الإمام موسى الصدر والمجتمع المقاوم

الإمام موسى الصدر والمجتمع المقاوم

يشكِّل المجتمع المقاوم المجال الحيويّ لفعاليّة كلّ حركة تحرير وطنيّ تتوسّل المقاومة المسلّحة في مواجهة مختلف أشكال السيطرة والاحتلال المباشر. ولا يمكن فهم قدرة هذه المقاومة، في مراحل تأسيسها وتواصلها وصولًا إلى انتصارها، بمعزلٍ عن البيئة الاجتماعيّة – الأهليّة التي تغذّيها بشروط وجودها بالذات. ففي هذه البيئة تتشكّل عوامل ولادة المقاومة، ومثلها العوامل التي تساعدها في تحقيق أهدافها. وبهذا المعنى، تتوارى خلف بطولات المجاهدين تضحيات مجتمع بكامله، وهي تضحيات شاملة للأرواح والأرزاق، مثلما هي تضحيات تتناسل من تضحيات لا تلين ولا تستكين، وتنهل من تاريخ وذاكرة وهويّة وتندرج، مجتمعة، في سياق توليفيّ وتبادليّ بين المقاومة والمجتمع الأهليّ.

وكما تحتاج المقاومة إلى شروط قيامها، في قدراتها التنظيميّة والبشريّة والعسكريّة والفكريّة، فإنّها تحتاج أيضًا إلى مجتمع يحضنها ويحتلّ تبعاتها ويرفدها بالمدد اللازم من بشر وإرادة معنويّات وصمود وقبول بالأثمان الفادحة… ولكي يتمكَّن المجتمع، أيّ مجتمع، من تقديم هذا المدد الشامل، ينبغي أن يكون، هو نفسه، مجتمعًا مقاومًا. وهذا يعني، أوّلًا، رفضًا للاحتلال وقبولًا بمبدأ المقاومة المسلّحة كوسيلة للتحرير؛ ويعني، ثانيًا، استعدادًا مسبقًا لرفد هذه المقاومة بالمجاهدين من فلذات الأكباد؛ ويعني، ثالثًا، قبولًا بالأثمان المتوقّعة من تضحيات بشريّة وماديّة ونفسيّة؛ ويعني، رابعًا، إرادة مجتمعيّة تعصم المقاومة من الضعف والاستكانة وتغذّيها بشروط استمرارها بصرف النظر عن وقع المعارك والاختلال في موازين القوى؛ ويعني، خامسًا، تماهيًا في الينابيع الثقافيّة – الأيديولوجيّة حيث تلتئم المقاومة وأهلها في هويّة تفسّر وتغذّي كلّ المعاني الأخرى، ما يبقي أمل الانتصار حاضرًا في بطولات المجاهدين وتضحيات المجتمع على أنواعها.

بيدَ أنّ مجتمعًا كهذا، يحتاج إلى عمليّة بناء، لا سيّما وأنّه يشكِّل جزءًا من مجتمع أكبر، من دولة ووطن، لا ينظر إلى الاحتلال برؤية جامعة، وقد لا يراه خطرًا شموليًّا ويمعن في إدارة الظهر لتداعياته ما يوهن إرادة النازحين تحت نيره، ويقذف بهم في متاهة التساؤل والسكون والتهجير وتسليم ذواتهم والأرض للقدر. وهنا، بالتحديد، تظهر أهميّة التجربة التي قادها الإمام موسى الصدر وهو في سياق بناء مجتمع مقاوم كشرط من شروط قيام مقاومة وطنيّة ضد المشروع الإسرائيليّ في لبنان. وقد اختمرت هذه التجربة في ذهن الإمام الصدر بعد معاينة مكثّفة لواقع الحال والأحوال في لبنان الدولة والطوائف، وهو واقع كان يؤشّر إلى إنشغال اللبنانيّين بحساباتهم الخاصّة مصالح طوائفهم أكثر من انشغالهم بضرورة إنقاذ الوطن كلّه من براثن المشروع الإسرائيليّ الذي يهدّدهم جميعهم بقدر ما يهدّد وطنهم كأنموذج للعيش المشترك ويتركهم، هكذا، في مهب الرياح، بدون هويّة جامعة أو مصير مشترك، يبحثون عن حلول في علاقاتهم الدوليّة أو في قوّة ضعفهم وتفاصيل طوائفهم، وكلّها حلول أثبتت الأيّام والأحداث عقمها وفداحة أثمانها….تحميل المقال



المقالات المرتبطة

أحياء عند ربهم يُرزقون..

غدا ظمأ كربلاء نهرًا يروي أرواح العاشقين فتعبّ منه في كلّ زمان ومكان، كلٌّ بمقدار. فكلُّ بذلٍ في هذا الطّريق، قليله كثير، وكثيره قليل، وكما قال الإمام الخميني (قده): ” كلّ ما لدينا من كربلاء”.

الإيمان وتجدّد الثقافة والهويّة

إنّ مسألة الإيمان، وبرغم كل المحاولات التي سعت لجعلها مجرّد حالة نفسية فردانية تربط الفرد بما هو فرد بربّه، هي في واقعها الحياتي ومدار تأثيراتها مسألة ترتبط بالحياة العامّة للإنسانية إلى درجة أمكن فيها أن نقسّم الناس على أساس معيار الإيمان إلى من آمن،

السؤال، والنقد – الإيماني

حدّثني أحد الأصدقاء عن أوّل لقائه بزاهد طاعن في السن، مستغرق في حب الله سبحانه، لما رآه ذاك الزاهد سأله عن اسمه فأجاب، ثم قال له: “هل تعرف نفسك؟”، فما كان منه إلّا أن قال ودون تريّث، نعم. تبسَّم الزاهد وتمتم، لقد ادّعيت شيئًا عظيمًا.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*