الحقيقة الميتافيزيقيّة بين حسّ الطبيعة وحدس الوجود

الحقيقة الميتافيزيقيّة بين حسّ الطبيعة وحدس الوجود

يبدو أنّه من التعسّف أن نقارب السؤال عن ماهيّة الميتافيزيقا في ظرف ملتبس لا يخلو تمامًا من الممارسة الميتافيزيقيّة، فمنذ البدء نجد الإشكاليّة ماثلة وتفترض تحديد خياراتنا على صورة اشتراط مسبق لأيّ إمكانيّة في التعريف. ذلك أنّ المفهوم نفسه ينتمي إلى بيئة تأمّليّة ويرفض أن يتحدّد في موضوعات مؤطّرة مسبقًا. كما يبدو من العبث أن نذهب مباشرة لتحديد المدلول اللغويّ كما لو أنّه يشكّل إضاءة أوّليّة للمقصد، مع ما تخلّل ذلك من غموض في الترجمة والتعبير. وإذا كان يتعيّن علينا أن نقارب الميتافيزيقا كظاهرة، وأن نضع في الحسبان كلّ ما قيل أو يمكن أن يقال عنها، فهنا فقط يمكننا الحديث عن دلالة الميتافيزيقا بطريقة موائمة، بأن نحدس ذلك النسق الذي يوحّد بين تلك الظواهر المختلفة والأقوال المتعدّدة عنها، بألوان من الاتّجاهات والرؤى المتنوّعة، وتخضع للتغيير تبعًا لما يقع في قصد واهتمام كلّ مدرسة، إلّا أنّ ذلك يبقى صحيحًا فقط في إطار المواضعة، ولا يشكّل مدخلًا حقيقيًّا للتعريف إلّا بمقدار ما تتجلّى الميتافيزيقا نفسها على مسرح التاريخ وفي نطاق الوعي والوجود. من المعلوم أنّ المصطلح أطلق في الأصل على كتابات أرسطو التي نشرها أندرونيقوس الرودسيّ في القرن الأوّل قبل الميلاد، وتحديدًا على المباحث التي تأتي بعد الطبيعيّات في سياق الشرح والتصنيف، فقد تنبّه أرسطو إلى تعلّق المباحث الفلسفيّة بقسم خاصّ من الوجود، وهو الوجود الذي لا يتخصّص بخصوصيّة ما، ومذّاك تحدّد أحد أهمّ مجالات البحث الفلسفيّ في الوجود بما هو وجود ذلك الذي لا يقع في مجال الخبرة المباشرة للإنسان، لذلك تبحث الميتافيزيقا في الـ”مابعد” والـ”ماوراء”، وليست البعديّة هنا بعديّة مجاوزة إلى ماوراء عالم المحسوسات بالضرورة، بل هي البحث عن جوهر الوجود الشامل. تحميل البحث



لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*