أخلاقيات السير والسلوك العرفاني- الدرس الثالث

الدرس الثالث

من دروس أخلاقيات السير والسلوك العرفاني

لسماحة الشيخ شفيق جرادي

3/7/2019

 

العرفان العملي

تعريف العرفان العملي

قام مؤخرًا أحد كبار الباحثين في العرفان النظري*، وتحديدًا في العرفان الإسلامي النظري، بتعريف العرفان العملي، في محاولة منه لأن يميز ما هو العرفان العملي؟ فيقول: إن العرفان العملي هو مجموعة من القوانين المرتبطة بأعمال القلب وحالاته، في قالب المنازل والمقامات التي يؤدي اتباعها إلى الحصول على الكمال النهائي للإنسان، ألا وهو التوحيد، أو مقام الفناء ومشاهدة الحق.

وقد أثار هذا التعريف بعض النقاط:

  • النقطة الأولى: إن بحث العرفان العملي؛ أي السير والسلوك ليست وظيفته نقاط محددة مشخّصة وجزئية، والسير والسلوك لا يدرس أورادًا وأذكارًا وأعمالًا محدّدة، بل يتحدث عن مجموعة من القوانين والقواعد التي ينبغي التزامها في السير والسلوك.
  • النقطة الثانية: ما الذي تحاكيه هذه القوانين التي يدرسها العرفان العملي؟ وأين موضعها؟ أين مكانها الطبيعي، هل مكانها الطبيعي العقل والبراهين أو شيء آخر؟ إن مكانها الطبيعي هو مجموعة من القوانين المرتطبة بأعمال القلب، فالقلب هو محور هذا الأمر المرتبط بالعرفان العملي.

إذًا، ما معنى هذا القلب الذي هو محور العرفان العملي؟ القلب هو عبارة عن وجودٍ ما أوجده الله فينا، وهذا الوجود الذي هو القلب يرتبط بالأمور التي فوق المسائل المادية، له علاقة بضبط الأمور.. والمقصود بالقلب هنا هو ذاك القادر على إدراك أمور لا تتصل بمسائل المادة، ولا تتصل حتى بالجزئيات الصغيرة، هو عبارة عن مورد من موارد الإدراك لأمور نعيشها ونحياها، عبارة عن مبادئ حياتنا، مبادئ عيشنا، ومبادئ وجودنا. والفرق بين الإدراك العقلي والإراك القلبي، هو أن الإدراك العقلي طبيعته أنه يعرف الأشياء بالإشارة إليها، لكن لا يعيشها؛  وهذه معرفة عن بُعد. أما الإدراك القلبي فهو عبارة عن إدراك لكن لأمور نحياها، حتى وإن لم يكن يراها بالحس إلا أنه يراها بحقائق الإيمان لكنه يعيشها ويتحسّس بها. يتلذذ بوجود هذا الأمر، أو أنه ينفر من جود أمر ما هو متيقن بأنه يعرفه. بالتالي القلب وظيفته إدراك الأمور المشاهدة، التي يمكن أن يتحسسها ويعيشها، وأن يتأكد منها، بل أن يعاينها.

وهناك نحو من الإدراك، إدراك عالي جدًّا يسمونه إدراك مجرّد؛ أي لا ينتمي إلى عالم المادة. ومعرفة الأمور المجردة تتم من خلال الذوق العرفاني؛ بمعنى أنه يعرف ما تعني لذة معرفة الله. لكن من أين يصل لأن يصبح ذو ذائقة عرفانية؟ يصل من خلال القلب. القلب الذي يتربى بالمقامات (الرتب، مرتبته أو موطنه الخاص).

 والانسان خلال سيره وسلوكه يمر بحالتين: حالة يسموها مقام، وحالة يسمونها حال أو أحوال؟

ما معنى المقام وما معنى الحال؟

  • المقام هو: عبارة عن مواطن؛ هناك وطن اسمه الأنس، ووطن اسمه التوكل، ووطن اسمه الصبر، ووطن اسمه التوحيد إلى آخره، هذه كلها اسماء لمقامات.. وكل هذا المسار هدفه القرب من الله.
  • والحال هو: عندما يكون الفرد في هذا المقام، أو أنه يتحضر لمقام أعلى تأتيه من الله نسائم، تحصل من الله نفحات تنعش القلب، أو تنعش النفس وأحيانًا توقعها بحزن شديد، لكن سواء كانت حالة سرور أو حالة حزن تمر بشكل سريع وتذهب، لكن عند أهل الله لا تُنسى هذه الحالات بل تبقى موجودة في قلبه. وقطعًا، ما من إنسان إلا وشعر بهذه النسائم وهذه النفحات وتركت في نفسه انطباعًا خاصًّا جدًّا؛ هذه اسمها نفحات من الله، وهذه تسمى أحوال. من هنا نسأل، ما الهدف من المقامات والأحوال؟ الهدف هو أن يكون المرء متخلّقًا بالأخلاق التوحيدية فهي التي تحقق عنده فناءه في الله؛ أي لا يبقى لديه إحساس بالبعد عن الله. فيصبح من لطائف الله، بل هو منٌّ وعطاء من الله، كل الوجود هكذا، وهذا اسمه توحيد، وإن بمستوى معيَّن.

الفرق بين العرفان والفلسفة

هناك فارق بين طبيعة العرفان وطبيعة الفلسفة، فركيزة الفلسفة تذهب إلى العقل، بينما ركيزة العرفان تذهب إلى القلب. كل منهما من واد، والمعرفة التي تنتهجها الفلسفة هي معرفة من بعيد، معرفة غيابية.

الفلسفة مهما وصل مستواها لن تكون بمستوى الحضور الإيماني للعرفان، لكن بعض مستويات الفلسفة يقرّبنا من الحالات العرفانية إلى درجة عالية لكن ليست هي ذاتها؛ لذلك بمستوى من المستويات هناك تقارب بين صاحب العقل وصاحب القلب، لكن من صاحب الغلبة؟ إذا كان القلب قد غُلِّب على العقل فهو حكيم عارف، وإن كان العقل غُلِّب على القلب فهو حكيم باحث.

إذًا، صاحب هذا القلب يتقدم من أجل أن يحقق المقصد، ويجهد ويربي نفسه إلى أن يصل إلى هذا المقصد الذي هو معرفة الله. فما الذي يحصل هناك من هذه الحالات العرفانية؟ كثير من هذا الكلام هو الذي يساق تحت عنوان مقامات السير والسلوك، لكن من أين المبدأ؟ نستطيع تخيل هذا المبدأ من أنه سيستفيد وسيتربى وسيتعلم من خلال قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، هؤلاء هم الذين سيصلون، هؤلاء الله أوصلهم إلى المحل الذي ينبغي أن يصلوا إليه. والحالة الروحية التي تصيب الفرد الذي يسلك إلى الله، قد تكون حالة خاصة إلى درجة أن الذي يعيشه هذا الفرد لا أحد غيره يعيشه. بالتالي، إن التقرب إلى الله والإحساس بالحضور واللذة والعيش والفرح والسرور والبهجة التي تصيب الذين يتوجهون إلى ربهم هي أمر خاص. كما أن الذي يتلذذ بقرب الباري هو عبارة عن سلطان السلاطين على كل شي. بل نصّبه الله ليكون سلطان لذة اللقاء معه عز وجل، بحيث أصبح له عالمه الخاص، وفرادته الخاصة ولكل منهم هذه الفرادة. لكن، هل هذا يعني أن لكل منا طريقه الخاص إلى الله أم أن الطريق الى الله واحد؟ هناك أناس وقعوا في الشبهة ولعبوا على موضوع العرفان والتصوف، وقالوا: بما أن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فإذًا لكلٍّ منّا صراطه الخاص الذي يوصله إلى الله.

رد الشبهة.

 تكلم الله سبحانه وتعالى في القرآن عن سبيل واحد، وتكلم عن صراط واحد. صحيح، لكلٍّ منا لذة في هذا الصراط، لكلٍّ منا طريقته في السلوك على هذا الصراط، لكن لنصل إلى الله يجب أن نسلك على هذا الصراط بالتحديد والذي هو صراط الفطرة وصراط الشريعة الإلهية (الدين والالتزامات).

وعبّرت بعض الروايات التي تحدثت عن الفطرة والشريعة تعبيرًا خاصًّا، وأعطتها اسمًا خاصًّا والذي هو الولاية. لذلك من أهم مباحث العرفان موضوع الولاية، وأول ما تمثلت هذه الولاية التي هي عين الصراط، وأنها تمثل الفطرة  والشريعة عند أهل العرفان والمعرفة  والتصوف الإيجابي السليم، تمثّلت بنبينا محمد (ص)، وأن نبيّنا (ص) أرشد المسلمين وبيّن للناس هذا الأمر حين خاطب أمير المؤمنين علي (ع) باعتباره الولي، “يا علي أنت الصراط المستقيم”.

نماذج لتشكيل الدخول إلى السير والسلوك.

  • النموذج الأول: هناك من اعتقد أن من يريد أن يكون من أهل السير والسلوك عليه أن يعتاد وأن يدمن على الألم، وعلى الابتلاءات؛ لأنه يعتبر أنه بمقدار ما نتألم بمقدار ما نُبتلى، والألم يغسل هذه القلوب من الدنس، ومن المعصية، وبالتالي يحضّرها لأمر آخر. إذًا، الألم هو مفتاح. إلا أن بعضهم يتعمد الألم، مثلًا في بعض الأديان يدقون المسامير بأيديهم. وبعض الفرق الصوفية، وقسم منها أسمي بالملامتية، سعت لتفتعل كل أنواع إحداث الألم بالجسد؛ يعني أذية الجسد، وهذا ما رفضه العرفاء؛ لأن أذية الجسد لا تجوز.
  • النموذج الثاني: اعتبر أن السير والسلوك ليس صعبًا كثيرًا، حيث يعتبرون أن محورية السير والسلوك تتمّثل بفريضة من الفرائض؛ أي أن يعيش حالة روحية عالية حينما يؤدي فريضة من الفرائض، ولا يعني ذلك أن بقية الفرائض لا تعني له شيئًا، لكنه يعتبر أن هذه الفريضة مفتاح لكل عبادة، ولكل تقرب إلى الله، وغالبًا ما يركزون على محورية الصلاة، وهذا دقيق؛ لأن الصلاة هي عماد الدين، (إن قُبِلَت قبل ما سواها، وإن رُدَّت رُدّ ما سواها). لكن كذلك هناك أشخاص يقولون: إن هناك شيء أهم من الصلاة، وللأسف بعض المثقفين وقعوا فيها، وهو الذكر، عندما يقال: ﴿إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. فاعتبروا أن الذكر هو أعلى من الصلاة، واعتبروا أن الذكر عبارة عن هذه الألفاظ. (الله، الله، الله = هذا ذكر/ سبحان الله والحمد لله والله اكبر= هذا ذكر)، وأصبحوا يشكّلون فرقًا على أساس أهمية الذكر، وكل فرقة عملت على أن يكون لديها جملة أذكار خاصة بها، لدرجة أن بعضهم وقع في المحذور الكبير حينما قالوا: كل وظيفة العبادات أنها هي طريق من أجل أن يوصلنا إلى الله. فإذًا نحن بالذكر ووببعض العبادات أصبح لدينا يقينًا بالله، فما حاجتنا للعبادات؟

بعد عرض هذه النماذج علينا إيضاح ما يلي:

إن العبادة والشريعة عند العرفاء هي التي تجعلنا أصحاب يقين، وشرط أن يستمر اليقين فينا هو الاستمرار في العبادة؛ لأننا إذا أوقفنا ما يوصلنا إلى اليقين ينقطع الخط أصلًا مع اليقين. ويقولون: كلما ترقى العارف ووصل إلى المرتبة الأولى والثانية والثالثة حتى العاشرة، فإذا وقع  من المستوى الأول يستطيع أن يتدارك، لكن إذا وقع  من على المستويات المتقدمة والعالية، لا يبقى منه أي شيء، فيمكن أن يتحول إلى إبليس بل ألعن من إبليس. لذلك من هنا أهمية الحفاظ على الاستمرار في العبادة، بل وكل العبادات التي تقرّبنا وتوصلنا إلى الباري عز وجل.

* يزدن بناه.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
السير والسلوك

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*