أخلاقيات السير والسلوك العرفاني- الدرس الثاني

26/6/2019

  • الموضوع الذي سنعالجه اليوم هو الإنسان الكامل.
  • من المهم التذكير أن محور اهتمام العرفان هو الذات الإلهية.
  • وكيف يتجلى ويتمظهر هذا الواحد (الذات الالهية) في مخلوقاته في هذا العالم، وقد أسموه الكثير؟ فكيف يمكن أن نعود فنرى من هذا الكثير الواحد سبحانه وتعالى؟
  • مبحث العرفان حتى لو كان نظريّا بحتًا، فلا يوجد هاجس عند العرفاء اسمه الأمور النظرية. المسائل النظرية هي لأسباب مرتبطة بالإخبار عن الشيء الذي حصل معهم.
  • البيئة الإسلامية، الحضارة الإسلامية، والبيئة العلمية عند المسلمين، لا تقبل بشيء من دون دليل أبدًا. من هنا يضطر العرفاء أن يقدّموا الأدلة على مشاهداتهم وعلى ما يعرفون. وتمام ما يرونه يمكن أن يستدلون عليه بتمام البرهان العقلي؛ أي البرهان الفلسفي.
  • ابن عربي قدم بعض مناهج البراهين التي تفوقت وغلبت حتى النمط الفلسفي الذي كان سائدًا. وليس معناه أنه لم يشتغل بالفلسفة، لكن طور الأداء بشكل كبير.
  • الأصل والأساس عند العارف حتى في ما يقوله من موضوعات نظرية وبرهانية وقواعد برهانية هي استنادًا على أمور شاهدها.
  • الأرضية للعرفان النظري هي العرفان العملي.
  • محور هذه الرؤية، الإنسان.
  • من هو الإنسان الكامل، هذا الإنسان الذي هو محور البحث العرفاني؟
  • الإنسان الكامل هو الإنسان، يعني نوح، يعني إبراهيم، يعني موسى، يعني عيسى، يعني الرسول محمّد (ص). لا أحد يظن أن الإنسان الكامل لا يبحث في موضوع الذات المرتبطة بالأنبياء والرسل أو الأولياء.
  • حينما نريد أن نبحث بمسألة الإنسان الكامل، هذا الإنسان الأصل، المثال الأعلى لهذا البحث يتعلق بذات الرسول، بذات النبي. إذًا، الأصل هذا الإنسان، الذي يمثل ذات الرسول أو ذات النبي.
  • في مبحث الإنسان الكامل عند المسلمين، كان لهم تعبير آخر أسموه الحقيقة المحمدية؛ وأسموه المحمدية؛ لأنه رغم الكمالات الموجودة عند أي نبي وأي رسول إلا أن هذه الكمالات على رتب، وأعلى رتبة هي رتبة نبينا محمّد (ص).
  • النبي محمد(ص) يمثل هنا في الدنيا تلك الحقيقة الكبرى الموجودة في علم الله الأزلي[1].
  • حينما نتحدث عن الحقيقة المحمدية ينبغي أن نتحدث عن حقيقة ما في علم الله الأزلي تجمع كل من ينتمي إلى تلك الحقيقة. لذلك قالوا: إن الحقيقة المحمدية تصح على كل معصوم، بحيث إنه ورد: أوّلنا محمد أوسطنا محمد آخرنا محمد، كلنا محمد.
  • الحقيقة المحمدية ينتمي إليها كل إنسان كامل، لكن برتب: منها رتب العصمة (نبوة، ورسولية)، ورتب الأوصياء، ورتب بالتبع.
  • الحقيقة المحمدية تجمع كل الوجود، هي خلاصة كل الوجود، سر محمّد هو سر الحياة. سر محمّد هو سر الوجود. سر محمد هو هذه الإرادة، وهذا التجلي الإلهي الذي أراد للوجود أن يكون فكان. أراد لهذا العالم أن يكون فكان، أراد لهذه الأشياء أن تكون فكانت. هذه الحقيقة جمعت كل الحقائق في حقيقة واحدة أسموها بالحقيقة المحمدية.
  • إذًا، الإنسان الكامل هو صاحب الحقيقة المحمدية.
  • كل الأسماء الإلهية يمثلها هذا الذي سيجعله خليفة. قصة الحقيقة المحمدية هنا، أن الإنسان بما هو إنسان جامع لكل الأسماء والصفات الإلهية في حقيقة وجوده.
  • بالنسبة إلى الإنسان، الذي يمّثل عالم الأرض وعالم المادة؛ هو الجسد، والذي يمثل عالم المجردات؛ هي الروح. والذي يقع بين البدن وبين الروح؛ هي النفس. فذات النفس تنتمي إلى الروح، فيها شيء مجرد! لكن تصرف النفس يحصل في البدن. إذًا، هذه النفس من جهة تنتمي إلى عالم المادة، ومن جهة أخرى تنتمي إلى المجردات.
  • الإنسان لديه صلة بالأرض وعالم المادة، ولديه أيضًا صلة بعالم البرزخ من خلال النفس. وعند الموت، حينما تخرج النفس من الجسد فالتي ترى هي النفس وليس البدن.
  • حين تترقى النفس إلى ما بعد الحشر، فالذي يتجلّى هي الروح، وهذه الروح هي الأساس. فهل عندي ما ينتمي إلى البرزخ؟ نعم، وعندي امتداد لما بعد البرزخ.
  • الفارق بيننا وبين البرزخ حُجُب، وبيننا وبين الروح حُجُب. أنا الإنسان لي امتداد إلى ما بعد الدنيا، وإلى ما بعد البرزخ الذي هو التجرد، لكن الحُجُب هي التي تمنعني أن أرى نفسي في المرآة[2]، وتمنعني أيضًا أن أرى روحي.
  • وظيفة البحث في الإنسان الكامل عند العرفاء، هي كيف يمكن للإنسان أي إنسان أن يرى نفسه، وأن يرى روحه، أن يعرف حقيقة نفسه وأن يعرف حقيقة روحه.
  • وظائف العرفان العملي:
  1. وظيفة العرفان العملي أن يعرّفنا بأنفسنا وامتدادات أنفسنا. كيف يتم ذلك؟ ينبغي كسر أول حجاب، وهو حجاب الاستئناس بالأنا؛ هذه الأنا هي التي تحجبني عن أمرعظيم، ولكي أصل إليه يجب أن أكسر الأنا.
  2. وظيفة العرفان العملي أن يدربني كيف أكسر هذه الأنا لكي استحضر حضور الله.
  • التوحيد الأفعالي؛ أي أن كل ما في هذا الوجود هو فعل الله، وأنا من هذا الوجود فأنا من فعل الله.
  • إذا استطاع الإنسان أن يستحضر وجود الله في حياته وفي البيئة المحيطة به، يكون قد بدأ بأول الطريق في السير بموضوع العرفان.
  • صحيح أن الإنسان الكامل هو رسول الله، الأنبياء، والأئمة المعصومين، لكن يمكن لأي إنسان أن يكون إنسانًا كاملًا، وشرط الحصول على هذه الكمالات، هو العيش بمنطق وبيقين التوحيد الأفعالي؛ أي أن هذا الوجود هو فعل الله، وهذا أول الطريق، لكن متى يصبح الإنسان كاملاً؟ بكل بساطة، عليك بالبحث عن الطاقات والخيرات الموجودة في هذا الإنسان الذي نعرفه، مثل العلم، القدرة، العطف، التعاون، الإيثار، الطاعة من أجل الشكر الذي يوصل إلى الحمد وإلى ما هنالك. هذه الخيرات الموجودة لدينا، موجودة فطريّا، الله أوجدها فينا كقابليات، وكل نقطة قابلية موجودة لدينا هي قوة وطاقة لا حدود لها، فإذا أوصلنا هذه الطاقات والرغبات والقابليات إلى كمالاتها، يصبح الواحد منا قابلًا لأن يكون إنسانًا كاملًا.
  • إذًا، من هو الإنسان الكامل؟ هو الذي جعل من المسائل الفطرية والرغبات الفطرية الموجودة لديه، تلك الرغبات الصالحة الخيّرة، نقلها من أن تكون ضعيفة إلى أن تكون قوية بأقصى حالاتها. هل شرط ذلك أن أعتزل الناس؟ وهل المؤشر على أني قد وصلت لأن أكون إنسانًا كاملًا، أن أكون مثلًا في بيئة علمية؟ (في تقدير سماحة الشيخ شفيق الشخصي)، أن حصر الموضوع، للوصول لأن يكون لديه كمالات الخير، بالذين يدرسون العرفان فقط، حصر لا دليل عليه، وإن كان الدرس يحفّز، وعامل مساعد.
  • مصدر أن يكون الإنسان عارفًا هو ما يلي:
  • أولًا: كسر الأنا.
  • ثانيًا: أن أفتح قلبي على آيات ربي، وأول هذه الآيات هو القرآن. لكن الأصل حينما أقرأ هذا القرآن، هو كيف يمكن لي أن أجعل هذه الآية وكأنها نبض قلبي.
  • ثالثًا: التأمّل في الوجود من حولي، لتشعر بوقع هذه الآية في قلبك. والمقصود بالتدبر والتفكر والنظر؛ هو أن تفتح كل موارد الإدراك لديك، والإدراك هو رغبة خير لديك يجب أن تفتحها.
  • رابعًا: وقد يكون هو الأكثر أهمية، هو سلوك النبي، وأخلاق النبي، وأحوال النبي… سنة النبي تقول: إنه بمقدار ما تستطيع أن تعيش كل تفاصيل الحياة بميزات أخلاقية عالية، وبقلب معلّق بالملأ الأعلى، بمقدار ما تكون نجحت في الميزان. فهل أذهب إلى فلان وفلان لأقتدي بهم وعندي رسول الله محمد؟
  • (إدعاء لسماحة الشيخ شفيق جرادي)، أن أول من تحدث عن العرفان واكتسب الحياة العرفانية وفق منهج رسول الله محمد (ص)، وأمير المؤمنين علي (ع) هو الإمام الخميني (قدس الله سره الشريف)، حيث يعتبر الإمام الخميني أن المقاتل في الجبهة الذي يصدق الله فيما عاهده عليه أثناء القتال، قد يصل إلى مستويات هي أعلى بما لا يقاس من إنسان مضى من عمره 70 سنة وهو يجاهد نفسه، رغم ذلك لتحقيق رضا الله عز وجل لا زال صابرًا.
  • لذلك وحسب ما يعتقد سماحة الشيخ شفيق جرادي، أن العرفان الحقيقي هو الذي يجعل من بدنه ومحيط الأرض كل الأرض ميدانًا لعبادة الله.
  • يقول الإمام الخميني (في كتاب شرح دعاء السحر): واعلم أن الإنسان، هو الكون الجامع[3]، لجميع المراتب العينية[4]، والمثالية[5]، والحسية، منطوٍ فيه العوالم الغيبية[6]، والشهادية[7]. إلى أن ينقل (قده)، أنه رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: اعلم أن الصورة الإنسانية[8]، هي أكبر حجج الله على خلقه[9]، وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده[10]، وهي الهيكل الذي بناه الله بحكمته، وهي مجموع صورة العالمـَيْن، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، والصراط الممدود بين الجنة والنار، فهو خليفة الله على خلقه.
  • صورة الإنسان الكامل: من أجل أن أطوّر رغبات الخير لدي لا يمكن أن أطورها إلا بالولي الذي هو محمّد وآل محمد.
  • والصراط الممدود بين الجنة والنار: من هو صاحب الصراط؟ هو النبي (ص)، وهي ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
  • هناك نقطتين صغيرتين لهم علاقة بالأمور الثقافية:
  • النقطة الأولى: لها علاقة بالمستشرقين، هناك باحث مسيحي ألّف كتاب حول الحلّاج، واعتُبر هذا الكتاب من أفضل الكتب التي تتحدّث عن التصوف، وأنه علّم الناس كيف يبحثون في التصوف، هذا الكاتب أبرزَ في شخصية الحلاج بأنه الشخص الذي استطاع أن يثبت وحدة الوجود لكن بالعلم الديني، وأن ابن عربي اشتغل على الميتافيزيقا، أي الإطار الفلسفي، هذا الباحث اسمه ماسينيون، وتعد طروحاته أخطر ما قُدّم من مستشرقين تجاه موضوع التصوف. (في تقدير سماحة الشيخ شفيق) أغلب المغالطات تجاه موضوع العرفان والتصوف سببها تأثر الناس بالطريقة الاستشراقية التي قُدِّمت على يد معلمهم ماسينيون. أما تقديم صيغة العرفان والتصوف بالطريقة المتداولة في مدارسنا هي شيء آخر مختلف.
  • النقطة الثانية: حاليًّا، هناك من يشتغل على أن يقول: بأنه لا يوجد شيء اسمه الوحي، ولا يوجد شيء اسمه دين، ويستدلون على هذا الكلام من العرفان، ويكتبون أبحاثًا وكتبًا ومقالاتٍ ومحاضرات ومؤتمرات، والإمارات العربية لديها جيش من المؤمسسات البحثية لتفريغ هذا المضمون، ويدعون بأنه إذا كان القول أن السبيل إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، فإذا كان كذلك، فأنت من أي طريق تذهب تصل إلى الله. لذلك لا يوجد لا محمد ولا علي ولا حسن ولا حسين.
  • في أصل معتقدنا الديني الصراط واحد، ولا يوجد صراطات، لذلك لا يوجد إلا صراط واحد، منذ نبينا نوح وما قبل نوح إلى آخر الدهر، هذا التوحيد بالمعنى الذي بينه كل الأنبياء، الصراط واحد، لكن ما هو المتعدد؟ ليس الصراطات، لكن سبل الوصول والاستدلال والتبيان للصراط.
  • شريعة محمد بن عبد الله قاعدتها أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وأن حرامه حرام إلى يوم القيامة.
  • الصراط واحد، أزمة العرفان، خاصة موضوع الإنسان الكامل، أنهم أرادوا أن يستثمروه ليخرجوا الناس من دين محمد بن عبد الله (ص)، وهو أصل عصيّ على ذلك. وبكل صراحة أيضًا، الحصن المانع عن أي انحراف هو الطريقة، هو الآلية، هو المنطق، وهو المنهج الذي رسمه الإمام روح الله الموسوي الخميني (قده).

[1]  يعني أن له قبل مجيئه إلى الدنيا حقيقة. هذه الحقيقة موجودة في علم الله الأزلي.

[2]  والمرآة هنا هي المعرفة.

[3]   كل ما في هذه الحياة من أسرار خلاصتها موجودة عند هذا المخلوق الذي خلقه الله الذي هو الإنسان، لذلك يسموه ببعض التعابير، العالم الصغير والعالم الأصل.

[4]  هناك مصطلحات ورموز موجودة عند الصوفية والعرفاء وركّز عليها ابن عربي، حيث يقول: كل شيء موجود في الموجودات الحيّة، في الأعيان الأزلية له عين تمثله، مثال على ذلك، حقائق الطير موجودة برمز معين، حقائق الحيوان موجودة برمز معين، هذا يطلق عليه أعيان، عين الطير، عين الحيوان، عين الإنسان، وهذه الأعيان لها تسمية أخرى تسمى الأعيان الثابتة، العين الثابتة للطيور يرمز لها مثلًا بالديك، أو الطاووس، مثلًا عين الحيوان يرمز لها بالأسد وهكذا، هذه الأعيان الثابتة هي تمثل كل الموجودات، والعين الجامعة لسر كل الأعيان الثابتة هو عين الإنسان الكامل.

[5]  البرزخية.

[6]  مثل الروح.

[7]  عالم الشهادة وما فيها.

[8]  أي حقيقة الإنسان.

[9]  صورة الإنسان الكامل هي حجة الله على الخلائق. من هنا من أكمل صور الإنسان الكامل عند الله؟ هي صورة الحقيقة المحمدية، بمحمد وآل محمد، لذلك هم حجج الله على الخلائق كلهم.

[10]  المضامين الخاصة التي وضعها الله بالكامل في هذا الإنسان.


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*