذا الموضوع نرى أنّ كلّ فكر إنسانيّ يبتنى على نظرة كليّة: “تدور حول ما هو موجود، وتتكون فقط من الأفكار النظرية”[3].، وهو عين ما ذهب إليه في كلامه، ولكنّه أغفل عن توضيح فكرته لتمريرها، بعدما يكون قد أرهق كاهل القارىء وحمله مسؤولية عدم الذهاب إلى خياره الخاص. وما توجهه إلى الفروع أو الأيديولوجيات التطبيقية إلا عبارة عن تمويه، يراد له أن يكون وسيلة لحرف نظر القارىء عن حقيقة تؤسس على ضرب الأصول المرجعية.

وما نقوله لا يستدعي القول بإلحاد “محمود” فقد يكون مؤمنًا تقيًا، ولكن الخيار الذي اتخذه، سيتأتى عنه دون شك فصل بين الدين والدولة والحياة، فكما هو معلوم أنّ النظرة الكونية، تحمل في طياتها الإمكانات والغايات التي تسعى إلى تحقيقها، وإذا نظرنا إلى النظرة التوحيدية، نراها تقوم على مركزية التوحيد، وتفهم العالم على أنّه خلق نتيجة لمشيئته، وأنّ نظام الوجود يقوم على أساس الخير والرحمة وبلوغ بالموجودات كمالها المطلوب، وأن مبدأه ومرجعه واحد: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾، (سورة البقرة، الآية 156)”[4]، بالتالي لا بدّ من إدماج الدين في كلّ مفصل من مفاصل الحياة، وهذا ما يريد التخلص منه، والذي نجده عند فلاسفة الوضعية في العالم العربي، والتي تتبلور بجملة من الأساسيات:

رفض أي مؤسسة أو فكرة أو حالة يشكّل الدين بؤرة المعنى المركزية فيها، بحيث تكون كل سلطة زمنية فاقدة للشرعية ما لم تكن مستمدة من سلطة أعلى منها هي سلطة الله.

– إنّ المعرفة العملية لا يمكن أن تجد في الدين أساسًا مرجعيًّا؛ إذ إن نظام قيم المعرفة العملية لا يتجانس مع الدين بل هو يستقل عنه استقلالًا منطقيًّا.

– الاتكاء على فلسفة اجتماعية.

– إن اعتماد أي موقف معرفي أو حياتي حتى ولو أخذ صفة الديني لا بد له حتى يخرج من دائرتي الدور والتناقض المنطقي أن ينطلق من كونه فلسفيًّا مرجعيته النهائية هي العقل وطبيعة العقل، والمنطق لا تتوقف عند المقاصد الإلهية.

– الإنسان قادر على التخلي عن الدين وهذا ما يؤهله لإيجاد ترابط وانسجام بين ما هو مفهومي ومعرفي وقيمي[5].

– إنّ العلاقة بين الروحيّ والزمنيّ، بين الدين والسياسة لا يمكن أن تكون أكثر من علاقة موضوعية أي علاقة تفرضها ظروف تاريخية معينة. إنّ علاقة كهذه إذًا لا يمكن أن تنبع من الماهية العقدية للدين.

هذه الأسس التي اعتمد عليها “زكي نجيب محمود” وإن لم تصرح بأي موقف إلحادي إلا أنها تعتبر أنه من الجهل والفوضى إعادة المعرفة العلمية كمقصد للمعاني إلى مرجعية دينية… لأن المعرفة الدينية هي معرفة تناقضية وغير منطقية؛ وبالتالي فليست مؤهلة لأخذ أي فاعلية على مستوى إنتاج المعايير والقيم العملية.. بالتالي هذا يضعنا أمام حقيقة تغيير في النظرة الكونية التفصيلية، التي عندما تتغير تتحوّل آليات إنتاج المعنى، وهذا ما يطرح سؤال هل كان لديه وضوح بالرؤية بما يذهب إليه؟

ما يمكن الوصول إليه، هذا الفيلسوف يعاني دون شك من عدم وضوح الرؤية في التعاطي مع موضوع النظرة الكلية والحقل التداولي، مع العلم أنّ هناك فرقًا كبيرًا بينهما، فالأول: “نظرة كليّة، ومشروع شامل ومنسجم يهدف إلى كمال الإنسان وتحقيق الضمان الاجتماعي، وينطوي على الخطوط الأساسية والمناهج والواجبات والمحذورات، الحسنات والسيئات، الأهداف والوسائل، الحاجات، والمشاكل وحلولها، والمسؤوليات والوظائف، وأن يكون مصدرًا لإلهام الوظائف والمسؤوليات لجميع الأفراد”[6]، بينما الثاني متحوّل ومتعدد، ويستلزم الركون إلى التنوع وعدم الإقرار بالحقانية، بالتالي فالاختلاف في التعريفات التي تكون مورد اختلاف أمر ضروري، وهو يحصل في جميع النماذج المعرفية، وهي بذاتها مبررة، لأنّها تجري في الحقل،  فهو عندما يقول: “لم يتردد صاحبنا في اعتقاده — حيال هذا التنافر الظاهر — بأن علة العلل لا تكمن في “رأي” نتفق عليه أو نختلف، بل تكمن في غموض معتّم يلفّ حياتنا الفكرية بأسرها، فإذا تحدث اثنان عن “الاشتراكية”، أو عن “الديمقراطية”، أو عن “نضج الجماهير”، أو ما شئت من أمثال هذه المحاور الكبرى في حياة الفكر، كان عند كل منهما معنًى ما ليتحدثان عنه، غير المعنى الذي يتحدث عنه الآخر، نعم إنّ أمثال هذه المفهومات التي تدور حولها موجهات الحياة العملية، فيها من عدم التحديد ما يجعلها دائمًا محل خلاف لا ينتهي، في أي شعب أردت من شعوب العالم، لكن الفرق الجوهري بيننا في ذلك وبين الشعوب المستنيرة بثقافاتها، هو أنهم هناك إذ يختلفون بعضهم مع بعض، فإنّ موضع الاختلاف يرتكز أساسًا على أصلح “تعريف” يحدد معنى هذا المفهوم أو ذاك، وبذلك يصبح المختلفان على وعي بما ينبغي عليهما الاتفاق عليه بادئ ذي بدء، وهو “التعريف” وإذا لم يلتقيا عند تعريف واحد يرضيان عنه معًا، تكونت في دنيا الفكر “تيارات”[7]. “محمود” يؤكد ما نذهب إليه، لأنّ الأصل ليس في التعريف إنّما في النظرة الحاكمة عليه، والتي تجعل التعريف في المجال الجزئي مختلفًا، ولكنّه يتفق في الأصول المرجعية بحكم التزامه بالنموذج المعرفيّ الذي ينتمي إليه، والذي يشكل: “صورة عقلية مجردة ونمط تصوري للحقيقة”[8]، ومشكلة الفكر العربي لا تتمثل في الاختلاف بالتعريف، إنّما في الفصام الذي تعاني منه لغة المفكر، حين أقبل على تعريف المفاهيم باعتبارها خالية عن المعنى، مما أدى إلى تشتتها، وهذا بالتأكيد ناتج عن الخلط بين النموذج والحقل.

وهذا الأمر قد يكون ناتجًا عن وعي بالموضوع، أو عن عدم وعي به، ولكنّه بالتأكيد يحمل في طياته تداعيات كبيرة على مستوى الفكر، وهذا ما يطرح سؤال عن حركة “محمود” لا سيما فيما يتعلق بالدين؟ دون شك هذه الشخصية لم تكن بسيطة، وكلّ خطوة قام بها تأسست على وضوح منهجي هادف، وهذا ما يظهر من خلال تصنيفه للموضوعات حيث وضع الدين في إطار التفكير الرياضي، ليقول: إنّ الدين، يقوم على جمل رياضية، وهذه: “الجملة الرياضية لا بد أن تكون صحيحة؛ لأنّ الخبر فيها لا يضيف إلى المبتدأ شيئًا جديدًا، بل يكرره هو نفسه برموز أخرى”[9]؛ بالتالي فالموضوع الديني من الأمور الوجدانية، التي لا تحتمل إلا التسليم: “وأهم ما في هذا الجانب الوجداني الخاص المميز؛ عقيدتنا الدينية، وبعض تقاليدنا الأسرية، وملامح ذوقنا في مجال الأدب والفن”[10]. وتأكيدًا لهذا الأمر، يعطي المثال التالي: “لكلّ دين كتابه الذي يبدأ منه، ويجعله أمرًا مسلّمًا لا يقام عليه برهان؛ إذ يكفيه عند المؤمنين به أنه من قلوبهم موضع “إيمان” ومن هذا الكتاب يستخرج أنصاره – أو الفقهاء منهم – أحكام ذلك الدين المعني، فإذا سئل أحدهم عن حكم من تلك الأحكام: ما برهانك على صوابه؟ كان جوابه أنه يرد الحكم إلى الأصل الكتابي الذي استخرجه منه، وفي هذا ما يحسم الرأي، لكنه يحسمه عند أصحاب ذلك الدين، أما غير أصحابه فهم غير ملزمين بقبول السند نفسه الذي يرجع إليه عند الاحتكام”[11].

فزكي نجيب محمود يريد أن يعلمنا الحياة الإنسانية، فالدين بالنسبة إليه شأن فردي، لا يجب أن يتدخل في الحياة التدبيرية للإنسان، لذلك هو لا يهتم إلا بالأمور الفردية للإنسان أو التي تحمل طابعًا سلوكيًا، لذلك يقول: “إن َّمن أخص ِّخصائص الدين، أنَّه مع الإيمان بالله ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، يمدّ المؤمنين بمجموعة ضخمة من “قوانين” السلوك الصحيح، فهو آنًا “يأمر” بما يجب فعله، وآنًا آخر “ينهي” عما لا يجوز فعله، وواضح أن تلك القوانين الأخلاقية، الضابطة لسلوك المؤمنين بالدين المعني، تجيء “قبل” السلوك ذاته، حتى إذا ما أراد السالك أن يسلك طريقًا ما وجد بين يديه “القانون” الأخلاقي الموجه له، وهنا نلفت النظر إلى فارق واضح آخر، غير الفارق الذي أسلفناه بين ما هو “علم” وما هو “دين”، فبينما قوانين العلم تأتي “بعد” وجود الظاهرة الكونية، التي استخلص منها العلماء قوانينها نرى قوانين الأخلاق – عند المؤمنين بالدين – تأتي “قبل” أن ينشأ السلوك الذي يهتدي بهديها”[12].

وهكذا نرى أنّ مشروع “محمود” جذري، وهو عندما عمل عليه، كان يقصد من خلاله ربط الحضارة العربية – الإسلامية بالحضارة الغربية عبر الالتزام بقيم العلمانية، وهذا الأمر، سيظهر معنا بشكل واضح من خلال الدخول إلى صلب مشروعه الفكري.

ب. في تعريف الفلسفة

سعى “زكي نجيب محمود” من خلال رؤيته المنهجية إلى علمنة الفلسفة، وجعل ذلك هدفه الأول عبر فضّ علاقتها بالدين، وجعلها مستقلة، على هذا الأساس بدأ بالحديث عن وجود معنيين لها، وقال بهذا الخصوص: “ذلك أن للفلسفة معنيين عرفَت بهما، فهي إما أن تفهم بمعنى “الحكمة” التي استخلصها صاحبها من تجربته الحية كما مارسها في حياته وعاناها، فتجيء عبارته بيانًا عن ذات نفسه، وما اختلجت به اتجاه الكون والإنسان، وإما أن تُفهم بمعنى التجريدات الصورية التي يستخلصها المفكر من مفاهيم العلم وقضاياه؛ ابتغاء أن يصل إلى المبادئ الأولى التي تقع من العلوم مواقع الجذور من الشجر، دون أن يدع شيئًا من أهوائه وميوله يتسلل إلى عمله”[13]، ووضعهما في حدين منفصلين، لكلّ واحد خصائصه المميزة:

الحكمة:  كاشفة عن سرائر كاتبيها / معبرة عن الحياة ومضمونها/  هي قلب ولسان وجنان ووجدان.

الفلسفة: ذكية غير كاشفة/ تعبر عن الفكر وصورته/ هي ذهن وذكاء ومنطق.

وهما يستخدمان في تعميم الأحكام إلا أنّ الحكمة ترتكز على خبرة حياة مشخصة في فرد.

ومن خلال هذا التصور، أراد “محمود” أن يجعل الحكمة مماثلة للشعر، وما يحتويه من عناصر وجدانية، بالتالي إحالتها إلى هامش الفكر الذي يعبّر عن تجربة فردية مهمة احتوت على حقّ، وهنا يظهر لنا بوضوح غاية مشروعه. الذي يريد أن يخرج الدين وكلّ مفاعيله من دائرة الحياة ليحوله إلى حالة فردية صحيح أنّ له انعكاسات سلوكية، ولكنّه لا يمكن أن يكون قاعدة كلية تبني الحياة بكلّ تفصيلاتها.

وهو دون شك كان مطّلعًا على الفلسفة الإسلامية بل قد اشتغل عليها، لا سيما من خلال عمله على الفارابي وتجربته العميقة، ولعلّ هذا ما سعى لتقويضه، وما إثارته لموضوع المصطلح الفلسفيّ في كتاب “قصة الفلسفة الغربية” إلا من هذا الباب. فهو قد تماهى بشخصية الفارابي، واضعًا أسس البناء الإصطلاحيّ في الفلسفة الإسلامية، حيث شكّل من خلال البناءات التي قدمها، انعطافة في الفكر الفلسفيّ، حين ذهب إلى جعل الفلسفة حكمة تتكئ إلى الدين، وتحمل في طياتها الحقّ، يقول الفارابي: “وإذا حصل ذلك في كلا جُزْأَيْ قُوَّتِهِ الناطقةِ؛ وهما: النظرية والعملية، ثم في قوته المتخيلة، كان هذا الإنسان هو الذي يُوحَى إليه، فيكون لله، عزَّ وجلَّ، يُوحِي إليه بتوسُّط العقل الفعَّال، فيكون ما يفيض من الله، تبارك وتعالى، إلى العقل الفعَّال يفيضه العقل الفعَّال إلى عقله المنفعل بتوسُّط العقل المستفاد، ثم إلى قوته المتخيلة، فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيمًا فيلسوفًا ومتعقلًا على التمام”[14]، فـ “محمود” في الوقت الذي ذاب فيه في الفارابي، عمل على إخفائه، عبر “قلب الهرم” حين جعل الفلسفة أصلًا وتأكيد اختلافها عن الحكمة. مما يعني إيجاد قاعدة مشتركة بين العقل الغربي والعقل الإسلاميّ وهو الوسيط اليوناني.

وهكذا، نلاحظ أنّ مشروع “زكي” يقوم على إعادة تعريف بما يتلاءم مع نظرة كليّة جديدة، تتبنّى الحداثة الغربية، والتي قطعت مع العقل النظري وجعلت جلّ اهتمامها مقتصرًا على العقل العملي، الذي يقوم على الخبرة، بالتالي هو يرفض كل قبلية، وإذا عدنا إلى “الفارابي” وتعريفه للفلسفة، سنجد: أنّ الفلسفة، حدها وماهيتها، العلم بالموجودات بما هي موجودة، والعلم عنده ينقسم إلى: “تصور مطلق، كما يتصور الشمس والقمر والعقل والنفس، وإلى تصور مع تصديق، كما يتحقق كون السموات كالأكر بعضها في بعض. ويعلم أن العالم محدث، فمن التصور ما لا يتم إلا بتصور يتقدمه كما لا يمكن تصور الجسم ما لا يتصور الطول والعرض والعمق، وليس إذا احتاج تصور إلى تصور يتقدمه يلزم ذلك في كلّ تصور. بل لا بد من الانتهاء إلى تصور يقف ولا يتصل بتصور يتقدمه، كالوجوب والوجود والإمكان، فإنّ هذه لا حاجة بها إلى تصور شيء قبلها يكون مشتملًا بتصورها، بل هذه معان ظاهرة صحيحة مركوزة في الذهن. ومتى رام أحد إظهار هذه المعاني بالكلام عليها ، فإنما ذلك تنبيه للذهن، لا إنه يروم إظهارها بأشياء هي أشهر منها”[15]، وهذا ما يرفضه، لأنّه إذا ذهب بهذا الاتجاه سيصل بالضرورة إلى القبول بوجود عالم ما وراء الحسّ هو الأصل للوصول إلى الحقيقة، وهذا ما لا يريده، لأنّه يثق بعقل واحد كونيّ، ظهر معناه في الحداثة الغربية.

فـ”زكي” الذي وضع نصب عينيه علمنة الحياة، بدأ عمله الفعلي على الفلسفة، حيث قام بتحويلها إلى علم، يشبه العلوم الطبيعية، تنطلق من الواقع وليس من الفكر، فتحكم بالأول على التالي من خلال مبدأ التحقق. فـهو أراد للفلسفة أن تتحوّل إلى أداة لتحليل العبارات الدالة على أمور موجودة في الواقع، وعلى هذا الأساس رفض جميع الموضوعات الميتافيزيقية لأنّ قضاياها ليست ذات معنى لعدم وجود ما يقابلها في الخارج، وهو في هذا يتوافق مع الوضعية المنطقية التي ترى أنّ المعرفة تقتصر على ما تمّ إدراكه إدراكًا حسيًّا مباشرًا، والمقصود من العبارات الميتافيزيقية مفاهيم مثل الجوهر والمطلق والشيء في ذاته، التي تعتبر مجرد كلمات خالية من أيّ مدلول، لأنّه لا يوجد للميتافيزيقا موضع قدم في ميدان الفلسفة المعاصرة، فكلّ ما هنالك “فيزيقا” وتحليلها، كل ما هنالك طبيعة يصفها العالم، ثم يأتي الفيلسوف فيجعل أقوال العالم موضوعًا للتحليل والتوضيح”[16].

فمن وجهة نظره الفلسفة تحليلًا لقضايا العلم وعباراته، حيث يقول في ذلك: “ودعوانا في هذا الكتاب هي أنّ الفلسفة تحسن صنعًا لو عرفت على وجه التحديد والدقة أنّ مجالها هو التحليل، والتحليل وحده. فذلك يحقق لها صفة العلمية التي نريد لها”[17]، وهذا ما يفسر الكلام السابق، الذي أشار فيه “محمود” إلى أنّ الفلسفة نشاط بعدي يأتي بعد العلم، وهي تقوم بتحليل المفاهيم المـتأتية من العلم، وتسعى إلى توحيد النتائج المشتتة التي يقدمها. فـ “محمود” يرفض كلّ أنواع الفلسفة التأملية، وعلى هذا الأساس رفض فلسفة كانط النقدية لأنّها عالجت موضوعات تقليدية مثل الله والحرية والخلود، بينما: “الحديث في هذه الأمور الميتافيزيقية وأمثالها غير مشروع بتاتًا، ما دمنا بالحديث أن يكون منطقيًا، أي قابلًا لأن يوصف بأنه صادق أو كاذب”[18]. وعلى هذا الفهم تعليقات عدة:

  • وقف “محمود” هو موقف أيديولوجي، لا يعبّر عن قراءة علمية للموضوع، وإلا من أين تتأتى هذه الصرامة في التعريف؟ وهو في كلّ ما قاله لا يتعدى مواقف المدرسة الوضعية ومقولاتها، وهو في كثير من الأحيان يتعالى على الانتقادات التي توجه لها.
  • عنه تثار مشكلة الدقة ومشكلة المشاركة. إنّ الدقة ترتبط بالموضوعية، والموضوعية تعني الخضوع لمعيار الغيرية، أي أن يكون بإمكان الغير أن يتحقق مما أقول. والفلسفة في أصلها تقوم على الذاتية… لأنّ كلّ فيلسوف عالمًا قائمًا بذاته، أما مشكلة المشاركة فإنّها تثير نقدًا شديدًا، إذ أنّ مشاركة العلماء في موضوعات بحثهم تعني ضرورة أن يكون المشارك عالمًا ويعرف الموضوع بكلّ أبعاده وتفصيلاته، ولما كان هذا ممتنع على الفيلسوف فإنّه لن تكون هناك مشاركة فعلية. كذلك تفتقر فكرة المشاركة إلى تحديد واضح لطبيعة الإسهام الذي يمكن أن يقدمه الفيلسوف العلمي في هذا الصدد، هل يكون على المستوى الإبستمولوجي؟ أم على المستوى المنهجي؟ أم على المستوى التطبيقي؟ إن مشكلات المشاركة متعددة، ولكل منها طبيعتها، ولم تكشف الفلسفة العلمية التي تعني أساسًا بوضوح الألفاظ وتحديد معانيها عن طبيعة المشاركة…عند هذا الحد يكون الفيلسوف العلمي قد انخرط فقط في مباحث لغوية لا تنتمي إلى النسق العلمي الذي يبحثه أصلًا. صحيح أن جانب المعنى على درجة من الأهمية. بكمّه لا يشكل قوام النسق العلمي المؤلف من قضايا علمية تقرر حقائق.

ج. اعتماده مبدأ التحقق كأصلٍ في الفلسفة، يوجد عليها الكثير من الانتقادات منها:

ج.1: هو ليس قضية علمية، ومن ثم لا يمكن تحققها، بالتالي يكون هذا المبدأ خاليًا من المعنى. وهو ما دفع الوضعيون إلى تحويل هذا المبدأ لمجرد افتراض أو توصية، مؤداه أنّ القضايا ينبغي ألا يتم قبولها على أنّها ذات معنى، ما لم تكن قابلة للتحقق، وهنا يظهر أن موقفهم اتجاه حذف الميتافيزيقا ضعيف.

ج . 2: من الغرابة القول بأنّ العبارة –بوصفها مجموعة ألفاظ- يمكن أن تكون خالية من المعنى، أو حتى القول بإمكان تحققها.

ج. 3: إن مبدأ التحقق لا يهدد الميتافيزيقا فقط، وإنما العلم كذلك، لأنّ القوانين العلمية العامة يصعب التحقق من جميع جزئياتها المفردة.

ج. 4: حتى العبارات المفردة نفسها، يصعب التحقق منها، لأنّها لا تستوفي جميع جوانب الشيء المفرد المراد التحقق منه[19].

وهذه الانتقادات كانت دافعًا للوضعية المنطقية إلى تعديل موقفها باتجاه الحديث عن “إمكان الإثبات”، بينما بقي هو متمسكًا بهذا المبدأ باعتباره حقيقة نهائية، يكرر نفس المقولات التي قال بها الآباء المؤسسين في أول ظهورهم: “مثل أنّ الاسم الكلي هو دالة قضية وفي حقيقته مجهول، وأنّه لا تكتمل القضية إلا إذا وضع مكانه معلوم، وهنا تتحول دالة القضية إلى قضية نستطيع بعد ذلك أم نطابق بينها وبين الواقعة الخارجية”[20].

وهكذا، نتوقف عن الكلام عن “زكي نجيب محمود” في هذا الموضع بعد أن قدمنا قراءة، لا نقول عنها نهائية، لأنّنا سنعود إلى هذه الشخصية وبشكل تفصيلي في عمل لاحق، ولكن ما نريد أن نصل إليه أنّ هذا المفكر، لم يقدم مجرد مشروع تجديدي، إنّما سعى إلى تغيير جذري، في أسس ومرجعيات الخطاب الفلسفي.

مصادر البحث:

[1]   زكي نجيب محمود، حصاد السنين (دار الشروق)، مصدر سابق، الصفحة 125.

[2]  حصاد السنين (هنداوي)، مصدر سابق، الصفحة 124.

[3]  مصباح يزدي، الأيديولوجية المقارنة، ترجمة عبد المنعم الخاقاني، (دار المحجة البيضاء، 1992)، الصفحة 10.

[4] مطهري، التصور التوحيدي للعالم، (بيروت: دار الولاء، 2009)، الصفحتان 15و 16.

[5] مراجعة: عادل ضاهر، “الأسس الفلسفية للعلمانية”، (بيروت: دار الساقي، الطبعة1)، الصفحة 63. ومراجعة مقالة الشيخ شفيق جرداي، الدين والعلمنة: (نظام المعرفة والقيم)، مجلة المحجة.

 

[6] مرتضى مطهري نقلًا عن: مجيد محمدي، اتجاهات الفكر الديني، ترجمة ص. حسين، (بيروت: الشركة العربية للأبحاث والنشر، 2010)، الصفحة 143.

[7]  زكي نجيب محمود، حصاد السنين (دار الشروق)، مصدر سابق، الصفحة 204.

[8] عبد الوهاب المسيري، إشكالية التحيز/ رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، الجزء 1، الصفحة 16.

[9]  زكي نجيب محمود، قصة عقل، مصدر سابق، الصفحة 70.

[10] المصدر نفسه، الصفحة 137.

[11] المصدر نفسه، الصفحة 72

[12] زكي نجيب محمود، حصاد السنين (دار الشروق)، مصدر سابق، الصفحة 154.

[13] زكي نجيب محمود، قصة عقل، مصدر سابق، الصفحة 135.

[14] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة، (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012)، الصفحة 73.

[15] أبو نصر الفارابي، عيون المسائل، ضمن كتاب الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية، تحقيق وتقديم: عماد نبيل، (بيروت: دار الفارابي، 2012)، الصفحة 245.

[16] زكي نجيب محمود، قشور ولباب، (القاهرة: دار الشروق، 1981)، الصفحة 151.

[17] زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية، (القاهرة: مكتبة الأنجلو مصرية، 1958)، الصفحة 16.

[18] زكي نجيب محمود، موقف من الميتافيزيقا، مصدر سابق، الصفحة 51.

[19] أسامة علي حسن الموسي، المفارقة المنهجية في فكر زكي نجيب محمود، (الكويت: مطبوعات جامعة الكويت، 1991)، الصفحة 91.

[20]  المصدر نفسه، الصفحة 97.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الفكر العربي الحديث والمعاصرالفلسفة الوضعية

المقالات المرتبطة

الخلاص الإنسانيّ والظهور السياسيّ

جذور الانتظار تضرب في أعماق التاريخ، والمعتقد الدينيّ، وهي فكرة مرادفة لمفهوم الخلاص، والخلاص شعور إنسانيّ عامّ

عيسى ومحمّد : نقاط التقاء جديدة

تجاذبت الحوار الدينيّ -وبخاصّة بين المسيحيّة والإسلام- قطبيّة صلبة وحادّة وهي المعبّر عنها بثنائيّة القهر واللطف أو الشدّة والرحمة.

العلم وسؤال الحقيقة! هل يتعهّد العلم أن يكشف لنا كل الحقائق؟!

العلم اليوم لم يعد – بإطلاقه الصناعي – يمثّل راياتِ الكشف في طريق الحقيقة، بل أصبح راية “التجربة” في طريق الكشف. إنّ بزوغ نجم علم الطبيعة في القارة الأوروبية، وما صاحب ذلك من أحداث ووقائع هامّة -كالأزهار، وتطور العمران والصناعة – وموت عصر الظلمات الأوسط، ألقى في الذهنيّة المعاصرة ثقةً عميقة بـ “التجربة” وإيمانًا جوهريًّا بما تنتج وتضيف.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*