عداء الصهيونية للدين اليهودي

عداء الصهيونية للدين اليهودي

قد يكون العنوان غريبًا للوهلة الأولى، خاصة لمن يعتبرون الصهيونية متماهية مع الديانة اليهودية، ومعبّرة عنها. وهي الفكرة السائدة لدى كثيرين في العالم العربي والإسلامي، بل في العالم الغربي أيضًا. فالغالبية العظمى من العرب والمسلمين يعتبرون الصهيونية هي المعبّر عن مخططات اليهود الدنيوية، وعن تطلعاتهم الدينية، وعن الحلم اليهودي بتكوين مملكة اليهود وتحقيق الوعد التوراتي بدولة من النيل إلى الفرات، ولكن التحليل العلمي للصهيونية، وللتاريخ والواقع، يمكنه أن ينفي تلك الفكرة، بل يمكنه أن يثبت أن الصهيونية تضمر عداءً للديانة اليهودية، بل لليهود أنفسهم، وأن ذلك العداء يتجلّى في أكثر من صورة، وذلك على النحو التالي:

مؤسسو الصهيونية وموقفهم من الدين اليهودي

رواد الحركة الصهيونية أمثال تيودور هرتزل، وحاييم وايزمان، لم تكن اليهودية بالنسبة لهم ديانة يؤمنون بها، بقدر ما كانت رباطًا قوميًّا يبنون عليه مشروعهم الاستعماري، لذا لم يكن غريبًا أن يصطبغ المشروع الصهيوني منذ بدايته بالعلمانية، وكانت هذه الصبغة من الأسباب الرئيسية للمعارضة التي لقيتها الحركة الصهيونية من رجال الدين اليهود في بدايتها.

تيودور هرتزل نفسه، الزعيم التاريخي للصهيونية، لم يكن يهوديًّا بالمعنى الفعلي للكلمة، بل كان رافضًا لليهودية وتقاليدها، فلم يختن أولاده حسب الشريعة اليهودية، ولم يكن يلتزم بالمُحرّمات اليهودية في الطعام والشراب، وكان يحتفل بعيد الميلاد المسيحي(الكريسماس)، وكانت زوجته مشكوكًا في يهوديتها، حتى إن حاخام فيينا (عاصمة النمسا) رفض إتمام مراسم زواج هرتزل بها حينما اكتشف ذلك، أما أبناؤه فقد تنصّر معظمهم بعد وفاته.

وكان الزعيم الصهيوني الأشهر، لا يعرف اللغة العبرية، وحين أراد مجاملة حاخامات مدينة بازل في فترة عقد المؤتمر الصهيوني الأول (1897م)، اضطر لتعلم بضع كلمات عبرية لأداء الصلاة في معبد المدينة قبيل افتتاح المؤتمر، ويبدو أنها كانت المرة الأولى والأخيرة، فقد قال الرجل بعدها: إن المجهود الذي بذله في تعلم الصلوات كان أكبر من المجهود الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر بأسرها.

وعندما زار هرتزل القدس في خريف سنة 1898، انتهك العديد من الشعائر الدينية اليهودية، ليؤكد تميز فكرته الصهيونية ونظرته اللادينية عن العقيدة اليهودية.

وكان من أصدقاء هرتزل ومساعديه اليهود من يجاهرون بإلحادهم، مثل ماكس نوردو، ساعد هرتزل الأيمن، الذي كان يؤمن بأن التوراة كعمل أدبي أقل قيمة من أعمال الأديب الإغريقي هوميروس، ومن الأعمال الأدبية الكلاسيكية الأوروبية، بل كان يصف كتابه المقدس (التوراة) بأنها طفولية، من الناحية الفلسفية، ومقززة، من الزاوية الخلقية، ووصل كفر نوردو باليهودية وإيمانه بالصهيونية في الوقت نفسه، إلى أن يقول: إنه سيأتي اليوم الذي يحتل فيه كتاب هرتزل (دولة اليهود) مكانة تساوي مكانة الكتاب المقدس نفسه، حتى لدى خصوم هرتزل من المتدينين.

وبقي الموقف العلماني نفسه لدى الأجيال التالية من قادة الحركة الصهيونية، فكان حاييم وايزمان، أول رئيس للدولة الصهيونية، يتلذذ في بعض الأحيان بمضايقة الحاخامات بشأن الطعام الحلال حسب الشريعة اليهودية.

واعتاد ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء للدولة الصهيونية، أن يتفاخر بعلمانيته، وأن يقلّل من قيمة النصوص الدينية اليهودية وأحكام الحاخامات، وقد قال بعد اعتزاله العمل السياسي: ” كنت مصمّمًا على أن تكون إسرائيل دولة علمانية، تحكمها حكومات علمانية، وليست دينية. وحاولت أن أُبقي الدين بعيدًا من الحكومة والسياسة بقدر المستطاع”.

وبين الجماهير الصهيونية نفسها، كانت النزعة القومية العلمانية واضحة لدى المستوطنين الصهاينة منذ بداية الاستيطان في فلسطين، ولعلّ هذا ما دفع كثيرًا من المستوطنين قبل ظهور الدولة الصهيونية إلى التخلي عن لقب “اليهود”، وتبني لقب “العبرانيين” بدلًا منه؛ أي إنهم أرادوا أن يُعرّفوا بأنفسهم على أساس قومي، يحلّ محلّ الأساس الديني التقليدي، وقد اضطر الصهاينة فيما بعد لاستخدام لفظ “يهودي” لقدرته الأعلى على تعبئة اليهود، ولكنهم حتى حين يستخدمون هذا اللفظ يجردونه من أي محتوى ديني، ويستخدمونه للدلالة على المعنى القومي.

مشاركة الصهاينة في قتل اليهود

 الهولوكوست، لفظة مشتقة من كلمة يونانية تعني حرق القرابين، كانت تُستخدم في القرن التاسع عشر لوصف الكوارث الكبرى، وفي سنة 1942م كانت المرة الأولى لاستخدامها في وصف السياسات النازية ضد اليهود. ولكنها لم تُستعمل على نحو شائع حتى السبعينيات من القرن الماضي، حين أصبحت مرادفًا لإبادة اليهود جماعيًّا في ألمانيا والدول الخاضعة لسلطانها خلال فترة الحكم النازي.

 الرواية الغربية الرسمية للهولوكوست، تحكي كيف أن هتلر ورجال الحزب النازي حين وصلوا إلى السلطة في ألمانيا في سنة 1933م، بدأوا في تنفيذ سياسات اضطهاد اليهود، وسن القوانين لعزلهم عن المجتمع الألماني، وبلغت تلك السياسات ذروتها في أواخر الثلاثينات بمعسكرات الاعتقال، والإبعاد الجماعي، وكانت النتيجة موت ستة ملايين يهودي في معسكرات الاعتقال في ألمانيا وبولندا والمجر، بسبب الظروف السيئة للاعتقال في البداية، وتفشي الأوبئة، ثم نتيجة حرقهم وخنقهم بالغازات السامة في أفران الحرق وغرف الغاز. وهي الرواية التي يتبناها الصهاينة، وربما زايد بعضهم على التفاصيل والأرقام المعلنة، في مزيد من التضخيم للمأساة.

 ولا يزال الجدل دائرًا حول تلك الرواية، وأحداث المحرقة النازية عمومًا.

فهناك من يسلّم بوقوع الهولوكوست، ولكنه يشكك في رقم الستة ملايين، ويعدّه مبالغة من الحركة الصهيونية. وهناك من يُسلّم بوقوع المحرقة، ولكنه يقول إنها استهدفت اليهود ضمن أجناس أخرى، وطوائف سياسية ودينية استهدفها النازيون، مثل الغجر، والبولنديين، والشيوعيين، والشواذ جنسيًّا، وجماعة شهود يهوه، وأن إجمالي الذين لقوا حتفهم، واليهود من ضمنهم، هو أقل بكثير من رقم الستة ملايين، فلا يتجاوز في أعلى تقدير 800 ألف ضحية، مثَّل اليهود أقل من نصفهم. وهناك من يُنكر حكاية الهولوكوست بالكلية، ويقول إن هتلر لم يحرق اليهود أو يعذبهم، وإن المسألة لا تعدو ابتزازًا ماديًّا وسياسيًّا من الصهاينة لبعض الدول الأوروبية.

 وبالنسبة للصهاينة فقد مثّل الهولوكوست فرصة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، فقدّموا أنفسهم للعالم باعتبارهم ورثة لليهود الذين هلكوا في المعسكرات النازية، وأوصياء عليهم، وأن من حق الصهاينة (مُمثَّلين في الدولة الصهيونية) تحصيل التعويضات عن الأرواح والأموال اليهودية التي ضاعت في تلك الفترة، فحققوا بذلك مكسبًا معنويًّا ودعائيًّا مهمًّا، وهو اعتبار “الصهيونية” مرادفًا للـ”اليهودية”، واعتبار الدولة الصهيونية (إسرائيل) وصية على يهود العالم، ومتحدثة باسمهم، ومدافعة عن حقوقهم، وذلك بجانب الدعم المادي والسياسي والمبالغ الضخمة التي حصلت عليها “إسرائيل” من العالم الغربي، خلال العقود الماضية، تحت شعار “تعويض ضحايا النازية”، ومن لم يدفع بطيب خاطر، تكفّل الابتزاز الصهيوني العلني المباشر بإجباره على الدفع.

والمفاجأة هنا أن الصهاينة كانوا شركاء في اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية وفي قتلهم، فالنازيون لم يعاملوا اليهود الألمان معاملة واحدة، بل ميّزوا بين صنفين من اليهود: اليهود الألمان الذين رفضوا الاندماج في الحركة الصهيونية الداعية للهجرة، وفضّلوا الاندماج في المجتمع الألماني، واليهود الذين انخرطوا في الحركة الصهيونية ودعوا للهجرة إلى فلسطين. فقد رحّب النازيون بالصنف الأخير، لأنهم يساعدون النازية في تخليص ألمانيا من اليهود، لذا شجع النظام النازي المنظمات الصهيونية، ودعم مؤسساتها، في الوقت الذي اضطهد فيه النازيون يهود الصنف الأول، المتمسكين بالاندماج في الشعب الألماني. والأكثر من ذلك أن العلاقة بين النازيين والصهاينة وصلت إلى حالة من التحالف والتعاون في سبيل تهجير اليهود من ألمانيا، بل وصلت لمشاركة بعض الأفراد، والمنظمات الصهيونية، في إبادة اليهود الألمان بشكل مباشر، في صفقات عقدوها مع النازيين مقابل المساعدة في إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين، وثمة مراجع توثّق ذلك التعاون بين الصهاينة والنازيين، على حساب اليهود وحياتهم، وتثبت أنه إذا كان هتلر عدوًّا لليهود، فهو لم يكن عدوًّا للصهيونية، فالصهيونية والنازية تحالفتا من أجل تهجير اليهود إلى فلسطين، واتفقت مصالحهما ضدنا نحن العرب والمسلمين.

ومن أجل تضييق الخناق على اليهود في البلاد العربية، لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين، دبّرت العصابات الصهيونية حوادث التفجير والصدامات في مصر والعراق، في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، وهي حوادث راح ضحيتها يهود أبرياء، خاصة في العراق.

يهود ضد الصهيونية

هذا العداء الصهيوني لليهودية أدركه اليهود منذ بداية الحركة الصهيونية، لذا فإن الحركة الصهيونية حين ظهرت في أوساط اليهود الأوروبيين، لم تلق ترحيبًا أو قبولًا من جماهير اليهود.

حتى بعد تبلور الفكر الصهيوني، وتبني بعض المفكرين اليهود إياه، وتتويج ذلك بصدور تصريح بلفور في نوفمبر 1917م، فقد ظل المشروع الصهيوني في الفترة الأولى من ظهوره فكرة، أو مخطّطًا نظريًّا، لا يستند إلى قوة جماهيرية، لأن الغالبية العظمى من يهود العالم، أدركوا العنصرية الكامنة وراء الفكرة الصهيونية، فرفضوها. وتقوّى هذا الرفض لأسباب دينية، فقد أدرك كبار رجال الدين اليهود منذ ظهور الحركة الصهيونية، أنها حركة قومية علمانية منفصلة عن اليهودية، عقيدةً وشريعة، وكان إيمان رجال الدين أولئك هو أن بناء “مملكة إسرائيل”، لا بدّ من أن يتم على يد “المسيح المنتظر”، لذا رأوا أن مساعي الصهاينة لإنشاء دولة لليهود في فلسطين، تخالف ما تقرر في المصادر الدينية اليهودية القديمة والحديثة من وجوب انتظار “المسيح المُخلِّص”، ورأوا أن الصهاينة تحدوا الرب، وأعلنوا عزمهم على الحلول محل مسيحه المخلص، بهدف قيادة اليهود إلى الأرض المقدسة. وقد هبَّ الحاخامات المعارضون للصهيونية، لمقاومة هذه الحركة المارقة من الدين، فأنشأوا سنة 1918م “مجلس كبار علماء التوراة”، في كاتوفتيس ببولندا، وهو المجلس الذي عدَّ الصهيونية “هرطقة”، وأنشأ حزب “أجودات يسرائيل” لمقاومتها سياسيًّا.

 وها هي نماذج صريحة للرفض اليهودي العام للصهيونية في بداياتها:

ــــ اتخذت المنظمات اليهودية الرئيسية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة موقفًا معارضًا من الحركة الصهيونية، حتى اضطر القائمون على المؤتمر الصهيوني الأول (1897م)، إلى نقل مقر انعقاده من ميونيخ الألمانية إلى بازل السويسرية، وذلك تحت ضغط من المعارضة اليهودية.

 وقد أعلنت “اللجنة التنفيذية لمجلس الحاخامات” في ألمانيا، عشية انعقاد المؤتمر، اعتراضها على الصهيونية، على أساس أن فكرة الدولة اليهودية تتعارض مع عقيدة الخلاص اليهودية.

 كما اتخذت المنظمتان اليهوديتان في إنجلترا: “مجلس مندوبي اليهود البريطانيين”، و”الهيئة اليهودية الإنجليزية”، مواقف مماثلة، وعارض حاخام مدينة فيينا النمساوية (مسقط رأس تيودور هرتزل) فكرة إنشاء دولة يهودية، لأنها فكرة معادية لليهود، وتجعل العرق والقومية هي الأساس، بدلًا من العقيدة اليهودية.

 ـ أعرب “المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكان” عن معارضته للتفسير الصهيوني لليهودية بأنها “انتماء قومي”. وقد تبنّت “اللجنة اليهودية الأمريكية” موقفًا مناهضًا للصهيونية عام 1906م، وظلّت غير صهيونية حتى أواخر سنة 1940م، وعندما صدر تصريح بلفور أعلنت اللجنة رفضه في الحال، وذلك في عريضة وجهتها للحكومة الأمريكية، وقعها 299 يهوديًّا أمريكيًّا، أعلنوا رفضهم للتصريح، الذي يروّج مفهوم “الولاء المزدوج”، بين الوطن الذي يعيش فيه اليهودي، والدولة التي تدعو الدولة الصهيونية لإنشائها.

 وفي الرابع من مارس سنة 1919م ، بعث جوليوس كان، عضو الكونجرس الأمريكي عن كاليفورنيا، إلى الرئيس الأمريكي ويلسون، رسالة وقعها معه ثلاثون يهوديًّا أمريكيًّا بارزًا، يحتجون فيها على فكرة الدولة اليهودية، ويقولون: “إن إعلان فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود سيكون جريمة في حق الرؤى العالمية لأنبياء اليهود وقادتهم العظماء…”، مؤكدين في رسالتهم أنهم يعبرون عن رأي أغلبية اليهود الأمريكيين، وأن قيام دولة على أساس يهودي هو ردة إلى ألفي سنة مضت، وأن مفهوم الأرض الموعودة لليهود يجب أن يتسع لتكون أرضًا موعودة لكل الأجناس والعقائد.

 ومن أهم الشخصيات التي عارضت الصهيونية، السير أودين مونتاجو، الذي كان العضو اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية التي أصدرت “تصريح بلفور”، فحين علم الرجل بنية إصدار التصريح، كتب مذكرة رسمية تبين أن التصريح ينطوي على معاداة اليهود، لأن إنشاء وطن قومي لليهود سيؤثر على حقوق اليهود كمواطنين في بريطانيا، وستصبح فلسطين “جيتو” (أي معزلًا) لكل يهود العالم، وسيصير اليهود أجانب بوصفهم من مواطني الدولة الصهيونية.

 وقد وصف مونتاجو الصهيونية بأنها: “عقيدة سياسية مضللة، لا يمكن لأي مواطن محب لوطنه في المملكة المتحدة، الدفاع عنها”، واقترح حرمان كل صهيوني من حق التصويت في المملكة المتحدة، بدلًا من سعي الصهاينة إلى حرمان اليهود البريطانيين من جنسيتهم، ودعا الرجل لتحريم أنشطة المنظمة الصهيونية، بوصفها منظمة غير شرعية تعمل ضد المصلحة القومية البريطانية.

 وهكذا، فإن الصهيونية قد واجهت الرفض اليهودي في البداية، وقد أدرك قادتها التاريخيون هذه الحقيقة، ومنهم حاييم وايزمان، الذي اعترف بعد عشر سنوات من تصريح بلفور أنه كان تصريحًا “مبنيًّا على الهواء”!! ورُوي أنه في العام نفسه (1927م) كان يرتعد خشية أن تسأله الحكومة البريطانية عن مدى تأييد اليهود للحركة الصهيونية، لأن تلك الحكومة كانت تعلم ـ حسب كلمات وايزمان ـ أن: “اليهود ضدنا… كنا وحدنا نقف على جزيرة صغيرة، مجموعة صغيرة من اليهود لهم ماض أجنبي”.

 ولكن في النهاية تم استيعاب الغالبية الساحقة من يهود العالم في المنظومة الصهيونية، وكان لذلك أسبابه، التي من أهمها:

  1. توجد غالبية يهود العالم في العالم الغربي، خاصة في الولايات المتحدة، وقد نجحت الصهيونية في جعل نفسها جزءًا من الاستراتيجية الغربية العامة، إذ أصبحت الدولة الصهيونية (إسرائيل) دولة عميلة للغرب، استوعبت الفائض البشري اليهودي، وجمعته في كتلة بشرية تخدم المصالح الغربية. ومن هنا لم يعد هناك أي تناقض بين أن يكون اليهودي صهيونيًّا، يدين بالولاء للدولة الصهيونية، وأمريكيًّا يدين بالولاء للولايات المتحدة، فالولاء لإحداهما يصب في الولاء للأخرى.

2 . مع الوقت نجحت الصهيونية في الوصول لصيغة مناسبة مع اليهود الذين رفضوا الصهيونية في البداية لأنها تهدد اندماجهم في مجتمعاتهم، وطرحت مفاهيم جديدة، مثل “صهيونية الشتات”؛ أي صهيونية اليهودي الذي يؤيد الحركة الصهيونية بالدعم السياسي والمالي، دون أن يهاجر إلى فلسطين ويعيش في الدولة الصهيونية.

  1. نجحت الصهيونية في “صهينة” العقيدة اليهودية، وتفسير كثير من مفاهيمها لصالح المشروع الصهيوني، ولما كانت العقبة الرئيسية هي عقيدة العودة التي تُحرّم عودة اليهود لفلسطين إلا تحت قيادة المسيح، الذي يخرج في آخر الزمان لتخليص اليهود، فقد أفتى بعض حاخامات اليهود المتصهينين أنه يجوز لليهود العودة لفلسطين، إعدادًا لمجيء ذلك المُخلَّص.

4 . عمدت الصهيونية إلى مخاطبة كل يهودي بما يجذبه إليها، فإن كان اليهودي متدينًا، فإن الدعاية الصهيونية تحدثه عن الشعب اليهودي المقدس، المكروه من الأغيار (أي غير اليهود) بسبب قداسته، والذي سيتم نقله إلى فلسطين، استجابة للحلم الأزلي بالعودة، وتحقيق رسالة اليهود بتأسيس دولة يهودية تطبق تعاليم الشريعة اليهودية.

وإن كان اليهودي اشتراكيًّا ثوريًّا، فإن الصهيونية تحدثه عن توطين اليهود في فلسطين بغرض تأسيس دولة العمال والفلاحين اليهودية، التي ستحقق المثل الاشتراكية، وتثوّر الشرق العربي.

وإن كان اليهودي مهتمًا بـ” الهوية اليهودية”، فإن الصهيونية تخاطبه عن ضرورة نقل “الشعب اليهودي” من “المنفى”، وتجميعه في فلسطين للحفاظ على هويته اليهودية، خشية أن يندمج اليهود في مجتمعاتهم وينصهروا فيها فيفقدوا تلك الهوية.

وإن كان اليهودي ليبراليًّا ديمقراطيًّا، فإن الصهيونية تكلمه عن ضرورة نقل الشعب اليهودي لفلسطين، لأنه شعب ليبرالي ديمقراطي، يرغب في تأسيس دولة ديمقراطية علمانية، تسودها القيم الليبرالية الغربية.

 ونضيف للأسباب الأربعة السابقة التي أوردها الدكتور عبد الوهاب المسيري، سببًا آخر، وهو: دور الاضطهادات النازية لليهود في عهد هتلر، في جذب يهود أوروبا للحركة الصهيونية، وأثر التفجيرات والأعمال التخريبية التي نفذها الصهاينة في الدول العربية، من أجل إجبار اليهود العرب على الهجرة إلى فلسطين والانضمام للتجمع الصهيوني.

واليوم، لا يزال بين يهود العالم من يناصب الصهيونية العداء، وهناك جماعات يهودية ترفض الصهيونية، وتعد الوجود الصهيوني في فلسطين وجودًا غير شرعي، انطلاقًا من الشريعة اليهودية، وانطلاقًا من القيم والأخلاق الإنسانية التي تُحرّم العدوان واحتلال أراضي الغير.

 تأتي جماعة “ناطوري كارتا” كأشهر تلك الجماعات، وهي جماعة دينية انشقت عن حزب “أجودات يسرائيل” عام 1935م، احتجاجًا على قيام مؤسسي الحزب بإجراء مفاوضات مع منظمات صهيونية، بغرض الوصول إلى صيغة عمل مشتركة مع تلك المنظمات، رغم أن الحزب، كما ذكرنا، قد أُنشيء لمقاومة الصهيونية!! ومع أن تلك المفاوضات لم تسفر في النهاية عن نتائج تذكر، فإن العناصر التي أصرّت على رفض أي تعاون أو لقاء مع الحركة الصهيونية، تركت الحزب، وكوّنت حركة جديدة، هي ما تسمّى اليوم “ناطوري كارتا”.

 يرفض أعضاء الجماعة المشروع الصهيوني ويحاربونه، من منطلق فهمهم المختلف للديانة اليهودية، فرغم إيمانهم بأن اليهود هم “شعب الله المختار”، فإن ذلك لا يعني لديهم حق اليهود في الاستعلاء على البشر، أو السعي للسيطرة على العالم، وإنما يعني اصطفاء الإله لليهود ليقوموا على خدمته في الدنيا، وخدمة الجنس البشري كله انطلاقًا من خدمة الرب، وهو “الاصطفاء”، الذي يفرض على اليهود واجبات أكثر مما يمنحهم من حقوق، وُيوجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس تواضعًا وإيثارًا للسلام، وبُغضًا للعدوان وسفك الدماء، وذلك الفهم هو ما يدعو أعضاء الجماعة للتأكيد على أن اليهودية تحض اليهودي على ترك المشاركة في السلطة الدنيوية، وترك أمور السياسة للدولة التي يعيش في كنفها.

 ولأن الصهيونية تدعو لغير ذلك، وتسعى لتسخير اليهودية لخدمة مشروعها السياسي الاستعماري، فقد ناصبتها الجماعة العداء، واعتبرتها حركة “مُلحدة ومُهرطقة”، لأنها انتهكت العهود الثلاثة التي قطعها اليهود للرب قبل خروجهم للمنفى، وهي:

  1. ألّا يسبّبوا الألم للأغيار الذين يقيمون بينهم.
  2. وألّا يحاولوا احتلال الأرض المقدسة بالقوة.
  3. وألّا يستعجلوا العودة وظهور المسيح.

 فكان إعلان قيام الدولة الصهيونية بالنسبة لأعضاء الجماعة نقضًا لقوانين الشريعة، لذا يرفضون الاعتراف بتلك الدولة وبقوانينها، وأعلنوا أنهم لن يهبّوا للدفاع عنها إذا قوتلت، لأنها ثمرة للغطرسة الآثمة، قامت على أيدي نفر من “الكافرين” الذين تمردوا على مشيئة الرب، بل إن الصهيونية من منظور الناطوري كارتا هي أخطر المؤامرات الشيطانية ضد اليهودية.

 وبجانب هذه الجماعة، فهناك جماعات وأفراد من اليهود في مختلف دول العالم، لا يؤمنون بالصهيونية، ولا يؤيدون المشروع الصهيوني، هذا إن لم يعادوا هذا المشروع ويرفضونه من منطلق ديني وأخلاقي.



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | آليات إعمال المنهج عند حسن حنفي

انطلق حنفي في آليات إعمال منهجه من الظواهرية الهوسرلية، فبعدما تتحوّل العلوم المدروسة إلى منطقة الوعي، لا يتمّ الحكم عليها مباشرة، إنّما يتمّ استخدام آليات محددة،

تاريخ علم الكلام | الدرس العاشر | كلام الإماميّة في حقبة التنظير مدرسة الكوفة الكلاميّة

سنقوم، في هذا الدرس، بالتعريف بمدرسة أخرى من المدارس الكلاميّة عند الإماميّة، ونعني بها مدرسة الكوفة الكلاميّة. وقد تأسست مدينة الكوفة أوّل الأمر لتكون سكنًا لعسكر الإسلام، ولكنّها تبدّلت شيئًا فشيئًا لتصبح واحدةً من أهمّ المدن الإسلاميّة.

مفهوم اليسار الإسلامي في فكر الدكتور حسن حنفي

بدأ مشروع المفكّر حسن حنفي – على ما نعلم – من الوجهة الأُعلومية (الإبستمولوجية) مع ترجمته لكتاب سبينوزا “رسالة في

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<