اْلعَاْلِمُ الْعَاْمِلُ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيْلْ (ع)

اْلعَاْلِمُ الْعَاْمِلُ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيْلْ (ع)

كان مسلم بن عقيل (ع) من أشجع بني عقيل وأرجلهم، فقد كان أحد قيادات ميمنة جيش أمير المؤمنين علي (ع) في صفين، وهو الذي ودّع الإمام الحسين (ع) وداع فراق لا لقاء بعده إلا في الجنة بعد أن عرف أنه متوجه إلى الشهادة لا محال من قول الإمام (ع) له: “وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء”، وهو الذي قابل جموع أهل الكوفة وحده من دون أن يعينه أو يقف إلى جنبه أي أحد، فأشاع فيهم القتل مما ملأ قلوبهم ذعرًا وخوفًا، ولمّا جيء به أسيرًا على ابن زياد لم يظهر عليه أي ذل أو انكسار.

لا ريب في أنّ المساجلة والحوار الذي دار بين مسلم بن عقيل (ع) وعبيد الله بن زياد يكشف لنا عن مستوى الشجاعة والثبات، والبصيرة والعلم، والفضل والوعي لدى مسلم بن عقيل (ع)، لحجم المهمّة التي نهض بها. إنّ هذا الحوار يُبيّن أنّ مسلمًا (ع) كان عالمـًا من علماء آل محمّد (ص)، وهو بحقّ أحد طلاب الجامعة العلوية؛ إذ كان ملازمًا للأئمّة الثلاثة (ع)، ونهل من علومهم حتّى قوي ساعده، واشتدّ عوده، وأصبح قادرًا على المناظرة والمحاورة في المسائل العقدية، والشرعية، والاجتماعية، والسياسة.

ولبيان علم مسلم بن عقيل (ع) وعمله بما يثبت ذلك ما فعله مع الطاغيَّة ابن مرجانة:

  1. أنّ مسلمًا (ع) لم يبدأ بالسلام على الطاغية رغم أنّه هو الداخل، ومن المعروف فقهيًّا أنّ الابتداء بالسلام مُستحب، بل يُستحب مؤكّدًا من القادم، ولكنّه قدّر أنّ أمثال ابن مرجانة من أئمّة الظلم والجور لا يستحقّون السلام، بل قد لا يجب ردّه فيما لو ابتدأوا به، كما فعلت الصدّيقة الطاهرة (صلوات الله عليها) مع مَن سلّم عليها في أواخر أيّام حياتها؛ وذلك أنّ السلام في معناه العرفي والاجتماعي أنّك تقول لـمَن تُسلّم عليه: إنّ دمك ومالك وعرضك في سلام منّي. وكيف يستحق هذا المعنى مَن هتك حرمات المسلمين، وفتك بالمؤمنين باسم الدين؟!.
  2. فيما يخصّ وصية مسلم أنّها تدلّ على أنّ مسلمًا (ع) كان في أعلى درجات النزاهة؛ إذ إنّه أوصى بأنّ عليه دينًا، وطلب قضاءه من ثمن درعه، في حين أنّه كان رسولًا ووكيلًا عن الإمام الحسين (ع)، وكانت تجبى له الأُموال، فلم يكن ليستخدمها لأغراضه الشخصية، كما أنّه كان بإمكانه أن يطلب المال، أو يأمر بجمع المال لإنجاز مهمّته، والشيعة كُثر في الكوفة، وفيهم الميسورون، ولكنّه أبى؛ لأنّ ذلك قد يكون منافيًا للعزّة والعفاف، فمحل الشاهد: أنّه (ع) كان حريصًا على إفراغ ذمّته من ذلك الدين. كما أنّه كان حريصًا على احترام جثّته، وعدم إبداء عورته بعد الموت؛ وإن كان ذلك خارجًا عن تكليفه، وداخلًا في ذمّة قاتليه. ومن جنبة آخرى أنّ مسلمًا (ع) كان شديد الحرص على سلامة سيّده وقائده الإمام الحسين (ع)، فكان يحاول إيصال رسالة إلى الحسين (ع) بما آلت إليه الأُمور في الكوفة، وكانت إحدى تلك المحاولات وصيته لعمر بن سعد بأن يكتب للحسين (ع) بذلك.
  3. ثمّ إنّ ابن مرجانة اتّهم مسلمًا (ع) بأنّه جاء إلى الكوفة، ففرّق كلمتها بعد أن كانت واحدة، فأجابه مسلم (ع) بأنّه لم يبادر بالمجيء، وإنّما أهل الكوفة هم الذين بادروا وطلبوا من الحسين (ع) المجيء، فقال (ع) في ذلك: “كلا، لست أتيت لذلك، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعو إلى حكم الكتاب”.
  4. ثمّ إنّ ابن مرجانة نعت مسلمًا (ع) بالفسق؛ حيث قال: “يا فاسق، إن نفسك تمنّيك ما حال الله دونه، ولم يرك أهله. قال: فمَن أهله يا ابن زياد؟ قال: أمير المؤمنين يزيد. فقال: الحمد لله على كلّ حال، رضينا بالله حكمًا بيننا وبينكم. قال: كأنك تظنّ أنّ لكم في الأمر شيئًا. قال: والله ما هو بالظنّ، ولكنّه اليقين”. يعود هذا الطاغية إلى غيّه، فينعت مسلمًا (ع) بالفسق، وهو من العجائب، وكأنّ القائل: (رمتني بدائها وانسلّت) أراد به ابن مرجانة، فهو الفاسق ابن الفاسق، ويرمي بالفسق رجلًا قال عنه سيّد شباب أهل الجنّة: “أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي فضلًا عن أنّ الطاغية يقول لمسلم (ع): “إنّ نفسك تمنّيك ما حال الله دونه، ولم يَرَكَ أهله“؛ يعني: أنّك تتمنّى موقع الخلافة، والله حال بينك وبينها، ولم يَركَ أهلًا لها، فيجيبه مسلم (ع): (فمَن أهله يا ابن زياد؟)، فيقول ابن زياد: (أمير المؤمنين يزيد). قبح الله وجهك أيها الفاسق أترضى بيزيد الفاسق أميرًا لك، وترفض سيّد شباب أهل الجنّة (ع)؟
  5. لم يعبأ ابن مرجانة بجواب مسلم (ع) المتقدّم؛ إذ وجد نفسه محصورًا في زاوية ضيّقة، أخذ يُعربد ويُهدّد ويقول: “قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يُقتلها أحد في الإسلامفلم يبالِ مسلم (ع) بتهديده ووعيده، وتكلّم بكلام يدلّ على أنّه لا يرهب الموت، وأنّه قد أعدّ نفسه للشهادة، ولما بعدها من التنكيل قائلًا: “أما إنّك أحقّ مَن أحدث في الإسلام ما لم يكن، وإنّك لا تدع سوء القتلة، وقُبح المُثلة، وخُبث السيرة، ولُؤم الغلبة”.

وهذا الكلام يكشف عن بصيرة ثاقبة، تدلّ على عظمة ابن عقيل، وشجاعته، وعلمه بخبث خصمه؛ إذ وصمه بأنّه:

أ. من الذين أحدثوا في الإسلام الموبقات التي لم تكن من قبلُ.

ب. وأنّه سيقتله قتلة سيّئة.

ج. وسيُمثّل به مُثلة قبيحة.

د. وأنّ ذلك يدلّ على خبث سريرته ولؤمه.

هـ . وأنّه أحقّ الناس بهذه الرذائل.

  1. لمّا ضيّق مسلم (ع) الخناق على ابن مرجانة، وكشف له عمّا يجول في نفسه من الخبث واللؤم والنوايا السيئة التي يضمرها، عاد إلى عربدته ولم يستطع جوابًا غير السباب والشتائم، فقيام هذا اللعين بسبّ أمير المؤمنين (ع) الذي هو خير الخلق بعد رسول الله (ص)، وسبّ الحسين (ع) الذي هو سيّد شباب أهل الجنّة، لهو خير دليل على فسقه، بل كفره، وكفر سيّده يزيد بن معاوية؛ لأنّ هذا الأخير لم يتخذ أيّ إجراء تجاهه بالرغم من كلّ هذا التعدّي على أولياء الله. ونقول عودًا على بدء: إذا كشف هذا الأمر عن كفر هذا الطاغية اللعين؛ فإنّه لا يستحق السلام، بل لا يجب ردّ السلام عليه لو ابتدأ به، كما تقدّم في النقطة الأُولى، كما أنَّ مسلمًا (ع) رأى أنّ خير جواب على هذا التعدّي هو السكوت؛ لأنّ الردّ عليه يعني النزول والتسافل إلى المستنقع الذي هو فيه، فآثر الصمت ترفعًا عن الردّ والتسافل.

فهذا كله إن دل فهو يدل على علم سفير الإمام الحسين (ع) وعمله بمنهج عمه أمير المؤمنين، والأولياء المعصومين (ع) في أصعب الظروف، وهذا العمل لا يأتي إلَّا في ضوء العلم والزهد والشجاعة التي  يكون النظير لها قليل.

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
مسلم بن عقيلسفير الحسينكربلاءعاشوراء

المقالات المرتبطة

الهوية من منظور فلسفة الأديان

نطرح مسألة الهوية (كإحدى مكونات شخصية أي شعب) أما استنادًا على مقياس إقليمي قومي

دور الجامعات في التربية على الحوار والعيش المشترك

خلقنا الله سبحانه وتعالى مختلفين وأراد لنا أن نظل كذلك، وبث هذا الاختلاف في جميع مخلوقاته

عرفان الثورة والإمام (ع)

هناك حيث رحمة الله تتجلّى وفطرته البديعة، حين أدركت دورة الكمال أولّها وآخرها، هناك عند الربانيين الذين ارتقوا وأكملوا سفرهم بمُدرِكات القلوب…

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*