فلسفة الدين

فلسفة الدين

لشراء الكتاب 

تحميل التمهيد

تحميل القهرس

مقدّمة

ما هي فلسفة الدين؟

ما هي فلسفة الدين؟ فُهم التفلسف الديني في السابق بمعنى الدفاع عن المعتقدات الدينية، وظهر كمكمّل للاهوت “الطبيعي” الذي يتميَّز عن اللاهوت “الوحياني(1)“، من حيث اعتماده المنهج العقلي في الاستدلال على وجود الإله. وهو بهذا قد مهّد الطريق لدعاوى الوحي. وخيرٌ لنا تسمية هذه المحاولة بـ”اللاهوت العقلي”، وتسمية الدفاع الفلسفي عن العقائد الدينية “apologetics” “علم الدفاع عن العقائد الدينية”، والاحتفاظ باسم “فلسفة الدين” لما تعنيه بالضبط؛ أي التفكير الفلسفي حول الدين، (تشبيهاً بفلسفة العلم، وفلسفة الفن…). فلسفة الدين إذاً، ليست جزءًا من التعاليم الدينية، ولا ينبغي أن تعالج من وجهة نظر دينية. فالملحد والمشكّك والمؤمن جميعهم يستطيعون التفلسف حول الدين. وعليه، ليست فلسفة الدين فرعاً من فروع اللاهوت (نقصد “باللاهوت” الصياغة المنهجية للاعتقادات الدينية)، بل هي فرع من فروع الفلسفة؛ يدرس المفاهيم والمنظومات الاعتقادية الدينية، كما يدرس ظاهرة التجربة الدينية القبلية، وأعمال العبادة والتأمُّل التي ترتكز عليها وتنشأ منها هذه المنظومات الاعتقادية. هكذا تكون فلسفة الدين نظاماً ثانوياً من الأعمال، منفصلاً عن مسائل موضوعة، وهي لا تشكّل جزءًًا من المنظومة الدِّينية رغم ارتباطها بها، كارتباط فلسفة القانون بالظاهرة التشريعية والمفاهيم القضائية وطرق التفكير؛ وكارتباط فلسفة الفن بالظاهرة الفنية، وموضوعات الجمال على اختلافها.

 إذاً، ترتبط فلسفة الدين بالأديان الخاصة، وباتجاهات اللاهوت العالمية، كما ترتبط فلسفة العلم بالعلوم الخاصة. وهي تسعى لتحليل المفاهيم الدينية، كمفهوم الإله، ودارما وبراهمن، ومفاهيم الخلاص، والعبادة، والخلق، والتضحية، والنيرفانا، والحياة الأبدية… إلخ، وتحاول تحديد طبيعة التعابير الدينية وتقارنها بالتعابير المستعملة في الحياة اليومية، والاكتشافات العلمية، والأخلاق، والتعابير الفنِّية الخيالية.

ماهو الدين؟

هناك عدد من التعريفات المختلفة للدين، منها ما هو ظاهراتي يحاول عرض ما هو مشترك بين أشكال الأديان المعروفة، مثل: “الدين اعتراف بشري بوجود قوة فوق بشرية مسيطرة، هي الإله أو الآلهة الذين يستحقّون الطاعة والعبادة”Concise Oxford Dictionary)). ومنها ما هو تأويلي، وسيكولوجي مثل “الدين عبارة عن إحساسات وأعمال وتجارب البشر في العزلة حين يشعرون بالارتباط بشيئ يعتبرونه إلهاً” (وليام جيمس). وهناك تعاريف سوسيولوجية للدين مثل: “الدين مجموعة اعتقادات، وممارسات، ومؤسسات اجتماعية طوّرها البشر في مجتمعات مختلفة” تالكوت بارسونز(Talcott parsons) ويعرّفه آخرون، – كالطبيعيين-، بأنه “مجموعة وساوس وشكوك تعيق ممارسة الأعمال بحرّية” (SalamonReinach سالمون ريناخ) أو بشكل أكثر تعاطفاً: “الدين هو القيم الأخلاقية التي تعالت واشتعلت بالمشاعر” (ماثيو أرنولد Mathew Arnold) وهناك طبعاً تعاريف دينية للدين مثل: “الدين هو الاعتراف بأن كل الأشياء هي مظاهر لقوّة لا نستطيع إدراكها”. (Herbert spencer)، أو “الدين استجابة الإنسانية للألوهة”.

إلا أن هذه التعريفات مشروطة؛ لأنها تقرّر كيف تستعمل المصطلح وتفرضه بشكل تعريف. وربما كان ثمة وجهة نظر أكثر مرونة تنفي أن يكون لكلمة “دين” معنى واحد، من باب أن الظواهر المختلفة التي تندرج ضمنها تتعلّق بها بالطريقة التي يشبِّهها الفيلسوف لويدفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein بالعائلة؛ مستخدماً مثلاً خاصاً على ذلك كلمة “لعبة”، فأنت لا تستطيع أن تعرّف اللعب بأنه ما يُؤدّى للتسلية (لأن بعض الألعاب يُلعب للكسب)، أو للتنافس (فبعضها يكون تمثيلياً) أو ما يتطلّب مهارة (لأن بعضها يتعلق بالحظ)، فهي بالفعل لايمكن أن تُنظر من جهة واحدة.

 تعتمد هذه الأنواع المتداخلة من الألعاب، في خصائصها على أنواع أخرى تتداخل بدورها وبطريقة أخرى مع أنواع أخرى، والتشكيلة التي تتفرّع عنها تترابط في شبكة معقّدة من التشابهات والاختلافات كتلك التي تظهر في العائلة(2)، ويمكن تطبيق فكرة فتغنشتاين Wettgenstein على كلمة “دين”، إذ ربَّما لا توجد خصائص موحّدة لشيء يسمى: “الدين”، بل “عائلة من المتشابهات”. ففي كثير من الأديان توجد عبادة الإله أو الآلهة، ولكن في النيرفانا والبوذية مثلاً لا يوجد مثل هذا الأمر. وغالباً ما يدعو الدين إلى اللُّحمة الاجتماعية، بينما نجد في أحيان أخرى ميلاً للخصوصية مثل: “ما يفعله الإنسان في عزلته” (A. N. Whithead). وأحياناً يعبِّر الدين عن انسجام داخلي للفرد، إلا أن بعض دعاة الأديان العظام يبدون لمعاصريهم مختلِّي التوازن وحتى مجانين. وهذا النوع من التشابه العائلي، يوجد إلى جانب الفروق الموجودة بين الأديان الكبرى من جهة، وفي الاعتقادات غير الدينية من جهة أخرى، كالماركسية التي لها مثالها الأخروي وهو المجتمع اللاطبقي، ومبدؤها في الحتمية التاريخية، وكتبها، وأنبياؤها، وقدِّيسوها وشهداؤها. وهي في بعض مظاهرها تبدو كشريك ضمن عائلة الأديان، رغم نقضها لبعض، وربما أكثر المقوّمات المركزية للدين. فمسألة اعتبار حركة ما دينية لا يعنى أن يكون لها كل مقوِّمات الدين، بل إنها مسألة موقع في شبكة واسعة الأرجاء من التشابهات والاختلافات.

يوجد في هذه المجموعة المتشعّبة من التشابهات العائلية ميزة منتشرة انتشاراً واسعاً لكنها ليست شاملة، تتعلَّق بما يسمَّى “خلاصاً” أو “حرّية”. وهذه الميزة ليست ميزة الدين “البدائي” أو “المهجور” الذي لا يُعنى سوى بالحفاظ على الأمور في مستوى متوازن تجنباً للكوارث، بل ميزة جميع الأديان، فلكل دين في العالم بنية خلاصية، حيث يدعو للانتقال من وضع مذموم إلى وضع أفضل بما لا يقاس، ويتكلّم بطرق مختلفة عن الخصائص المشوّهة والخاطئة أو المخادعة للوجود الإنساني في حالته العادية، ويعتبر الحياة “حطاماً” إذا عيشت بمعزل عن الإله، أو يعتبرها جزءًا من عالم المايا الوهمي، ويعلن كما في مبادئه الموجودة في كتبه، أن المطلق والحقيقي والمقدَّس الذي صدر عنه وجودنا الحالي؛  هو خيِّر ومنعم، ويمكن البحث عنه والاستجابة له، فهو حقيقة مطلقة وقيمة مطلقة.

وبإكمالها للبنية الخلاصية تعرض عائلة المتشابهات طرقها الخاصة إلى المطلق – من خلال الإيمان والاستجابة للنعمة المقدَّسة، أو من خلال وهب النفس كليّاً للإله، أو من خلال انضباط ونضوج روحي يؤدي إلى الحرية والتنوير. وفي كل حالة يتشكّل الخلاص أو الحرية من نوعية وجود جديدة وفضلى، تنشأ نتيجة للتحوُّل من مركزية الذات إلى مركزية الواقع.

اتّبعت في هذه الدراسة النظريات التقليدية في الأديان بوصفها كيانات محدَّدة بوضوح- المسيحية والهندوسية والبوذية وغيرها… إلا أنَّ الصورة أكثر تعقيداً من هذا.

سأركّز البحث الآن على مفهوم الإله في اليهودية والمسيحية السابقتين للحضارة الغربية، التي لا تزال تشكّل الخيار الديني الأساس في ثقافتنا. والمهمّ أن نرى كيف يمكن تطبيق المناهج الفلسفية المعاصرة على الأفكار الموجودة في التقاليد الدينية المختلفة تماماً. ثم ندرس نموذجاً يتعلَّق بالعقيدة الهندية في التناسخ. ومن الضروري – في “العالم الواحد” الذي نعيش فيه- مواجهة مشكلة ادعاءات حصرية الحقيقة الظاهرة التعارض في الأديان المختلفة، المسألة التي تشكِّل اليوم أحد النقاط الأساسية الكبرى في فلسفة الدين (وهذا ما سنتطرّق له في الفصل التاسع).

(1) هذه العبارات مفسّرة ص 57- 58.

(2) Philosophical Investigations, 2nd ed. Trans. G.E.M. Anscombe (Oxford: Basic Black well & Mott Ltd 1958), pp. 66/37.

جون هيك

جون هيك

ولد في كانون الثاني 1922، أستاذ في علم اللاهوت، وفلسفة الدين. حاز على شهادة الحقوق من جامعة "هل"، وعمل كأستاذ فخري لفلسفة الدين في جامعة كليرمونت للخريجين في كاليفورنيا، وأستاذ الثيولوجيا الفخري في جامعة برمنجهام، ودرّس في جامعتي كورنل وبرينستون. كما شغل منصب نائب رئيس الجمعية البريطانية لفلسفة الدين ونائب رئيس الكونغرس العالمي للأديان. من أهم مؤلفاته فلسفة الدين. • Faith and Knowledge. • Evil and the God of Love. • Death and the Eternal Life. • An Interpretation of Religion. • The Metaphor of God Incarnate.


تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. احمد
    احمد 14 فبراير, 2017, 20:17

    شكرا لكم وهدانا الله واياكم … التعددية الدينية حاجة ملحة …. فهل ينصرها الدليل ام يخزلها؟؟؟؟؟؟

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*