الحسن المجتبى (ع) غربة إمام في وطن

الحسن المجتبى (ع) غربة إمام في وطن

كانت حياة الإمام الحسن (ع) حافلة بالعلم والجهاد والكفاح والمظلومية لصيانة دين الإسلام من أيّ  شائبة. وقد عانى في مجتمعه كثيرًا ومع ناسه ومن كانوا يعدّون أنصاره، وتعرض للأذى أكثر من مرة، وقد لامه الأنصار والأتباع لأنه عقد صلحًا مع معاوية، ولم يكونوا على علم بأهداف الإمام الحسن من هذا الصلح، فعاش في غربة وهو بينهم، ونتيجة الظلم الذي تعرض له (ع) حاول في أكثر من مرة أن يشرح لهم لماذا عقد هذا الصلح. ففي خطبة له (ع) عندما تم الصلح جاوب فيها الذين لاموه على ذلك، فيقول (ع): “… وأنّ معاوية نازعني حقًا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمة، وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، فرأيت أن أسالم لمعاوية، وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته ورأيت أن أحقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولا أريد بذلك إلا صلاحكم، وبقاءكم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين”. لكن بقيت شريحة من الناس غير مقتنعة بما فعله الإمام الحسن (ع)، لذا ترك مجتمعهم، وتوجه إلى مدينة جده فأقام بها إلى حين شهادته (ع).

وإذا عدنا إلى حياته فنجدها ملأى بالجهاد والعلم، فلم يترك (ع) بابًا من أبواب الحياة إلا وطرقه بعلمه وسعة معرفته، ودرايته ببواطن الأمور وظواهرها، صلاحها وفسادها، خيرها وشرها، وكان (ع) يتمتع بصفات حميدة كثيرة، وسجايا كريمة، فهو الإمام العالم، الحليم، السخي الكريم، المتواضع، الشجاع، وقد كان تاريخه المبارك مليئًا بالحكم والمواعظ والأقوال والخطب، وتناول أدق التفاصيل التي يمكن أن تعترض الإنسان في ممارساته الحياتية اليومية سواء العبادية أم الاجتماعية.

والتاريخ يشهد كم أن الإمام الحسن (ع) بالإضافة إلى هذه الصفات الحميدة والمزايا الجليلة التي كان يتمتع بها، والتي ذكرناها أعلاه، كان يعيش في حياته إيمانًا كبيرًا، حتى أنه كان أعبد الناس وأزهدهم في زمانه، وفي ذلك يقول الإمام الصادق (ع): حدثني أبي، عن أبيه (ع) أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشيًا وربما مشى حافيًا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها[1].

وقد تميّز (ع) بسعة العلم والمعرفة، فهو حفيد الرسول الأكرم (ص)، ومن سلالة الأئمة الأطهار الذين زقّوا العلم زقًّا. وهنا، نذكر حادثة حصلت معه (ع) فقد حاول معاوية امتحان علم الإمام (ع) ومعرفته بالأمور الغيبية التي كانت تخفى على عوام الناس، فتذكر الروايات أن معاوية أراد أن يمتحن علمه (ع)، فهو كان مريضًا بالشك بالرسول (ص) وأهل بيته، فعن الإمام الصادق (ع) قال: “لما صالح الحسن بن علي (ع) معاوية جلسا بالنخيلة فقال معاوية: يا أبا محمد بلغني أن رسول الله كان يخرص النخل* فهل عندك من ذلك علم؟ فإن شيعتكم يزعمون أنه لا يعزب عنكم علم شيء في الأرض ولا في السماء؟! فقال الحسن (ع):  إن رسول الله (ص) كان يخرص كيلًا وأنا أخرص (لك) عدًّا! فقال معاوية: كم في هذه النخلة؟ فقال الحسن (ع): أربعة آلاف بسرة* وأربع بسرات! فأمر معاوية بها فصرمت وعدت فجاءت أربعة آلاف وثلاث بسرات! فقال: والله ما كذبت ولا كذبت!”[2].

أما عن حلمه (ع) فقد كان رحيمًا متسامحًا، لم يغضب إلا لله، وكان من عظيم حلمه أن يعفو ويصفح عمن يسيء إليه، ولا يرد الإساءة بالإساءة، بل كان يرد على الإساءة بطيب المعاملة، وحسن الكلام، لدرجة أن من كان عدوه بالأمس نتيجة حلمه (ع) أصبح من المقربين والمحبين، وبهذا الخصوص ما روى المبرد وابن عائشة: “إنّ شاميًّا رآه راكبًا، فجعل يلعنه والحسن لا يردّ، فلما فرغ أقبل الحسن (ع) عليه وضحك وقال: أيها الشيخ أظنك غريبًا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، إن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسوناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك، وإن كنت طريدًا آويناك. إن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعًا رحبًا وجاهًا عريضًا ومالًا كبيرًا، فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة اللّه في أرضه، اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق اللّه إلي، والآن أنت أحب خلق اللّه إليّ، وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقدًا لمحبتهم”[3].

تتجسد هنا مدرسة الإمام الحسن (ع) في الحلم وفي سعة الصدر والأخلاق الرفيعة والسامية، فالإمام يعلمنا دروسًا في التسامح وكظم الغيظ، فحال هذا الرجال بعد سماعه الإمام الحسن، وبعد معاينته عن قرب لسماحة وحلم الإمام الحسن انقلب من عدو مبغض إلى محب مقرب. وهكذا ينبغي أن نكون في حياتنا بأن نقابل الإساءة بعدم ردها، وأن نعفو عمن ظلمنا، فالله سبحانه وتعالى سيعطينا حتمًا أجر ذلك بأن تتغير أحوال كثير من الناس لقاء ذلك، فتغيير المجتمع إلى الأحسن والأفضل يبدأ من التسامح وطيب الكلام، وحسن المعاشرة.

كذلك كان الإمام (ع) متواضعًا رقيقًا في تعامله مع الفقراء والمساكين، لم يكن يميّز بين الناس أبدًا فكلهم عنده خلق الله، وينبغي التعامل معهم بكل تواضع وود وحب، ولم يكن يرفض دعوة أحد من الناس بل كان يلبي دعوتهم بكل محبة، وعن تواضعه (ع)، قال في كتاب الفنون عن أحمد بن المؤدب ونزهة الأبصار عن ابن مهدي:‏ “أن مرّ الحسن بن علي (ع) على فقراء قد وضعوا كسيرات خبز على الأرض وهم قعود، يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يا ابن بنت رسول اللّه (ص) إلى الغداء قال: فنزل، وقال: إنّ اللّه لا يحب المستكبرين، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته (ع)، ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم[4]. لقد عاش الإمام الحسن (ع) التواضع في حياته، ولم يكن بذلك يرائي الناس، بل كان همه طاعة الله عز وجل، فالله سبحانه يكره المستكبرين، ويكره مجالسهم، ويحب المتواضعين؛ خاصة من يتواضع للناس ويقف على خدمتهم، ويحفظ لهم عزة أنفسهم، بأن لا يرد طلبهم في دعوة إلى طعام، أو قبول هدية متواضعة منهم، وأن يحسن معاملتهم، ويتودد إليهم، وغيرها من الأمور.

وكان من صفاته (ع) صفة الكرم والسخاء، وكان يلقب “بكريم أهل البيت”؛ وذلك لكثير كرمه وعطائه دون منٍّ أو من دون بذل ماء الوجه. وعن سخائه (ع)، ما روي أنه سأل الحسن بن عليّ (ع) رجلٌ فأعطاهُ خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال ائتِ بحمّال يحملُ لك، فأتى بحمّال فأعطاه طيلسانه فقال هذا كراء الحمّال، وجاءه بعض الأعرابِ فقال أعطوه ما في الخزانة فوُجِدَ فيها عشرون ألف درهم فدفعها إلى الأعرابي…‏[5]. الكرم والسخاء من أهم الصفات التي يحبها الباري عز وجل، لكن الكرم بأن لا يصل حد التبذير، ففي ذلك يقول الباري تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً[6]. والإمام الحسن (ع) كان كريمًا من دون تبذير، وسخيًّا باعتدال وإنصاف، لم يصرف الأموال إلا عند الحاجة والطلب. ومنه نتعلم، أن نؤثر الآخرين على أنفسنا، خاصة في ما نحب، فالكرم صفة أخلاقية تعلم صاحبها البذل والعطاء في الأمور المعنوية والمادية، وحتى أنها تلعب دورًا كبيرًا في أثناء الجهاد، عند بذل الروح والأنفس في سبيل الله تعالى.

وأما عن شجاعته (ع) فقد كان مقدامًا شجاعًا قوي الشكيمة والعزيمة، وقد شارك مع والده الإمام علي بن أبي طالب في حربي الجمل وصفين، وكانت له (ع) مواقف مشرّفة، على عكس ما يشاع لضرب صورته الناصعة.

وقال الإمام علي (ع) في بعض أيام صفين وقد رأى الحسن (ع) يتشرع إلى الحرب املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فإنني أنفس بهذين؛ (يعني الحسن والحسين (ع)) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله(؛ (وقوله عليه السلام املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام وأفصحه)[7].

ومن مواقفه الشجاعة عندما وقف خاطبًا موضحًا زيف وكذب وادعاء معاوية، فقال (ع): “أيها الناس، إني لو قمت حولًا فحولًا أذكر الذي أعطانا الله عز وجل وخصنا به من الفضل في كتابه وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله) لم أحصه، وأنا ابن النبي النذير البشير، السراج المنير، الذي جعله الله رحمة للعالمين، وأبي علي، ولي المؤمنين، وشبيه هارون، وإن معاوية بن صخر زعم أني رأيته للخلافة أهلًا، ولم أر نفسي لها أهلًا، فكذب معاوية، وأيم الله لأنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غير أنّا لم نزل أهل البيت مخيفين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، ونزل على رقابنا، وحمل الناس على أكتافنا، ومنعنا سهمنا في كتاب الله [من الفيء] والغنائم، ومنع أمنا فاطمة إرثها من أبيها”.[8]

مظلومية الإمام الحسن

بعد أن تحدثنا أعلاه عن مناقب الإمام الحسن وصفاته، الشريفة والنبيلة، نأتي الآن للحديث عن المظلومية التي عاشها الإمام (ع) في مجتمعه وبين ناسه وأتباعه. ونستطيع أن نقول: إن الإمام الحسن (ع) عاش غربة في وطنه بكل ما للكلمة من معنى، وما أصعب أن يعيش المرء هكذا غربة، فهي أقسى وأشد من الغربة عن الأوطان، وأوذي وظلم أيضًا في مجتمعه ومن ناسه أشد الأذى، ونذكر هنا ما قاله الإمام الحسن (ع) عندما سئل: ما حملك على ما فعلت؟ (يقصد تسليم الأمر لمعاوية والصلح معه) فرد عليه الإمام الحسن (ع) قائلًا: كرهت الدنيا، ورأيت أهل الكوفة قومًا لا يثق بهم أحد أبدًا إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هواء، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر، لقد لقى أبي منهم أمورًا عظامًا، فليت شعري لمن يصلحون بعدي وهي أسرع البلاد خرابًا.[9]

وعندما نتحدث عن هذه المظلومية فالفكر يذهب فورًا إلى الصلح مع معاوية، هنا تجسدت مظلوميته بأعلى صورها، حيث حاول بنو أمية تشويه اسم الإمام الحسن بشتى الطرق والوسائل، وبثوا من الشائعات التي يندى لها الجبين، وحاشا لإمام معصوم أن يكون كذلك، لكن غالبية من عاصروه تأثروا بهذه الشائعات وصدقوها، ووصلت ببعضهم أن يصفه بمذل المؤمنين لأنه لم يكن يفهم لماذا وقّع الإمام الحسن الصلح مع معاوية ولم يفهم أبعاده الغيبية، وتبعاته على المدى المنظور من الأيام، وقد روي بهذا الخصوص، أن الإمام (ع) قد رد على من تجاسر عليه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، وانصرف راجعًا إلى الشام، فأتاه سليمان بن صرد وكان غائبًا عن الكوفة، وكان سيد أهل العراق ورأسهم، فدخل على الحسن عليه السلام – فتجاسر عليه – فقال السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال الحسن عليه السلام: وعليك السلام اجلس! لله أبوك. فقال الراوي: فجلس سليمان وتكلم بما تكلم فسكت،… فتكلم عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا ومن نعرفه بالنصيحة والاستقامة لنا وقد فهمت ما ذكرتم، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب وما كان معاوية بأبأس مني وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم سلكني، أشهد الله وإياكم إني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم وإصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله وسلموا الأمر لله، والزموا بيوتكم، وكفوا أيديكم، حتى يستريح من بر، أو يستراح فاجر،…. وأما قولك يا مذل المؤمنين فوالله لئن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا…، فليكن كل رجل منكم حلسًا من أحلاس بيته ما دام معاوية حيًّا فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون[10].

بيّن الإمام الحسن (ع) هنا لماذا قام بالصلح، فوحده كان يعلم نوايا معاوية المبيّتة، ووحده كان يعلم أن محاربة معاوية ستجرّ الويلات على شيعته. ففي كلامه (ع) إشارة واضحة ودلالة بيّنة على أنه يعلم بواطن الأمور، وعامة الناس تعلم فقط الظاهر والقشور، لذلك خاطب ذلك الرجل الإمام بمثل هذا الكلام الذي فيه أذى، لكن الإمام كان مستوعبًا لحال الناس في ذلك الوقت، وكان يشفق عليهم لأنهم لا يعلمون حقيقة وواقع هذا الصلح، ولو كانوا يعلمونه لما تخلوا عنه، ولما خذلوه في مواقف عديدة، ولوقفوا معه وناصروه وشدّوا أزر جيشهم، وحاربوا معاوية بالتالي سيكون النصر حليفهم حتمًا، لكن للأسف تخلى عنه الناس الذين كانوا يحيطون به، كما تخلى قائد جيشه والتحق بمعاوية، ولم يبق مع الإمام إلّا القلة القليلة من الأتباع المخلصين المحبين.

وفي مكان آخر، حاول الإمام أن يوضح وجه الحكمة بعد الصلح، وأن هذا الصلح لا ينقص من القيام بوظيفته أي شيء، فهو إمام سواء قام أو قعد.  وبهذا الخصوص، فقد روي عن أبي سعيد قال: قلت للحسن بن علي يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته؟ وقد علمت أن الحق لك دونه، وأن معاوية ضال باغ؟! فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله – تعالى ذكره – على خلقه، وإمامًا عليهم بعد أبي؟ قلت: بلى. قال: ألست الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لي ولأخي الحسن والحسين: إمامان قاما أو قعدا، قلت: بلى، قال: فأنا إذًا إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت. يا أبا سعيد علة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل… سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل[11].

لذا، لم يترك الإمام فرصة إلا وبيّن فيها لمحبيه أهمية هذا الصلح، والذي كان لصالحهم وحقنًا لدمائهم، وليس كما أشاع بنو أمية، تهرّب الإمام من الحرب، ووصفوه بنعوت شتى. لكن الحقيقة والواقع بأن الإمام (ع) كان شجاعًا مقدامًا خاض حروب الجمل وصفين مع والده كما ذكرنا أعلاه، فهو ربيب بيت النبوة، وربيب بيت الإمامة حيث صفة الشجاعة والبسالة هي في جبلّتهم ومن مزاياهم الشريفة، فلم يتقاعسوا يومًا عن حرب فيها مصلحة للإسلام، وفيها الحفاظ على هذا الإسلام، لكن في زمن إمامته (ع) قد ابتليت الأمة بداهية لا يتورع عن فعل أي شيء في سبيل تحقيق أهدافه، حتى لو استعمل الكذب والخداع، والتهديد والقتل، وللوصول إلى تلك الأهداف فلا يتوانى عن ذلك، فهدفه في الأصل هي السلطة والتسلط على الناس، فقد روى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، فخطب ثم قال: إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون[12].

فمعاوية لم يكن همه لا نشر صلاة ولا دعوة إلى صيام ولا تشجيع الناس لتزكية أموالهم، أو تأدية مناسك الحج أبدًا، بل كان كل همه فقط السلطة، وأن يتسلط ويتأمر على الناس. وعاشت الأمة في زمنه ومن بعده زمن ابنه يزيد، ثم زمن بني أمية جميعًا أبشع أنواع الإرهاب، والقتل وسفك الدماء، وعاش محبو أهل البيت معاناة كبيرة في فترة حكمهم، فكانوا يقتلون وتسفك دمائهم ويهجّروا من أوطانهم فقط ضريبتهم هي الحب والولاء لأهل البيت (ع). والإمام الحسن (ع) والذي عنده علم ما سيكون، كان على علم ودراية بأن شيعته سينالهم من بطش بني أمية الكثير، لذلك عقد هذا الصلح لما فيه مصلحة الإسلام أولًا، ومصلحة شيعته ومحبيه ثانيًا، بالتالي آثر (ع) أن يعيش هذه المظلومية، وإلا لم يكن الإمام قاصرًا عن محاربة معاوية، ولم ينقصه لا الحنكة، ولا الشجاعة ولا الإقدام لخوض معركة ضد معاوية، ولكن كان ينقصه فقط إخلاص أتباعه ونصرتهم له، لكن للأسف تخلوا عنه في أحلك الظروف والأوقات.

نختم، لو قيِّض للإمام الحسن العدة والعدد والإخلاص وثبات الأقدام في الحروب لكان قارع معاوية وانتصر عليه، لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يعيش في هذا الزمن، زمن خذلان الأصحاب والأتباع، وزمن الغربة في الوطن، والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون زمانه (ع) هو زمن التمهيد وبناء القاعدة لقيام أخيه الإمام الحسين (ع) في تلك الثورة التي خلّدها التاريخ، واستشهد فيها الإمام الحسين (ع) وأصحابه وأهل بيته، ولولا ذلك البناء الذي وضع أسسه الإمام الحسن لما كان لتلك الثورة أن ترى النور، فنصر هذه الثورة وتخليدها في التاريخ، وحتى يومنا هذا تعود بركاتها إلى صبر ومظلومية الإمام الحسن (ع)، وإلى تضحيات وبذل النفس، ثم شهادة قلّ نظيرها في التاريخ للإمام الحسين (ع).

 

 

[1]  عزيز الله عطاردي، مسند الإمام المجتبى أبي محمد الحسن بن علي (ع)، الصفحة 126.

*  الخرص: حزر ما علي النخل من الرطب تمرًا.

*  البُسُر: تمر النخل قبل أن يُرْطِبَ.

[2]  الشيخ علي كوراني العاملي، جواهر التاريخ، الجزء 3، الصفحة 119.

[3]  مسند الإمام المجتبى أبي محمد الحسن بن علي(ع)، الصفحة 50.

[4]  مسند الإمام المجتبى أبي محمد الحسن بن علي(ع)، مصدر سابق، الصفحة 53.

[5]  ابن شهر آشوب المازندراني، مناقب آل أبي طالب، الجزء 4، الصفحة 16.

[6]  سورة الإسراء، الآية 26.

[7]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، الجزء 2، الصفحة 186.

[8]  لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)، موسوعة الكلمات الإمام الحسن (ع)، الصفحتان 147و 148.

[9]  السيد مصطفى الموسوي، الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن (ع)، الصفحة 50.

[10] السيد مصطفى الموسوي، الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن (ع)، الصفحة 71.

[11]  المصدر نفسه، الصفحة 53.

[12]  العلامة المجلسي، بحار الأنوار، الجزء 44، الصفحة 53.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الإمام الحسنصلح الإمام الحسن

المقالات المرتبطة

الوجدان وأثره في بناء الشخصية الإيمانية

تأتي نظرة الإسلام إلى الإنسان والتربية في إطار الشخصية المركبة من مجموعة متكاملة من الجوانب، إن الجوانب الشخصية التي نستخلصها من جملة تعاليم الإسلام

عاشوراء في “عيد الغدير” لبولس سلامة

يعود نظم “عيد الغدير”… للشاعر الأديب بولس سلامة، علاوة على عزم الناظم، كما يفهم من قوله في تصديره للكتاب، إلى

مطالعة موجزة في فكر العلامة الطباطبائي

شهد العالم الإسلامي في القرن العشرين حراكًا فكريًا فريدًا تمثّل بانفتاح المؤسسات الحوزوية على أنظومات الفكر المناوئ – الغربي منه أو العربي

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*