فلسفة الأخلاق الماهية، الضرورة، الأهداف (4)

فلسفة الأخلاق الماهية، الضرورة، الأهداف (4)

فلسفة الأخلاق وقيام نظرية أخلاقية

في ظلّ النزعة الفردية المغالية التي يتّسم بها عصرنا هل يمكن قيام فلسفة أخلاقية ونظرية شمولية في الأخلاق، وفي ظلّ ما يوسم به عصرنا (عصر ما بعد الحداثة) أنه عصر زوال الشموليات وتفكّك الأيديولوجيات والخطابات الكبرى؟ الفردية التي أتاحت للفرد أن يتميّز عن الجماعة ليكون هو القيمة العُليا، هل يبقى تحت ظلّها معنى للحديث عن أخلاق تفلسف للطبيعة البشرية؟

لقد دعت هذه المعطيات جاكلين روس([1]) إلى توصيف عصرنا بعصر الفراغ الأخلاقي النظري([2]).

وفي الواقع إن ليفني بريل (1857- 1939م) قد طرح في زمان سابق على ذلك مجموعة من الحجج ضد الدرس النظري للأخلاق، ففي كتابه (الأخلاق وعلم الآيين))[3]) الصادر سنة (1902م) هاجم دعاوى الأخلاق النظرية وأسس قيامها، وصار إلى ضرورة دراسة قواعد السلوك الأخلاقي بوصفها وقائع قائمة بالفعل في عالم السلوك، دراسةً تجريبية بالمفهوم الاجتماعي الأنثروبولوجي. وخلص إلى رفض الأخلاق النظرية وطرحها واستبدالها بعلم العادات والرسوم والتقاليد والأعراف (الآيين)، بمعنى أننا بدلاً من أن نذهب صوب وضع نظرية في الأخلاق بواسطة التصورات العقلية بشكل مجرد كما تشتغل عليه مذاهب فلسفة الأخلاق، لا بد لنا من التوجّه إلى دراسة الواقع الاجتماعي، وتحليل ماضي المجتمعات البشرية والكشف عن القوانين والروابط التي تحكم ظواهر المجتمع البشرية، وبفضل هذه الممارسة التحليلية للواقع الاجتماعي سوف يتبيّن لنا أن القواعد الأخلاقية والحقوق والالتزامات الخلقية، عبارة عن مجموعة وقائع، وأن الضمير الأخلاقي للإنسان والمجتمعات، مؤلف من جملة عادات وأعراف، أي من وقائع اجتماعية!

إن النتيجة التي يريد بريل الوصول إليها تتمثل في أن الأخلاق من جملة الوقائع، ومن ثمَّ لابد من دراستها بوصفها وقائع بواسطة المنهج المستعمل في دراسة ظواهر الطبيعة، أي المنهج الأمبريقي التجريبي. وبدهي أن دراسة الأخلاق بوصفها وقائع تعني أن مهمة (علم الآيين) تتمثّل في تحصيل المعرفة بالوقائع الأخلاقية بوصفها معطيات حالها حال دراسة الفيزيائي، ولا تتمثّل في وضع قواعد تحدد السلوك البشرية فيما ينبغي وما لا ينبغي فعله.

أما حجج بريل في رفض الاتجاه النظري العقلي في درس الأخلاق، فهي كما نقلها لنا الدكتور عبد الرحمن بدوي([4])، ثلاثة:

الأولى: يقيمها على أساس قاعدة استحالة وضع نظرية لما يجب أن يكون انطلاقاً مما هو كائن، ذلك أن الأحكام الأخلاقية أحكام معيارية تقرر ما ينبغي فعله وما لا ينبغي وليست وصفية، والحال أن النظرية بطبيعتها توصيفية لما هو كائن ولا تصدر أحكاماً لما ينبغي أن يكون.

الثانية: إن قيام فلسفة أخلاقية نظرية تعني أننا نصادر على وحدة الطبيعة الإنسانية في كل زمان ومكان، وبذلك نغفل عن اختلاف الطبيعة بين الشعوب، وهو أمر تؤكده دراسات علم الأنثروبولوجيا.

الثالثة: إن نظريات الأخلاق تفترض سلفاً أن الواجبات الأخلاقية متسقة وتعيش بسلام ومنسجمة مع بعضها. ولكن الواقع يؤكد لنا أن ثمة تنازعاً بين الواجبات بعضها وبعض، وبين المطامح الإنسانية بعضها مع بعض، فالواجبات الفردية في تصارع مع الواجبات الاجتماعية بأبعادها الأسرية والسياسية.

ولكن يمكن أن يسجل على هذه الحجج:

أما الحجة الأولى، فلا تعني قاعدة استحالة الانتقال من الواقع إلى الواجب أو العكس استحالة وصف الواجب وتفسيره وتحليله، بشهادة أن ليفي بريل نفسه قد وصف الواجب بأنه معياري ولا يمكن توصيفه! وإنما تعني تلك القاعدة استحالة الاستنتاج المنطقي فحسب. بمعنى أن كل استدلال تكون نتيجته متضمنةً لوجوب أخلاقي وعملي مستنداً لمقدمات لا تتضمن مثل ذلك الوجوب، هو استدلال غير صحيح منطقياً، فهناك استحالة منطقية في الانتقال من أحكام الواقع لأحكام الواجب، فأحكام الواجب وما ينبغي فعله لا تستنتج منطقياً من أحكام الواقع، سواء كان الواقع بيولوجياً أم اجتماعياً أم نفسياً أم ميتافيزيقياً، فلا يمكننا استنتاج وجوب دفع الضرر من مقدمة تقول إن الإنسان بطبيعته يهرب غريزياً من الضرر، ولا يمكننا القول يجب تحصيل السعادة لأن الإنسان بطبيعته يميل لتحصيل ما يسعده. إن هذا النحو من الاستدلال كان قد ندد به من قبل ديفيد هيوم وجورج مور الذي عبّر عنه بالسفسطة الطبيعانية، ومن حكماء المسلمين المعاصرين رفضه العلامة محمد حسين الطباطبائي. وأما التوصيف والتحليل لما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله في ظل النظرية الأخلاقية، فهو لا يتضمن استنتاج أحكام الواجب من أحكام وقائعية.

وهكذا الحال في الحجة الثانية، فغاية ما تتطلبه فلسفة الأخلاق وجود قاسم مشترك بين بني الإنسان، وهذا القاسم المشترك أمر تؤكده أبحاث علوم النفس والاجتماع برغم ما تؤكده في الوقت ذاته من اختلاف وتنوع. ومن ثم فقيام فلسفة الأخلاق النظرية لا يتطلب الحد الأعلى من وحدة الطبيعة البشرية (الوحدة المطلقة)، وإنما يتطلب وجود قاسم مشترك فحسب، ولا شك بوجوده، وأبرز شاهد على ذلك التقنينات والتشريعات الأمميّة.

وهذا أمر حري بالبحث والدراسة، سيما في أيامنا هذه التي تشهد دعوات وإثارات تسِم الأخلاقيات الدينية والتشريعات الإلهية بأنها لا تتناسب والطبيعة البشرية، أو أنها شرّعت لطبيعة مختلفة سابقة ولا تنسجم مع طبيعتنا المعاصرة!

وفي الواقع إننا أمام مفهوم ملتبس وغامض وفضفاض، إذ لا يوجد اتفاق بين أرباب الفكر وقادة الرأي بشأن المراد من الطبيعة البشرية، فهل يراد بها الإشارة إلى الجانب الروحي المجرد للإنسان المعبّر عنه في الفلسفة الأرسطية بالنفس الناطقة بمختلف قواها؟ أم يراد به الإشارة للكل المؤلف من الميول والغرائز والأوضاع الثقافية والتربوية التي تشكل شخصية الفرد، والتي تخضع للتربية والعوامل المحيطة بالفرد، ومن ثمَّ تسهم في خلق شخصيّة وطبيعة متميّعة ومتطرّفة في الرقّة أو متحجّرة متطرّفة في الشدّة والخشونة؟

إننا لا ننكر أن هناك جانباً من طبيعة الإنسان ومزاجه النفسي خاضع للتغيّر، ولكن هل يمثل ذلك الجانب كل الطبيعة البشرية بحيث يمنع من وضع قوانين وتشريعات تستهدف الطبيعة البشرية بما هي في جانبها المشترك؟ ما لم يتم الوصول إلى شبه تحديد للمراد من الطبيعة البشرية فلا يمكن القفز على ذلك واتخاذ تغيّر الطبيعة مقدمة مُصادَر عليها لرفض تشريعات معينة بحجة مناهضتها للطبيعة البشرية!

لقد كانت الماركسية ترفض فكرة ثبات الطبيعة البشرية، وترى أن لكل حقبة تاريخية طبيعة بشرية تختلف عن مثيلاتها من الطبائع لدى غيرها من الحقب، فالطبيعة البشرية وفق المفهوم الماركسي، في صميمها متحولة متغيّرة متقلّبة لا تعرف الثبات، وهي دوماً في تطوّر وترقّي وزوال! ذلك أن الماركسية تعتقد أن الطبيعة البشرية في كل عصر من العصور إنما تعكس المميزات الخاصة التي يتسم بها التنظيم الاجتماعي السائد، فالإنسان في الماركسية حيوان لا يمكنه أن يترقّى ويصبح فرداً إنسانياً إلا في ظل الاجتماع، فمن خلال الوجود في المجتمع، وبواسطة العلاقات التي تحكم ذلك المجتمع، تتكون أفكاره وعاداته وتقاليده وتصوراته([5]).

ولو تجاوزنا النقاش الفلسفي للفكرة الماركسية، فإن هذه النظرة للطبيعة البشرية تأخذ بالحسبان، أن الطبيعة هي الكل المؤلف من الأوضاع الثقافية والتربوية والاجتماعية التي تشكّل شخصية الفرد في ظل الاجتماع، ومن ثمَّ فمثل هذه الطبيعة خاضعة للتربية والعوامل المحيطة التي تسهم في تغير الطبيعة وتطرّفها افراطاً وتفريطاً.

لكن السؤال الأساس هل طبيعة الإنسان وماهيته تتوقف على الميدان الاجتماعي بحيث لا يحق لنا القول بوجود طبيعة بشرية بمجموعة من الخصائص والمميزات قبل تشكل الاجتماع؟ وهل يراد من الطبيعة التي على أساسها رفض بريل قيام فلسفة خلقية نظرية هو نفس المعنى المشار إليه في المقولة الماركسية، وهل القول إن بعض التشريعات الدينية لا تنسجم مع طبيعة الإنسان يراد به الإشارة لهذه الطبيعة؟

هذا بدوره يعود بنا إلى ما قلناه آنفاً من أن مفهوم الطبيعة البشرية ملتبس وغامض وليس ثمة تحديد متقف عليه للمراد منه، ومن ثمَّ فإن اتخاذه مصادرة للتأسيس عليه يدخلنا في متاهات متتالية، واحدة منها أنه يقودنا لنسبية أخلاقية ضحلة أصبح رفضها من سمات العصر!

منطقياً لا يمكننا القول عن شيء نعرفه ونتعامل معه على أساس مجموعة خصائص أن لا طبيعة له، أو أن طبيعته في تغيّر مستمر. نعم؛ قد نختلف في بعض الخواص أنها من مكونات طبيعة شيء ما أم ليست من مكوناتها. ولكن مثل هذا الاختلاف لا ينبغي أن يقودنا إلى القول بعدم وجود طبيعة ثابتة لذلك الشيء. ومن ثمّ يجب ألا يقع خلاف في أن للإنسان طبيعة محددة يكون بمقتضاها بشراً، وتكون الجانب الملحوظ في التقنين والتشريع وتوجيه الأوامر والنواهي الأخلاقية. كما ويجب ألا يقع خلاف في ثبات هذه الطبيعة واستمرارها، لأن طبيعة الشيء إذا تغيّرت، فإن الناتج عن ذلك التغيّر لن يكون هو الإنسان بل هو شيء آخر.

ما أريد التأكيد عليه هنا، أن تنفّر الإنسان من بعض الأمور، ليس راجعاً بالضرورة إلى أصل طبيعته التي يتشارك فيها مع بني نوعه، وإنما يرجع ذلك لما درج عليه من وضع تربوي وبيئي، وما يتركه على نفس الإنسان من إفراط أو تفريط. فميول الإنسان ورغباته التي تتشكل منها طبيعته، قد تضمر أو تشتد تحت ظروف معينة، ولكنها لن تموت.

وأما حال الحجة الثالثة التي ساقها بريل، فيمكن أن تصلح للنقض على بعض النظريات الأخلاقية وإطارها النظري، ولكنها لا تصلح للتدليل على سقم التنظير الأخلاقي عامة([6]).

وبعبارة ثانية: إن هذه الحجة أخصُ من المدعى، إذ مُدعى بريل سقم التنظير الأخلاقي بعامة، فيما لا تتكفل هذه الحجة سوى النقض على بعض النظريات الأخلاقية فحسب. على أن التصارع بين الواجبات المختلفة التي يشهدها الواقع، تتطلب مزيداً من التنظير الأخلاقي وتقديم الحلول وتقويم الضعيف منها وتدعيمه بالمعالجات، ولا يقتضي رفض التنظير الأخلاقي من أصل.

([1]) أكاديمية بريطانية، دكتوراه في الفلسفة والعلوم الإنسانية.

([2]) الفكر الأخلاقي المعاصر: 13.

([3]) الآيين كلمة فارسية وسطى تعنى العادات والأعراف والتقاليد والرسوم.

([4]) الأخلاق النظرية، د. عبد الرحمن بدوي: 11 فما بعدها، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية 1976م.

([5]) البيان الشيوعي، ماركس وأنجلز: 11 فما بعدها، ترجمة: العفيف الأخضر، منشورات الجمل 2015م.

([6]) الأسس العقلية، السيد عمار أبو رغيف 2: 611- 613، دار الفقه للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1426هـ.



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*