مقدمات في فلسفة الحكمة المتعالية- الدرس الأول

مقدمات في فلسفة الحكمة المتعالية- الدرس الأول

خلاصة الدرس الأول من سلسلة دروس

مقدمات في فلسفة الحكمة المتعالية

لسماحة الشيخ شفيق جرادي

21/6/2019

 

  • المقصود بالحكمة المتعالية: الحكمة المتعالية هي نمط فلسفي، أو طرح فلسفي، ورؤية فلسفية قدّمها صدر الدين الشيرازي، وهي الفلسفة المتبنّاة في كثير من مؤسسات وبلدان، ولدى شخصيات فلسفية كثيرة في العالم الإسلامي، لكن محور الاهتمام في هذه الفلسفة ينصب على الحكمة المتعالية هو في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
  • السيرة الفلسفية للملا صدرا
  • ولد بمدينة شيراز سنة 979 هـ الموافق 1571 م، وكانت ولادته إبان العهد الصفوي.
  • والده، كان وزيرًا لدى حاكم منطقة شيراز، وكان ميسور الحال، واسمه الخواجة إبراهيم قوامي. كان مهتما بالعلم وكان رجلًا سياسيًّا. ولم يرزق بولد حتى منّ الله عليه بمولود أسماه محمد، وصار يطلق عليه اسم صدر الدين.
  • ترك شيراز بعمر الست سنوات، لكن قبل هذه الفترة كان هناك عناية خاصة بهذا المولود، حيث بدأت علامات النبوغ تظهر عليه بشكل واضح، حتى أطلق عليه لقب الملا؛ ويبدو أن المقصود بلقب الملا هو العالم.
  • حينما غادر شيراز ذهب إلى قزوين، تعرف هناك إلى شخصيتين عظيمتين لا زالت آثارهما حتى يومنا هذا، الشخصية الأولى: هي بهاء الدين العاملي، والشخصية الثانية والذي درس عليه هو الميرداماد، وقد أثر عليه تأثيرًا كبيرًا. ولو كان هناك إنصاف لعُدّ الميرداماد هو الوريث الحقيقي لاستمرار الفلسفة بترقّيها وبتقدّمها.
  • الميرداماد كان صاحب مدرسة تنزع كثيرًا نحو البرهاني والعقلي، بل والعقلاني جدًّا. رغم ذلك كان لديه تربيته الخاصة على المستوى الشخصي، بحيث كان يعدّ من العرفاء الكبار. إذًا الأستاذ الرسمي للملا صدرا هو الميرداماد.
  • انتقل مع أستاذيْه إلى أصفهان، وهناك تأسست مدرسة أصفهان، حيث أصبح هناك مدرسة خاصة في الفلسفة تنسب إلى أصفهان، وعماد هذه المدرسة الميرداماد والشيخ البهائي والملا صدرا الذي بدأت تظهر لديه بعض الاستقلالات الفكرية.
  • نتيجة لنبوغه تعرّض الملا صدر لحملات واسعة من الأذية مما حمله إلى الذهاب إلى نواحي نائية من منطقة قم اسمها (كهك). وهناك تفرّغ للعبادة وتفرّغ للارتياضات والممارسات الروحية والنفسية الخاصة به. وبدأ الكتابات الأولى التي حصل فيها انقلاب في المشروع الفلسفي عند الملا صدرا.
  • بعد فترة عاد مجدّدًا إلى شيراز وكان متاحًا له مدرسة مبنية بشكل فاخر، درّس فيها طروحاته الفلسفية، ومن أهم الشخصيات التي درست على يد الملا صدرا الكاشاني صاحب كتاب (المحجة البيضاء). ولخصوصية ستأتي للملا صدرا؛ هو أن الطالب الثاني الذي يمتاز بأنه من طلاب الملا صدرا هو عبد الرزاق اللاهيجي، ولمن لا يعلم هناك كتاب (تجريد الاعتقاد) ألفه الشيخ الطوسي المحقّق الفيلسوف، وليس الفقيه، وهو شخصية سياسية متميزة لديه اهتمامات علمية تحديدًا في الفلك، وهو صاحب منزع فلسفي يتبنّى ابن سينا، وله الفضل الكبير في دراسة علم الكلام بمنهج فلسفي. هذا الكتاب تجريد الاعتقاد تحول الى كتاب عابر للطوائف، وسواء كان سنيًّا أو شيعيًّا، إذا أراد أن يتحدث بالأمور الدينية والعقائدية كان يعود إلى كتاب تجريد الاعتقاد. عبد الرزاق اللاهيجي من أعظم الشخصيات التي شرحت هذا الكتاب شرحًا فلسفيًّا.
  • أما سبب وفاة الملا صدرا، يقال أنه كل عام كان يذهب إلى الحج، في المرة السابعة مرض لعله في البصرة، إلى أن توفي. أخذه بعض مريديه وطلابه إلى النجف، ودفن في النجف قرب الإمام علي عليه السلام.
  • قبل البدء في تعريف ما معنى الحكمة وما معنى الفلسفة؟ هناك نقطة تعد من أهم النقاط عند الحديث عن فلسفة الحكمة المتعالية وهي مسألة الوقت والزمن، الوقت الذي طرحت فيه هذه النظرية (نظرية الحكمة المتعالية).
  • تحديد العنصر الزمني ودوره لهذا الفيلسوف أمر ضروري جدًّا، ولا يصح أن ندرس فلسفته أو أفكاره وكأنها خارج الزمن. الملا صدرا حينما ولد ومارس هذا الدور كان في القرن السادس عشر، بمعنى آخر كانت بداية استفاقة الغرب. وكان العالم الإسلامي وصل إلى أقصى ذرورة نضوجه، وبدأت المراحل التي بدأ يذبل فيها دور الحضارة الإسلامية ودور العالم الإسلامي، في تلك المرحلة بالذات كان المشروع الفلسفي للملا صدرا.
  • في نفس الزمن الذي كان فيه الملا صدرا، كان هناك وعلى الضفة الأخرى رجل اسمه ديكارت، الذي يعتبر أبو الفلسفة الحديثة.
  • ديكارت خرج من منطقة الشك الفلسفي لديه ليبحث على نحو من اليقين، لكن في نفس الوقت من المصادر الذي كان يعتمدها ديكارت في عقله وفلسفته بدايات نهوض العلم في أوروبا.. لكن فلسفيًا، اعتبر ديكارت أنه إذا أنا أشك، هناك أحد أمرين: إما أن يكون هناك جنّي هو الذي يوسوس لي حتى أشك، وإما أن نفسه هي التي تشك. وبكلتا الحالتين سواء كان هو يشك أو الجني الذي يشكّكه، كل شيء يشك فيه باسثتناء أن هناك جني أو نفسه موجودة، فاختار نفسه، وقال: أنا أفكّر إذًا أنا موجود. إذًا، ثبت لديه الوجود، ويقصد بالوجود الخارج، وثبت لديه الموضوع، ثبت لديه الأمر الخارجي، بعد أن ثبت لديه أنا أنا. ومن هناك بدأت الثنائية التي اجتاحت كل الفلسفة فيما بعد بدون استثناء. الذهن دائمًا يعمل على الثنائيات؛ والثنائية قامت على موضوع الذاتي والخارج، أو الموضوع، وهناك جدل دائم بينهما.
  • ما يعنينا أن اللمسة في هذا المسار في الغرب قام على ثنائيات مع ملاحظة أمر بالغ الحساسية وهو العلم. وكل ذلك جاء في ذروة بدء طموح الغرب بالتوسع السياسي والعسكري والأمني والذي استطال بالقوة وكان يأخذ معه كل شيء بما فيه العلم لخدمة هذا المشروع أو الفلسفة لخدمة هذا المشروع.
  • في الشطر الثاني، لم يكن هناك محل للشك، إلا في الافتراض، ؛ أي أفترض الشك لأثبت الحقائق كما هي، أفترض الشك لأعطي الدليل ولأبرهن، وإلا عند الملا صدر يمكن لنا أن نتحدث عن اليقين والوجود دون الحاجة إلى الوقوع في أي مستوى من مستويات الشك، ودون أن تختل المنهجية أي اختلال. ومن يدرس منظومة مشروع الحكمة المتعالية يلمس هذا الأمر بشكل كبير.
  • خلافًا للثنائية الغربية، أراد أن يؤسس على الوحدة، والواحد، وهذا الواحد بالنسبة له بدأ من أمر لا هو الذات ولا هو الموضوع الخارجي، بدأ من نظام العلة، إذا أراد أن يبرهن عليها فلسفيًّا أن مصدر الوجود الواحد أفاض على كل الوجود الواحد.
  • إذًا الثقافة التي ارتكزت في الفلسفة الإسلامية لدى بنائها عند الملا صدرا لم تذهب إلى الثنائية، بل إلى التوحيد، والواحد.
  • مستلزمات القول: على المستوى العقائدي أن التوحيد هو أصل كل رؤيتنا العقائدية. وأن الفلسفة وصلت إلى ما وصلت إليه في موضوع التوحيد في مسألة وحدة الوجود، وهذا يتقاطع مع أصحاب الكشف العرفاني القائم على أن الوجود واحد.
  • ابن عربي أكتر مصدر غني اعتمد عليه الملا صدر في بناء هذا المشروع.
  • ما هي آثار المشروع الفلسفي للملا صدرا بعد وفاته؟ واحدة من المشكلات الكبرى التي ارتكبها الملا صدر هو إقصاؤه للعلم. بل اعتبر أن شرط الفيلسوف، وأن يكون الفيلسوف موّحدًّا، وأن يكون عارفًا هو عدم اهتمامه بالأمور الجزئية. عدم اهتمامه بالعلم لا يعني أنه لم يعتبر أن العلم بلا قيمة، لكنه اعتبر أنه يمكن أن يكون عامل إضعاف لطرح المشروع الفلسفي.. لكن في بناء مشروع فلسفي يعتقد حتى يثبت العكس، أن المشروع الفلسفي عند الملا صدر، وصل إلى ذروة الذروة، وإلى يومكم هذا. والدليل أن العالم الإسلامي لم يقدّم حتى الآن، ليس فقط ما يضاهي فلسفة الملا صدر، بل لم يقدر أن يزحزها من مكانتها.
  • اليوم كيىف تقدّم هذه الفلسفة؟ لا يسمح أن يقدّم الملا صدر باعتباره فيلسوفًا، والسبب أنه بالجانب المعرفي الملا صدر تحدث عن الله. تحدث عن الآخرة، وعن المعاد الجسماني، تحدث عن مسألة النبوة والعصمة والحقيقة المحمدية المطلقة على سبيل المثال. فأعطوه صفة أن ذلك هو دراسة في علم الكلام ولا يمكن أن تصل لأن تكون في الفلسفة دون أن ينتبهوا منهجيّا أن الفلسفة كعلم حينما دخلت إلى حاضرة العالم الإسلامي انقسمت إلى قسمين كبريين:
  1. إلهيات بالمعنى الأعم.
  2. إلهيات بالمعنى الأخص.
  • في جزء ثاني (إيران)، اعتبر أن الحكمة المتعالية عند الملا صدرا فيها نفحة فلسفية لكن هو مشروع عرفاني، بالتالي هو عارف وليس بفيلسوف.
  • (رأي شخصي لسماحة الشيخ شفيق وقابل للنقاش)، مفاده: أن العودة إلى ملاحظة العلم بمعناه التجريبي فرض نفسه مجددًّا لإيجاد عقل في التعاطي مع الموضوع الفلسفي يختلف عن العقلية السابقة، لذلك بدأ التنوع في النظرة والرؤية.
  • (تقدير شخصي لسماحة الشيخ قابل للنقاش أيضًا)، مفاده: يمكن من خلال طبيعة هذه النظرية أو هذه الأطروحة أن هذا المشروع الفلسفي، يمكن أن نقدّمه كمشروع مبني على عقلية خاصة معرفية قابلة لفهم الواقع بما فيه الاجتماعي والسياسي والقيم الحضارية… أن يقدم نفسه كمشروع حيوي.
  • إذًا دراسة معالم الحكمة المتعالية للملا صدرا ليست أمرًا خارج الزمن أبدًا.
  • شرط أن تشتغل بالفلسفة أن يكون العقل قابل لكل النقاشات.
  • بمجرد أن تقفل النقاش أففلت أي مبدأ فلسفي.
  • فلسفة الملا صدرا تشتغل على ما يطلق عليه اسم الفلسفة الأولى.
  • نحن لا نتحدث عن شيء جامد، بل هو شيء حيوي حاضر وقابل لكثير من النقاش وفي اتجاهات متعددة ومتنوعة.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*