الحرب الاقتصادية والحصار في معركة الوعي والبصيرة

الحرب الاقتصادية والحصار في معركة الوعي والبصيرة

يناقش بعض المثقفين فكرة هل أن هنالك حربًا اقتصادية وحصارًا أمريكيًّا على لبنان هو الذي أوصل الأمور فيه إلى هذا المستوى من الانهيار الاقتصادي و تدن في سعر العملة الوطنية الذي استجر خلفه مشكلة توزيع مستلزمات الطاقة في محطات الوقود، وإمداد المواطنين بالكهرباء، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وانعدام الاستثمار العام في الصيانة وغيرها مما لا يعد ولا يحصى من المشاكل، أم أن الفكرة مختلقة والأمر الحاصل فقط هو نتيجة طبيعية لعملية فساد متراكم يمارسه أطراف السلطة السياسية هو الذي أدى إلى ما وصلنا إليه في لبنان من أزمة اقتصادية ومالية نعيش تفاصيلها ونلمس نتائجها بكل ما أوتينا من جوارح؟ حضرات المثقفين الذين يزعمون أن الأزمة اللبنانية الحالية ليست سوى أزمة داخلية وهي نتيجة الفساد المتراكم في” الطبقة” السياسية الحاكمة يقسمون إلى قسمين:

 القسم الأول: هم من سيئي النية الذين يعرفون الحقائق لكنهم يريدون لي عنقها لتستقيم مع أهدافهم السياسية، فهم يدركون وجود هذه الحرب الاقتصادية ويعلمون أن الحصار قائم بالفعل. ومنهم من يطالب بتصعيد هذه الحرب وهذا الحصار ويحلمون بجعله حربًا حقيقية بالحديد والنار ضد المقاومة وبيئاتها لاجتثاثها بشكل نهائي، وقد رأينا في أحد المؤتمرات المعقودة في إحدى المدن الخليجية مثقفين ناشطين لبنانيين يدعون علنًا إلى القيام بذلك، وهؤلاء يقومون بتوجيه سهام اتهاماتهم إلى حلفاء المقاومة في السلطة السياسية تحديدًا لهدفين:

 الهدف الأول: عزل هذه القوى جماهيريًّا وإرباكها وجعلها ترتكب هفوات متوترة في إدارة المعركة.

 الهدف الثاني: تحريض جمهور المقاومة باعتباره عصب القوى الحية داخل المجتمع اللبناني للدخول في مواجهات مع حلفائه تحت شعارات برّاقة يبدو ظاهرها صحيحًا لكن مضمونها العملي يضع الحب في طاحونة الأعداء، وأقل ما يمكن أن ينتج عنه توترات في الساحة الوطنية تضعضع الثقة بين الحلفاء، وتوحي بأن هناك قرارًا ضمنيًّا بفك التحالف، ولا يخفى على أحد خطورة هكذا توجهات وما تضمره من نوايا خبيثة للقفز عنها احتاجت الساحة الوطنية إلى جهود مضنية لدى كوادرها ومناصريها خاصة لفتح أعين البصيرة وشحذ همم الصبر، واختبار القدرة على التحمل وطول الأناة.

لقد بذل هؤلاء المثقفون وجلهم من المنضوين تحت لواء أحزاب سياسية معروفة التوجه ويعملون ضمن إطار المنظمات التي تسمّى زورًا وبهتانًا “غير الحكومية”، والتي تنفق عليها السفارات وخاصة الأميركية ملايين الدولارات، والتي تشغل جيشًا من ناشطي التواصل الاجتماعي الذين يبثون معلومات وأرقامًا ما أنزل الله بها من سلطان يكفي لأي عاقل أن يسترجع بعضها ليعرف حجم الكذب والتلفيق فيما يتم تداوله. لقد بذل هؤلاء جهودًا ضخمة لبث الأكاذيب وتغيير الحقائق وتشويه الوقائع وهم مستمرون في ذلك وصولًا إلى الانتخابات النيابية المقبلة ممنّين أنفسهم ومشغليهم بإمكانية تغيير موازين القوى في المجلس النيابي المقبل وبالتالي في موقع رئاسة الجمهورية.

القسم الثاني من هؤلاء المثقفين: هم من حسني النية الذين يرون السلبيات في إدارة البلاد على المستوى الاقتصادي والنقدي والتنظيمي، ويستشعرون خطر المحاصصة الطائفية على النسيج الوطني، ويراقبون حجم ما جمعه بعض السياسيين وزوجاتهم وأولادهم وأقاربهم من ثروات ومواقع في السلطة فيظنون أن تغييرًا في طرائق العمل وحدًّا من مستوى العمولات والقضمات والسرقات من الميزانية العامة، ومن ثم تفعيل “حوكمة رشيدة ” كما يسمونها تكفي لرد غائلة الأزمة فتسير الأمور على ما يرام.

إن المثقفين المقصودين في نقاشنا هم حقيقة هؤلاء الذين ينتمون إلى القسم الثاني؛ ذلك أن جماعة القسم الأول نحن في صراع محموم معهم، وفي كل يوم توجه لهم القوى الوطنية بقيادة المقاومة ومحورها الصفعات واللكلمات مما جعلهم في حرج شديد مع مشغليهم. أما جماعة القسم الثاني فهم من الأصدقاء وخاصة من الشباب الوطني والمخلص الذي تعلّم في الجامعات الغربية أو يريد استلهام تجربة الحياة والحكم والإدارة المتبعة في الغرب ظنًا منه أن ذلك يشكل وصفة سحرية لحل المشاكل واستقامة الأمور، (وهذا موضوع سنناقشه في مقال آخر)، وهؤلاء هم الذين يهمنا نقاشهم وكسبهم في معركة الوعي والبصيرة. لا بدّ من الإشارة في البداية إلى أن أصحاب وجهة النظر التي أقدمها هنا لا يعفون المسؤولين السياسيين والاداريين كل حسب مسؤوليته وقدرته على التأثير سلبًا أو إيجابًا، وخاصة منهم الذين تتابعوا على الحكم خلال الثلاثين سنة المنصرمة، من المسؤولية عما آلت إليه الأمور إن لم يكن من مسؤولية الفساد المباشر والإثراء غير المشروع فمن مسؤولية التقصير وعدم الشفافية في إدارة شؤون الناس وفي الخسائر التي نجمت عن هذه الإدارة.

الاستقلال والتبعية

لا بد عند نقاش هذا الموضوع من إيضاح طبيعة العلاقات التي تربط بلدان ما يسمى دول المركز، أو العالم المتقدم، أو البلدان الصناعية الكبرى وريثة مرحلة الاستعمار المباشر أي العالم الغربي وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ثم اليابان ببقية بلدان العالم التي يمكن تسميتها بلدان الهامش بدل التسمية التي اعتادت أدبيات الغرب والأمم المتحدة أن تسميها بها “البلدان النامية”، أو “البلدان في طور النمو”، ولا يخفى ما في هذه التسمية من تضليل مقصود، فلا هي في الحقيقة بلدان نامية، ولا هي بلدان في طور النمو، بل هي أسيرة سجون التخلف والتبعية بشكل مؤبد لسبب أساسي أنه ليس من مصلحة بلدان المركز وضعها على سكة النمو، وبالتالي فقدان بلدان المركز هذه لمواردها الضرورية من المواد الخام الأولية لاستمرار عجلة إنتاجها، كما فقدان أسواقها الضرورية لبيع منتجاتها تلك، وأن عملية السماح لاختراقات محددة في بعض الحالات النادرة فإنها تتم لأسباب سياسية كما حصل في تساهل الغرب مع النموذج الصيني، وقد كان ذلك بسبب ظروف الحرب الباردة وضرورة تحييد الصين وتركيز الصراع ضد الاتحاد السوفياتي في تلك الفترة، مما سمح للصين بقيادته الفذة من اجتراح معجزة النمو غير المسبوق عالميًّا، وعندما هدأ غبار الحرب الباردة وخرج الغرب منتصرًا وجد في مواجهته ندًّا صعب المراس وحائزًا على نقاط قوة ليس من السهل انتزاعها منه. إن تتبع اقتصاديات كافة البلدان التي تعتبر نفسها حسب الأرقام الاقتصادية المضللة في حالة نهوض ونمو يكفي أن تدخل في خلاف في المصالح مع منظومة السيطرة الغربية لرؤية ما سيحل بها من أزمات ونكسات مثال على ذلك ما حل بالنمور الآسيوية، أو ما يعانيه الاقتصاد التركي من تراجع ومن تدني في قيمة العملة الوطنية في أي لحظة توتر تشوب علاقة تركيا السياسية مع الولايات المتحدة. إن ذلك يؤكد حقيقة أن النمو تحت ظلال نظام الهيمنة والاحتلال الأجنبي هو محض وهم وسراب وهو نمو زائف وسريع العطب. إن القواعد التي أسّسها الغرب المنتصر في الحربين العالميتين وأكدها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء مرحلة الحرب الباردة تطلبت إنشاء نظام للسيطرة والهيمنة على مقدرات البشرية كان يفرض إعطاء كل كيان سياسي دورًا اقتصاديًّا محددًا يسمح له بالكاد بالحصول على قوت شعبه فقط، في عملية استعباد للبشرية قاطبة شبيهة بنظام العبودية القديم (الذي أفنى فيه الغرب ملايين الأفارقة)، ويخصص لكل بلد فيها حدًّا أدنى من المداخيل تسمح بتأمين قوتها المخصص فقط، ويرتفع هذا الحد أو ينخفض تبعًا لأهمية الدور الذي يلعبه هذا البلد، خذ على سبيل المثال أي من بلدان القارة السمراء التي تحوي على ثروات هائلة من النفط أو المعادن الثمينة ستجد أن ما يصل إلى خزينتها الوطنية لا يتعدى تأمين القوت ومستلزمات الإدارة العامة بحدها الأدنى إضافة إلى ما يتم به رشوة الفئات الحاكمة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وعند أي اضطراب أمني أو مناخي تجد الصناديق والدول تعمل على سد هذا النقص فقط بعد أن تكون قد عمّت المجاعات والتهجير وفقدان الأمن، وعند حاجة المنظومة الحاكمة فعليًّا في بلاد المركز إلى إجراء تغييرات سياسية في الطاقم الحاكم الذي فقد شرعيته الشعبية أو ولاءه السياسي، أو إذا كانت بلدان الوصاية الأجنبية تريد إحداث تغيير في الائتلاف القبلي الحاكم يتم تحميل الفئات الحاكمة السابقة كل الموبقات ومسؤوليات الفساد والتعثر في النمو، ويتم تحريك الشارع ضده وخلعه وتركيب إدارة جديدة تعيد لعب الدور نفسه إلى حين. هذا يعني أن أي صراع ينشأ بين القوى الاجتماعية من عشائر وقبائل وديانات وطوائف الموجودة في السلطة ومثيلاتها الموجودة في المعارضة هو في جوهره صراع على إدارة موارد هذا الفتات الذي يجود به النظام الاقتصادي العام المرتبط بالنظام السياسي والتحالفآت السياسية العامة. ثم أننا إذا دققنا النظر في بلدان الهامش لوجدنا أنها لا تخطط لنموها بشكل مستقل فهي “قاصرة” عن معرفة مصالحها بل تتلقى دائمًا الخطط التي تقدمها لها البلدان المانحة والصناديق المانحة، ويتم مراقبة ذلك بواسطة الخبراء من ذوي الاختصاصات الذين تلقوا تعليمًا في بلدان المركز، وتدرجوا في المؤسسات الدولية المشرفة والراعية، وهؤلاء ممولون بمخصصات عالية جدًّا وظروف من الرفاهية اللامتناهية من ميزانية الدولة التابعة وعبر قروض يتم استجلابها من أجل ذلك.

الاقتصاد التابع في لبنان ما بعد الطائف

وفي لبنان ما بعد الطائف تولت قوى محددة إدارة اقتصاد ما بعد الحرب الأهلية فقامت البلدان التي رعت الاتفاق عربيًّا وغربيًّا بتأمين التمويل اللازم (عبر مؤتمرات باريس المتتالية) لتحويل لبنان إلى حديقة خلفية للبيت الخليجي يتحكم بها كما يشاء عبر القروض والهبات والودائع المصرفية، وتشجيع السياحة الخليجية في لبنان، وشراء العقارات، وتشجيع عمالة اللبنانيين في الخليج، وبالمقابل قامت القوى المستفيدة داخليًّا بتثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل سعر الدولار الأميركي بحيث يستنزف كل مداخيل البلاد من العملات الصعبة لخدمة هذا المشروع بشكل يناقض كل الاستشارات الاقتصادية المستقلة، وللاستمرار بهذا النمط تم تشجيع المستثمرين على وقف نشاطاتهم الإنتاجية وبالعكس دفعهم إلى ادخار أموالهم في البنوك التي تقدم لهم فوائد عالية تغنيهم عن تنكب صعوبات العمل الإنتاجي في بلاد لا يوجد فيها بنية تحتية إنتاجية مناسبة وإن وجدت فبأسعار غير تنافسية، كل ذلك كان واضحًا أنه بمثابة عملية رشوة يتم تقديمها للناس كما للقيادات الطائفية التي تم إعادة تشكيلها بعد اتفاق الطائف وبعد أن كانت القيادات السابقة قد فقدت الكثير من مصداقيتها، وكان جزء منها بحاجة إلى تبديل أو إعادة تأهيل لإنتاج قيادات جديدة يتم استيعابها وتدجينها إن لم نقل شراءها بانتظار حدوث تسوية شاملة في المنطقة تنهي حالة الصراع مع الكيان الصهيوني تعطي للبنان دوره الجديد الذي كان يجب عليه الانتظام داخله ضمن المشاريع والصفقات السياسية التي كانت معدة لترتيب وضع المنطقة برمتها، لقد كان مطلوبًا أن يعيش الناس بنعيم شكلي ومؤقت بهدف السماح بتمرير السياسات الأمريكية بالتعاون مع العصا الغليظة الإسرائيلية والجزرة الخليجية الأوروبية، وكان ما كان من تطورات وتصعيد في عمل التيار المقاوم حديث النشوء لم تسمح لهذه القوى من تحقيق ما كانت تصبو إليه فانكفأت وامتنعت عن إكمال ما تعهدت به، وكان هذا بداية تفعيل إجراءات الحصار، وبداية الحرب الاقتصادية، وعندما حصلت معركة تحرير الجنوب والانسحاب الإسرائيلي المذل وتطورت إلى الصدام الكبير مع دولة الاحتلال الصهيونية في حرب 2006 راودهم حلم العودة وترتيب البيت مجددًا تحت مظلة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، إلا أنهم خاب ظنهم فانكفؤا من جديد واشتد الحصار واشتدت الحرب. وعندما بدأت الحرب على سوريا كان على لبنان بنظرهم أن يلعب دورًا ما في هذه الحرب، وعندما لم يتح لعب هذا الدور، بل تصدى له ومنعه من تحقيق أهدافه وانهزم الإرهاب وصمدت سوريا اشتد الحصار واشتدت الحرب أيضًا من خلال قانون قيصر الأميركي وسياسة خنق سوريا وتسكير منافذ الهواء إليها.

إن متابعة ما جرى من الإجراءات المالية وسحب الودائع من البنوك وما يتعلق بالتضييق على حركة العمالة في الخليج والتعامل مع ملف المهاجرين السوريين بشكل إكراهي وغيرها كانت واضحة الدلالة في الإشارة إلى الحرب الاقتصادية والحصار، والفرق أنه في المرحلة الأولى تم التعامل مع الشعب اللبناني باعتباره قسمين فتم دعم قسم، وتشديد الخناق على الآخر، لكن انتخاب الجنرال عون رئيسًا للجمهورية كرس فشل هذا المشروع فتم الانتقال إلى المشروع الآخر الذي يضع الشعب اللبناني بكامله تحت المقصلة.

المسؤولية والخراج

إن من الضروري رؤية موضوع النشاط الاقتصادي للبلدان التابعة المهمشة باعتباره جزءًا مكملًا للنشاط الاقتصادي في بلدان المركز، وليس نشاطًا مستقلًّا مفصولًا عنه، والاستقلالية الجزئية المسكوت عنها هي التي لا تؤثر على النموذج العام.

إن التخطيط الاقتصادي في بلدان الهامش ليس من المسموح أن يكون عملًا مستقلًّا يهدف إلى إطلاق طاقات المجتمع. واستغلال الموارد والثروات في عملية يختار الناس سبيلهم فيها، بل هي سبيل يتم تحديدها لهم سلفًا من خلال الدول والمؤسسات الدولية، ويتم تمريره بقوة الإكراه عبر فساد السياسيين الذين يحصلون على فتات عمليات النهب المتواصل، وكذلك فساد المثقفين والتكنوقراط الذين رباهم الغرب وعلمهم ودربهم وحوّلهم إلى أدوات في خدمته (إلا من رحم ربي). عندما تقوم بلدان المركز ودوائر نفوذها بتسيير اقتصاد بلد مهمش بشكل لا يتيح له الحفاظ على استقلاله الاقتصادي وتطوره الإنتاجي، وعندما تساهم بشكل مباشر بجعله أكثر تبعية وأكثر ارتباطًا بالدولار في التداول العام، بل وتجبره على تطبيق برامج تحد من استثمار المواطنين في العملية الإنتاجية، وترعى فئات طفيلية في مفاصل السلطة ودوائر القرار في الدولة العميقة فيها تسرق أموال شعوبها، وتأتي بها إلى مصارف بلدان المركز تحت أعين أجهزة الرقابة الدولية والتي تقوم بدورها مقابل ذلك برعاية إمكانية بقاء هذه الفئات المتسلطة في مواقعها وعلى قيد الحياة السياسية مع بعض الرفاهية التي يتم نشرها أحيانًا لأنها جزءًا من مشروعها للنهب الاقتصادي وللهيمنة السياسية الإقليمية.

وإن الهبات والقروض التي يتم تقديمها من الصناديق أو من البلدان المانحة أو من منظومة المصالح الإقليمية المتشابكة كالترويج للسياحة وتحويل بلد ما إلى قبلة سياحية بشكل مدروس أو إغرائه بتحويلات أموال العمالة في البلدان الحليفة، أو تقديم الهبات من هذه البلدان أيضًا، أو من الجمعيات الإنسانية التي تعمل بتوجيه منها، إن كل ذلك ليس إلا أداة من أدوات السيطرة والهيمنة، فعندما يتم إيقاف هذا الدعم وإغلاق الأبواب التي كانت مفتوحة لسبب سياسي، ولأن هذا البلد قرر الخروج عن أنظمة الطاعة والخضوع فهذا حصار وهذه حرب. لا يجب النظر إلى الغرب باعتباره جمعية خيرية مفتوحة الأذرع همها نشر الديمقراطية والحد من الفقر في العالم، ولا إلى البلدان الغنية التي تدور في فلكه وتنفذ سياساته وتضع تمويلها أينما أراد باعتبارها تتحرك وتقدم ما تقدم بدافع الصداقة والأخوة المجردة إن كل ذلك بما في ذلك الاتفاقيات الاقتصادية والقروض المقدمة من البنوك الأجنبية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو من البلدان الصديقة (المرفقة بشروط قاسية تتحمل الفئات الشعبية تبعاتها)، وعملية التذلل “للبلدان الصديقة والشقيقة” التي تقدم المكرمات وتفرض مقابل ذلك الدخول في المحاور والأجندات الإقليمية وما يرافق ذلك من خدمات أمنية ودور سياسي يفترض أن يقوم به كل بلد في عملية الاستتباع الإقليمي والعالمي، ومن الأكيد أن النظام العالمي للعلاقات بين الدول لا مكان فيه للمساعدات الإنسانية والصدقات والصداقات ذات الصفة الأخلاقية، بل إن كل ما يربط الدول ببعضها هو الالتزامات القائمة على المصالح. فعندما تتخلى بلدان المركز عن تعهداتها اتجاه هذه البلدان وهذه الشعوب لكونها تريد انتهاج سياسات استقلالية مغايرة فهذا حصار وهذه حرب.

إن ما يتم تقديمه من قبل بلدان المركز من مساعدات وقروض إلى بلدان الهامش ليس هو في الحقيقة إلا حقوق يجب عليهم تقديمها لأنهم يستأثرون بفوائد هذا النظام الاقتصادي العالمي ويتمتعون بالرفاهية الزائدة نتيجة ذلك ومن واجبهم تقديم هذه الحوافز لحفظ التوازن العام في العالم، وكذلك كبدل لكبح إمكانية توجه هذه البلدان نحو سياسات اقتصادية استقلالية بديلة وتحالفات إقليمية ودولية بديلة، وعند عدم القيام بتقديم ذلك فهذا تمنّع عن القيام بالواجب بقصد افتعال الضرر بالشعوب المفترض إخضاعها، إذن هذه عقوبات في إطار حرب اقتصادية وهذا حصار.

إن منع بلد من البلدان من تلقي مساعدات من بلدان صديقة، أو استقدام استثمارات من بلدان مناهضة لمراكز الهيمنة أو محاولة حل بعض مشاكله بالاتفاق على أشكال من الشراكة والتعاون مع محيطه الطبيعي. إن منع كل ذلك هو حصار وهو حرب اقتصادية يخاض ضد هذا البلد الصغير والقليل الموارد الذي يسمى لبنان. لا يمكن بأي شكل من الأشكال النظر إلى العالم من منظار السيادة والاستقلال وحرية الخيارات السياسية والاقتصادية للبلدان الهامشية صغيرها وكبيرها إلا باستثناء بعض البلدان وفي مراحل تاريخية خاصة، والتي حظيت بقيادات سياسية تاريخية امتلكت من الشجاعة ما يجعلها قادرة على خوض غمار معارك التحرر الوطني واحتمال مصاعب الحصار والمقاطعة والعقوبات، ولم تنج هذه البلدان من الحروب المدمرة التي استهدفت قرارها السياسي المستقل كما جرى مع الجمهورية العربية المتحدة في مرحلة حكم الرئيس جمال عبد الناصر أو سوريا خلال حكم الرئيس حافظ الأسد أو مع كوبا ومع جمهورية غينيا خلال حكم الرئيس سيكوتوري ثم مع الجمهورية الإسلامية في إيران منذ تأسيسها،كذلك الضغوط القصوى والانقلابات والاغتيالات التي تمت ممارستها على الكثير من الشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، بل وتحاول الولايات المتحدة اليوم ممارستها مع بلدان كبيرة وتمتلك اقتصاديات قوية أين منها البلد الصغير لبنان. لشرح الترابط الاقتصادي العالمي وعدم إمكانية الفصل بين الأقاليم والدول من المفيد ذكر حادثة يرويها كتاب “المستطرف في كل فن مستظرف” الشهير عن الخليفة العباسي هارون الرشيد أنه كان كلما شاهد سحابًا عابرًا في السماء قال له: “أمطر أنّى شئت فخراجك عائد لي”. أو إذا نظرنا إلى ذلك الحديث المشهور عن أحد الخلفاء أنه “إذا تعثرت شاة في العراق أو في البصرة (أو إذا زل جمل أو حمل على شط الفرات) فقد يسألني الله لماذا لم تعبد له الطريق”. إذا كان ذلك الخليفة في القرن الأول الهجري ينظر إلى الأقاليم التي يجمع خراجها بهذه النظرة المسؤولة، وإذا كان الخليفة العباسي هارون الرشيد في ذلك الزمن يفكر بهذه الطريقة الشمولية في النظرة إلى خراج العالم في عهود ما قبل وسائل السيطرة والأسواق المفتوحة والتجارة الحرة وصورة الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة والجيوش السريعة الحركة والطائرات الاستراتيجية العابرة للقارات والصواريخ البالستية وأنظمة التحكم عن بعد، ناهيك بالمنظمات الدولية التي تحصي حبات القمح وأكياس الطحين والأرز في العالم، وتنظم عدد الأولاد المزدادين هنا أو هناك، وتتحكم بمعدل الأعمار وعدد الوفيات في كل بلد في العالم قاطبة وكمية الطعام التي يجب أن تدخل في كل بطن إنسان وكمية المياه الصالحة للشرب أو للاستعمال على خريطة هذا العالم وكيفية توزيع اللقاحات ضد الأوبئة والكمامات الواقية والأدوية، فكيف يكون الحال مع كل ذلك وغيره الكثير من وسائل السيطرة والتحكم الحديثة.

خاتمة

حسب الشرائع الدينية والشرع الإسلامي تحديدًا، وحسب المنطق العقلائي والإنساني المطلق فإن احتجاز كائن حي من إنسان (كاحتجاز سجين)، أو من حيوان (كاحتجاز حيوان أو طائر) يلزم الطرف الحاجز تأمين المستلزمات الضرورية للمحتجز كالمأكل والمشرب والملبس والمأوى وكل ما يضمن استمرار الحياة المحترمة، وعند التمنع عن القيام بذلك يجب شرعًا وعقلًا أن يتم فك احتجازه وتركه يتدبر أمره، فكيف إذا كان المحتجز هو شعب أو شعوب بكاملها. إن ذلك هو حتمًا حصار وحرب اقتصادية وقصدًا بالتجويع والقتل لإكراهه على تغيير اتجاهه وقهر إرادته، وإلا فكيف يمكن توصيف ذلك بشكل مختلف؟ لقد شنّ النظام العالمي والإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية حربه على بلد صغير يكاد لا يرى على الخارطة اسمه لبنان، وقام بحصاره في سبيل إخضاعه لجعله مطواعًا من ضمن خططه للحفاظ على سيطرته المتهالكة على منطقة غرب آسيا وعلى هيبته التي هشمتها مواجهات أربعين عامًا ونيف ضد محور تحرري ناشىء يشكل لبنان رأس حربته، ومن محاسن الصدف أن هذا البلد الصغير سيخرج عزيزًا ومنتصرًا في هذه الحرب الاقتصادية، وسيحطم الحصار، ويجعله حكاية من حكايات الماضي.

 



المقالات المرتبطة

أمة محمد، نظام إلهي

يجب علينا أن نستخدم طاقاتنا لمواجهة الكيان الصهيوني، والحركة التي تحدث ضد القدس الشريف والمسجد الأقصى. ويجب علينا أن نهتم بالمشاكل التي سبّبها لنا الاستكبار في داخلنا.

إيران الاقتدار… ونهج العرفان الصوفي

داخل مدينة نائية من مدن إيران، وفي مجالس علم وزهد وعرفان صوفي تقوائي، نما وترعرع شابٌ على مدارج التكامل العلمي في دراساته الدينية، والتي جمع فيها دراسة العلوم الشرعية كالفقه والقانون الإسلامي، والعلوم العقلية من علم كلام وفلسفة، والعلوم الروحية التي تتمثّل بالعرفان الصوفي. وهذا العلم الأخير يذهب بعيداً في دراسة الطرق التي يجاهد فيها المرء نفسه ليهذّبها، ويفتح منها سبل العلاقة المعنوية مع الله سبحانه وتعالى، وهي المسمّاة عند أهل هذا الفن بالسير والسلوك.

نَحو تنظير ثوري لِمفهوم الاقتصاد في الإسلام

يقدم الدكتور محمود اسماعيل، دراسة في مشروع الاقتصاد الإسلامي، مستندًا للمفكرين الإسلاميين حبيب الله بايدار،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*