السيادة الشعبيّة الدينيّة، الجمهوريّة الإسلاميّة

السيادة الشعبيّة الدينيّة، الجمهوريّة الإسلاميّة

ترجمة فاطمة شوربا

اليوم، ومع قيام الدولة الدينيّة في إيران، انصبّ سعي البعض على اتّهام الجمهوريّة الإسلاميّة بإضعاف الجمهوريّة في مقابل تقوية إسلاميّتها، من خلال التمسّك بذلك التعارض نفسه بين حقّ الحاكميّة الكنسيّة وحقّ السيادة الشعبيّة، والبعض أيضًا، عن علم، ومن خلال الحفاظ على معاني المشروعيّة الإلهيّة والمقبوليّة الشعبيّة وحقّانيّتها، يصل إلى تلك النتيجة نفسها والتي هي هدف المجموعة الأولى[1]. وبهذا، يجعل الولاية المطلقة للفقيه في مقابل حقّ السيادة الشعبيّة، ويفسّرونها في هذا المجال ويؤوّلونها وكأنّها مصداق للحكومة الاستبداديّة.

إنّ الحكم بأنّ الجمهوريّة والإسلاميّة، وجهان مستقلّان وأساسيّان للجمهوريّة الإسلاميّة، أو أنّ الأصالة هي للإسلاميّة أو للجمهوريّة، هو من الأبحاث المعمّقة جدًّا. فما هو مسلَّم ومؤكَّد أنّ إطلاق الجمهوريّة الإسلاميّة على نظام نابع من الثورة الإسلاميّة يجعلها، من الناحية العلميّة، متمايزة ومختلفة عن الأنظمة العالميّة الأخرى، سواءً الأنظمة الثيوقراطيّة أو الديمقراطيّة. فلدستور هذا النظام أيضًا تبعًا لماهيّته، وكما هو ظاهر من عنوانه وصفان: الأوّل أنّه موصوف بوصف الجمهوريّة، والثاني بوصف الإسلاميّة. الآن يُطرح السؤال التالي: ما هي مكانة كلّ واحدة منها ونطاقها ومجالها، وهل الأولويّة للجمهوريّة أو للإسلاميّة؟ وبعبارة أخرى، مَن الذي يغطّي نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، حاكميّة الله أم حاكميّة الشعب؟

يرى بعضهم أنّ الاعتقاد بأصالة الوجهَين: الجمهوريّة والإسلاميّة، غير ممكن على الإطلاق. أي لا يمكن الاعتقاد بنحوٍ متساوق بحاكميّة الشعب وحاكميّة الإسلام. ويرى هؤلاء أنّ هذان الوجهان أو الركنان، لا يمكنهما أن يكونا جنبًا إلى جنب وبعرض بعضهما، ذلك أنّ الاعتقاد بتساوي الجمهوريّة والإسلاميّة وتوازيهما، بناءً على هذه الرؤية، يؤدّي إلى إيجاد الثنائيّة الذاتيّة في السلطة ومشروعيّتها. لكن من ناحية أخرى، نجد بما لا يقبل الشكّ تجلّي الثنائيّة في دستور جمهوريّة إيران الإسلاميّة وفي السيرة العمليّة لإدارة أمور البلاد مشهود[2].

إنّ السلطة النابعة من جمهوريّة النظام تتجلّى، وفي مختلف الأصعدة، في إدارة البلاد في انتخابات مجلس خبراء القيادة، ورئاسة الجمهوريّة، ومجلس الشورى الإسلاميّ، والمجالس المحلّيّة البلديّة، في حال أنّ السلطة النابعة من إسلاميّة النظام تتجلّى في مقام ولاية الأمر والمؤسّسات الناشئة عنها، من جملتها مجلس أمناء الدستور.

فعنصر الجمهوريّة يتجلّى في المؤسّسات المدنيّة، من جملتها الأحزاب والهيئات الاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والسياسيّة والمطبوعات. أمّا عنصر الإسلاميّة أو ولاية الفقيه، فيتجلّى في أصحاب الاختصاص بالمعرفة الدينيّة الإسلاميّة أي الفقهاء ورجال الدين والحوزات العلميّة.

إنّ مشروعيّة عنوان الجمهوريّة في النظام يعتمد على أساس الاستنباط الحاصل من آيات القرآن الكريم، والسيرة النبويّة وسيرة الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وأعلام الدين. ومن الممكن أن تتوافق آراء عامّة الشعب مع مضمون الشرع المقدّس، ولكن حتمًا، ليس كلّ ما يريده الناس يتوافق مع الإسلام وهذا تعبير آخر عن عدم الترابط الحتميّ بين عنصرَي الجمهوريّة والإسلاميّة.

لقد مرّ عقدان على تأسيس هذا النظام، حديث العهد، والجمهوريّة الإسلاميّة تحقّق يومًا بعد يوم الاستمرار والواقعيّة في نهجها الأوّل ذاك. إنّه لمن الضروريّ، بالالتفات إلى تجربة الاثنين والعشرين عامًا هذه، والوقائع الحقوقيّة والخارجيّة فيها، أن تُقدّم نظريّة جديدة للنظام وتحدّد مكانة الدين والشعب، أو بعبارة أخرى الجمهوريّة والإسلاميّة في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

وسنحاول في هذه المقالة أن نتقصّى من خلال البحث في هذه النظريّات الثلاثة: السيادة الإلهيّة، والسيادة الشعبيّة، وسيادة من يمتلك الأهليّة، ونسعى لبيان مكانة كلّ منها في القرآن، وفي آراء الإمام والدستور، ونبيّن المكانة المناسبة لهذه الظاهرة الجديدة بين أنواع الحكومات والنُّظم السياسيّة المعروفة.

ففضلًا عن عدم وجود أيّ تضادّ بين أصلَي الإسلاميّة والجمهوريّة، ومع أنّ رسالتهما ووظيفتهما مختلفة، فإنّهما في طول بعضهما البعض، ففي الوقت عينه الذي تكون فيه الحاكميّة لله، يكون تحقّق مثل تلك الحاكميّة ومقبوليّة النظام وقوّته بيد الشعب.

[1] إحدى الأمور الموجبة للانحراف وبروز التعارض والتناقض في البحوث المتعلّقة بجمهوريّة النظام وإسلاميّته، هو استخدام مصطلح المشروعيّة في مقابل الكلمة اللاتينيّة Legitimacy، في حال أنّ المعنى الأصليّ لها في اللغة هو “القانوني والمُجاز” لا “المشروع”. “المشروع” عبارة عن الأمر المعروف في الشريعة الدينيّة بأنّه مُجاز.

[2] صنيعي فرد، محمّد علي، “الواو المنطقيّة بين الجمهوريّة والإسلاميّة”، مجموعة المقالات، الصفحة 534  تحميل البحث



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*