الصهيونية واليهودية

الصهيونية واليهودية

(الحركة الصهيونية وعلاقتها بالديانة اليهودية والرأسمالية الغربية)

(1)

 مقدمة

هل يمكن اعتبار الصهيونية كحركة يهودية؟ إن طرح هذا التساؤل في الواقع ربما ينطلق من حقيقة أن هدف الصهيونية الأساسي المعلن كان: تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين؛ لكن مجرد الهدف ربما لا يعني حتمًا كونها حركة ملتزمة بالدين اليهودي، وقد يكون هناك العديد من الإشكالات في اعتبارها حركة يهودية، حتى لو كان مؤسسيها والقائمين عليها وأتباعها هم ممن يقولون عن أنفسهم إنهم يهود بالفعل.

   ومن الممكن أن يكون التساؤل التالي أكثر وضوحًا: ما هي الرؤية الصهيونية اتجاه الأديان عمومًا واليهودية خصوصًا؟ من المؤكد أن اليهودية كديانة لها تعاليمها المستقاة من نصوصها المقدسة، وعندما يصف أي إنسان نفسه بأنه يهودي فإنه بذلك يعلن إيمانه بقدسية هذه النصوص والتزامه بتلك التعاليم. فما هي نسبة إيمان الصهيونية وزعمائها بالنصوص اليهودية والتزامهم بتعاليمها؟

   إن الهدف الحقيقي من طرح هذه التساؤلات حول العلاقة بين الصهيونية والديانة اليهودية، هو محاولة استكشاف الغرض الحقيقي لنشوء الحركة الصهيونية في الأوساط اليهودية، وخاصة بين اليهود الأشكيناز في شرق أوروبا، بالرغم من أن نظرائهم الغربيين كانوا أكثر تطورًا من النواح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن هنا فإن دراسة نشأة هذه الحركة ومدى علاقتها باليهودية كديانة، وعلاقاتها بالأوساط السياسية في أوروبا الغربية، وخاصة بريطانيا، التي دعمتها حتى تمكّنت من تأسيس كيانها في فلسطين سنة 1948، ربما يوضح لنا مدى علاقة هذه الحركة ورؤيتها للأديان.

   الواقع أن التعامل مع الحركة الصهيونية كحركة يهودية لمجرد أن قيادتها وجماهيرها ومشروعها ارتبط باليهود يمثل تجاهلًا للكثير من الحقائق التاريخية المرتبطة بواقع اليهود في أوروبا عمومًا، وخاصة أوضاعهم في القارة، بشقيها الغربي والشرقي، والعلاقة بين اليهود الأشكيناز والسفارد، وحتى علاقة رواد الحركة الصهيونية بالديانة اليهودية كنصوص مقدسة وتعاليم، بالنسبة لكل الطوائف اليهودية، كما أن ربط الحركة الصهيونية ببعض الدعوات المسيانية اليهودية يمكن اعتباره مغالطة أخرى، فالواقع أن مثل هذه الدعوات النابعة من الدين اليهودي ذاته لم تفكر، كما سنرى في هذه المقالة البحثية، في عودة اليهود لفلسطين بنفس الصيغة الصهيونية على الإطلاق.

   لقد قمت بتقسيم هذه الورقة البحثية لنقطتين حول العلاقة بين الحركة الصهيونية والدين اليهودي، وبالتالي كان من الضروري التطرق إلى الرؤية اليهودية المشيحانية أو المسيانية، وعلاقتها بعودة اليهود إلى فلسطين، وكذلك التطرق إلى الجذور الحديثة لفكرة التواجد اليهودي في فلسطين ومدى علاقته بالدين اليهودي ونصوصه وتعاليمه.

   وقد تكونت النقاط البحثية التي ستتضمنها هذه الورقة من مبحثين بالإضافة للمقدمة والخاتمة، وهي كالتالي:

   المبحث الأول: الرؤية اليهودية للمشيح أو المسيا وعلاقتها بالمشروع الصهوني.

المبحث الثاني: نشأة مشروع التواجد اليهودي في فلسطين وتطوره إلى الحركة الصهيونية.

   المبحث الأول: الرؤية اليهودية للمشيح أو المسيا، وعلاقتها بالمشروع الصهيوني.

كثيرًا ما يتم الربط بين الحركة الصهيونية، وبين الدعوات اليهودية المسيانية، وذلك على الرغم من أن هذه الدعوات كانت في جوهرها تطالب بالتواجد اليهودي في فلسطين وليس بدولة لليهود، ومن المعروف في التاريخ الإسلامي أن اليهود أطلقوا لقب الفاروق[1] على الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عقب الفتح الإسلامي لفلسطين كونه رفع عنهم السيطرة المسيحية، وسمح لهم بالتواجد في المدينة المقدسة، وهو لقب ذو طبيعة مسيانية، حيث يشير نص يهودي بعنوان: “رؤيا الحبر شمعون بن يوحاي” إلى اعتقاد بعض اليهود في هذه الفترة بدور مسياني (يلتقي مع لقب الفاروق) للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فصاحب النص حين رأى أن مملكة إسماعيل كانت آتية، شرع يقول: “ألم يكف ما فعلته بنا مملكة أدوم الشريرة، حتى تأتينا مملكة إسمعيل أيضًا”؛ وللفور أجابه متاترون أمير التشجيع بقوله: “لا تخف، يا ابن الإنسان، فالقدوس المبارك لا يأتي بمملكة إسمعيل إلا لتخلّصكم من هذا الشر. إنه بحسب إرادته يقيم عليهم نبيًّا وسوف يفتح لهم الأرض، وسوف يأتون ويحيونها بعظمة، وسيكون هنالك خوف مريع بينهم وبين أبناء عيسو”. أجاب الحبر شمعون قائلًا: “كيف نعرف أنهم خلاصنا؟”، أجاب: “ألم يقل النبي إشعيا: “فيرى ركبًا، أزواج فرسان”إلخ؟”[2]. لماذا جعل ركّاب الحمير قبل ركّاب الجمال، في حين أنه لا يحتاج إلا لأن يقول: “كّاب جمال وركّاب حمير”؟ لكن حين يأتي راكب الجمل أولًا فالمملكة سوف تقوم عبر راكب على أحد الحمير”[3]. ويعبر هذا النص، المكتوب في القرن الثامن الميلادي[4]، عن التصورات التي تم وضعها لاحقًا بواسطة اليهود لفكرة الفتوحات الإسلامية التي تمت في عهد الخليفة الثاني والتي اعتبرته، بغرابة، خلاصًا لبني إسرائيل، وهو ما قد يشير لحجم تأثير كعب الأحبار (اليهودي السابق) في الخليفة من الناحية العقائدية، ولا يبدو مثيرًا للاستغراب إذن أنه، أي كعب الأحبار، كان برفقة الخليفة[5] أثناء دخوله للقدس راكبًا بعيرًا بحيث تنطبق عليه الآية الواردة في سفر النبي إشعياء التي ذكرها النص.

   ومن الغريب أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، بالرغم من الاتفاقية التي وقعها مع أهل إيلياء في سنة 15 هجرية والتي تضمنت عدم السماح لليهود بالسكن في مدينتهم[6]، إلا أنه كان له دور في عودة اليهود إلى فلسطين مرة أخرى بعد أن قام بإجلائهم في سنة 20 هجرية من خيبر والحجاز إلى تيماء وأريحا[7]، وقد صيغت هذه الحادثة في التراث الإسلامي كعقوبة لليهود[8]، إلا أنها في النهاية تلتقي مع اللقب المسياني، الذي منحوه للخليفة كونه يدعم عودتهم لفلسطين مرة أخرى.

   والواقع أن الأوصاف المشيحانية (المسيانية) لم يطلقها اليهود فقط على التابعين لديانتهم، وإنما حتى على من ساهم في عودتهم إلى فلسطين حتى لو لم يكن من اليهود، ولا يقتصر الأمر هنا على الخليفة المسلم، فقد سبق وأن أطلقت كذلك على الإمبراطور الفارسي قورش[9].

   ويشير الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته إلى أن هذا الوصف تطور مدلوله حتى وصل لمرحلته الأخيرة التي تصف شخص مرسل من عند الله ويتمتع بقداسة خاصة، كإنسان سماوي وكائن معجز[10].

   إذن، فالمهمة المشيحانية (المسيانية) بالنسبة إلى اليهود هي في عودتهم لفلسطين، وليس إقامة دولة يهودية بأي نوع، دينية أو علمانية، وهو ما قد يلتقي أكثر مع النصوص اليهودية.

   بشكل عام تؤكد أسفار التوراة على عودة بني إسرائيل إلى فلسطين، ولكن علينا هنا أن نوضح أولًا العلاقة بين مصطلحي (إسرائيل) و(اليهود)، فقد أصبح مصطلح يهود اسمًا عامًّا لكل بني إسرائيل فيما قبل السبي بفترة قصيرة، بعد أن كانت اسمًا خاصًّا بسبط يهوذا ومملكتهم، تمييزًا لهم عن الأسباط العشرة الذين سموا إسرائيل، وفي عهد النبي إرميا المعاصر لفترة السبي استخدمت كمرادف لمصطلح العبرانيين، حيث اتسع مدلول الكلمة ليشمل كل أتباع الديانة العبرانية، ولاحقًا أصبحت تطلق على كل العائدين من السبي، قبل أن تتسع أكثر لتشمل العبرانيين والدخلاء (المتهودين)[11]، ومن الناحية التاريخية، هناك شعوب أخرى اعتنقت الدين اليهودي من غير بني إسرائيل، كبعض القبائل والأسر العربية والأدومية، وشعب الخزر، كما اعتنق حكام دولة حدياب في العراق، وهي دولة ذاتية الحكم تابعة للفارثيين، الديانة اليهودية في القرن الأول الميلادي، الأمر الذي ينفي تمامًا فكرة الخلط بين مصطلحي بني إسرائيل واليهود[12]، ومن هذا التوضيح يمكننا الإشارة إلى أن غالبية النصوص التوراتية لا تقصد اليهود بالمعنى الحالي، وإنما تشير إلى العبرانيين منهم.

   من ناحية النصوص فإن الأنسيكلوبيديا[13] الصهيونية تستند إلى العديد من النصوص، إلا أنها تتجاهل عمدًا خلفياتها التاريخية، بحيث لا تهتم بالتفريق بين النصوص التي تتنبأ بالعودة من السبي البابلي، وبين النصوص التي تربط العودة لفلسطين بواسطة الماشيح، والتي بدورها تختلف بصورة ظاهرة عن ممارسات الحركة الصهيونية وقادتها، وعن التصورات التي سعوا لنشرها بين الجماهير اليهودية.

   ففي سفر إرميا (30: 7-22): “7 آهِ! لأَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ. وَهُوَ وَقْتُ ضِيق عَلَى يَعْقُوبَ، وَلكِنَّهُ سَيُخَلَّصُ مِنْهُ. 8 وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، أَنِّي أَكْسِرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ، وَأَقْطَعُ رُبُطَكَ، وَلاَ يَسْتَعْبِدُهُ بَعْدُ الْغُرَبَاءُ، 9 بَلْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَدَاوُدَ مَلِكَهُمُ الَّذِي أُقِيمُهُ لَهُمْ. 10 أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدِي يَعْقُوبَ فَلاَ تَخَفْ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلاَ تَرْتَعِبْ يَا إِسْرَائِيلُ، لأَنِّي هأَنَذَا أُخَلِّصُكَ مِنْ بَعِيدٍ، وَنَسْلَكَ مِنْ أَرْضِ سَبْيِهِ، فَيَرْجعُ يَعْقُوبُ وَيَطْمَئِنُّ وَيَسْتَرِيحُ وَلاَ مُزْعِجَ. 11 لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُخَلِّصَكَ. وَإِنْ أَفْنَيْتُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّذِينَ بَدَّدْتُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْتَ لاَ أُفْنِيكَ، بَلْ أُؤَدِّبُكَ بِالْحَقِّ، وَلاَ أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً. 12 لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: كَسْرُكِ عَدِيمُ الْجَبْرِ وَجُرْحُكِ عُضَالٌ. 13 لَيْسَ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَكِ لِلْعَصْرِ. لَيْسَ لَكِ عَقَاقِيرُ رِفَادَةٍ. 14 قَدْ نَسِيَكِ كُلُّ مُحِبِّيكِ. إِيَّاكِ لَمْ يَطْلُبُوا. لأَنِّي ضَرَبْتُكِ ضِرْبَةَ عَدُوٍّ، تَأْدِيبَ قَاسٍ، لأَنَّ إِثْمَكِ قَدْ كَثُرَ، وَخَطَايَاكِ تَعَاظَمَتْ. 15 مَا بَالُكِ تَصْرُخِينَ بِسَبَبِ كَسْرِكِ؟ جُرْحُكِ عَدِيمُ الْبَرْءِ، لأَنَّ إِثْمَكِ قَدْ كَثُرَ، وَخَطَايَاكِ تَعَاظَمَتْ، قَدْ صَنَعْتُ هذِهِ بِكِ. 16 لِذلِكَ يُؤْكَلُ كُلُّ آكِلِيكِ، وَيَذْهَبُ كُلُّ أَعْدَائِكِ قَاطِبَةً إِلَى السَّبْيِ، وَيَكُونُ كُلُّ سَالِبِيكِ سَلْبًا، وَأَدْفَعُ كُلَّ نَاهِبِيكِ لِلنَّهْبِ. 17 لأَنِّي أَرْفُدُكِ وَأَشْفِيكِ مِنْ جُرُوحِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُمْ قَدْ دَعَوْكِ مَنْفِيَّةَ صِهْيَوْنَ الَّتِي لاَ سَائِلَ عَنْهَا. 18  هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَرُدُّ سَبْيَ خِيَامِ يَعْقُوبَ، وَأَرْحَمُ مَسَاكِنَهُ، وَتُبْنَى الْمَدِينَةُ عَلَى تَلِّهَا، وَالْقَصْرُ يُسْكَنُ عَلَى عَادَتِهِ. 19 وَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْحَمْدُ وَصَوْتُ اللاَّعِبِينَ، وَأُكَثِّرُهُمْ وَلاَ يَقِلُّونَ، وَأُعَظِّمُهُمْ وَلاَ يَصْغُرُونَ. 20 وَيَكُونُ بَنُوهُمْ كَمَا فِي الْقَدِيمِ، وَجَمَاعَتُهُمْ تَثْبُتُ أَمَامِي، وَأُعَاقِبُ كُلَّ مُضَايِقِيهِمْ. 21 وَيَكُونُ حَاكِمُهُمْ مِنْهُمْ، وَيَخْرُجُ وَالِيهِمْ مِنْ وَسْطِهِمْ، وَأُقَرِّبُهُ فَيَدْنُو إِلَيَّ، لأَنَّهُ مَنْ هُوَ هذَا الَّذِي أَرْهَنَ قَلْبَهُ لِيَدْنُوَ إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ 22 وَتَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَكُمْ إِلهًا”.

   ومع طول النص الذي يعد النموذج الأكبر لنصوص أخرى، فمن الواضح أن إرميا يشير إلى عودة اليهود من السبي الأول، خاصة أنه عاصر الأيام الأخيرة لمملكة يهوذا ثم سقوطها على يد الكلدانيين، ويبدو أنهم عاملوه بتقدير أكبر وأطلقوا سراحه من سجن ملك يهوذا[14]، ويرى القمص أنطونيوس فكري في شرحه للكتاب المقدس أن النبي دانيال عرف موعد نهاية السبي من سفر إرميا[15]. ومن ثم فاعتبار الحركة الصهيونية لهذا النص كدليل من النصوص التوراتية على عودة اليهود الحديثة إلى فلسطين هو مجرد مغالطة لا أكثر.

   ومن الملاحظ أن النص يشير إلى بني يعقوب خاصة، وبالتالي فإن اليهود المقصودين ليسوا كل من اعتنق اليهودية، وما دلّت عليه الكلمة عقب انتهاء السبي كما سبقت الإشارة، وإنما سلالة يعقوب فقط.

   ثمة نصوص أخرى في أسفار مراثي إرميا (إص 2: 14)، حزقيال (إص 39: 25 – 29)، ويوئيل (إص 3)، وبالنسبة لكل من إرميا وحزقيال[16] فإن كلاهما يتحدث عن العودة من السبي البابلي خاصة أنهما عاصراه، أما سفر يوئيل فلا يعرف أي شيء عن كاتبه سوى أنه من إقليم يهوذا، وأما ما يتعلق بفترة نبوته فهي مجهولة، وهناك آراء متعددة حول زمنها، وإن كان غالبية العلماء يعتقدون أنه تنبأ بعد السبي[17] بالرغم من أن نصوصه ربما تشير إلى أن نبوته كانت في الفترة الأخيرة من هذا السبي وربما عاصر انتهائه: “لأَنَّهُ هُوَذَا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ، عِنْدَمَا أَرُدُّ سَبْيَ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ، أَجْمَعُ كُلَّ الأُمَمِ وَأُنَزِّلُهُمْ إِلَى وَادِي يَهُوشَافَاطَ، وَأُحَاكِمُهُمْ هُنَاكَ عَلَى شَعْبِي وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ بَدَّدُوهُمْ بَيْنَ الأُمَمِ وَقَسَمُوا أَرْضِي، وَأَلْقَوْا قُرْعَةً عَلَى شَعْبِي، وَأَعْطَوْا الصَّبِيَّ بِزَانِيَةٍ، وَبَاعُوا الْبِنْتَ بِخَمْرٍ لِيَشْرَبُوا” (يوئيل إص 3: 1-3).

   وفي كل الأحوال، فإن الإصحاح المشار إليه لا يتضمن سوى توعدات بعقاب الأمم الوثنية عقب رد السبي البابلي، وبالتالي فإن فكرة العودة هنا بعد خراب الهيكل سنة 70 م تبدو مختلفة تمامًا خاصة أن اليهود في العصور المختلفة ومنها العصور الإسلامية، كما سبقت الإشارة، لم يكونوا ممنوعين من التواجد بفلسطين، ومع ذلك فإنهم لم يفكروا في التجمع، بل يعترف الكاتب الصهيوني إيلي ليفي أبو عسل أن: “هجر اليهود تلك المدينة وتركوها تنعى من بناها، وولوا وجوههم شطر الأندلس ثم اقتفى أثرهم جماعة من يهود مصر”، ويضيف حول حال اليهود في ضيافة العرب المسلمين: “فرفلوا في مروط المرح، وطاب عيشهم هنالك، واستمرأوا لذة الحياة، وعذوبة المعيشة، بعد طول الإحن التي ألمت بهم والكوارث التي ساورتهم. وهكذا سكن ثائر روعهم. وانقشعت غياهب بؤسهم”[18]. والواقع أن تفضيل اليهود للبقاء في مناطق الشتات كان ملحوظًا، حتى عقب انتهاء فترة السبي، حيث فضّل الكثيرين منهم البقاء في بابل بعد سماح الملك الفارسي كورش لهم بالعودة إلى فلسطين فصار اسمهم يهود الشتات، ولا يمكن تفسير مثل هذه الحالة سوى في تحسن أوضاعهم المالية بعد اشتغالهم المكثف بالتجارة[19].

   إن رفض اليهود لفكرة إعادة التجمع في فلسطين كان له أسباب دينية مستقاة من النصوص التوراتية والتي تربط العودة إلى فلسطين بظهور الماشيح أو المسيا، وتربط بين هذا الظهور، وبين عدد من الممارسات والتي تتعارض بكل تأكيد مع ممارسات الحركة الصهيونية.

   فالملاحظة الأولى: هي حلول روح الرب على الماشيح: “وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ” (إشعيا 11: 2). وبناء على هذه الحلول فإنه يقضي بالعدل للمساكين وبائسي الأرض، وبالتالي فإن أحكامه ليست نابعه من بشريته: “فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ”(إشعيا 11: 3، 4).

   الملاحظة الثانية: هي تجميعه لشتات اليهود من أطراف الأرض الأربعة: “وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ، الَّتِي بَقِيَتْ، مِنْ أَشُّورَ، وَمِنْ مِصْرَ، وَمِنْ فَتْرُوسَ، وَمِنْ كُوشَ، وَمِنْ عِيلاَمَ، وَمِنْ شِنْعَارَ، وَمِنْ حَمَاةَ، وَمِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ. وَيَرْفَعُ رَايَةً لِلأُمَمِ، وَيَجْمَعُ مَنْفِيِّي إِسْرَائِيلَ، وَيَضُمُّ مُشَتَّتِي يَهُوذَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَطْرَافِ الأَرْضِ”(إشعيا 11: 11، 12).

   وفيما يتعلق بصدامه مع أعداء اليهود فثمة إشارتين متناقضتين، حيث تقول الأولى: “يَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ”(إشعيا 11: 4)، وهي دليل على سلمية طريقه، بل يشير سفر إشعياء إلى حالة سلمية أكبر: “فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ.لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ”  (إشعياء 11: 6-9)، لكن كيفية النجاح في تجميع شتات اليهود وأمن أورشليم وخلاص يهودا والتخلص من جميع الأعداء غير واضحة في النصوص التوراتية، بل هناك آيات تنص على اللجوء إلى العنف: “وَيَنْقَضَّانِ عَلَى أَكْتَافِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ غَرْبًا، وَيَنْهَبُونَ بَنِي الْمَشْرِقِ مَعًا. يَكُونُ عَلَى أَدُومَ وَمُوآبَ امْتِدَادُ يَدِهِمَا، وَبَنُو عَمُّونَ فِي طَاعَتِهِمَا”(إشعيا 11: 14).

   وتشير التوراة إلى أن هذا المخلص سوف يوحد جميع الأمم، ويجعله الرب نورًا لها: “أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ” (إشعيا 42: 6، 7)، وهو ما يتعارض كذلك مع التوجه العنيف في مواجهة الأقوام التي كانت محيطة بالعبرانيين كالفلسطينيين، الأدوميين، الموآبيين والعمونيين.

وبغض النظر عن التفسير اليهودي أو المسيحي لهذا التعارض، والذي من المحتمل أن يكون مؤقتًا، خاصة أن بعضها دخل في فترات لاحقة ضمن نطاق أتباع الدين اليهودي، فقد أدخل يوحنا هركانوس المكابي الأدوميين لاحقًا في جماعة اليهود[20]، أما العنصر الفليساتي (الفلسطينيون) فبالرغم من صداماتهم المتعددة مع العبرانيين، فقد اندمجوا بين سكان المنطقة بصورة عامة، بل أن مؤلفي قاموس الكتاب المقدس يرون أنهم صاروا ضمن الأمة اليهودية في وقت سابق على العهد الجديد[21]، على أننا يجب أن ننتبه لأمرين، الأول: أن النبي إشعياء عاش في مرحلة ما قبل السبي الأول، وبالتالي فإن نبوآته في غالبيتها وفي تهديدها لبعض الأمم المجاورة تشير إلى اقتراب هذا الحدث والعودة منه وانتقام الرب من هذه الأمم الشامتة فيما حل بالمملكتين العبرانيتين الشمالية والجنوبية. الثاني: أن مصطلح اليهود، كما أشرت سابقًا، في هذه الفترة لم يكن يتجاوز العبرانيين، وبالتالي فإن نبوآته تمثل حدثًا خاصًّا بهذه القبيلة، وليس عامًّا على كل الذين انتموا للديانة اليهودية من شعوب أخرى.

   وبالتالي، يمكننا أن نفهم أسباب عدم حماس اليهود لفكرة التجمع في فلسطين خلال الفترات التي تلت فشل الثورة اليهودية بقيادة شمعون باركوخبا (132 –135)[22]، كون هذا التجمع يرتبط بظهور الماشيح، كسبب أساسي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، أما السبب الثاني فهو ازدهار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحتى العلمية لليهود في الشتات وهو ما سنلحظ تأثيره لاحقًا عند نشوء مشروعات التواجد اليهودي في فلسطين.

[1] محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، طبعة دار المعارف، الطبعة الثانية، 1970، الجزء 4، الصفحتان 195، 196، والجزء 3، الصفحة 608.

[2]إشارة إلى ما ورد في سفر النبي إشعيا: “فيرى ركبًا، أزواج فرسان، ركاب حمير وركاب جمال” (7: 21).

[3]باتريشيا كرونة، مايكل كوك، الهاجريون، ترجمة: نبيل فياض، نسخة كومبيوترية، موقع الدكتور محمد سعيد ربيع www.mohamedrabeea.com. بتاريخ (27 أكتوبر 2016) بدون ذكر دار النشر. الطبعة الأولى 1999، الصفحتان 10، 11.

[4] جدير بالذكر أن الخلافة الراشدة (بحسب التعبير التاريخي) استمرت من 632 وحتى 661 ميلادية، وهي الفترة التي تم فيها فتح الشام والعراق ومصر وفارس وأجزاء من شمال أفريقيا، أي إن النص اليهودي كتب في فترة زمنية لاحقة عن عهد الخليفة الثاني، لكن المستشرقين باتريشيا كرونة ومايكل كوك يرون أن النص مأخوذ على الأرجح من سفر رؤيوي أقدم منه كتب مباشرة بعد الحوادث التي يشير إليها.

[5]محمد بن جرير الطبري، مصدر سابق، الجزء 3، الصفحة 611.

[6]المصدر نفسه، الجزء 3، الصفحة 609.

[7]محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح، الرياض، طبعة دار أشبيليا، (بدون ذكر رقم الطبعة وتاريخها)، الجزء 4، الصفحة 61.

[8]عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، القاهرة، طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1936، الجزء 3، الصفحتان 371، 372. محمد بن جرير الطبري، مصدر سابق، الجزء 4، الصفحة 112. لا تتفق الرواية الإسلامية عن سبب محدّد لقيام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بإجلاء اليهود من الحجاز، حيث تذكر سببين: الأول ما رواه ابن هشام عن ابن شهاب الزهري، أن الخليفة بلغه قول للنبي (ص) قاله قبل وفاته: لا يجتمع بجزيرة العرب دينان، أما السبب الثاني فهو ما رواه ابن هشام عن نافع مولى عبد الله بن عمر، من اعتداء يهود خيبر على عبد الله بن عمر. ومثل هذا الاختلاف في السبب، الذي دفع الخليفة لاتخاذ قراره بإخراج اليهود من الحجاز يبدو غريبًا للغاية خاصة أن البخاري وأصحاب التواريخ كالطبري في روايتهم لم يذكر دافعًا محدّدًا للقرار، وربما كان هناك تأثير لكعب الأحبار في اتخاذه، أو أن الخليفة كانت لديه مخاوف من التواجد اليهودي بمنطقة الحجاز وخطورته على عاصمة الخلافة.

[9]الكتاب المقدس، سفر إشعيا، الإصحاح 45/1.

[10]عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، القاهرة، طبعة دار الشروق، الطبعة الأولى، 1999، مجلد 5، الصفحة 294.

[11]بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، القاهرة، طبعة دار الثقافة، الطبعة العاشرة، 1995، مادة (يهود)، الصفحة 1084.

[12]جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد، ساعدت جامعة بغداد في نشره (بدون ذكر دار النشر)، الطبعة الثانية، 1993، الجزء 6، الصفحة 514. آرثر كيستلر، القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، ترجمة: أحمد نجيب هاشم، القاهرة، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الألف كتاب الثاني، 1991، الصفحة 23.

[13]نجيب نصار، الصهيونية (ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة 1905)، لندن، طبعة مؤسسة هنداوي، 2014، الصفحة 8. يعرف نجيب نصار الأنسيكلوبيديا بأنها: مجموعة تواريخ وآداب وعادات ومذاهب الشعوب. توكل الأمم الحية تأليفها إلى نخبة من كبار علمائها، وإليها يرجع الباحثون والمدققون في أبحاثهم؛ لأنها تتحرى الحقائق وتدقق فيها كثيرًا.

[14]بطرس عبد الملك وآخرون، مرجع سابق، مادة (إرميا النبي العظيم)، الصفحات 52 – 55.

[15]القمص أنطونيوس فكري، شرح الكتاب المقدس، تفسير سفر إرميا، كتاب على موقع الأنبا تكلا هيمانوت https://st-takla.org/. شوهد بتاريخ 8 فبراير 2024. متاح على الرابط:https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/28-Sefr-Armia/Tafseer-Sefr-Armya__01-Chapter-30.html.

[16]القمص أنطونيوس فكري، شرح الكتاب المقدس، مصدر سابق، مادة (حزقيال)، الصفحتان 301، 302.

[17]القمص أنطونيوس فكري، شرح الكتاب المقدس، مصدر سابق، مادة (يوئيل)، الصفحتان 1102، 1103.

[18]إيلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، القاهرة، طبع بمطبعة النظام، الطبعة الأولى، 1934، الصفحة 44.

[19] بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، مصدر سابق، مادة (سبي)، الصفحة 458. القس إكرام لمعي، الاختراق الصهيوني للمسيحية، القاهرة، طبعة دار الشروق، الطبعة الثانية، 1993، الصفحة 39.

[20] بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، مصدر سابق، الصفحة 40.

[21]بطرس عبد الملك وآخرون، قاموس الكتاب المقدس، مصدر سابق، مادة (فلسطينيون)، الصفحة 694.

[22]علاء عبد الدائم زوبع وعلي محمد رشيد، ثورات اليهود في عهد الدولة الرومانية – ثورة باركوخابا، دراسة بمجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، العراق، تصدر عن جامعة بابل، 2016، المجلد 6، عدد 3، الصفحات 260 – 265.



المقالات المرتبطة

الشيخ محمد علي شاه آبادي سيرة ومسيرة

وُلِد الشيخ محمد علي شاه آبادي (1253-1328هـ.ش.) في محلة حسين آباد جنوب مدينة أصفهان، وترعرع في أكناف أسرةٍ معروفةٍ بالعلم والتقوى

سوسيولوجيا الغدير قراءة مفاهيمية في ماهية سلطة الغدير وعلاقتها بسلطة الفقيه الشيعي

تعدّ سوسيولوجيا الغدير موضوعًا حديثًا غريبًا لعامليْن ينبغي ملاحظتهما. العامل الأول هو اقتصار دراسات قضية الغدير على الناحية التاريخية والدينية والأدبية.

الأوقاف: علاقاتها بالدولة ونظامها الخاص (1)

مقدمة تعدّ الأوقاف من أهم المؤسسات الاقتصادية الاجتماعية، التي كرّسها الإسلام في المجتمع الإسلامي؛ لأنها حلّت مشاكل كثيرة، ومكّنت الكثير

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<