الانعتاق الذاتي في مفهوم اليهودية والصهيونية

الانعتاق الذاتي في مفهوم اليهودية والصهيونية

مقدمة

يستغرب الكثيرون لدرجة الدهشة العظمى من موقف الدول الأوروبية الكبرى، ومعها أمريكا الداعم بضراوة شديدة لدرجة إنقاذ إسرائيل من أي هزيمة عسكرية، حتى إنها توافق على قتل المدنيين وتدمير المستشفيات والكنائس والمساجد والمدارس دون رادع من دين أو خُلق… فما هو سر هذا الانحياز الأعمى للدولة العبرية؟ هو ما نكتب عنه وفيه، ولكن يزول السبب عندما نعود إلى الوراء قديمًا وحديثًا.

في عام 135 ميلادي، قام الإمبراطور الروماني (هادريان) بعد ثورات وقلاقل اليهود في فلسطين، بتدمير كل بيوت مدينة أورشليم، كل البيوت تم هدمها ومعها الهيكل، وطرد كل اليهود منها، ثم قام بتغيير اسمها إلى (إيلياء الكبرى)، وحدث الشتات العظيم لليهود في كل دول العالم بأسره، ولم يعودوا من الشتات إلا عام 1948، فيما نعرفه نحن المسلمين بعام النكبة.

عاش اليهود بين الأمم معتقدين أن الشتات سيزول يومًا ثم يعودون إلى الأرض الموعودة أرض العسل واللبن،  يرددون وهم في السبي البابلي كما جاء في سفر المزامير 137/1 (علَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْن)، وخلال الشتات كتبوا أشعار حنين للأرض الموعودة، مثلما قال الشاعر الأندلسي (هاليفي عاليزي): (إن قلبي في الشرق، وإن جسمي مقطع في شتى أنحاء الأرض، تقطع يميني إن نسيتك يا أورشليم).

وهو حنين لجمع شتات الشعب الإسرائيلي والكتاب فوق الأرض، وهو حنين ديني، ليس فيه مثل تبشير المسيحية أو الإسلام، لأن اليهودية دين قومي يخص اليهود وحدهم، فاعتناق اليهودية نادر الوجود ولأسباب متعددة ليس هنا مجال الكتابة فيها، والحنين أيضًا ليس سياسيًّا، الهدف من الحنين هو الحياة في أورشليم تحت أي قيادة سياسية، ليس بالضرورة أن يكون من نسل يعقوب النبي، طالما تمنحهم بركة الحياة في الأرض الموعودة، حتى لو لم يكن هيكل سليمان قائمًا، أما فكرة تأسيس دولة يهودية في فلسطين، فهو من أفكار الحركة الصهيونية.

ولا ننسى أن نؤكد على أنه حدثت لليهود مجازر في أوروبا يندى لها الجبين الإنساني، ولكن الدول الإسلامية هي التي كانت تستقبلهم وتستوعب عقلياتهم. ولم يحدث أن أقيمت لهم مجزرة أو اضطهاد في أي دولة إسلامية، بل عاش اليهود كمواطنين في البلاد الشرقية، بمواطنة شبه كاملة، والإسلام يعتبرهم من أهل الكتاب، والكتاب هو معجزة الإسلام والنبي الخاتم، فمصطلح أهل الكتاب مصطلح أخلاقي إنساني قرآني.

ولكن الصهيونية العالمية اليوم تنتقم من الغرب الأوروبي بقتل الفلسطينيين وسلب أرضهم، وهي علاقة لولبية شائكة، في الفكر اليهودي السماوي، مع الحركة العنصرية الصهيونية، بحيث لا يفهم العاميّ الفرق بين اليهودي والصهيوني.

الفرق بين اليهودية والصهيونية

ليس كل يهودي صهيوني، ولا كل صهيوني يهودي، وهي من نوافل القول، ولكن المواطن العادي لا يفهم ولا يستطيع التفرقة بين الصهيوني واليهودي، ويرى الدكتور (عبد الوهاب المسيري) في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) بأن اليهودية ديانة سماوية، ففيما يتعلق بالأبعاد الدينية ترتبط اليهودية بالعقيدة والعبادة، والتعاليم الدينية المتعلقة بالتوراة والتقاليد الدينية اليهودية.

أما الصهيونية، على الرغم من أنها تشمل أعضاء يهودية متدينة، إلا أنها تركز بشكل أساسي على الجوانب الوطنية القومية والسياسية لتحقيق الدولة اليهودية؛ فالصهيونية هي حركة سياسية عنصرية، تهدف إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين، ثم التوسع لتكون المملكة الصهيونية بين نهري النيل والفرات… وتعتبر الصهيونية حركة سياسية تهدف إلى إقامة وتطوير دولة يهودية في فلسطين التاريخية، تشمل الجوانب السياسية للصهيونية النضال السياسي والدبلوماسي، والجهود الدبلوماسية لتحقيق أهدافها، ويعمل أنصار الصهيونية على تعزيز مصالح وحقوق الشعب اليهودي وتعزيز العلاقات الدولية للدولة اليهودية.

واشتقت الصهيونية من اسم (جبل صهيون) في القدس، حيث بنى النبي داوود قصره على الجبل الصهيوني، وجعلوه ملكًا لمملكة إسرائيل، حيث بنى قصره بعد انتقاله من حبرون (الخليل) إلى بيت المقدس في القرن 11 ق.م، وهذا الاسم يرمز إلى مملكة داوود، وصارت نجمة داوود السداسية شعار الحركة الصهيونية، التوسعية، وأمسى جبل صهيون رمزًا لتجميع اليهود بنبوءات توراتية للحياة في بلاد مهد الأديان، أو صرّة العالم القديم، وذلك لإقامة الدولة الصهيونية فوق الأرض الفلسطينية، تمهيدًا لحكم المسيح اليهودي، الذي يرونه مخلّصًا لليهود من السبي البابلي والأسر المصري، وفكرة المسيح اليهودي فكرة صهيونية، لأن اليهود ينتظرون (إيليا النبي) وليس المسيح، ولكنه ليس موضوعنا في هذا المقال..

الصهيونية المسيحية

منذ عصر النهضة، بدأت فكرة ترحيل اليهود إلى فلسطين، وذلك لأن الدول الاستعمارية الرأسمالية أرادت زرع إسرائيل للسيطرة على طرق التجارة العالمية من جهة، والتخلص من الصداع اليهودي المزمن في أوروبا من جهة أخرى، ومنع تواصل مصر مع الشام والعراق، ربما استعدادًا لحروب صليبية جديدة، اختمرت فكرتها الاستعمارية طوال أربعة قرون سابقة من الزمن، وتبدو ملامحها اليوم.

الغريب أن زعماء اليهود لم يكونوا أول من طلب تأسيس إسرائيل في فلسطين، بل هو المحامي الإنجليزي سير هنري فينش (1558 – 1625)، وهو صهيوني غير يهودي استخدم ديباجات مسيحية، لأنه كان مهتمًا بالدراسات الدينية، ودرس العبرية بتعمُّق، ثم ألّف في عام 1621 كتابه المعنون: “الاستعارة العظيمة للعالم”، أو  “دعوة لليهود”، حيث دعا اليهود إلى التمسك بحقهم في الأرض الموعودة، وطالب الملوك المسيحيين بأن يصغوا إلى مطالبهم ويرسلوهم إليها. واشترط لتحقيق هذا أن يتحول اليهود إلى المسيحية.

وقدَّم فينش تفسيرًا حرفيًّا لنصوص العهد القديم، وأعاد تعريف إسرائيل، فتخلى عن التفسير المسيحي بأن إسرائيل هي مفهوم روحي، وطرح مفهومًا عرْقيًّا هو “إسرائيل التي انحدرت من صلب يعقوب”، وقد أثارت تلك الآراء انتقادًا شديدًا وأدَّت إلى سجنه مع ناشر الكتاب، حتى تنصلا من هذه الآراء واعترفا بخطئهما، ولكن الفكرة لم تمت، بل دفعت الزعماء اليهود، خاصة الأغنياء منهم مثل عائلة (روتشيلد)، بمواصلة السعي لجلب تأييد أوروبي لإعادة الشعب  اليهودي إلى فلسطين.

الانعتاق الذاتي

نمت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين، ولكنها وجدت دعمًا غربيًّا غير مسبوق، حيث ظهر (ليو ينسكر)، وهو طبيب وناشط صهيوني يهودي من أصل روسي، وهو رائد ومؤسس وقائد حركة محبي صهيون، ولد عام 1821،  حيث اعتقد بنسكر أن حل مشكلة اليهود يكمن في حصولهم على حقوق متساوية.

وفي السنوات الأولى، فضل بنسكر خيار الاندماج في المجتمعات المحلية، ولكنه عدل عنها فيما بعد، وألّف كتابه المشهور (الانعتاق الذاتي:… تحذير روسي يهودي إلى شعبه)، دعا فيه الشعب اليهودي إلى النضال من أجل الاستقلال والوعي الوطني.

وأثار الكتاب ردود فعل قوية، انقسمت بين تأييد ومعارضة، ولكن (بنسكر) أصبح على قناعة أن نظرية  الصهيونية المسيحية، هي من السبل العظمى للانعتاق الذاتي، وهي النظرية التي تبناها فيما بعد تيودور هرتزل، ثم دعا بنسكر إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وانتهى بنسكر إلى أن الكراهية لليهود تعود إلى كونهم أغرابًا حينما حلّوا، باستثناء موطنهم الأصلي.. أرض إسرائيل، ولذا أصبح بنسكر أحد مؤسسي حركة محبي صهيون، ورئيسها بدعم من (البارون إدموند جيمس روتشيلد).

وفي عام 1890، وافقت السلطات الروسية على إنشاء “جمعية دعم المزارعين والحرفيين اليهود في سوريا وأرض إسرائيل، والمخصصة للجوانب العملية لإنشاء المستوطنات اليهودية الزراعية في أرض إسرائيل، ورأس بنسكر هذه المنظمة الخيرية والمعروفة (بلجنة أوديس)، إلا أن الخلافات بين مختلف الفصائل اليهودية الدينية والعلمانية، وأزمة الحركة الداخلية، زرعت الشك في ذهن بنسكر حول إذا ما كان الاستقرار في أرض إسرائيل حلًّا ممكنًا لمشكلة اليهود، وتوفي بنسكر  عام 1891، وظلّت الفكرة حية لا تموت كما هو معتاد.

ويذكر المؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) في موسوعته الشهيرة (قصة الحضارة) بأن الحركة الصهيونية استغلت العداء الأوروبي ضد اليهود طوال ثلاثة قرون قبل الثورة الفرنسية عام 1789، حيث كان العداء هائلًا ضد اليهود في أوروبا، وخاصة في ألمانيا منذ تأسيس البروتستانتينية على يد (مارتن لوثر)، الذي قرر أن بقاء اليهود على قيد الحياة دليل حي على صحة الكتاب المقدس، ولا بدّ أن يعتنقوا المسيحية إن أرادوا الخلاص، لذلك كان العداء لليهود كبيرًا في ألمانيا أكثر من غيرها، وتوّج هذا العداء في عصر (الفوهرر أدولف هتلر).

وجدير بالذكر أن حاخام يهودي هو( جيم سيلفر) عاش في أمريكا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان دوره هو جعل المجتمع الأمريكي برمته ينحاز إلى الحركة الصهيونية. قال في سلسلة مقالاته (الرؤيا والنصر): (إذا كانت قضيتنا نحن اليهود عادلة، فلندع المجتمع الأمريكي يتبناها، الجمهوريون والديمقراطيون.. العمال والفلاحين… البيض والسود.. المسيحيون والمسلمون.. كل من يعيش على الأرض الأمريكية يتبنى قضيتنا ويعتنق صنّاع القرار المسألة الصهيونية). وقد حدث بالفعل تحول المجتمع الأمريكي لمؤيد أعمى للصهيونية العالمية، وليس غريبًا أن يقول الرئيس الأمريكي جو بايدن: (لو لم توجد إسرائيل لاخترعناها)، وهي مقولة صهيونية مسيحية، ترتبط بمفهوم الاستعمار العالمي والرأسمالية التي تريد التحكم في طرق التجارة العالمية، وتمنع أي تواصل بين شرق العالم الإسلامي وغربه، وهو من أهم أسباب اختراع الرأسمالية للدولة العبرية.

لقد انتصرت الصهيونية العالمية على اليهودية القومية، أو بمعنى آخر، انتصرت السياسة التوسعية على القومية اليهودية الضيقة.. وفي سبيل النصر الصهيوني، قامت الصهيونية العالمية باغتيال علماء الأمة الإسلامية، خاصة علماء الذرة والنووي، قتلت علماء مصر وإيران وباكستان، وكل عالم مسلم يريد منفعة بلاده والأمة بأسرها.

كما تغتال أي مفكر يهاجم الصهيونية، في أي مكان في العالم، نضرب مثلًا (رضا هلال) الصحفي بجريدة الأهرام المصرية، فقد اختفى في ظروف غامضة يوم 11 أغسطس/آب 2003، ولم يظهر له أثر حتى اليوم، رغم أن تنظيم الجهاد ادعى أنه قام باغتياله، ولكن لم يثبت ذلك الاعتراف، لأن رضا لم يهاجم الإسلام السياسي، ولكنه هاجم الصهيونية، بصفة عامة، كحركة استعمارية، وتوجد إشارات على أن الصهيونية اليهودية والمسيحية قامت باغتياله، خاصة أن رضا هلال ألف عدة كتب، وكتب مقالات في جريدة الأهرام عن الصهيونية المسيحية، وألف كتاب (أرض الميعاد والدولة الصليبية)، وكان ينوي الحديث عن الصهيونية الإسلامية، وهو ما يرجح كفة إخفائه أو اغتياله… ثم اختفت آثاره ولم تظهر حقيقة اختفائه حتى الآن…

خلاصة القول

الحركة الصهيونية هي على تماس مع الدين اليهودي، ولكنه لا يمثّلها، والاستعمار العالمي استغل الصهيونية كما استغلت الصهيونية الاستعمار، فاندمج الاثنان ليمثلا تحالف الشيطان الأرضي، وخلال مسيرة مائتي عام كانت أسباب كثيرة تؤيد السيطرة على العالم من خلال العرق والدين وطرق المواصلات.

ثم اجتمعت كل تلك الأسباب الاقتصادية والدينية والعرقية في وجود دعم حاشد دائم، يمنع أي دولة كبرى من التفكير في وقف دعمها دولة إسرائيل، فهي الوليد غير الشرعي للرأسمالية الاستعمارية، ولا يمكن التخلي عنه، ولكننا نتوقع زوال هذا الكيان الصهيوني، ويعود الزمن من جديد للعنصرية الأوروبية، ليس ضد اليهود وحدهم، بل ضد كافة الأعراق.



المقالات المرتبطة

المسلمون في الهند بين التهديدات والتأثير (4)

يحرص هذا البحث على تفصيل بعض موضوعات عقدية مشتركة بين الإسلام والهندوسية يمكن أن يسهم الاطلاع عليها في تعزيز

الأصول الدينيّة للفنَّين الإسلاميّ العربيّ والفارسيّ

لا شكّ أنّ احتواء جانب واحد من متحف يبرر استخدام تعبير “فنّ الشرق الأدنى”، غير أنّ المسيحيّين التزموا لفترة طويلة، استخدام تعبير “الفنّ المحمّديّ”

كتاب “حروب الرحماء”… لإبراهيم عيسى بعد دم الحسين والقتلة الأوائل في رحلة الدم

رغم أن كتاب “حروب الرحماء.. القتلة الأوائل” صدر منذ فترة، أي عام 2018، في دار نشر كرمة بالقاهرة، ولكنه أُعيد طبعه مرات، وهو في النهاية، لشدة الإقبال عليه، فهو جدير بالعرض

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<