كربلاء قراءة جديدة

كربلاء قراءة جديدة

استشهد الرمز الديني الأعظم في الأمة الإسلامية عام 61 للهجرة، في ظروف خاصة تجعل من الحادثة حالة استثنائية، قبل ذلك استشهد والده أمير المؤمنين عليه السلام غيلة في المسجد، وأخوه الإمام الحسن كذلك بالسم، لكن الإمام الحسين عليه السلام لم يقتل غيلة أو خلال مبارزة في معركة عاصفة، بل نتيجة محاولة اجتثاث وإبادة شاملة له ولمناصريه وأهل بيته من قبل السلطة الأموية.

الاستئصال الذي حاول يزيد بن معاوية القيام به خلال تلك الواقعة كان يستهدف عائلة رسول الله وكل من دافع عنها في ذلك اليوم، وهذا حدث غير عادي في التاريخ الإسلامي، حيث حصل شبه إجماع وموافقة وسكوت من المجتمع الإسلامي على القضاء على عائلة الرسول صلوات الله عليه، وهو مؤسس الحضارة العربية بعد الجاهلية، ونبي الدين الذي آمنت به الأمة، وباني الدولة الإسلامية، وكان هذا الاستئصال يتم باسم خلافته وباسم شريعته.

ثورة الإصلاح التي بدأها الإمام الحسين مع وصول رسائل الكوفيين إليه، كانت في المواجهة مع سلطة قامت شرعيتها على أساس الإسلام، الدين الذي كان يشكل الرسول وأهل بيته صلوات الله عليهم خلاصته ومعدنه وكل تجلياته ومعانيه، لكنها كانت سلطة انتهازية لميراث الوحي، وتعمل للإجهاز عليه بشكل كامل، كانت تريده أثرًا بعد عين، وهذا ما عبر عنه رأس هذه السلطة يزيد بن معاوية عند ترديده للأبيات: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل.  

وسط هذه المعركة المصيرية التي شكلت ذروة الصراع بين التيار الأموي والمشروع الرسالي المحمدي، كان الخذلان الشامل في العالم الإسلامي، والتخلي بشكل أو بآخر عن مواجهة السلطة الأموية الانتهازية، إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم. ورغم ذلك لم يتراجع الإمام الحسين عليه السلام عن المواجهة رغم قلة أصحابه الذين لم يتجاوزوا السبعين إلا بقليل.

كانت نتيجة المعركة استشهاد الجميع في ساعة واحدة وسط الحصار والعطش في صحراء جافة وشديدة الحرارة، وبعد الشهادة الجماعية للإمام وأصحابه بدأ سبي نسائه وأطفاله الأسارى وطاف بهم عسكر يزيد بن معاوية في أرجاء الدولة الإسلامية. وهذا ما جعل من الواقعة جزءًا خالدًا من التراث الإسلامي، فلم تكن حادثة يمكن المرور عليها مرور الكرام، سواء من حيث أسبابها أو ظروفها أو نتائجها.

لكن لا بد من الالتفات إلى أن السلطة لم تكن نيتها الأولى قتل الإمام والقضاء على أهله وأصحابه، بل كانت تريد منه الخضوع لمشروعها والرضا بتجاوز مرحلة الرسالة النبوية والعودة إلى الجاهلية، فقد كان ممكنًا تفادي كل ما حصل من خلال المصالحة مع السلطة السياسية، والتعامل بطريقة مرنة في المواجهة والرضوخ لأوامرها والتغاضي عن برنامجها التدميري للأمة والدين، لكنه ذهب حتى النهاية في هذا الصراع الذي لم يكن متوقعًا له نتيجة غير الذي حصل. 

هذه الظروف والخصوصيات تجعل من الحادثة بالمقارنة مع الأحداث التاريخية المختلفة حالة خاصة بالمقاييس الدنيوية التاريخية والقيمية المتعالية، اذ قدمت لنا المثال الأقصى للدفاع عن قيم الإسلام ورسالة السماء.

انطلاق الإمام في حركته واستمراريته رغم انفضاض أهل الكوفة من حوله، يؤكد أنها لم تكن ذات هدف مباشر يتحقق من خلال الصدام وهزيمة العدو، بل كانت تحركها رؤية أبعد ويحفظ زخمها اليقين بقدسية القضية رغم جدار المستحيل الذي وقف في طريقها، لذلك فهي حادثة ذات بعد متعالٍ تتمايز به عن أحداث التاريخ المختلفة، التي وإن صنفت ضمن الأحداث المفصلية أو التحولات الكبرى إلا أنها من ناحية حضور المقدس تبقى متدانية بالمقارنة مع كربلاء، حيث أتيح للبعد المعنوي المتعالي أن يتمظهر بأعلى تجلٍ له في ظل انحسار كل الأبعاد المادية المباشرة وسط المعركة الدامية التي انتهت برض الأجساد بحوافر الخيول ورفع الرؤوس على الرماح.

الاستثنائية والقدسية اللتان تطبعان الحادثة بطابعهما، مضافًا إلى قابلية أي حدث إنساني للانفتاح على زوايا متعددة للنظر، يجعل من قضيتنا هذه مسرحًا لجولان الفكر والنظر والتأمل، خصوصًا عند من تشكل المراسم العاشورائية جزءًا من ثقافته والتزامه الديني، فكل عام تتفتح أسئلة جديدة وتقترح أبوابًا بكر للتطلع إلى ما هو خلف حشد الصور الدرامية المكثفة والمتراكمة.

تعامل شيعة أهل البيت عليهم السلام تاريخيًّا مع الحادثة وفقًا لتوجيهات الأئمة عليهم السلام، كأثر تاريخي مقدس ينبغي تخليده وتكريس ذكراه السنوية لإقامة العزاء وإعادة إحياء ما حصل في صحراء كربلاء، وذلك ما ضمن استمرارية حياة هذه الحادثة بغاياتها وشخصياتها وظروفها، وبعد قرون عديدة تحولت الحادثة إلى حافز ثوري ومع الإمام الخميني قدس الله سره تبلورت نحو رؤية استراتيجية لمواجهة وتحدي القوى الاستعمارية المتفوقة.

تستحضر المخيلة والعاطفة الشيعية الحدث الكربلائي بإيحاءاته الحزينة، ونتيجة كثافة المشاهد التراجيدية يغلب الطابع الرثائي على المراسم، بحيث يتجاوز تعددية أبعاد الحادثة ويعزلها في دائرة واحدة إلى حد ما، دون إغفال التفاوت بين الدول والاتجاهات الثقافية المختلفة في تقديم الحدث العاشورائي وفهمه وبلورة صورته في النص الرثائي والمراسم المختلفة. ولا شك بأن الخطاب السياسي العاشورائي يفتح الحادثة على أبعادها السياسية الجهادية، لكن لا تزال المراسم منحصرة في البعد الرثائي المرتكز إلى السرد والشعر إلى حد بعيد.

خروج الحادثة من المستوى العزائي التراجيدي إلى الفضاء السياسي الواقعي، وإن كان النص بحد ذاته لم يتأثر كثيرًا، ولا زال متعلقًا بالموروث السابق، إلا أن هذا التطور تقدم بنا إلى موقع جديد، حيث أصبح بمقدورنا التطلع إلى موقع جديد آخر، يتخطى المنظور الحالي إلى أفق أوسع، يطور النص والإستلهام، ويسعى لموضعة الحادثة من الرسالة الإلهية.

هل نحن الآن في مرحلة اختزال أخرى، كتلك التي مرت على المخيلة الشيعية قبل ثورة الإمام الخميني، وهنا في هذا التحديد التاريخي طبعًا نتحدث بالإجمال، إذ كان ثمة استلهامات عديدة في التاريخ، ولكن لنتحدث عن المحطات البارزة على صعيد الخط البياني الشيعي، فهل نحن الآن نختصر عاشوراء في مفردتين: الحزن والثورة؟ ألا تنطوي على أبعاد أخرى تضاف إلى هذين البعدين المركزيين؟

هنا كان لا بد من إعادة الحفر حول الحادثة وحول النص المعصوم الذي حاول تفسيرها وموضعتها من الحوادث التاريخية الأخرى، لنضعها على رأس تل لا يصله السيل، ونفتحها على الأبعاد المختلفة، وكان مفهوم الوراثة، الذي انتقل مع الزيارة المعروفة (زيارة وارث)، هو المفتاح الرمز والمدخل للتفكير في مطاوي الحادثة وأقاصي أنوارها. فإن كان قطب الحادثة هو الحسين عليه السلام يرث كل الرسالات السماوية، فكيف حصل هذا التوريث؟ ولماذا ؟ وبأي ظروف ؟ ولماذا تم التركيز على صفة الوراثة لهذا الإمام بالخصوص؟ كان علينا أن نذهب إلى هذا التراب، ونحفر قليلًا قليلًا على مهل، لنعرف أي دم أريق هناك، بل أي نور أريق في تلك الصحراء.

تستحق الدلالات الرمزية التي قدمتها زيارة وارث ومجموعة من النصوص الشريفة عن الأئمة الأطهار التأمل والبحث عن الأبعاد الكامنة، حيث قدمت نصوص المعصومين لنا الفرصة وفتحت لنا الباب واسعًا أمام المراتب المختلفة في النظر إلى التاريخ الكربلائي، وعند الأخذ بدلالات وإشارات تلك النصوص يمكننا تلمس البعد التأويلي في الظاهرة الكربلائية، حيث قدمت كاستكمال للوحي الإلهي بمعنىً من المعاني، فالتأويل ليس يكتمل إلا بالتطبيق الفعلي للنص وتمثيله على مسرح التاريخ، وبقدر ما كان النص متعاليًا كان التأويل داميًا ومسبيًا ومهشم الضلوع.

هل تستطيع الظاهرة التاريخية تأويل النص عبر تطبيق مفرادته؟ وإلى أي حد؟ وما هو النطاق الذي استطاعت كربلاء أن تظهره في تمثلاتها الواقعية للوحي الإلهي؟ هل تعلقت حركة التأويل مثلًا بالأحكام الشرعية والاستدلالات العقائدية المختلفة مثلًا؟ وما هي الجوانب التي استطاعت تظهيرها بشكل أساسي؟ واذا اعتبرنا أن الحادثة ذات دلالة تأويلية فهل كل الجزئيات المكونة لها ذات دلالة؟ أم أن الدلالة عامة؟ وكيف يمكننا الوصول إلى تحليل هذه الدلالات؟ ووفق أي منهج؟

لا شك أن التعامل مع هذه الظاهرة الاستثنائية يحتاج إلى مقاربة خاصة ومنهج يتمكن من الوصول إلى الغاية المنشودة من البحث، فنحن لا نتعامل مع نص أو حدث، وليست نظرية ولا ظاهرة سياسية، فهي خليط مما تقدم، والفرضية المطروحة تطمح لفهم كلي لهذه الحادثة، ولا تكتفي ببعد دون آخر، بل تصب الأبعاد المختلفة في رؤية واحدة يكون لكل بعد منها مكانه التكاملي فيها. هنا البحث يذهب لمنحى التطلع إلى الوجود الحقيقي للظاهرة، الذي منه تتفرع جوانبها المختلفة، وذلك لا بد من اعتماد منهج فلسفي في وضع المحور المركزي للقضية، ومن ثم التفريع عليه.

كربلاء هي أعلى تجلٍّ للشريعة، الإنسان الكامل، الصفات الإلهية، في سياق التجربة البشرية، فهي أوضح تعبير عن هذه القضايا الثلاث، هذا هو الطرح العام والكلي لهذا البحث. من هذه الفرضية سينفتح الباب أمامنا للخوض في البحث، لنحقق أولًا في الفرادة الكربلائية على مستوى التراجيديا العالمية، ومن ثم نذهب إلى توضيح موقع الحادثة في التاريخ الإسلامي والدفاع الروحاني والمعرفي عن الشريعة، وبعدها نطرح مقالًا خاصًا عن الأبعاد القيادية في شخصية سيد الشهداء، وندخل في المقالة التالية في أنوار البكاء العاشورائي وفلسفة الرثاء والعزاء كمدخل ضروري لاستلهام التجلي الكربلائي، ومنها ننطلق إلى مفهوم الفتح الدامي وتوضيح التجليات الإلهية في أرض كربلاء، ومنها نفترع إلى مقالات ثلاث، تجلي الصفات الإلهية، والعشق والعرفان الإلهي، وأخيرًا الصفات التربوية والنماذج الزاكية للأصحاب….تحميل المقال



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*