وهل كربلاء إلّا الحبّ؟

وهل كربلاء إلّا الحبّ؟

لأنّ كربلاء هي النهضة التي أراد من خلالها الإمام الحسين عليه السلام إصلاح ما فسد من دين جدّه رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وهو القائل عليه سلام الله: “… والله إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا ظالمًا ولا مفسدًا، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر…”. إنّ المتعمّق في فهم النهضة الحسينيّة ينظر إليها نظرة كلّيّة، تختلف اختلافًا جوهريًّا عمّا يراها عليه المراقبون من بعيد، حتّى ولو كان هؤلاء المراقبون يُجِلّون هذه النهضة ويعتبرونها فريدة في التاريخ ومثالًا صارخًا لمواجهة الحقّ ضدّ الباطل. وبقليل من نظرة المتعمّق في النهضة الحسينيّة، فإنّ بعدًا ما يمكن أن يتمّ الحديث عنه بالاضافة إلى العديد من الأبعاد التي استطاعت أن تغطّي جوانب الحياة عامّةً ومن كلّ النواحي. إنّ البعد الأسريّ المتمثّل بالعلاقات الودّيّة بين أفراد الأسرة الواحدة التي لم يجمعهم في كربلاء الرابط العائليّ فقط، إنّما كان بالدرجة الأولى تلبية لنداء الله المتمثِّل بكلمة إمام الزمان آنذاك، الإمام الحسين عليه السلام. حيث كان تحرّكهم وخروجهم التزامًا بقرار الإمام الواجب الطاعة. وعليه، فإنّ الطاعة لإمام الزمان آنذاك، يمكن النظر إليها من بعدين أساسيّين، الأوّل: الالتزام بالتكليف الشرعيّ لكلّ من شاءت الإرادة الإلهيّة أن يبلغ الفتح بين يدي ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله. والبعد الثاني يتمثّل في العلاقات الأسريّة والعائليّة التي جمعت آل بيت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله في موقف جهاديّ وحياتيّ وتاريخيّ واحد. وقد ذكر الإمام عليه السلام لأخيه محمّد بن الحنفيّة حين وداعه وخروجه من المدينة قوله: “… وإنّي قد عزمت على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي وشيعتي، وأمرهم أمري، ورأيهم رأيي، أمّا أنت يا أخي، فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينًا عليهم، ولا تخف عليّ شيئًا من أمورهم”. وقد كان رأس هؤلاء المخلصين مولاتنا السيّدة زينب، كذلك أخوها أبو الفضل العبّاس عليها سلام الله. إنّ علاقة السيّدة زينب عليها السلام بأخيها الإمام الحسين عليه السلام، كنموذج فريد في العلاقات الأخويّة بين شقيقين لم يربطهما رباط الرحم فحسب، بل المعرفة الحقّة لكلّ منهما بحقّ الآخر، وهكذا بقيّة أفراد الأسرة المقدّسة. فقد استطاعت هذه المعرفة أن تتبلور في واقعة كربلاء بأبهى صورها وأروعها، رغم الآلام التي تعرّض لها الآل والأصحاب في معركة قلّ نظيرها في التاريخ. إنّ وضوح الرؤية على الأقلّ من الناحية السياسيّة لديهم، فضلًا عن النواحي الأخرى التي على رأسها المعركة الوجوديّة بين الحقّ والباطل، وكذلك فإنّ جلاء الصورة التي توفّرت عند الآل والأصحاب لم تمنعهم من التعبير عن عاطفة كلّ منهم اتّجاه الآخر، بحيث أنّه قد يخيّل لأحد ما، أنّ استعداد المرء للقتال والاستشهاد في سبيل الله، لا سيّما في معركة حاسمة ونهائيّة كمعركة كربلاء، قد تجرّده من المشاعر والروابط الإنسانيّة. إلّا أنّه فهمنا لهذه المعركة لا يمكن أن يقتصر على مراقبة الميدان من الناحية العسكريّة ورصد الخسائر والأرباح، فالسلوك الوجدانيّ العاطفيّ الذي شهدناه أعطانا دروسًا في الحبّ بين البشر يمكن لنا أن نتلمّسه إذا ما قلّبنا صفحات القصّة وفصولها. في ليلة العاشر من المحرّم بعد أن أمر الإمام عليه السلام بحفر حفيرةٍ حول معسكره وأمر أن تُملأ حطبًا، ثمّ اعتزل في خباءٍ له ومعه جون مولى أبي ذرّ الغفاري، فصار يعالج سيفه ويقول: يا دهر أفٍّ لك من خليل       كم لك بالإشراق والأصيل من صاحبٍ أو طالبٍ قتيل     والدهر لا يقنع بالبديل وإنّما الأمر إلى الجليل            وكلّ حيٍّ سالك سبيلي أعادها ثلاثًا، ثمّ ما لبثت أن سمعته العقيلة زينب فلم تملك نفسها وتقدّمت منه تجرّ ثوبها وقالت: “واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمّي فاطمة، وأبي عليّ، وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين”. لمَ لم تملك نفسها السيّدة زينب عليها السلام؟ وهي العارفة الواثقة القويّة الثابتة المجاهدة المناصرة لله ورسوله. وهل لمثلها أن يجزع؟ حاشى لها وهي ابنة عليّ وفاطمة، وربيبة بيت الوحي. إنّ الثبات والعزيمة ووضوح الرؤية وغيرها من الصفات، ليست سببًا للتخلّي عن العاطفة الإنسانيّة التي تشكّل السيّدة زينب عليها السلام فيها النموذج الأكمل، بعد أمّها السيّدة فاطمة عليها السلام، والتي عبّرت من خلاله في كربلاء عن تعلّقها الشديد بسيّد شباب أهل الجنّة. نعم، لقد عبّرت العقيلة عن فجيعتها لما سيجري على الإمام – شقيقها، ورفيق طفولتها، وحبيب قلبها، وإمام زمانها الواجب الطاعة – علمًا أنّه لم يغب عن بالها يومًا، أنّها ستكون معه في كربلاء، ذلك لأنّها سبق وأخبرت بذلك من جدّها رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله ومن أبيها عليّ وأمّها فاطمة. إلّا أنّه للفراق طعم آخر، وموقف إنسانيّ آخر. هنا يمكننا أن نقلب صفحة أخرى من صفحات كربلاء، الغنيّة بالعاطفة العميقة الرقيقة التي هزّت ولا زالت تهزّ وجدان التاريخ إلى يوم القيامة. عليّ الأكبر عليه السلام أشبه الناس خلقًا وخُلُقًا برسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، استأذن من والده الحسين عليه السلام لقتال الأعداء، فأذِن له الإمام، إلّا أنّ الألم كان يعتصر قلبه الشريف، لما لعليّ الأكبر من مكانة عند أبيه وتعلّق الوالد بولده الشاب البارّ المتميّز، الذي كان إذا نظر إليه سرّ قلبه وأسعده. بعد أن قاتل عليّ الأكبر وأجهز عليه الأعداء، نادى والده الذي لم يزل يراقبه واللهفة تبدو على محيّاه وخفقات قلبه تكاد تلامس أنفاس الولد البارّ المطيع الفارس المقدام الناصر لله ورسوله. ثمّ كانت الجلسة الأخبرة بين الوالد وابنه العطشان الذي طمأنه أنّ هذا جدّه رسول الله محمّد صلّى الله عليه وعلى آله الذي قد حضر بروحه إليه قد سقاه بكأسه الأوفى شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا. إلّا أنّ الحسين الوالد العطوف العاشق لولده الوسيم، قال له جملة لا يزال صداها يتردّد عبر الزمن، وستبقى إلى يوم القيامة، “على الدنيا بعدك العفا يا بنيّ”. لماذا يقول الحسين هذه المقالة؟ أليس الإمام على علم بأنّه بعد ساعة سيكون على موعد لقاء جديد معه، لكن في عالم الملكوت، بين يدي رؤوف رحيم؟. لأنّه في هذه اللحظات كانت الجلسة التي جمعت بين الوالد والولد بغضّ النظر عن التكليف وقرار الجهاد الذي لا يفسد في الحبّ والودّ والتعلّق قضيّة. هي عاشوراء التي إن أردنا التوقّف عند كلّ فصل من فصولها ومشهد من مشاهدها، لكتبنا فيه مجلّدات في الحبّ والعاطفة والتضحية والشرف والبأس والقوّة والفداء. إنّ المشاعر الودّيّة بين الإمام الحسين عليه السلام، لم تقتصر على علاقته بأخته العقيلة زينب أو أخيه أبو الفضل العبّاس أو أبنائه، إنّما كانت مواقف كلّ منها يتلو الآخر، وذلك بأبهى الصور وأجملها. هوذا القاسم ابن الإمام الحسن عليه السلام يتقدّم من عمّه الحسين ليطلب منه الإذن لقتال القوم الذي ضاق صدره من غيّهم وجرأتهم على ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، إلّا أنّ الإمام نظر إلى القاسم نظرة إشفاق لصغر سنّه. ولمَ ينظر الإمام إلى القاسم نظرة إشفاق؟ أليست الشهادة هي الوسام الأعلى الذي منحه الله لخاصّة أوليائه؟ أوليست هي منية كلّ مجاهد في سبيل الله؟ أليس الإمام هو أولى من طبق هذه الحقيقة ودعا لها؟ الجواب: نعم، إنّ الإمام وآل بيته وأصحابه هم أولى الناس بها، وهو الذي شهد لهم ليلة العاشر من المحرّم حين قال: “… فإنّي لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي…”. مع ذلك حين كانت لحظة الوداع بين القاسم وعمّه، خاطبه الإمام بما اعتصر به قلبه الشريف وقال: “عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثمّ لا ينفعك، صوت والله كثر واتره وقلّ ناصره”. السلام على قلبك سيّدي يا حسين الذي تحمّل عصيان الأمّة لأمر الله، ومحاربتهم لأشرف خلق الله، فضلًا عن مفارقة الأحبّة والتعدّي على الحرائر من آل بيت رسول الله. إنّ من أراد التعرّف إلى الإمام الحسين عليه السلام فليستمع إلى قول رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله حين قال: “حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينًا”…تحميل المقال



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*