“شريعة قتل الأغيار” في اليهودية- حرب غزة أنموذجًا

“شريعة قتل الأغيار” في اليهودية- حرب غزة أنموذجًا

 لم يكد يمر ثلاثة أيام فقط على بدء الحرب الصهيونية على غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، حتى خرجت فتاوى يهودية تبيح قتل الأهالي الفلسطينيين في القطاع، حتى ولو كانوا أطفالًا رُضَّع، بل وسرعة القضاء على ما أسماهم الحاخامات بـ”الإرهابيين” (الفلسطينيين)، بزعم أنهم يريدون القضاء على المستعمرين الصهاينة في مستوطنات غلاف غزة ومحيطها.

ودعا الحاخامات إلى القيام بعملية تصفية لأهالي غزة من قبل القوات الجوية الصهيونية، يتم خلالها سحق الفلسطينيين، كمرحلة أولى تمهيدًا للاقتحام البري للقطاع، رغم تحذيرهم من خطورة هذا التدخل العسكري، لكنهم اعتبروه أمرًا مفروغًا منه بهدف رد الاعتبار للجيش الصهيوني، واستغلال الفرصة لقتل المزيد من الفلسطينيين بزعم أنهم يريدون “إيذاء اليهود”.

الهروب قسرًا إلى مصر

ومع إشارة الفتاوى اليهودية إلى ضرورة الفصل بين السكان الفلسطينيين الذين يريدون محاربة الجيش “الإسرائيلي”، وبين الذين يريدون الاستسلام لقواته، فإن من يبقى في منزله، فهو يعادي الكيان ويعتزم الشهادة ومُباح قتله، ومن يستسلم، فعليه الهروب إلى مصر أو أي ممرات للهروب من غزة مع سماح الجيش الصهيوني بهذا الهروب أو الخروج القسري من القطاع، ووضع احتمال بإنشاء منطقة تجميع للأهالي الفلسطينيين الراغبين في الاستسلام والبقاء في غزة، كما جرى في أكثر من مكان داخل القطاع، ولكنهم لم يَسلموا من ضربات الصهاينة، ولنا في مستشفى الشفاء مثال.

والشاهد من تلك الفتاوى هو ما يتم تطبيقه، فعليًّا، على أرض الواقع في غزة، حيث تم تهجير الفلسطينيين، قسريًّا، من أراضيهم، ومن بَقي على أرضه تم استهدافه، ومن أراد الخروج تم نقله إلى مدينة رفح الحدودية مع مصر، في انتظار إجراء عمليات تهجير قسري لهم إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، كما تريد حكومة نتنياهو؛ إذ كانت الفتوى واضحة، علم اليقين، بأن من يبقى في منزله، يُباح قتله، وقطع سُبل الحياة كافة عنه، من كهرباء وماء وغذاء وأدوية؛ فيما تلاحق قوات الجيش الصهيوني، النازحين، الفارين من الغارات المتواصلة بعد تكثيفها، مرارًا، لهجماتها على الفلسطينيين الذين يقيمون في خيامهم بمدينة رفح، رغم معيشتهم وسط أوضاع إنسانية كارثية؛ في ظل التشديد على تكرار كلمتي “سحق”، و”محو” القطاع من سكانه، ضمن أدبيات تصريحات المسؤولين الصهاينة، أو تحليلات المعلّقين العسكريين في وسائل الإعلام العبرية.

قتل الأجنّة في بطون أمهاتهم

والثابت أن عملية محو قوات الجيش الصهيوني للشعب الفلسطيني لم تقف عند حد قطاع غزة فحسب، ولكنها تمتد إلى أماكن وبلدات فلسطينية أخرى، مثل مدينة جنين بالضفة الغربية، أو أي بلدة فلسطينية لا ترغب في الخضوع والاستسلام للصهاينة، وذلك بحسب ما نشره الموقع الإلكتروني اليميني “هاقول هايهودي/الصوت اليهودي”، في الحادي عشر من أكتوبر الماضي، باعتبارها سياسة صهيونية لم تجر في غزة وحدها، ولكن في بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومع رفض الشعب الفلسطيني التهجير من غزة، وتمسكهم بالبقاء في منازلهم، وفي ظل اشتداد عود المقاومة، بمرور الوقت، وتكبد الجيش الصهيوني خسائر بشرية ومادية، خرجت فتاوى أخرى على لسان عدد كبير من الحاخامات تبيح قتل الفلسطينيين، حتى لو كانوا أجنّة في بطون أمهاتهم؛ حيث وجهوا في الثلاثين من الشهر نفسه (أكتوبر)، نداء إلى نتنياهو وحكومته ورؤساء الأجهزة الأمنية في الكيان الصهيوني، شددوا من خلاله على إباحة قتل المدنيين عن بكرة أبيهم في مستشفى الشفاء، تحديدًا، بزعم أن مَن يتحمل مسؤوليتهم قادة حماس الذين يختبئون خلفهم، وهو ما ثبت نفيه من قبل وسائل الإعلام العالمية، آنذاك، فيما طالب النداء الذي تم توقيعه من عشرات الحاخامات من الدرجة الأولى، بما في ذلك حاخامات المدينة وقادة المدارس الدينية وحاخامات المستوطنات، بتقوية حكومة نتنياهو في الحرب الدائرة على غزة، أو أي جبهات يحارب فيها الجيش الصهيوني، والتي عددَّتها بعض وسائل الإعلام العبرية بثمان جبهات، من بينها الضغوط الدولية التي مورست بعض الوقت على تل أبيب بهدف وقف الحرب على غزة؛ إذ دعا الحاخامات إلى الاستمرار في قتل الشعب الفلسطيني دون هوادة، بزعم أنه “لا يوجد أي عائق قانوني أو أخلاقي أمام قصف العدو [الشعب الفلسطيني] بعد هجوم [طوفان الأقصى]”.

إبادة شعب “العماليق”

في الثامن والعشرين من أكتوبر الماضي، خرج نتنياهو في خطاب خطير استند فيه إلى اقتباسات من نصوص دينية من التوراة، بشأن قصة إبادة يهوشع “يوشع بن نون” لشعب “العماليق” والتي تعود لما يزيد عن 3000 عام، بزعم أن الجيش الصهيوني هو جزء من إرث المحاربين القدامى ليهوشع، وهي القصة التي أُبيد خلالها شعب “العماليق” بعد حصار امتد لستة أشهر كاملة، وإحراق لمدينتهم، كما جاء في سفر صموئيل (1-15): “حرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف، واحرقوا المدينة بالنار من كل ما بها”.

يرى نتنياهو باستشهاده لتلك القصة أنه ينفذ إرادة الرب ضد “عماليق غزة”، والتي يتردد أنها تعود إلى قوم من البدو الرُحَّل سكنوا سيناء وجنوبي أرض كنعان (فلسطين حاليًا)، وأن ما يقوم به الجيش الصهيوني في القطاع ما هو إلا انطلاقًا لعقيدة دينية متطرفة تبيح قتل الشعب الفلسطيني، حيث ترمز كلمة “العماليق” إلى الآخر الذي يجب القضاء عليه ومحوه؛ ما يعني أن رئيس الوزراء الصهيوني يمنح قواته العسكرية “تسويغ” أخلاقي، أو “صك”، أو “غطاء” ديني لإبادة الفلسطينيين في غزة الذين يجسدون “ذروة الشر”، يستعيدون “قيم التوراة” ولا يخالفون القانون الدولي الإنساني.

توراة الملك: أحكام العلاقات بين اليهود والأغيار

والغريب أن بعض الفتاوى الصادرة بشأن الحرب على قطاع غزة، قد تم الرجوع فيها إلى الحاخام إسحاق شابيرا، مؤلف كتاب “شريعة الملك: أحكام العلاقات بين اليهود والأغيار”، الصادر في العام 2010، وهو الكتاب العقائدي والمتطرف، الذي يضم القواعد الفقهية والأيديولوجية الداعية لاستباحة وسفك دماء الأغيار “الغوييم/غير اليهود” على أيدي اليهود في أوقات السلم والحرب؛ حيث أكد شابيرا فور اندلاع عملية “السيوف الحديدية” للجيش الصهيوني على القطاع، أن أفكار كتابه الخطير تمت صياغتها بعد مناقشات ومداولات مكثفة مع أشخاص معنيين بالشؤون الأمنية في بلاده، وأن ما صدر من فتاوى بحق أهالي غزة تعود في مصدرها إلى “شريعة الملك”.

الفتوى نفسها هي التي شجعت بن غفير، الوزير اليميني المتطرف في حكومة الكيان على دعوة المدنيين الصهاينة إلى حمل السلاح، ما ينذر بحرب “استنزاف” أو “عصابات” بين المستوطنين والأهالي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة كافة، خاصة في ظل المعاناة المستمرة لسكان الضفة الغربية من عنف هؤلاء المستعمرين، بعد تعدد أعمال العنف، ما بين قتل وضرب ونهب ممتلكات، وإحراق سيارات، واقتلاع الأشجار، بمعنى إبادة البشر والشجر والحجر وكل مقومات الحياة.

طلبات الحصول على حراسة شخصية

وهو ما انطبق على لجوء أحياء “إسرائيلية” كاملة إلى الحراسة الأمنية المشددة، نتيجة لعدم شعورهم بالأمن الشخصي، سواء على مستوى المجال العام أو الخاص، بزعم أنها نتيجة طبيعية لعملية “طوفان الأقصى”، حيث قفزت طلبات الحصول على خدمات أمنية خاصة بالآلاف، من عملاء جدد أو تعزيزات من عملاء قدامى أو حاليين، أشخاصًا أو شركات أو مدارس أو مؤسسات، حتى إن بعض شركات الأمن الخاص واجهت أزمة في توفير بعض موظفيها؛ نتيجة لهذا الطلب الأمني المتزايد بقوة.

الفتوى ذاتها التي دفعت بعدد كبير من المدارس الصهيونية إلى تعليم تلاميذها وطلابها التدريب على حمل السلاح وغرس مبادئ ومفاهيم مغلوطة حول الآخر المسلم، حيث نشرت بعض القنوات العبرية – على رأسها القناة الـ 14 اليمينية المتطرفة – لقطات فيديو لهؤلاء الأطفال وهم يتعلمون ويتدربون على كيفية إطلاق الرصاص، خاصة على مجسمات إسلامية؛ حيث تتم عمليات التدريب على يد رجال أمن سابقين خدموا في الجيش الصهيوني، بعد استعانة بعض المدارس الدينية في إدارتها وتعليم أبنائها، بهؤلاء العسكريين، فنون القتال والتدريب العسكري؛ وهنا يستعينون بنصوص دينية مُستمدة من تعاليم التوراة بهدف إضفاء الصبغة الدينية على تعاليمهم المتطرفة، وهو ما يشكّل وعيًا مغايرًا ومتطرفًا لدى الأجيال الصهيونية الجديدة، خاصة وأن المفاهيم اليمينية يتم تغريسها في عقول الأطفال منذ مراحل التعليم الابتدائية وتستمر حتى الجامعية.

شعب الله المختار

تعج مناهج التعليم الصهيونية بمبادئ التطرف والعنف والحقد ضد الأغيار، وغرس الكراهية وتشويه صورة العرب والمسلمين بصفة خاصة، وهي الصورة التي تستقى من مراجع ومصادر دينية متطرفة تشحذ همم الأطفال ضد العرب، وتغرس في نفوسهم مشاعر العنصرية والعدوانية؛ تجعلهم في حالة انقياد دائم لتعاليم الشرّاح والمفسرين المتطرفين من الحاخامات، كما أنهم في حالة استعلاء تام، زعمًا منهم بأنهم “شعب الله المختار”، دون غيرهم.

الواقع يؤكد أن تلك المناهج العنصرية تصدر تصورًا سلبيًّا عن العربي لدى الأطفال اليهود، حيث يتردد على ألسنتهم أن “العربي الجيد هو العربي الميت”؛ فضلًا عن دمج مبادئ العنصرية بتزوير التاريخ وخلط الحقائق التاريخية والجغرافية بالأساطير التوراتية والأهداف الصهيونية، بهدف تكوين مفاهيم مغلوطة في وجدان التلاميذ والطلاب اليهود، باعتبار أن “التعليم في الصغر كالنقش على الحجر”؛ وهي الأهداف التي تخدم التوجهات الصهيونية لتغرس في نفوسهم “عسكرة” الحياة، منذ الصغر، في الأجيال القادمة.

* أكاديمي وباحث متخصص في الشؤون الصهيونية.

الدكتور خالد سعيد

الدكتور خالد سعيد

أستاذ الأدب العبري بجامعة عين شمس – القاهرة



المقالات المرتبطة

مصطلحات عرفانية | الجزء الأوّل

إباحة – الإباحة هي أن لا يلتفت صاحبها إلى الحلال والحرام، والطيب والخبيث، والطاهر والنجس، ويكون الكل عنده مباحًا جائزًا

الجهاد وصلته بالشهادة

بداية، لا بدّ من تعريف الجهاد. فالجهاد لغة يعنى بذل ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، أما الجهاد شرعًا فهو – كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – بذل القدرة في حصول محبوب الحق

الشيعةُ الاثنا عشرية

تسمّى ثاني أكبر طائفة من المسلمين بـ”الشيعةَ الاثني عشريةَ”. ويستمدّ هؤلاء قواعدَهم الدينيةَ وإلهامهم المعنوي، منْ بعدِ النّبي، منَ الأئمةِ الاثني عشرَ من ذريته.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<