إشكالية اللغة عند خوسيه دي ساراماجو

إشكالية اللغة عند خوسيه دي ساراماجو

شكّلت اللغة ولا زالت دورًا بارزًا في المجال الأنثروبولوجي، ولا سيما فى مجال الحياة اليومية، ليس بوصفها أداة للتواصل الثقافي بين الجماعات الإنسانية فقط، ولكن بوصفها أحد محددات الهوية وبيت الوجود والكينونة أيضًا، بالإضافة إلى أنها شكّلت موضوعًا للدراسة من قبل المدارس الفكرية المختلفة كالشكلية والبنيوية والتفكيكية والرمزية، للكشف عن الدور الاجتماعى الذي تقوم به اللغة في حياتنا، وطرح الإشكالات والتحديات التي تواجه اللغة.

طرح خوسيه ساراماجو في النص الروائي، “سنة موت ريكاردو ريس”[1] تساؤلًا هامًّا يعكس إشكالية اللغة في حياتنا اليومية، وهذا التساؤل هو: هل يمكن اعتبار اللغة قطعية الثبوت والدلالة؟ ونستشف من خلال النص الروائي إجابة هذا التساؤل بالنفي، فقد أكد ساراماجو على أن اللغة غير قطعية الثبوت والدلالة، فهي غير قطعية الثبوت لكونها تتسم بالازدواجية فهي إما صادقة أو كاذبة، وصدقها أو كذبها لا يتوقف عند بنية اللغة أو يكون لذاتها، وإنما يتوقف على ما يقبله أو يرفضه الآخرون، ولذلك اللغة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بذواتنا الإنسانية، وعلى هذا الأساس تخضع اللغة أو الكلام الملفوظ والمكتوب لتأويلاتنا الذاتية[2].

ومن ناحية أخرى أكد ساراماجو على أن اللغة غير قطعية الدلالة لأن اللغة متعددة المعاني والعلامات، وهناك الكثير من الكلمات التي يمكن تحميل معناها على وجه غير حقيقي، ومن ثم تحريف المعنى والدلالة بالشكل الذي يصعب فيه الوقوف على المعنى الفعلي الواقعي لأن المعنى والدلالة في حالة هروب مستمر، ولتأكيد هذه الفكرة تمثل ساراماجو بعبارة “نحن ببغاوات”[3]، وتساءل هل نحن حقًّا ببغاوات؟ فهو يريد أن يقول: إننا نكرر نفس الكلمات، ونكرر نفس ما نسمعه في حياتنا اليومية دون إمعان العقل فيها، كما قدّم مثالًا آخرًا على هروب المعنى والدلالة في اللغة بتمثله بعبارة “وما هو أفضل من هذا[4]“. فهذا المثال قد يكون معبّرًا عن أشياء وحالات مختلفة، فقد يكون معبّرًا عن الرفض والاستياء للواقع المعاش، أو يكون معبّرًا عن حقيقة واقعية بالفعل، أو يكون معبّرًا عن حالة التهكم.

ومن الإشكالات الأخرى التي طرحها ساراماجو في نصه الروائي، عجز اللغة عن تكوين حكم أو رأي عن الذات أو الأشياء بكلمة واحدة[5]، وتبسيط اللغة وتسطيحها[6]، فالكلمات الملفوظة أو المكتوبة عندما تنقل المعاني والأفكار والدلالات المختلفة لا تكون بنفس البساطة والتسطيح التي نضفيه عليها في أول الأمر، فقد تكون محاطة بالغموض والتعقيد من كل جوانبها.

وفى سياق هذه الإشكالات طرح ساراماجو بعض التساؤلات الكاشفة لقصور اللغة في الحياة اليومية: هل يمكن استخدام الكلمات والعبارات المكتوبة أو الملفوظة في إخفاء المشاعر والأفكار تجاه الآخر؟ وإظهارها على الوجه غير الحقيقي[7]؟ لماذا تعدنا اللغة بأشياء ورغبات قد لا تكون إلّا وهمًا وسرابًا؟ أيهما أفضل الصمت أم الكلام والثرثرة المستمرة فيضيع ما كان واضحًا وراسخًا وغير قابل للنقض[8]؟

وطرح ساراماجو بعض الحلول لتجنب هذه الإشكالات تمثلت في ضرورة اختيار الكلمات الدالة الواضحة وغير الغامضة المتلائمة مع الظروف الحياتية، والمعبرة عن السياق أو الموقف المحيط[9]، وعدم التسرع في إصدار الأحكام والتأويلات المتسرعة فيما يختص بأقوال الآخرين[10]، وعدم استخدام كلمات تعطى وعودًا معينة أو توحي بأشياء ما، أو تسعى لتحقيق شيء ولا تقوم به، لأن ذلك قد يؤدي إلى إساءه فهمها، وأعطى ساراماجو أهمية للصمت عن الكلام والثرثرة في بعض المواقف حتى لا نضطر إلى التملص من أقوالنا إذا كانت غامضة وأساء الآخر فهمها[11]، كما أعطى أهمية للأفعال عن الأقوال، ولفت الأنظار إلى أهميه الاهتمام بالأعمال على النحو الذى تتم عليه، وإغفال الكلام، لأن الكلمات قد تكون زائدة عن الحاجة، ولا لزوم لها في بعض الأحيان[12].

هكذا هي اللغة مفخخة، تتخفى وراء أقنعة متعددة، فقد تلبس ثوب السفسطة والوهم والزيف أو ثوب الحقيقة، ولكنها ليست كذلك بذاتها، إنما يتوقف ذلك على الذات الناطقة التي منحها الله دون غيرها من الخلق ميزة القدرة على تكوين العبارات وتركيبها وزخرفتها، حتى يكون لها معنى ومغزى، فإذا تعمدت الإخفاء والتمويه صارت اللغة التى تتكلم بها أو تكتب بها ذات طبيعة سفسطائية خدّاعة، أما إذا كان قصدها بلوغ الحقيقة، فهي لغة توعوية كاشفة لسبل الحق ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[13].

مصادر المقال:

[1] خوسيه ساراماجو، سنة موت ريكاردو ريس، ترجمة: أنطوان حمصي، (دمشق: دار المدى للثقافة

والنشر،1999).

[2] المصدر نفسه، الصفحتان 304و 308.

[3] المصدر نفسه، الصفحة47.

[4] سنة موت ريكاردو ريس، مصدر سابق، الصفحة 156.

[5] المصدر نفسه، الصفحة 135.

[6] المصدر نفسه، الصفحة 48.

[7] المصدر نفسه، الصفحة 199.

[8] المصدر نفسه، الصفحة57.

[9] المصدر نفسه، الصفحة34.

[10] المصدر نفسه، الصفحة 199.

[11] المصدر نفسه، الصفحة157.

[12] المصدر نفسه، الصفحة240.

[13]  سورة غافر، الآية 20.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
إشكالية اللغةاللغة

المقالات المرتبطة

تعالوا نتعلم كيف نفرح

من الناحية الاجتماعية ثمة شعوبًا وأممًا، لديها القدرة النفسية والعملية لاغتنام فرصة أعيادها ومناسباتها الاجتماعية والوطنية والعائلية للتعبير عن فرحهم

فيروس كورونا ما بين مطرقة الدين وسندان العلم

يعيش العالم أجمع مرحلة صعبة وحرجة في مواجهة أزمة فيروس كورونا، كوفيد 19، الأزمة التي رفعتها منظمة الصحة العالمية من مستوى الوباء إلى الجائحة بسبب إصابة معظم دول العالم بالعدوى، وسرعة انتشارها الفائقة

إبستيمولوجيا النصّ

يختلف العلماء ما بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية في النظر إلى “إبستمولوجيا النص” وتبعيتها للابستمولوجيا الرسمية من عدمها.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*