معرفة الحرب الناعمة

معرفة الحرب الناعمة

تحميل الكتاب

مقدمة الكتاب

خلق الله تبارك وتعالى السماوات والأرض، وقضى بحكمته جعل الإنسان خليفة عليها ليعمرها ويحييها، وأطلع الملائكة على ذلك: ﴿وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة﴾[1]. وطلب عزّ وجل منهم السجود له،  ﴿فسجدوا إلّا إبليس أبى واستكبر﴾[2]؛ فأمهله الله إلى حين، ووعد إبليس بأن يترصّد للبشر في كلّ حين ويتوسّل كلّ الأساليب من أجل أن يوقع بهم في المهالك ﴿لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم﴾[3] حتّى يثنيهم عن هدفهم الأساسيّ. وبذلك فتح إبليس باب الصراع بين الحقّ والباطل، فكانت سنّة من السنن الإلهيّة التي توجب على المرء أن يجهد نفسه ويتحصّن بالوسائل والأساليب التي تحفظ الأمانة الإلهيّة، وتكشف الزيف، ليكون على صراط مستقيم، فيمشي على هدى من ربه.

هذا الصراع الذي انطلق، يتلبّس في كلّ زمن بلبوس مختلف، ويتخذ في كلّ عهد شكلًا جديدًا إلّا أنّه واحد في المعنى؛ فهو وإن تشكّل بصور متعدّدة من حربٍ عسكريّة، أو سياسيّة، أو اقتصاديّة، أو اجتماعيّة وقيميّة وغيرها، يحافظ على محتواه الداخليّ المتمثّل بحرف الإنسان عن جادّة الحقّ. وفي عصرنا الحالي الذي انفتحت فيه الآفاق المعرفيّة، وسقطت الحدود بسبب التطوّر في وسائل التواصل والاتصال، اتخذ الصراع شكلًا جديدًا، فبات حربًا ثقافيّة تستهدف الأدمغة والمعتقدات، وهي الحرب الأكثر خطورة، وهذا ما يستدعي أن يتزوّد الإنسان بالزاد المناسب لردّ هذه الهجمة، يقول الإمام الخامنئي دام ظله: “أمّا في المجال الثقافيّ، فأنا أشعر بقلق شديد بكلّ ما للكلمة من معنى، لا بل وأحمل الكثير من الهواجس. إنّ هذه الهواجس هي من النوع الذي يُؤرّق صاحبه بحيث يوقظه في منتصف الليل ليتضرّع إلى الله تعالى؛ أنا لديّ مثل هذه الهواجس”[4].

فهذه الحرب التي تشنّ لا تكتفي بالسيطرة المادّيّة سواء أكانت سياسيّة أو اقتصاديّة أو عسكريّة، فهي تهدّد الذات والهويّة الحضاريّة والشخصيّة للإنسان، لأنّها تحمل إمكانيّة تسلّلها إلى أعماق نفسه لتغيّر المعتقدات من الجذور وبشكل ناعم دون أن يشعر الإنسان بذلك، فيطال الهجوم مسائل الزهد والتقوى والاعتقاد. كما أنّ البُعد الأساس الذي يركّزون عليه هو إضعاف الإيمان ومحو الآمال وتشتيت الجبهات وجذب الرساميل[5].

فالغزو الثقافيّ والحرب الناعمة بهذا المعنى عبارة عن لجوء العدوّ لطرق خاصّة بهدف الهجوم على أمّهات العقائد والأسس الثقافيّة للمجتمع، ممّا يجعلها متزلزلةً في القلوب. وهو يهدف إلى تغيير الذهنيّة العامّة لمعتقدات المجتمع،  باستخدامه للهجة الأصدقاء والحريصين على المصلحة العامّة والغاية، لذلك علينا أن نتنبه ونحذر ونتيقّظ لكلّ حركة وسكنة يقوم بها حتّى نحصّن الذات أوّلًا، ثمّ نستحدث الوسائل القادرة على مواجهة العدوّ، لكي لا نكون لقمة سائغة لأطماعه بل لغزوه بمعنى أن تشنّ قوّة سياسيّة أو اقتصاديّة حربًا على المبادئ الثقافيّة لشعب من الشعوب وذلك لتنفيذ أهدافها السياسيّة الخاصّة والتحكّم بمصير ذلك الشعب. إنّهم يفرضون بالقوّة أشياءً جديدةً على تلك الدولة وعلى شعبها من أجل ترسيخها بدلًا من ثقافة ومعتقدات ذلك الشعب. وهذا اسمه غزو[6].

بناءً على ما تقدّم، يأتي هذا الكتاب بعنوان معرفة الحرب الناعمة من وجهة قائد الثورة الإسلاميّة للكاتب علي محمّد نائيني ضمن هذه الهواجس التي تهمّ اليقظين. وهو عبارة عن مقالة عرض فيها الكاتب تعريفًا للحرب الناعمة من وجهة نظر الإمام الخامنئي (حفظه الله)، وضرورة الالتفات إليها والخطر الذي ينشأ عنها، والتعرف إلى خصائصها ومؤشّراتها، بالإضافة إلى عمقها وتنظيمها والفتنة التي تلحقها.

كذلك يتناول الكتاب أهداف هذه الحرب ومؤشّراتها الثقافيّة والسياسيّة، أدواتها وأساليبها في مقابل الحرب العسكريّة الصلبة ثمّ  يتطرق إلى إجراءات وطرق مواجهتها والوقاية منها.

نأمل أن يشكّل الكتاب خطوة نحو تحصين الفرد والمجتمع من الخطر الذي يتربّصه العدوّ بنا، ويقعد لنا كلّ مقعد من أجل أن يزلّ أقدامنا ويثنينا عمّا أراده منّا الله تعالى وهو أن نكون مستخلفين على أرضه فننشر فيها العدل والأمان بإذن الله تعالى.

والله من وراء المقصد

سكينة أبو حمدان

[1] سورة البقرة، الآية 30.

[2] سورة البقرة، الآية 34.

[3] سورة الأعراف، الآية 16.

[4]  مركز صهبا، الهواجس الثقافيّة عند الإمام الخامنئي (حفظه الله)، ترجمة علي الحاج حسن (بيروت: دار المعارف الحكميّة، الطبعة1، 2014)، الصفحة 21.

[5]  المصدر نفسه، الصفحة 43

[6] المصدر نفسه، الصفحة 192.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*