الحبّ في القرآن

الحبّ في القرآن

قبل البدء بالحديث هناك مقدّمتان،

  1. في قوله تعالى الرحمن علّم القرآن – إشارة إلى اندماج اختلاط المفهوم القرآني والرسالي بالرحمة التي تتضمن المحبة وذلك لأن مصدر الحب في الكون هو الله عز وجل ولم تكن المفاهيم الصادرة عن الدين إلا حاكية عن مصدر الحبّ في هذا الكون.
  2. إن العلاقات التي يمكن أن تورث المحبة هل يمكن أن تكون صادرة من علماء النفس والاجتماع باعتبار أنهم مطلعون على نقاط القوة والضعف في النفس والمجتمع والجواب لا بالطبع،

أولًا :لأنهم لن يطلعوا على كل نقاط الضعف والقوة.

ثانيًا : لو كانوا كذلك فإن الأهواء لا بد أن تكون حاجبة دون الوصول إلى إقامة علاقات المحبة.

أو أن تكون بفعل العمل السياسي.

والجواب بالطبع لا فليس هناك مسلّمة في السياسة إلا شيء واحد وهو أنه

“لا مسلّمة في السياسة”، فحبيب الأمس عدو اليوم وعدو اليوم يمكن أن يكون حبيب الغد.

وهذا يعني أن أواصر المحبة لا يمكن أن تكون إلا في تعاليم الأنبياء المنزهين عن الأهواء والمنطلقين من موقع الرحمة واللطف والمحبة للإنسان والذين يعلمون ما علمهم الله مما هو دور لهم في نشر المحبة من موقع حب الله للناس، وحب الأنبياء لله، وحبه لهم وحب الأنبياء للناس فلا بد أن تكون هذه المفاهيم المجردة عن الذات سببًا إلى نشر المحبة بين الإنسان والإنسان.

ومن هنا نستطيع ان نقسم الحديث النبوي ولكن لا على سبيل الحصر الى اصناف.

الأول: الحديث الذي يبين ان الارتباط الأعظم بالله هو ارتباط المحبة.

فإن الناس يختلفون في عباداتهم ومعاملاتهم التي يقومون بها لوجه الله، باختلاف الدافع الذي يدفعهم فهناك من يفعل الأمر من أجل إنقاذ نفسه من العقاب. وهناك من يفعل ذلك من أجل نيل الثواب وفي كلا الأمرين فضل للفاعل وهو ممدوح بالمجمل على هذا الفعل غير أن العلاقة الأرقى التي ينبغي أن تحكم الإنسان بفعله هي ما يكون منطلقًا من دافع المحبة لله عز وجل. حيث يكون الفعل محضًا خاضعًا لرابط يربط المالك بالمملوك والخالق بالمخلوق والرازق بالمرزوق. وأي علاقة رحمة ومحبة تكون أقوى من تلك التي تربط المخلوق والمملوك والمرزوق بالخالق والمالك والرازق وهذا نجده جليًا في مجموعة من الأحاديث:

عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال:

استأذن ملك ربه أن ينزل إلى الدنيا في صورة آدمي فأذن له فمر برجل على باب قوم يسأل عن رجل من أهل الدار فقال الملك: يا عبد الله أي شيء تريد من هذا الرجل الذي تطلبه؟ قال: هو أخ لي في الإسلام أحببته في الله جئت لأسلم عليه، قال وما بينك وبينه رحم ماسّة ولا يرغبنّك إليه حاجة؟ قال : لا إلّا الحب في الله عز وجل جئت لأسلّم عليه، قال: فإني رسول الله اليك وهو يقول: قد غفرت لك بحبك إياه في الله.

وعن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال:

إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وأخرى يعبدونه فرقًا من النار فتلك عبادة العبيد وهي الرهبة، لكني أعبده حبًا له عز وجل فتلك عبادة الكرام، وهو الامن لقوله عز وجل: ﴿وهم من فزع يومئذ آمنون﴾.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “وهل الدين إلّا الحب في الله والبغض في الله. قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “يا علي، أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”.

الثاني: الحديث الذي يبين القيمة الحقيقية للمحبة:

فقد يتصور أن المحبة هي مجرد إحساس عابر وذلك بتخيل المحبة التي تكون بين البشر بدافع بعض الأعمال البشرية أو بدافع القرابة والنسب وما شابه، غير أن هذا التصور ليس في محله، فإن المحبة التي تنشرها دعوات الأنبياء هي المحبة التي تحمل مضمونًا مقدسًا ناشئًا عن فهم فلسفة الدين وروح العلاقة بين المفاهيم الدينية التي وجدت لأجل الإنسان وبين الإنسان الذي وجد لأجل تلك المفاهيم الدينية ولا يمكن تصور العلاقة الجدلية بين الإنسان وبين المفاهيم الدينية إلا من خلال فهم روابط المحبة التي قد أشبعت في داخل المفاهيم النبوية كما أشبعت في داخل  الفطرة البشرية. وبالتفاعل بين هذا وهذا إيجابًا تأخذ المجتمعات الإنسانية طريقها إلى الصعود والرقي وبالمقابل إذا كان التفاعل سلبًا فإن المجتمعات تأخذ طريقها إلى الهوي والنزول حتى تتلاشى فيما بعد. إذا اضمحلّت المحبة وتلاشت.

قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: “أفضل الناس بعد النبيين في الدنيا والآخرة لله المتحابون فيه”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “والذي نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابّوا”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “لا تزال أمتي بخير ما تحابّوا، وأدوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، وقّروا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قومًا لم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: المرأ مع من أحب”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرًا فانظر إلى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعته ففيك خير والله يحبك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجد خضراء في ظل عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين، وجوههم أشدّ بياضًا من الثلج وأضوأ من الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب ونبي مرسل، يقول الناس: من هؤلاء ؟ فيقال :هؤلاء المتحابون في الله”.

الثالث: الحديث الذي يهدف إلى ما يورث المحبة فإنها نتيجة لا يحصل عليها المرء إلا من خلال مجموعة من الأعمال والخصال.

فإننا إذا نظرنا إلى موضوع المحبة ورأيناه أصلا قائما بذاته بحيث أن المحبة تكون وسيلة من جهة، ومنطلقًا ودافعًا من جهة أخرى، وغاية وهدفًا من جهة ثالثة. فلا بد أن تكون منظومة الأحكام والمفاهيم والتشريعات تصب في خانة أن تجعل في موقع المؤدي إلى إيجاد المحبة. وبعبارة أخرى لا بد من وجود ما يؤدي إلى نشر المحبة وهذا ما نجده في هذه المجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة:

فعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “النصح يثمر المحبة”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “ثمرة التواضع المحبة”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “حسن الخلق يورث المحبة ويؤكد المودة”.

وعنه صلّى الله عليه وعلى آله: “ما استجلبت المحبة بمثل السخاء والرفق وحسن الخلق يزرع المحبة”.

وأختم الكلام بالإشارة إلى الحديث النبوي المشهور: “الخلق كلهم عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم لعياله”، فإن كلمة العيال توحي بالمحبة والمودة بذاتها وتدفع أتباع النبيين أن يتعاملوا مع البشرية على أنهم عيال الله والله يحبهم لأنهم عياله. وبالتالي فإن النفع الذي يجب أن يقدم لهؤلاء يجب أن يقوم على أساس المحبة بعيدًا عن كل الآثار التي ترافق عملية النفع عادةً والتي يخالطها المن والأذى إذا كان العطاء عطاءً ماديًّا، أو يرافقها شيء من شفاء الغيظ وغيره من الأحاسيس التي تحبط ذلك النفع عند الله عز وجل إذا كان النفع هدايةً وذلك يتصور أن الحوار الذي يقوم بين بني البشر ما هو إلا لانتصار أحد الطرفين، بل يجب أن يقوم كل شيء على أساس المحبة التي من خلالها يحصل النفع الحقيقي للمعطي والمعطى له، وللمتكلم والسامع، وليست تلك الأمور إلا نابعة من الحب لله عز وجل الذي ينعكس حبًّا بين البشر حتى في أحلك ظرف يكون بين هؤلاء البشر وهو ظرف العداوة فإن المطلوب أن تشفع المحبة بين الإنسان وبين عدوه على قاعدة أن ليس للإنسان تجاه عدوه بغض لذاته وإنما البغض لما يحمله من أفكار شيطانية كانت تشكل خطرًا عندما كان في موضع القوة ولكن عندما زالت قوته فينبغي أن تحكم الروابط الأصلية في هذا المقام على قاعدة الحديث الشريف: “إذا أقدرك الله على عدو فاجعل الصفح عنه شكرًا للقدرة عليه”….تحميل المقال



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*