نظرات في الثقافة العرفانيّة

لمشاهدة التقرير

بين يدي كتاب نظرات في الثقافة العرفانية وفي حضور ومشاركة المقرر والمحقق للكتاب القيم الشيخ حسين الأكرف، ومدير معهد المعارف الحكمية سماحة الشيخ شفيق جرادي، عقد أعضاء منتدى قارئ للشباب (الذي ينظمه معهد المعارف الحكمية) اجتماعه الدوري، يوم الأربعاء في 13 نيسان 2016.

الجلسة التي أدارها الدكتور محمد حمود، شهدت تفاعلًا مميزًا بين أعضاء المنتدى والحضور، وافتتحها الدكتور حمود بإعلان انطلاق اللقاء “في محضر التوحيد والثقافة العرفانية” مشيرًا إلى أن “أفضل ما في هذا الكتاب هو إراءة منهاج واضح سبيله، يرويي ظمأ المتعطش، ويوجه الأبصار والبصائر إلى الحكيم الخميني ومدرسته العرفانية”.

ومن ثم قدّم الشيخ حسين شمس الدين، قراءةً للكتاب مرّ فيها على أهم الأفكار الواردة فيه، مثيرًا من آن لآخر بعض الإشكاليات التي ألقت بنفسها أمامه أثناء القراءة، بدءًا من الباب الأول من الكتاب الذي تعرض فيه الكاتب “ضمن فصلين لبيان حقيقة العرفان النظري، وميزان تقييمه. فعرّف حفظه الله العرفان من جهة منهجه، وأدوات المعرفة المستخدمة فيه، فقال: الحس هو أداة لمعرفة القضايا المادية، أما العقل فهو أداة لمعرفة القضايا التي لا يتحقق منها إلا عن طريق البرهان. وأما الشهود الباطني فهو أداة لمعرفة الحقائق دون واسطة الحس أو العقل. ثم تعرض سماحته –يضيف الشيخ حسين شمس الدين– إلى أن بيان الحقائق العرفانية بعد الشهود إنما يتم بالتوسل بالمفاهيم الذهنية وهنا لا بد من التفريق بين مسألتين:

  • تبيين المسائل العرفانية التصورية
  • تبيين المسائل العرفانية التصديقية

حيث أشار المؤلف إلى أن المعارف التصورية تُبَيَّن على سبيل التشابيه، والكنايات، والاستعارات لقصور اللغة. أما المعارف التصديقية فلم يشر إليها إلا إشارة ضعيفة حيث قال أنها تتمظهر بلباس الأدلة العقلية. وهنا أطرح سؤالًا: هل نقل التصورات العرفانية، ونقل التصديقات يكتسبان القيمة والحكم نفسه؟ ثم أشار المؤلف حفظه الله إلى أن بعض الكشوفات قد تكون شيطانية، وقد يكون الالتباس البياني واقع في البيان أيضًا.

وفي الفصل الثاني –يكمل الشيخ شمس الدين – أشار سماحة آية الله الشيخ الكعبي أنه لا بد للكشف من ميزان، به يتميز الكشف الشيطاني عن الرحماني، محددًا الضوابط بـ: العقل، النقل الصحيح، موافقة الضوابط الفقهية.

وهنا نسأل ما هو المقصود من النقل الصحيح الذي جعله ميزان لصحة الكشوفات؟ هل هو النقل المصحح بطريقة الرجال المعتبرة في الدراسات الفقهية؟ ثم أنه هل يفيد مطابقة المنقول للواقع أم يفيد فقط الحجية في مورد المنجزية والمعذرية؟ وهل غير المتواترات فقهيًا تصلح لتعارض كشفًا عن الواقع أم أنها لا تخبر عن الواقع إلا ظنًا ولكن جعلت لها الحجية شرعًا؟ ثم إن جعل عدم مخالفة الضوابط الفقهية، والنقل الصحيح معيارين لصحة الكشوف وعدمه، هل هما ضابطتان كليتان عامتان؟ كيف ذلك والنقل غير شامل لبيان كل الحقائق؟ والضوابط الفقهية لا شأن لها في بيان الحقائق التكوينية؟

أمّا في الباب الثاني فتعرض الكاتب للقراءات المتعددة لوحدة الوجود حيث عرض ثلاث قراءات أولها وحدة الوجود بمعنى الإحاطة العلمية لله بالأشياء، ثانيها الوصول لمقام الفناء في الله، وثالثها انمحاء جميع الوجودات قبال وجود الله سبحانه. ثم ختم ببيان جميل جدًا ما قد يؤوَّل من معنى وحدة الوجود الشخصي عند ابن عربي.

وفي الباب الثالث وضمن فصلين تكلم آية الله الشيخ الكعبي عن الواسطة في نقل المشاهدات العرفانية، ففي الفصل الأول ومن منطلق أن قيمة ما تنقله النفس من مشاهدات يتوقف على رتبتها الاستعدادية في إرادة الكمال، سعى الكاتب لبيان أقسام النفس الإنسانية، وهي:

  • النفس العالمة التي تكون معرفتها بالوجود الأصيل والرب الجليل كمعرفتها لذاتها.
  • النفس المفطورة وهي المستعدة للكمال، ولكنها تحتاج لمرشد يأخذ بيدها.
  • النفس المستجمعة للقوى النظرية والمستعدة لاكتشاف المعارف والحصوليات.
  • النفس الخالية من الفطرة والعلم وهي المحتاجة للتهذيب لتستيقظ وتصبح جاهزةً لتلقي المعارف.

وفي هذا الفصل أسجل – والكلام للشيخ شمس الدين – تساؤلًا على قول الشيخ حفظه الله: ʼفالمشاهدة بالفطرة أرفع مرتبة ممن يريد الوصول للعرفان العملي عن طريق العرفان النظريʻ، فجعل سماحته بذلك المشاهدة بالفطرة في عرض السير النظري، وهو تساؤل أقف عنده، فهل هناك سلوك عملي أصلًا من دون سبق معرفة نظرية؟ أوليس السالك طريق المعرفة النظرية طريقه العملي أوضح من غير الممتلك لهذه المعرفة؟

والفصل الثاني من هذا الباب، عنونه الشيخ حفظه الله بـ”الرياضة النفسية”، واستهله بفكرة مهمة على المستوى الإبستمولوجي، وهي أن البحث عن أحوال النفس الإنسانية يشكل عاملًا مهمًا للوقوف على الفرق بين المنهج الفلسفي والمنهج العرفاني. ثم ذكر ثلاثة أمور معِينة على تكوين الإرادة.

وفي الباب الرابع، وتحت عنوان: “إرادة السعادة ومحققاتها”، يتعرض الشيخ حفظه الله لشرح موجز لكلام ابن سينا في الإشارات والتنبيهات، في معرض كلامه عن محققات الإرادة الجسمانية والنفسانية.

وفي الباب الخامس يتعرض آية الله الشيخ الكعبي، لخصوص شخصية وكتب محي الدين ابن العربي، فبعد أن يذكر لمحة عن حياته الخاصة يتعرض لإطلالة موجزة لـالفتوحات المكية، وفصوص الحكم، ثم يذكر ملاحظات جديرة بالاهتمام من جهة معارضتها لبعض المسلمات. وهنا أيضا نسجل تساؤلًا وهو: هل أن النتائج الباطلة تضر بالمنهج العلمي المتبع؟ بكلمة أخرى هل بطلان النتائج دال بالضرورة عن بطلان المقدمات التي منها المنهج؟

ثم ينتقل الشيخ حفظه الله في الفصل الثاني، لبيان بعض آراء علماء العرفان والحكمة في محي الدين بن عربي، ومنهم صدر الدين الشيرازي، وآية الله جوادي آملي، والشيخ حسن زاده آملي، ومجموع هؤلاء الأعلام يحاولون أن يثبتوا تشيع ابن عربي داعمين سعيهم بنصوص تثبت ذلك من الفتواحات والفصوص، ولكن يبقى السؤال حول كيف لهذه النصوص أن تثبت تشيعه مع وجود نصوص أخرى معارضة لمذهب أهل البيت؟ اللهم إلا أن يقال كما صرح آية الله الجوادي الآملي في بعض كتبه أن كتب ابن عربي نالها بعض التحريف.

وأمّا في الباب السادس، وضمن ثلاثة فصول، تحدث آية الله الكعبي عن أهم مسائل العرفان النظري، وهي: وحدة الوجود الشخصية، وعمدة البحث تعريفي وإثباتي، أما التعريفي فيذكر فيه معنى الوحدة الشخصية للوجود معتمدًا على التفريق بين المعرفة بالكنه والمعرفة بالواجب، ثم ينتقل إلى طرق إثبات وحدة الوجود الشخصية من دليل كشفي إلى دليل عقلي، وها هنا أقف عند بضعة نقاط في هذا الفصل:

أولًا قال المصنف حفظه الله: ʼفطريق معرفتهم لله تعالى يبدأ منه كعلة ثم تظهر لهم الآثار والمعلولات التي هي في الواقع تجليات لوجود العلةʻ، وهنا محل الشاهد الذي أريد أن أعرض له، فهذا الكلام مخالف للتحقيق في هذا العلم، وشاهد على هذا ما قاله العلامة الطباطبائي في مدخل نهاية الحكمة حيث قال في وصفه للفلسفة الإلهية ومنهجها: ʼفالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين لمية وأما برهان الإن فقد تحقق في كتاب البرهان من المنطق أن السلوك من المعلول إلى العلة لا يفيد يقيناʻ بينما الشيخ قال الطرق الفلسفية تبدأ من إثبات المعلول لإثبات العلة.

والملاحظة الثانية هي في تعداده للبراهين العقلية على وحدة الوجود، حيث قال المصنف: ʼمن الأدلة على وحدة الوجود أن الوجود بديهي التصور فلا يحتاج إلى دليل إثباتʻ، وهذا الكلام يلاحظ عليه من جهتين: الأولى أن الكلام في البرهان حول وحدة الوجود هو كلام حول إثبات وحدة مصداق الوجود والكلام المذكور كدليل هو حول مفهوم الوجود  وليس المصداق. والثانية تعبير أن الوجود تصوره بديهي يلزم منه أنه لا يحتاج إلى دليل هذا كلام أيضًا مخالف للصواب ومباين للصحة. قال المصنف حفظه الله ʼأن الوجود بديهي التصور فلا يحتاج إلى دليلʻ وقد تحقق في كتاب المنطق أن الذي يكون تصوره بديهي لا يحتاج إلى تعريف لا أنه لا يحتاج إلى دليل فالتصور البديهي هو المستغني عن التعريف وليس عن الدليل.

والملاحظة الثالثة في قول المصنف حفظه الله الوجود مساوٍ للوحدة، والحق أن الوجود مساوق للوحدة ومعلوم الفرق بين المساواة والمساوقة.

أمّا الملاحظة الرابعة، فهي في قوله ʼالشهود نافع للمشاهد وليس للغير فلا بد من الرجوع للدليل العقلي في مقام الإثباتʻ وهنا أيضا يبرز تساؤل مفاده: هل الشهود حجة على المشاهد قبل أن يكون حجة على غيره؟ ألا يحتاج المشاهد نفسه للدليل العقلي حيث يمكن للشهود أن يكون تلبيسًا.

وفي الفصل الثاني من هذا الباب تعرض سماحته إلى مفهوم العالم للنظرة العرفانية، حيث فرق في اصطلاحهم بين العالم الصغير والعالم الكبير وذكر خصائص العالم في الرؤية العرفانية. وفي هذا الفصل قال المصنف أن ʼالعالم الكبير هو عالم الأجرامʻ وهو غريب منه حفظه الله لأن هذا هو خلاف ما اصطلح عليه الفلاسفة من كون العالم في اصطلاحهم ليس عالم الأجرام فقط بل هم كل ما سوى الله. ومن الشواهد ما ذكره الملا صدرا في أسفاره حيث قال ʼفالمنقول عليه سوى الله أو المسمى بالعدمʻ، بالإضافة لما ذكر في حاشية السبزواري في كتاب الحكمة المتعالية الجزء السابع الفصل الثامن والثلاثون حيث قال في حاشيته: ʼالعالم هو ما سوى الله سبحانه وتعالى من الماهيات الإمكانيةʻ وليس عالم الأجرام فقط.

وفي الفصل الأخير تعرض سماحة آية الله الشيخ الكعبي، لبيان مسألة العوالم الخمسة في العرفان.

وفي الباب السابع ذكر المصنف ضمن خمسة فصول حقيقة الخلافة والولاية، وذلك اعتمادًا على متنين أساسيين وهما مصباح الخلافة والولاية للإمام الخميني، ورسالة الولاية للعلامة الطباطبائي قدس سره.

 وفي الباب الأخير تعرض المصنف لذكر العرفان النظري والعملي في فكر الإمام الخميني، فذكر أمهات مطالب العرفان التي ظهرت في كلام الإمام كوحدة الوجود، والفيض الأقدس والمقدس، وحقيقة الخلافة المحمدية”.

وبذلك ختم الشيخ حسين شمس الدين مداخلته، لينتقل الحديث بعدها إلى الشيخ محمد بيضون، الذي قدّم ورقة أورد فيها بعض الإشكاليات ليضيفها لماسبق، حيث اعتبر بدايةً بأن “الكتاب يوافق مضمون عنوانه نظرات في الثقافة العرفانية، فالكاتب لم يدعي أنه يقدم مقاربةً كاملةً في موضوع العرفان”. مشيرًا إلى قول كان قد سمعه هو في درس عند سماحة الشيخ شفيق جرادي، وهو قول منقول عن أحد العرفاء ومفاده “ما لي كلما ارتقيت إلى الحق درجة، وجدت ذلك الأعمى قد سبقني بعصاه إليها” في إشارة إلى ابن سينا ومنهجه العقلي. وهنا يضيف الشيخ بيضون “أمام هذه الحالة هل يمكن القول أن الطريق الشهودي للمعرفة هو السبيل الوحيد للمعرفة الشهودية كما صرح الكاتب؟ – ثم يضيف – إشارةٌ أخرى، ذكر الكاتب في الفصل الأول من الباب السادس، في الصفحة 140 ʼفي إطار بيان حقيقة تسبيح الجمادات منتهي إلى القول لهو أعلى مرتبة من أن يكون مسبحًا ذاكرًاʻ، فتبنى التسبيح والذكر في غير معنى التسبيح الذي نعرفه، ثم يتلو مباشرة عنوان قصة تحت عنوان كرامة الإمام الرضا وفي آخر القصة يقول سماحته ʼوإذا بكل شيء يسبح حتى الجدران والماءʻ والسؤال هو هل هناك أي تناقض بدوي بين هذين النصين المتتاليين في هذا الكتاب؟

وفي الباب الخامس من الفصل الثاني، في الصفحة 116، يورد سماحة آية الله الشيخ الكعبي أراءً حول دعوة تشيع إبن عربي، فيذكر عن الشيخ جوادي آملي أدلةً على تشيعه، وإذا أردنا أن نلاحق هذه الأدلة، يمكننا أن نعنونها بالتالي:

  • ولاية الإمام المهدي (عج) أو القول بولادته.
  • اعتبار البسملة جزء من القرآن.
  • القول بأفقهية الإمام علي (ع).
  • ذكر الأئمة (ع).
  • أفضلية الإمام علي (ع).
  • بيان نسب الإمام سلام الله تعالى عليه وعجل الله فرجه الشرف.

و السؤال هو هل في هذه العناوين خروج عن مذهب أهل السنة ودخول في مذهب التشيع؟ أم أنها أصلًا محل نزاع واختلاف بين علماء أهل السنة؟”.

وبعد هذه المداخلة كان الكلام لسماحة الشيخ شفيق جرادي، الذي أوضح أن الكتاب الموضوع بين يدي المتحاورين “كان عبارة عن مجموعة من الدروس التي ألقيت من قبل الشيخ عباس الكعبي، فقررها وحوّلها لمتن متكامل الشيخ حسين الأكرف. الذي وضع هذه الأوراق بين يدي لإبداء الرأي وأنا طلبت منه حينها أن يوافق على طباعة الكتاب لدى دار المعارف الحكمية ووافق هو على ذلك.

أما أسباب رغبتنا في المعهد بطباعة هذا الكتاب – يقول الشيخ شفيق جرادي – فلأن هذا الكتاب هو من المحاولات النادرة التي يقدم فيها العرفان كثقافة، ولأنه قدم مجموعة من الإشارات لمضامين يطويها العرفان كعلم، ويمكن لأي مثقف أن يطلع عليها ويستفيد منها، وأخيرًا لأن في هذا الكتاب شيء من التجربة أكثر من محاولة نقل من كتب قديمة، فهو من الكتب القليلة جدًا التي استطاعت أن تنقل معرفتنا بالعرفان كثقافة، مع حفاظ النص على الجانب العلمي، ولكن من خلال صياغة جميلة ورائعة، ولذا يشرفني كثيرًا في معهد المعارف الحكمية أن نكون الجهة الرسمية التي طبعت هذا الكتاب”.

ومن ثمّ تحدّث الشيخ حسين الأكرف، وبعد أن شكر معهد المعارف الحكمية، والإخوة الحاضرين في منتدى قارئ، أوضح بأن سماحة الشيخ عباس الكعبي، “أراد من هذا الكتاب أن يكشف الوجه التلبيسي في العرفان، ويقدم رؤية سلسة لمنهج الإمام الخميني العرفاني”، وتعهد بنقل كل الملاحظات التي وردت وسترد في هذه الجلسة إلى سماحة آية الله الشيخ عباس الكعبي.

وهنا أورد المشاركون مجموعة من الأسئلة والإشكالات أتت على الشكل التالي:

  • يختلف كبار العلماء فيما بينهم حول العرفان، فيقول بعضهم بأنّ كل ما ليس من أهل البيت هو باطل؟ وهل حديث أهل البيت عن الله وصفاته هي غير العرفان حتى يقبله بعض العلماء ويرفضه آخرين؟
  • هل تدعون لاعتماد المتون النظرية لعلم العرفان بعد كتابتها بطريقة منهجية؟ ولماذا تقدم دائمًا الرؤية الكلامية والعقائدية على العرفان في المدارس الدينية والثقافية؟
  • هل دافع الإمام الخميني عن الحلاج؟ وكيف يجب أن تكون نظرتنا للمتصوفة؟
  • بين حكمة الفرس واليونان والتصوف السني والعرفان الشيعي مشتركات كثيرة، هل هذا يعني أن كل من قارب الموضوع قارب الحقيقة بلغته وثقافته؟ وكيف تفسرون مواطن الاتفاق والافتراق؟

وهنا عاد سماحة الشيخ شفيق جرادي ليجيب على هذه الأسئلة، فأفاد بأنّ “الكتاب فعليًا يمكن تقسيمه لقسمين، يغلب على قسمه الأول الطابع التعليمي البحت، وهو يمتد من أول الكتاب وصولًا إلى الإشكالات التي بدأ يطرحها حول ابن عربي، أما القسم الثاني، فهو القسم الإشكالي الذي يتناول فيه موضوعات مثل ʼوحدة الوجودʻ، ʼالسعادةʻ، ʼالولايةʻ”.

وأضاف فيما يتعلق بمدرسة الشيخ الكعبي العرفانية (المدرسة الخمينية) بأنّ “الدارس لمسار الإمام الخميني العرفاني، عليه أن يميز بين مرحلتين مر بهما الإمام قدس سره، المرحلة الأولى، وهي المرحلة التعليمية: حيث كان يتلقى علومه العرفانية، وإن كان من أصحاب الرأي العرفاني حينها، وشهدت هذه المرحلة إنتاج العديد من كتبه العرفانية، ولكن المدرسة العرفانية الخمينية لم تتجلى بشكل واضح وصريح إلا في المرحلة الثانية، والتي تحول العرفان فيها إلى حياة، فأصبح من الممكن له أن يقيم سلطة، ويدير الدولة، بات عرفان المجتمع، وليس الفرد، فالإمام الخميني في مرحلة الولاية الفعلية له، أبدى لنا وجهًا هو أقرب ما يكون من العرفان بمعناه المحمدي والعلوي والمهدوي. وهنا نحن في حاجة لتبيان أكثر وضوحًا لمعالم هذه المدرسة.

أما عن السؤال حول الموقف من الحلاج وأقطاب الصوفية، فعلينا أن نميز ما بين أن تمدح أحد ما وأن تتبنى مشروعه. وعن السؤال حول العقائد فأنا يمكن أن أقول بأن أفضل طريق قدمت فيها العقائد هو العرفان، وهنا أقول أن مدرسة العلامة الطباطبائي التي أسميت بالصدرائية الجديدة، استفادت من هذا المخزون المزاوج بين العرفان والعقائد. وأما حول الخلاف بين العلماء فيما خص العرفان، فالأصل في الاختلاف هو أن يغني المطلب، والاختلاف طالما هو لم يصل لمرحلة التكفير فهو دليل صحة وغنى.

وأخيرًا أود أن أذكر أمرًا من المهم توضيحه – والكلام لسماحة الشيخ جرادي – يمتاز بعض الأقوام عادةً، بميزة تجعل لهم فارقًا عن غيرهم، كسمة المحبة عند المسيحيين على سبيل المثال، وإذا ما سألنا عن ميزة الشيعة، فهي القدرة على المرونة، وهي المقتبسة من رحمانية الله، وذلك لأن الشيعة كانوا تاريخيًا خارج السلطة وتعلموا كيف يندمجون مع سلطة لا يتفقون معها، وعلمهم أهل البيت سلام الله عليهم أن يحاوروا الدهريين ويصاحبوهم، وواحدة من الدلائل على هذه المرونة هي مسائل العرفان. فالعرفان يحمل شيئا من الهندوسية، وشيئًا من الفارسية القديمة، وشيئًا من الأفلاطونية، وشيئًا من الغنوصية، وشيئًا مما أنتجه الشيعة. وذلك لأن الشيعة ذهبوا في الاعتقاد بأصالة الإنسان الذي في فطرته لا يمكن أن يخرج منه إلا ما هو صحيح لو خلي ونفسه، العرفان هو عبارة عن هذا اللقاء مع الله بطريقة فطرية صافية.

من هنا عندما يتبنى الإمام الخميني محي الدين بن عربي فلأنه يحمل قيمة عالية فيما قاله، و لأن ابن عربي أكثر من تحدث عن الولاية بمعنى الحقيقة المحمدية”.

          وكان الختام مع سماحة الشيخ حسين الأكرف، الذي روى قصةً عن حادثة قديمة جمعته، بالشيخ عباس القوشاني، العالم الرباني، وتلميذ العلامة القاضي، وآية الله السيد عبد الأعلى السبزواري، وكانت معهما إطلالته الأولى على عالم العرفان، والطريق إلى الله، ومن هناك بدأ سيره إلى الله.

          وبذلك ختم الدكتور محمد حمود اللقاء الفكري الحواري، بعد أن أعلن بأن الملتقى في شهر أيار سيكون مع كتاب أخلاقيات العلم عند الإمام الخامنئي، بحضور ومشاركة مؤلفه الدكتور عبد الله زيعور.


2 تعليقان

أكتب تعليقًا
  1. Ya_mahdi
    Ya_mahdi 26 أبريل, 2016, 15:09

    السلام عليكم.. جزاكم الله خير الجزاء أحبتي.. أرجوا تعديل صوت فيديو مناقشة كتاب نظرات في الثقافة العرفانية فالصوت متأخر جداً عن الصورة.. وفقكم الله و بارك وجودكم و عطائكم

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*