اليهودي ووعي الذات والعالم

اليهودي ووعي الذات والعالم

يقتضي تحليل الشخصية اليهودية وكيفية تزييف وعيها، بعرض هذه الشخصية في نصوصها التأسيسية لرؤيتها على صورتها الأساسية قبل أن تفعل بها الحداثة فعلتها التي أدّت إلى تغيير صورتها وتبديل مكوناتها، إن لم نقل تحوير هذه الذات وإبدالها بأخرى تختلف عن الأصلية بشكل جوهري، ولا تشترك معها إلا بمصطلحات عدلت بمقتضى العقل الحداثوي.

2-1 اليهود والتوحيد

على الرغم من كون الديانة اليهودية ديانة كتابية وحيانية إلا أنَّ التوراة الحالية، تنقل نصوصًا متناقضة حول الإله والتوحيد، وهذا يدل على تطور في البيئة التي أنتجت فيها النصوص التوراتية الحالية[1]. حيث نجد في مطلع سفر التكوين وسفر أشعيا صورة الإله الكوني خالق السماء والأرض وكلّ مظاهر الطبيعة الذي خرج من السرمدية لِيُظِهْرَ الكون ويُطْلِقَ الزمان، ولكن هذه الرؤية ما تلبث أن تضيق كلما اقتربت الانطلاقة الثانية لتاريخ الجماعة العبرية، حيث يعود الإله إلى دوره القبلي، فيصبح إلهًا محليًّا يتوجه باتجاه شعبٍ محدّد بشخصية باهتة غير واضحة، وهو لا يظهر في السفر أو يحدثهم جهارًا أو وحيًا، إلا ليعقد معهم الميثاق أو يجدِّدُهُ، أو يبشرهم بميلاد إعجازي في سن الشيخوخة. كما أنه لا يستن لهم شريعة ولا يوحي بوصايا من أي نوع أخلاقية كانت أم طقسية.

وعلى الرغم من عودة الإله اليهودي للظهور في التوراة في صورته السابقة للإله المتعالي في خطاب إبراهيم[(ع)] لملك مدينة سدوم: “فقال أبرام لملك سدوم رفعت يدي إلى الرب الإله العلي مالك السماء والأرض”[2]، ولكنّه ما يلبث أن يعود إلى التشخص بعد زيارته لإبراهيم [(ع)] وتناول الطعام والشراب معه، حين أعلمه بتدميره لمدينة سدوم[3]. وبعد ذلك يشخص أيضًا عندما يتواجه النبي يعقوب[(ع)] مع الرب، ويتعاركان حتى طلوع الفجر، ويعجز الرب على الانتصار عليه، فيطلب منه أن يتركه ويسميه إسرائيل، وتقول التوراة: “وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له ما اسمك؟ فقال: يعقوب. فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعى يعقوب المكان فينئيل قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي. وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه”[4].

ويغيب الإله عن التوراة لمدة 400 عام، ولا يظهر بعد ذلك إلا في سفر الخروج، حيث يتذكر الميثاق بينه وبين إبراهيم ويعقوب[عليهما السلام]، ويقرر أن يستنقذ الشعب اليهودي من العبودية التي وقعوا بها في مصر، فيتجلى للنبي موسى في جبل حوريب: “وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون، حميه، كاهن مديان. فساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل حوريب. وظهر له ملاك الرب بلهيب من نار من وسط عليقة. فنظر فرأى العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق. فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم،…، فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه… فقال هأنذا. قال لا تقترب إلى هنا. أخلع حذاءك من رجليك، … ثم قال له أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب… هوذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إليَّ ورأيت الضيقة التي يضايقهم بها المصريون. فالآن هلم إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر… فقال موسى لـ الل… ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم؟ فقال الل… لموسى… هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله آباؤكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد”[5].

وهناك مفارقة في هذا الكلام حين يخاطب الرب موسى[(ع)] فيقول: “ثم كلم… موسى وقال له أنا الرب وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء. وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم”[6]. وهذا الأمر يشير إلى أمرٍ هام في تاريخ هذه الديانة، يتمثل في انتقال اليهودية من عدم الإفصاح الإله لها عن اسمه مخافة الاستحواذ عليه من قبل الآخرين وامتلاك القوة، وعندما سمى نفسه قام بعملية اختيار وحضور في الجماعة اليهودية مقدمة لتصبح جماعة الإله الذي اختص شعبه بهذا الاسم.

ولكن هذا الأمر يظهر كأنّ الشخصية اليهودية تعيش حالة من الأحوال النفسية؛ تُسمى التَفارُق والانفصَال(Dissociation) : “وهي إحدى الحيل الدفاعية لتفادي الضغوط النفسية، وفي حالات الاضطرابات الانفصالية يضطرب تعرّف المريض على هويته ويتغير الوعي، وتشمل هذه الحالات النسيان الانفصالي لفترة محددة، وحالات الشخصية المزدوجة والمتعددة، أو تقمص هوية أخرى دون وعي مع التجوال، وغير ذلك من الظواهر الانفصالية الغريبة”[7].

 والملاحظ أن حالة الانفصال دامت أكثر من 400 عام، وهي فترة لم يقدم فيها اليهودي أيّ معلومات عن واقعه وتاريخه، وعندما أراد الحديث عدّل في اسم الإله وأطلق عليه اسم “يهوه”، مما يشير إلى وعي جديد قد حصل وأدى إلى الغاء وعي سابق وحذفه من الذاكرة الجمعية، وكأنه يريد أن ينفصل عن محيطه الذي اشترك معه في تاريخ محدد في فترة زمنية محددة.  

ولعلَّ هذا ما سيؤدي إلى ظهور الطبيعة العدائية للألوهية اليهودية، وهذا الأمر نجده منعكسًا من خلال أوامر”يهوه” أثناء افتتاح المدن، أو من خلال عقاب شعبه، مما يشير أن مفهوم الألوهية الذي تطور في فترة الظهور الثانية للإله، والتي تحمل الكثير من ردات الفعل الانفعالية على ما كان يعيشه اليهود في المجتمع المصري أو غيرها من المجتمعات التي عاشوا فيها، وهذا الأمر لا يشير إلى خللٍ في الوحي، إنَّما تُظهِرُ خللًا بدأ يبلور هذه الشخصية ظهر فيها من خلال الاضطهاد الذي تعرضت له، خاصة أن ما نتحدث عنه، هو نص كُتِبَ في مرحلة لاحقة للوحي، وصاغه اليهود بعد فترة السبي البابلي.

لذلك، في هذه المرحلة تزداد فعالية ودور الشعب، وهذا ما تظهره نصوصهم، حيث يظهر الرب إلهًا يحتاج إلى معونة الشعب ليضرب المصريين، فيطلب منهم أن يضعوا على عتبات المنازل المصرية الدماء، ليستطيع أن يميزها عن غيرها: “وأنتم لا يخرج أحد منكم من باب بيته حتى الصباح، فإنَّ الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين، يعبر الرب عن الباب لا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب”[8].

 كما أن الرب كان متردّدًا في اتخاذ القرارات، حيث يُخْضِعُ اليهود الإله لإرادة نبي، هو مرسله: “وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب، وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم؟ إنّي أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيّرك شعبًا أكبر وأعظم منهم، فقال موسى للرب: فإن قتلت هذا الشعب، كرجل واحد يتكلم الشعوب الذين سمعوا بخبرك قائلين لأن الرب لم يقدر أن يُدخل هذا الشعب إلى الأرض التي حلف لهم، قتلهم في القفر… إصفح عن ذنب هذا الشعب. فقال الرب قد صفحت حسب قولك”[9].

وهو سريع الغضب، يبادر إلى البطش بتهور، وهو ما يثير حفيظة نبيه: “فتضرع موسى أمام الرب إلهه، وقال: لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من مصر، لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرجهم بخبث لكي يقتلهم في الجبال…إرجع عن غضبك واندم على الشر بشعبك… فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه”[10].

وهذه العلاقة بين الرب والإنسان اليهودي، دفع البعض إلى تقسيم التعاليم اليهودية إلى نوعين مختلفين:

  الأول تسلطي، يفرض فيها الرب إرادته دون الرجوع إلى الشعب، وهذه المرحلة تجلت في النصوص التكوينية، كسفر التكوين.

 المرحلة الثانية هي المرحلة الإناسية، حين أخذ اليهودي يناقش ربه في كل تفصيل من تفاصيل الدعوة الدينية، وكأنه أكثر خبرة منه.

  وهذا الكلام يقودنا للتوقف من أجل القيام بعملية تحليل للنصوص التي أوردها أريك فروم في كتابه “الدين والتحليل النفسي”[11]، على أن نأخذ بحرفيتها، لنرى كيف دلَّل من خلالها على البعد الإنساني فيها، فنناقشها بعد ذلك على ضوء المعطيات التي سبق أن ذكرناها.

يقول فروم: “الاستهلال في العهد القديم مكتوب بروح الدين التسلطي، وصورة الإله هي صورة الحاكم المطلق لقبيلة أبوية خلق الإنسان وفق هواه، ويستطيع أن يحطمه تبعًا لمشيئته. وقد حرم أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وهدده بالموت إن عصى هذا الأمر… فحين عصى آدم وحواء أمر ربهما، عاقبهم بإعلان العداوة بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والأرض والحيوانات، بين الرجال والنساء… وطرد الله آدم وحواء من الجنة”[12]. ويصور فروم هذه الحادثة دليلًا على القمع الإلهي، في الوقت الذي بالإمكان أن ينظر إلى هذا الجانب من ناحية إيجابية، فالإله هو المبادر إلى إعطاء الإنسان لحرية الخيار، وبالتالي فهنا لا يوجد تسلط بقدر ما يقودنا الأمر إلى اللطف الإلهي، والذي يؤكد على المهمة الإنسانية لآدم.

في حين أن ما يشير إليه بالبعد الإنساني، فهو يصور العلاقة المتكافئة بين الإله والإنسان وكأنها تحمل في طياتها البعد الإنساني، مع العلم أن الأحداث التي رويت تساهم في إظهار حالات من العصاب، والتمركز حول الذات، فاليهودية ساوت بينها وبين الإله وجعلته في بعض الأحيان مساويًا مستفيدًا من تجربتها.

والنظرة التوحيدية لها، لا تفضي إلى القول بالتوحيد الفعلي، حيث أصبحت العبرانية هي الإله الحقيقي، ويهوه أشبه ما يكون برأس القبيلة الذي يعيش معهم في خيمة ويتنقل معهم من مكان إلى آخر، وهذا ما تثبته الكثير من الوقائع التي يرويها أريك فروم نفسه: “وكان عدد من الأحبار المتفقهين قد اختلفوا في آراء الحاخام أليعازار حول نقطة في قانون الشعائر. قال لهم الحاخام أليعازار: “إذا كان كما اعتقده. فسوف تخبرنا هذه الشجرة. وحينئذ قفزت الشجرة من مكانها مائة ياردة (ويقول آخرون أربعمائة ياردة). فقال له زملاؤه: لا يبرهن الإنسان على شيء بواسطة شجرة. فقال: لو كنت مصيبة فسيخبرنا هذا الغدير، استطرد قائلًا: لو كان القانون كما اعتقد فستخبرنا جدران هذا المنزل، وفي هذه اللحظة أخذت الجدران تتداعى. غير أن الحبر “يوشع” صاح في الجدران قائلًا: حين يتجادل الفقهاء حول نقطة في القانون، فما الداعي إلى سقوطك؟ وهكذا كفت الجدران عن السقوط احترامًا للحبر يوشع، ولكنها لم تعتدل تمامًا احترامًا للحاخام أليعازار. وما زالت على هذه الحال حتى الآن. واستأنف الحاخام أليعازار المناقشة قائلًا: إذا كان القانون كما اعتقد، فستخبرنا السماء. وهنا قال صوت من السماء: ماذا لديكم ضد الحاخام أليعازر، لأن القانون كما يقول. وهنا نهض الحبر شجوا وقال: إنه مكتوب في الكتاب المقدس: القانون ليس في السماء. ما معنى هذا؟ من رأي للحاخام أرميا هو أنه ما دامت التوراة قد نزلت عند طور سيناء، فإننا لم نعد نلتفت إلى الأصوات الصادرة عن السماء، فقد كتب: “إنكم تتخذون قراراتكم وفقًا لأغلبية الرأي. وحدث حينذاك أن الحاخام ناتان (وهو أحد المشتركين في المناقشة) التقى بالنبي إيليا (الذي كان يجوب العالم) فسأله: ماذا يقول الإله نفسه عندما دخلنا في هذه المناقشة؟ فأجاب النبي: ابتسم الرب وقال: لقد فاز أبنائي …لقد فاز أبنائي”[13]، فهذا النقاش لا يحيل إلى بعدٍ إنساني، فهو يحمل في طياته أبعادًا أخرى، حيث تصبح الطبيعة عناصر تستجيب للرغبات الإنسانية، وهي تعكس نفسية يهودية، تجعل الوجود خاضعًا لإرادتها باعتبارهم عناصر بشرية مميزة، وهذا الأمر ساهم في تكوين شخصية عصابية تتمركز حول الذات، تعتبر نفسها صورة عن الإله على الأرض، وإذا توقفنا أمام ما أفصح عنه التحليل النفسي من الممكن أن نقول إن الشخصية العبرية، تتبلور من خلال التمركز حول الذات، وهي نزعة طفولية ترى أن الكون قد صنع ليقارب الأفكار التي يحملها، وهذه النزعة قد تتحول إلى عدوانية اتجاه الغير في حال إحساس اليهودي إمكانية اقتسامه للعالم معها.

ولعلَّ هذه العدوانية المفرطة، هي التي تتجلى في كثير من أسفار العهد القديم، حيث يصبح قتل الآخر طريقة في التعبير عن التمايز وتطبيقًا للإرادة الإلهية.

 وهذا الأمر، تؤكده قصة أخرى يرويها فروم من التلمود: “أقبل خياط فقير على حاخام من الطائفة يوم التكفير، وقال له: بالأمس تجادلت مع الإله، فقلت له: يا إلهي لقد ارتكبت خطايا، وارتكبت خطايا. غير أنَّك ارتبكت خطايا عظيمة، أما أنا فارتكبت خطايا تافهة. فماذا صنعت؟ لقد فرقت بين الأمهات وأبنائهن، وسمحت للناس أن يتضوروا جوعًا. أما أنا فماذا صنعت؟ فشلت أحيانًا في إرجاع قطعة من الثياب لزبون، أو لم أكن دقيقًا في التزام القانون. ولكنّي سأقول لك، يا رب. سأغفر لك خطاياك، على أن تغفر لي خطاياي، وبذلك نكون متعادلين، وهنا أجاب الحاخام: أيها الحاخام: أيها الحاخام: أيها الأحمق، لماذا تركته يمضي بهذه السهولة، كان يمكنك أن ترغمه أمس على إرسال المسيح”[14].   

فهذه العناصر التي ذكرها فروم لا تؤدي بالـتأكيد إلى بعدٍ إنساني، لأنها تذهب باتجاه التمركز حول الذات، وإعطاء هذا التمركز بعدًا مقدسًا، والقداسة لم تنبع من الذات اليهودية، إنما أعطيت لهم نتيجة وعد وميثاق إلهي بين متكافئين، يقول يهوه لأبرام: “أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك، في أجيالهم، عهدًا أبديًّا، لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكًا أبديًّا وأكون إلههم”[15].

 وبالتالي، هذا ما سيجد انعكاسًا له في الممارسة والقول اليهودي، حيث سيصبح الآخر هو الغوييم الذي لا يشبهه ولا يصل إلى مستواه. ولا غرابة في هذا، فالنظرة الدينية التوراتية قائمة أساسًا على الوعد الإلهي –المزعوم- لليهود، وهو ما تجلى من خلال قيام يهوه بإعطاء أرض كنعان إلى اليهود، وطالبهم بترحيل سكانها وطردهم منها: “إنكم عابرون إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم، يكون الذين تستبقون أشواكًا في أعينكم، ومناخز في جوانبكم، ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها.. فيكون إنني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم”، وقال: “لنسلك أعطي هذه الأرض”[16]. ويقول: “لك أعطيها ولك إلى الأبد”[17].

 فهنا نقف أمام نزعة عنصرية تأخذ أرض الغير وتقتلهم. وهذه النظرة ليست عابرة، إنما تجد استجابة عليها حتى في النظام التعليمي للمدارس في فلسطين المحتلة، حيث قام عالم النفس الإسرائيلي (جورج تامارين) بإعداد (1066) استبيانًا ذات محتوى واحد، يتعلق بالموقف من سفر يشوع بن نون حين استباح المدن الكنعانية وعمل فيها السيف، أجاب على هذا الاستبيان (563) فتى و (503) فتاة من مختلف الأعمار ومختلف المدارس الإسرائيلية من الصف الرابع وحتى الثامن، وكان السؤال كما يلي:

“إنك تعرف جيدًا المقتطفات التالية من سفر يشوع”.

“فهتف الشعب وضربوا بالأبواق، وكان حين سمع الشعب صوت البوق، أن هتف هتافًا عظيمًا، فسقط السور في مكانه، وصعد الشعب إلى كل رجل، وأخذوا المدينة، وقضوا على كل من فيها، بغير تفرقة بين رجل وامرأة وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف”[18].

“وأخذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم، وضربها بحد السيف، وحرم ملكها هو وكل نفسٍ بها، لم يبق شاردًا، وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا، ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة، وحارب لبنة، فدفعها الرب هي أيضًا بيد إسرائيل مع ملكها، فضربها بحد السيف وكل نفس بها، لم يبق بها شاردًا، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا”[19].

أجب على السؤالين التاليين:

2-1-أ ـ هل تعتقد أن يشوع بن نون والإسرائيليين قد تصرفوا تصرفًا صحيحًا أو غير صحيح؟ اشرح لماذا اخترت هذا الرأي؟

2-1-ب- لنفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل خلال الحرب قرية عربية، فهل هو حسن أو سيء أن يتصرف على هذا النحو مع سكان هذه القرية، كما تصرف يشوع بن نون مع شعب أريحا؟ اشرح لماذا؟

وقد اختار الإبادة الكاملة التي قام بها يشوع بن نون، لأن سفر يشوع بن نون يحتل مكانًا خاصًّا في نظام التعليم الإسرائيلي، نموذج يشكل ما بين 66%، و95% من إجابات التلاميذ الأطفال على (السؤال الأول).

وفي تبرير ذلك قال بعض التلاميذ: كان هدف الحرب هو الاستيلاء على البلاد من أجل الإسرائيليين، لذلك فقد تصرَّف الإسرائيليون تصرّفًا حسنًا باحتلالهم المدن وقتلهم سكانها، وليس من المرغوب فيه أن يكون في إسرائيل عنصر غريب، إنَّ الناس من مختلف الأديان يمكن أن يؤثِّروا تأثيرًا لا حاجة للإسرائيليين به.

أما السؤال الثاني فقد كانت إجابة 30% من التلاميذ بشكل قطعي (نعم).

وهذا بعض ما كتبه التلاميذ:

“أعتقد أن كل شيء قد جرى بشكل صحيح. إذ إننا نريد قهر أعدائنا وتوسيع حدودنا، ولكننا نحن أيضًا قتلنا العرب كما فعل يشوع بن نون والإسرائيليون (تلميذ في الصف السابع).

وكتب تلميذ في الصف الثامن:

“في رأيي يجب على جيشنا في القرية العربية أن يتصرف كما تصرف يشوع بن نون، لأن العرب هم أعداؤنا، فهم حتى في الأسر سيفتشون عن إمكانية ليبطشوا بحراسهم”.

وقد أحدثت هذه الدراسة ونتائجها عند نشرها، ضجة كبرى في إسرائيل، والسبب أنها كشفت بطريقة علمية وموضوعية عنصرية المجتمع الإسرائيلي.

هذا، وتبين دراسة أجرتها أسماء بيومي شلبي، المعيدة بقسم تربية الطفل في جامعة عين شمس، عن التربية السياسية في أدب الأطفال اليهود في فلسطين المحتلة[20] أن الدين اليهودي يأخذ حيّزًا مقداره 93 و 95% في مجموعة قصص الأطفال الإسرائيلية التي قامت بدراستها في حين يشغل “اللادين” حيّزًا مقداره 07 و 4%، وذلك يؤكد على عمق تغلغل الثقافة الدينية الرجعية في ثقافة الطفل الإسرائيلي، مقارنة مع ما يسمى بالثقافة العلمانية التي يدّعونها[21].

وبالعودة إلى مفهوم الإله عند اليهود، نلاحظ أن الإله قد تأنسن وحلَّ في الشعب الذي تقدس من خلال تمثّله ليس الإرادة الإلهية فحسب، إنَّما الإله بشكله التام، ومن خلال هذا الأمر، نسف اليهود تاريخ البشرية، وتحوَّل تاريخهم الخاص نقطة انطلاق الوجود الإنساني، وحلولهم بين البشرية هو حلول للإله في العالم.

2-2 اليهود والأخلاق

النزعة الطفولية التي تحدّثنا عنها، دفعت باليهودي إلى تكوين شخصية منكمشة على الذات، ترفض الاعتراف بالآخر، وتعتبره مادة للاستغلال، بمعنى آخر شيّأت الإنسان الآخر، وجعلته مجرد أداة، فالآخرون وُجِدوا من أجل خدمة اليهود.

 تقول بعض النصوص التلمودية: إن الله قد خلق بقية البشر بأجساد بشرية حتى لا يستوحش اليهودي من التعامل معه، ويزعم حاخامات اليهود أنَّ إسرائيل سأل “يهوه” لماذا خلقت غير شعبنا المختار؟ فأجاب قائلًا: “لتركبوا ظهورهم وتمتصوا دماءهم وتحرقوا أخضرهم وتلوثوا طاهرهم وتهدموا عامرهم”[22].

ويصف التلمود غير اليهود بأنهم “حيوانات في صورة إنسان، وهم حمير وكلاب، بل الكلاب أفضل منهم، لأنه مصرح لليهودي في الأعياد أن يطعم الكلب، وليس مصرّحًا لـه أن يطعم الأجنبي”[23]. وتنص فتاوى يهودية أخرى على أن الغوييم “إن أراد البقاء في أرض إسرائيل أن يلتزم بالتنازل عن حقه في أية ملكية فيها مهما كانت، وأن يتنازل عن حقه في امتلاك أرض في إسرائيل. وعليه أن يبدي الاستعداد ليكون حطابًا أو سقاء وأن يقبل دفع الضرائب الباهظة. وفي مثل هذه الظروف فقط يجوز إبقاء الغوييم في أرض إسرائيل كمقيم وليس كصاحب حق”[24].

فهم يعتمدون مبدأ التبرير في كل عمل يقدمون عليه، لذلك تصبح التصرفات المشينة عبارة عن أعمال يمكن محوها بسهولة، يقول التوراة: “إذا أخطأ أحد وخان خيانة بالرب وجحد صاحبه وديعة أو أمانة أو مسلوبًا، أو اغتصب من صاحبه، أو وجد لقطة وجحدها وحلف كاذبًا على كل شيء من كل ما يفعله الإنسان مخطئًا به… يأتي الرب بذبيحة لإثمه كبشًا صحيحًا من الغنم ذبيحة إثم للكاهن. فيكفر عنه الكاهن أمام الرب، فيصفح عنه في كل الشيء الذي فعله مذنبًا به”[25]، فهذه النظرة تهون الرذائل في عين الإنسان، فيقدم عليها دون الأخذ بعين الاعتبار الوقائع الرادعة.

ولم يكتف اليهود بهذا الجانب التطهيري عن الخطيئة، إنما مالوا إلى تطهير الجماعة من خطيئتها عبر طقوس محددة: “ومتى فرغ هذا التكفير عن القدس وعن خيمة الاجتماع وعن المذبح، يقدم التيس الحي، ويضع هارون يده على رأس التيس ويقرُّ عليه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم ومع كل خطاياهم، ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه إلى البرية، ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة”[26].

هذه النظرة حولت اليهودية إلى ديانة طقوسية متمركزة حول الذات، لا تهتم بالواقع العملي أو البعد الأخلاقي للأعمال التي يقومون بها، إن لم نقل أن العكس هو المفترض، فعند خروج اليهود من مصر، ورد في سفر الخروج: “وعندما ترحل لن تكون فارغ اليدين، بل إن كل امرأة سوف تقترض من جارتها، ومن تلك التي تقيم في بيتها جواهر من الفضة وجواهر من الذهب وأثوابًا، وسوف تضعها على أجساد أبنائك وبناتك، ولسوف تسلب المصريين”[27]. وهذا المقطع يعكس سمة من السمات الرئيسية للشخصية اليهودية، حيث تبرز نزعة التخصيص بحيث يكون اليهودي مسؤولًا أمام الإله عن الأذى الذي يلحقه باليهود الآخرين. لكن بإمكانه أن يغش أو يسرق أو حتى يقتل غير اليهود دون أن يكون مسؤولًا أمام الرب، ودون أن يعتبر ذلك انتهاكًا لتعاليم الدين.

هذا التفكير النفعي هو الذي حكم الديانة اليهودية، وجعلها تبحث عن المصلحة في كلِّ ما تقوم به، وهذا ما عبّر عنه الأديب يوسف حاييم بريبر عندما قال: “لقد كان للأمور التجارية في حياة أجدادنا دور أكبر من الأمور الدينية، وعندما كان هذان الأمران يتضاربان لم يكن اليهودي حليف الدين”[28].

فالتفكير الديني والأخلاقي، لا يقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر، أو الحوار معه، إنما يقوم على عنصر التفاضل بينهم وبين الآخرين، فهم “الشعب المختار”، و”الشعب الأزلي”، و”الشعب الأبدي”، حيث يعتقدون أنهم مثل الله لا أول لهم ولا آخر، ولا بداية ولا نهاية، فهم الشعب المقدس. والشعوب الأخرى “جوي” وتعني القذارة الروحية والكفر، و”عاريل”، ومعناها غير المختتن الذي يبقى بدائيًّا قذرًا-يقصدون بذلك المسيحي- وممزير -أي ابن الزنا وهو العربي والمسلم-لأنهم من أولاد هاجر زوجة إبراهيم (ع)[29].

فهم ليسوا بشرًا عاديين، يسيرون في الأسواق ويتزوجون، إنما هم من عنصر إلهي، وهذا الأمر ينسحب على رموزهم، فكلّ شيء لهم، وجد قبل وجود السماء والأرض كالهيكل والتلمود: “ولولا(هم) لزلزل الكون، من يخالف حرفًا منه يمت، إن الله يدرس التلمود، منتصبًا على قدميه، من يعارض تلموديًّا، يعارض الله! رأيت الله جالسًا على كرسيّ مرتفع، فقال: باركنتي يا بني فباركته وشكرني وسلم وانصرف. إذا احتدم الجدل بين الله والحاخاميم فالحق معهم دونه!”[30].

ويحدد جورج كورنيليان جملة من الصفات والخصائص في الشخصية اليهودية، وهي:

2-2-أ- أن أملاك غير اليهود، تعتبر كالمال المتروك الذي يحق لليهودي أن يمتلكه.

2-2-ب- أن الله قد منح اليهود السلطة على مقتنيات الشعوب.

2-2-ج- أن اليهود أحب إلى الله من الملائكة، واليهود من عنصر الله كالولد من عنصر أبيه، ومن يصفع يهودي، كأنه يصفع الله، والموت جزاء “الجوي” إذا ضرب اليهودي. ولولا اليهود لارتفعت البركة من الأرض، واحتجبت الشمس، وانقطع المطر، واليهود يفضلون الجوي!، كما يفضل الإنسان البهيمة، والجوي جميعهم كلاب وخنازير وبيوتهم كحظائر البهائم نجاسة، ويحرم على اليهودي العطف عليهم، وكل شر يفعله اليهودي معهم، فهو قربى إلى الله[31].

     فالأخلاق اليهودية، تقوم على مبدأ المنفعة والربح، فكل شيء مبرر من أجل حماية الذات وسيادتها، وتروى الكثير من القصص، التي تؤكد هذا المنحى، منها القصة التالية، كان يفتاح واحدًا من أبناء اليهودية، ولكنّه كان محتقرًا بين أبناء جنسه لأنه ابن عاهرة، وعندما شبّ على الطوق صار رئيس عصابة من الأفاقين وقاطعي الطرق. وعندما تضايق قومه من العمونيين الذين بغوا عليهم ولم يجدوا بينهم من هو أهل للقيادة، جاؤوا إليه وطلبوا عونه، فاشترط عليهم أن يرئِّسوه عليهم ويعطونه منصب القضاء، فوافقوا: “ولما حارب بنو عمون إسرائيل، ذهب شيوخ جلعاد أما أبغضتموني أنتم وطردتموني من بيت أبي، فلماذا أتيتم إليّ الآن إذ تضايقتم، إذا أرجعتموني لمحاربة بني عمون ودفعهم الرب أمامي فأنا أكون لكم رأسًا… فذهب يفتاح مع شيوخ جلعاد وجعله الشعب عليهم رأسًا”[32]، وهذه القصة تظهر الطبيعة النفعية التي تتحكم ببني إسرائيل، حيث تسقط القيم الأساسية أمام المصالح الشخصية والأقوامية، فيصبح كلّ شيء مباح.

وهذا الأمر تظهره قصة أخرى، توضح لنا سقوط جميع القيم الأخلاقية في هذا الدين، ومخالفتهم حتى للناموس المنزل من الرب، فعلى الرغم من تحريم اللواط، كما ورد في سفر اللاويين: “ولا تضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة، إنه نجس”[33]، فقد كان ذكور سبط بنيامين لوطيين يصطادون المسافرين الأغراب ويعتدون عليهم بالإكراه. وهذا ما تحدثنا عنه قصة الرجل اللاوي وسريته في بلدة جبعة التي للبنيامنيين: “وغابت لهم الشمس عند جبعة التي للبنيامين، فمالوا إلى هناك لكي يدخلوا ويبيتوا في جبعة… وإذا برجل شيخ جاء من الحقل عند المساء… فرفع عينيه ورأى الرجل المسافر في ساحة المدينة… وجاء إلى بيته فغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا. وفيما هم يطيبون قلوبًا وإذا برجال المدينة أحاطوا بالبيت قارعين الباب، وكلموا الرجل صاحب البيت قائلين أخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه[34]. فخرج اليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم لا يا إخوتي لا تفعلوا شرًّا بعدما دخل هذا الرجل بيتي، لا تفعلوا هذه القباحة. هو ذا ابنتي العذراء وسريته دعوني أخرجهم فأذلوهما، وافعلوا لهما ما يحسن في أعينكم، وأما هذا الرجل فلا تعملوا به هذا الأمر القبيح. فلم يرد الرجال أن يسمعوا له. فأمسك الرجل سريته وأخرجها اليهم فعرفوها وتعللوا بها الليل كله إلى الصباح وعند طلوع الفجر أطلقوها. فجاءت المرأة عند إقبال الصباح وسقطت عند الباب حيث سيدها…[ماتت المراة]”[35].

 والأصل لديهم هو الغدر بالآخرين، يقول كاتب التوراة: “خرجت دينة ابنة يعقوب من “ليئة” للتفرج وللتعرف على بنات البلد.. فرآها شكيم بن حمور فأخذها وضاجعها وأذلها وتعلقت نفسه بها وأرادها زوجة له. فكلم أباه لأجلها. وسمع يعقوب بما جرى لابنته فكتم لغاية في نفس يعقوب. وحضر حمور ليطلب يد الفتاة ويرجو مصاهرة آل يعقوب قائلًا: “شكيم ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم. أعطوه إياها زوجة وصاهرونا. تعطون بناتكم وتأخذون لكم بناتنا وتسكنون معنا وتكون الأرض قدامكم. كثروا علي جدًّا مهرًا وعطية”[36]. وأجاب بنو يعقوب: “لا نستطيع أن نعطي أختنا لرجل أغلف”[37]. “إن صرتم مثلنا فاختنوا كل ذكر نعطيكم بناتنا ونأخذ ابنتكم ونسكن معكم ونصير شعبًا واحدًا. وقبل أهل شكيم واختتنوا. وفي اليوم الثالث أثناء تألمهم انقضوا عليهم وقتلوا كل ذكر فيها ونهبوا وسلبوا نساءها وأولادها”[38]. وهنا نجد غيرة فائقة على العرض لدى آل إسرائيل.. وهذه الغيرة متعمدة، تعمدها كاتب التوراة في هذه المناسبة لينتهي إلى تملك الأرض.

وهذه النظرة التي تعتمد الجنس والغدر لتحقيق الوعد الإلهي، لا يقف عند القصة السابقة، التي قد تجد تبريرًا أخلاقيًّا لها، فهي تتكرر في أكثر من مكان ومن قصص التوراة أن يهوديت أرملة منسى وكانت جميلة المنظر. “يوم عزمت على مساعدة شعبها من ظلم اليفانا تركت ثياب ترملها واستحمت وادهنت بأطياب نفيسة وفرقت شعرها. وتزينت بكل زينتها.. وزادها الرب بهاء من أجل تزينها وهذا لم يكن عن شهوة بل عن فضيلة. ولما رآها اليفانا القائد العسكري أغوته. فأدخلها الخيمة وزنى معها… ثم أسكرته ونام. عندها قامت قائلة: أيدني أيها الرب إله إسرائيل وانظر في هذه الساعة إلى عمل يدي حتى تنهض أورشليم مدينتك كما وعدت. وعمدت إلى خنجره وأستلته وقطعت رأسه”[39]. أما آستير: فإن الملك أحشويرش أقام في السنة التالية لملكه احتفالًا صاخبًا. فسكر وطلب من خصيانه أن يؤتى إليهم بزوجته الملكة “وشتي” ليرى الشعب والزعماء جمالها لأنها كانت حسنة المنظر. ولما رفضت هذا العهر غضب الملك وقرر بناء على نصيحة مستشاريه عزل الملكة وإعطاء الملك لمن هي خير منها. وجمعت أبكار المملكة لاختيار الجميلة البديلة للملكة “وشتي” وكان من بينهن جارية يهودية يتيمة الأبوين واسمها “هداسا” أو أستير. وكانت جارية جميلة الشكل حسنة المظهر.. قبلت عرض الملك ونامت مع رجاله كما أراد لتصبح ملكة”[40].

    وهذه الأخلاق قد انتقدت في التوراة نفسها، من ذلك ما نقرأه في سفر أشعيا: “لماذا لي كثرة ذبائحكم، يقول الرب. أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات… البخور هو مكرهة لي. رأس الشهر ونداء المحفل. لست أطيق الإثم والاعتكاف، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت علي ثقلًا مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم، وإن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيكم ملآنة دمًا. اغتسلوا، تنقوا. اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني كفوا عن فعل الشر، اطلبوا الحق، انصفوا المظلوم، اقضموا اليتيم، حاموا عن الأرملة”[41].

2-3 اليهود والتاريخ

تقدس التاريخ بحلول بني إسرائيل فيه، فهو ليس مجرد سلسلة من الأحداث إنَّما فاعلية يتنقل فيه الوحي على الأرض لِيُخْتَتَمَ بسيطرة اليهودية على العالم، لذلك لا يوجد تاريخ خارج المقدس، بالتالي ما أسس في العقيدة وأسبغ عليه الطابع الديني، يتحول إلى تاريخ، وكأن لا تاريخ خارج هذا الواقع، من هنا تبدأ كتب التاريخ بالحديث عن حضور اليهود في العالم، وهذا الأمر يسوغ بشكل أو بآخر للقول بأن الصهيونية ليست ابنة القومية في عصر التنوير، ولكنّها نابعة من التاريخ نفسه الذي أعطى من خلاله الله الميثاق لبني إسرائيل كي يدشنوا تاريخ الإنسانية، وهذا العنصر يثبت تمايز هذا الدين عن غيره من الديانات، فهو الصانع الحقيقي لها، بالتالي فهم يثبتون الامتياز من جهة والتمايز من جهة أخرى، فهم قدموا للتاريخ البذرة الأولى للدين، وثبتوا بذلك حلول الله في العالم، وتمايزوا عن الآخرين بحفاظهم على محتواه دون تعديل أو تحوير، وهذا إذًا لا يثبت التفوق العرقي الذي هو موجود أصلًا، ولكنه يثبت التفوق الروحي والعقلي لهذه المجموعة البشرية، وفي ذلك يقول حزقيال كوفمان في مقاله المنشور عام 1948 بعنوان الصهيونية وما تتضمنه من أنماط جامدة لمعاداة السامية: “ليس بالأمر الغريب، فالفكران يلتقيان فيما يتعلق بنظرتهما إلى اليهود في نقطتين أساسيتين: الأولى: أن لليهود تاريخًا طويلًا ممتدًا. الثانية: أن اليهود في العالم أجمع تضمهم سلالة نقية واحدة، وبالتالي فإن لهم صفات واحدة، ويتميزون بخصائص واحدة”[42].

وهذا التاريخ الممتد الذي يتحدث عنه اليهود، ليس تاريخًا تأسيسيًّا، إنما هو تاريخ اضطهاد وقسوة، وهذا الاضطهاد ليس وليد مرحلة معينة من تاريخهم، إنَّما هو من الأمور الملازمة لهم والتي ظهرت مع ظهور النبوة فيهم، فالتشريد والتيه قد لازمهم منذ دُفع النبي إبراهيم إلى الهجرة من مدينة أور: “وأخذ تارح أبرام ابنه، ولوطًا ابن هاران المتوفى على حياة والده تارح وساراي فخرجوا معًا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا حران وأقاموا هناك”. “إذن انتقل تارح وولده أبرام من أور الكلدانية إلى حران الكنعانية..  هذا قد تم، حسب رواية التوراة بأمر الرب: “وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة، وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك.. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”[43]. ثم تتابع الرواية سرد فصولها فتقول: “إن أبرام أخذ امرأته ساراي ولوطًا ابن أخيه وما اقتنوه وخرجوا إلى أرض كنعان. فاجتازوا إلى مكان شكيم، إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون هناك. فبنى أبرام مذبحًا للرب الذي ظهر لـه[44].. ثم ارتحل أبرام متواليًا نحو الجنوب”. وبعد ذلك حدث جوع فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك. ويعيش في مجتمع يمارس عليه أقسى أنواع الاضطهاد، حتى أتى موسى (ع)، ورفع عنهم العبودية وأخرجهم من أرض مصر، ثم كان السبي البابلي… وكلّ هذه الأحداث، تذهب باتجاه تثبيت الوسواس القهري في الشخصية اليهودية، مما يجعلها أمام عداء كبير للعالم المحيط. تقول الشاعرة اليهودية آنا نجرينو في إحدى قصائدها إن أمها أوصتها بالتعصب.

“وقالت لي أمي بأني ابنة شعب غني بالأسفار

والأغيار جهلة

حدثتني أن أكون في المقدمة لأني يهودية

وواجبي مواصلة الطريق لمواجهة الأغيار الأعداء

ولو كانوا العالم كله”[45].

وهذا الأمر دفع بهم دائمًا إلى العيش على هامش المدن فلا يندمجون بها مخافة أن يكون هذا مقدمة للذوبان في المجتمعات التي يعيشون بها، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفهم كيفية توزع اليهود في مجتمعات منفصلة في المدينة عند البعثة النبوية الشريفة.

وهذه المنعزلات، استطاعت أن تحمي الشخصية اليهودية، وتمنح الحصانة والمنعة من الذوبان في محيطها، ولكنَّها شوهت رؤيتها للعالم. فاليهود الذين عاشوا في منعزلات بشرية “غيتو”، أو “حارات” لمدة قرون طويلة، في بيئة رتيبة تتحكم فيها أطر ضيقة، تحولوا مع الوقت إلى كائنات مأساوية، لا تنظر إلى هذا العالم الحسي باعتباره واقعًا حقيقيًّا، إنما انقلبوا على أنفسهم إلى العالم الداخلي اللاشعوري، حيث صورة الأرض التي أعطاها لهم “يهوه”، فأصبحت هي الحقيقة التي ينزحون إليها. ويقول قدري حفني: “جدران عالية تفصل بينهم وبين المجتمع من حوله. كثافة في العدد تميزهم. ارتفاع في منازلهم يميزها شارات”[46]، وهذا الموقف المعادي لليهود نجده في الكثير من النصوص، وأورد فرويد حكاية عن حادثة وقعت لوالده، إذ إن شخصًا غير يهـودي أسـقط قبعته في بالوعة الشـارع المجاورة للرصـيف وصرخ فيـه: “أيها اليهودي ابتعد عن الرصيف”. وهنا سأل فرويد الابن أباه عن طريقة استجابته لهذا الموقف فقال الأب: “نزلت إلى الشارع والتقطت قبعتي من البالوعة”[47].

يضاف إلى هذه الوقائع، حياة مليئة بالصراع مع المجتمع الذي فرض عليهم الضرائب، والمهن، والزي، وحولهم إلى كائنات منبوذة. هذا الأمر جعل اليهودي، لا يعيش حواسه باعتبارها واقع، أو مؤدية إليه، إنَّما يعيش التراث المليء بالأساطير والبطولات والتراث المتعالي على الآخر. وهذا التناقض وَلَّد نوعًا من التمرد النرجسي الذي دفع اليهودي، لاحقًا إلى خوض المنافسات العنيفة إثباتًا لذاته وانتصارًا لإيحاءات تربيته. فاليهودي لا ينظر إلى العالم كميدان للتنافس والحياة، إنَّما هو ميدان للدفاع عن “هوية الأنا ” لديه، وهو دائمًا يعيش مع الأعداء، وهؤلاء هم مبرر وجوده، ويقول هرتزل: “إن الأمة، حسب اعتقادي، هي جماعة الناس تشكّلت تاريخيًّا ووحدتهم التي تتمتع بسمات مميزة، والتي ما زالت باقية كوحدة تامة بفضل وجود العدو”[48].

فالعالم الحسي بالنسبة إلى الشخصية اليهودية هو الجحيم، وهو يقتضي الامتزاج مع الأغيار، هؤلاء الذين لا يشكلون عناصر بشرية بالمعنى الحقيقي، إنما يعرفون من خلال تناقضهم مع اليهودية: “إن الشعوب التي يعيش اليهود بينها تشكل جميعًا ومعًا وعلى حدة لا ساميين سافرين أو مستترين”[49]، وأكد وايزمن: “أن اللاسامية هي جرثومة يحملها معه في كل إنسان بغض النظر عن الاقتناعات بالعكس”[50]، بالتالي لا يمكن الدخول في العالم دون التطهر منه. لأن هذا الأمر سيؤدي مع الوقت إلى التخلي عن الهوية الذاتية المميزة. وهذا الأمر دفع اليهودي إلى التفكير في إيجاد عالم آخر يستطيع من خلاله بناء منعزله الجديد الذي يعيش فيه من جهة ويدافع فيه عن هويته من جهة أخرى.

فالغيتو يشكل اللاوعي اليهودي، وهو الذي استطاع الحفاظ على الهوية طوال قرون متعددة، وهو مَثَلَ بتركيبته المتركزة حول الكنيس البديل الحقيقي عن الهيكل الذي هُدِمَ.

وهذا يضعنا أمام حقيقة جديدة، فالتاريخ اليهودي، وبسبب حالة الانكماش على الذات، لم يعد تاريخًا ماديًّا، يروى من خلال الكتب أو السير، إنما تحول معهم إلى عنصر نفسي، يحمل في طياته الكثير من القداسة، وهذا ما ظهر لنا من خلال الكثير من الشعر اليهودي، يقول الشاعر شيقا بيقوف:

أرضٌ، أرضٌ، أرضْ

أرضٌ سماؤها زرقاءُ بل غيم

والشمس لها

عسلٌ ولبن

أرضٌ نولد فيها

أرض سنحيى فيها

وسنبقى، وليكن ما سيكون…[51]

فهو لا ينظر إلى تاريخه كمجموعة أحداث، جرت مع جماعة دينية في أمكنة وأزمنة مختلفة، وكل جماعة لها خبراتها الخاصة، وتاريخها الخاص، إنما ينظر إلى التاريخ كمسيرة إلهية ترتبط بلحظة أولى تتمثل في الشتات، تليها فترات منسية قسرًا على أمل العودة. وهو ما يدعو إلى القول بأن التاريخ اليهودي يقوم على ركنين:

2-3-أ. التمايز: وهي نظرة تقول إن اليهود وبحكم تاريخهم يتميزون عن بقية شعوب العالم، وهذا ما عبر عنه الكثير من القادة اليهود، فها هو بنيامين دزرائيلي الذي اعتلى كرسي رئاسة الوزارة البريطانية مرتين، يعتبر اليهود انقياء عرقيًّا، وهم متفوقون على سائر بني البشر، ووصل في مبالغته إلى حدِّ تقديم اليهودي”سيدونيا”، بطل روايته كوننغزبي، كسوبرمان أو إله وليس كبشر عادي، مؤكدًا أن هذه الميزة ليس وقفًا على سيدونيا وحده، بل تشمل جميع يهود العالم الذين وصفهم بلسان لأحد أبطال روايته: “بأنهم متفوقون بأكثر من قوة الذكاء. اليهود هم من حبتهم الطبيعة بالعبقرية كهبة إلهية… إنهم الوسطاء بين الله والإنسان… الصلة الربانية التي تعطي للجنس البشري إنسانيته”[52].

2-3-ب. الاضطهاد: وهو ليس بالضرورة واقعي أو عملي، إنما هو أشبه ما يكون بشعور يعيشه الإنسان اليهودي، وفي رأي بنسكر أن العالم يكره الأشباح، واليهود هم أشباح العالم. ولذلك كرهتهم الشعوب جيلًا بعد جيل إلى أن أصبحت هذه الكراهية مرضًا مزمنًا، مع مرور القرن تشترك فيه الإنسانية كلها. وهي وهم نفسي ورثته الشعوب، مرض انتقلت عدواه من شعب إلى آخر دون علاج على مدى عشرين قرنًا[53]، ويقول بنسكر في هذا المقال: إن الكثيرين من الأصدقاء والأعداء على السواء. حاولوا تبرير هذه الظاهرة بتوجيه الاتهامات إلى اليهود، فنسب إليهم البعض قتل السيد المسيح، وشربهم لدم المسيحيين، وتسميمهم آبار المياه، وأخذهم الربا، واستغلالهم الفلاح. وفي رأي بنسكر أن كل هذه الاتهامات لا صحة لها، وأنها اخترعت لتبرير كراهية اليهود، وضرورة حرق اليهودي أو الشبح اليهودي[54].

وهذا الشعور اليهودي لا يوجد ما يستوجب الأخذ به، أو حتى الإقرار بوجوده بشكل مطلق، فمن الصحيح أن الكثير من الأحداث قد مرّت على اليهود، ولكنها لا تعكس واقع اليهود، فالسبي البابلي الذي تتحدث عنه الوقائع التاريخية، لم يكن سبيًا لأسباب دينية، إنما لأسباب استراتيجية فرضتها وقائع التوسع البابلي وموقع فلسطين، ولذلك عندما أجلاهم: “رأى هؤلاء في المنفى أسباطًا يهودية كثيرة العدد وحسنة الحال، نشأت هناك في القرن الثامن قبل الميلاد، وقد أكمل القادمون الجدد صفوف هذه الأسباط”[55]. وهم لم يعاملوا معاملة سيئة بل سمح لهم بالعمل مع أقرانهم، ويكتب الباحث الألماني لوجو برانتانو أن: “النصوص المكتوبة بالحروف المسمارية المكتشفة مؤخرًا تشهد على أن النازحين اليهود قد اشتركوا اشتراكًا نشيطًا في الحياة التجارية. ومارسوا عملية التسليف بالربا، هذه العملية التي كانت متبعة بشكل واسع بين سكان بابل، كما كانوا تجارًا كبارًا”[56]. وعندما أصدر قورش إمبراطور فارس قرارًا، يسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين: “الجماهير الأساسية للشعب اليهودي بقيت في بابل”[57]. ومن الممكن أن تسرد العشرات من الشواهد التاريخية التي تثبت خطأ الرؤية الإسرائيلية من جهة، وضعف نظرتها التاريخية، التي لم تكن تعبر عن الواقع بقدر حديثها عن الواقع النفسي لها.

2-4- المسيح والخلاص

البناء الفكري لليهودية، جعل فكرة الخلاص محورية، وتزعم اليهودية أن يهوه أعطى إبراهيم ونسله أرض كنعان من النيل إلى الفرات، وأن ظهور المسيح المنتظر يحقق حلم اليهود بسيادتهم على أرض الميعاد المزعومة وعلى الشعوب التي أهانت اليهود. وسيجعل المخلص اليهود سادة على جميع شعوب العالم، ويحوِّل الأغيار عبيدًا وخدمًا لليهود. وهذا المخلص يجب أن يكون من أسرة داود ومقره القدس، ويجب أن يكون مالكًا لأسباب القوة ويتمتع بمهابة السلطان، وتقول التوراة: “لا يزول صولجان من يهوذا، ومشترع من سلالته حتى يأتي شيلو وتطيعه الشعوب”[58]، وتقول: “ويل للمتمنّين يوم الرب. لِمَ ذاك؟ إن يوم الرب لكم ظلمة لا نور. كما إذا هرب إنسان من وجه الأسد فلقيه الدب، أو دخل البيت وأسند يده إلى الحائط فلسعته حية أليس يوم الرب ظلمة لا نورًا؟ بل هو ديجور لا ضياء له”[59]، وتقول التوراة: “صهيون تُفدى بالحق، وتائبوها بالبرِّ، وهلاك المذنبين والخطاة يكون سواءً، وتاركوا الرب يفنون”[60]، وتقول: “ويل للمبكرين صباحًا يتبعون المسكر، للمتأخرين في العتمة تلهيهم الخمر”[61]، ويقول: “ويخرج قضيبٌ من جذع يسَّى وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشهورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. ولذّته تكون في مخافة الرب، فلا يقضى بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أذنيه بل يقضي بالعدل للمسكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البر منطقة متينة والأمانة منطقة حقويه. فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمَّن معًا، وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدُّبة ترعيان، تربض أولادهما معًا، والأسد كالبقر يأكل تبنًا. ويلعب الرضيع على سرب الصِّلّ، ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسؤون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلىء من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسَّى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم، ويكون محلّه مجدًا”[62]… ومن إشارات ظهوره قيام العالم الجديد الذي لن يكون كالعالم الحالي. وأن الناس سينضمون إليه.. وجاء: “يولد لنا ولد. ونعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا ويكون إلهًا قديرًا، وأبًا وأبديًّا رئيس السلام. تنمو رياسته. يجلس على كرسي داوود وعلى مملكته يثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيرة رب الجنود تفعل هذا”[63].

وفكرة الخلاص المسيحانية، لم تكف عن مداعبة خيال اليهودي منذ السبي البابلي، وصولًا إلى القرن العشرين، وكانت المحرك لكثير من الثورات، ففي فترة ظهور السيد المسيح (ع)، قام يهودي واسمه يهوذا الجليلي[64] بادعاء أنه المسيح، فتبعه عدد كبير من اليهود، ولكن الدولة الرومانية، قامت بقمعه وتشتيت فرقته. ثم ادعى “ثيوداس”[65] الذي ظهر سنة 44 ميلاديًّا المسيحيانية، فاتبعه جمهور كبير من اليهود، ولكن الحاكم الروماني للمنطقة، أرسل كتيبة من الفرسان فقتلت من هؤلاء اليهود عددًا كبيرًا، وقطعت أسس الدعوة. ويذكر يوسيفوس مسيحًا آخر من يهود مصر، ذهب إلى جبل الزيتون المشرف على القدس، وأخذ ينشر دعوة مسيحانية من سنة 55 إلى 60 ميلاديًّا، فعلم به حاكم مدينة القدس فليكس، فانقض عليه وعلى أنصاره وقتل الكثيرين وشتت جموعهم.

وفي القرن الثاني الميلادي، حوالي سنة 130 للهجرة. قام اليهودي بركوبا، بإعلان الحرب على الرومان لطردهم من القدس وفلسطين، ولكن الحركة فشلت وتشتت اليهود في أصقاع الإمبراطورية الرومانية، ولكن حلم المخلص، لم يفارق خيالهم. حتى إذا شعروا بالعدالة والحرية في ظل الدولة الإسلامية، عادوا إلى فكرتهم يحاولون العمل عليها وإبرازها، فظهرت سلسلة من المخلصين منهم إسحاق بن يعقوب عوبديا المعروف باسم أبي عيسى الأصفهاني. وقد عاش في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان(685-705). وتلاه يوجدان. وفي عهد عمر بن عبد العزيز(717-720) ظهر مسيح آخر في سوريا اسمه “سيرينوس”، قام بتحرير اليهود من الشريعة ورفع الحظر عن المحرمات في الطعام والشراب، واستمر هذا الشخص حتى أيام يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي ألقى القبض عليه وسلمه لليهود لتصويب معتقده.

وتكرر انبثاق ظاهرة المسيح في المجتمع اليهودي، وصل بعضهم إلى درجة كبيرة من الخطورة كالمخلّص داوود بن سليمان الرائي الذي ولد في مدينة آمد في كردستان سنة 1135، حيث أقام شبه دولة، ودعا اليهود في بغداد والأقاليم المحيطة بها للذهاب إلى القدس وانتزاعها من أيدي المسلمين، وقام بإثارة الفتنة في الدولة السلجوقية، وفي الخلافة العباسية، وحضر جيشًا للانقضاض على مدينة آمد التي ولد فيها، ولكنه قتل في أثناء محاولته.

وتحول الرائي إلى أسطورة في حياة اليهود، وأعطوه صفات شفائية وإعجازية، وتحدثوا عن عدم موته وعودته مرة ثانية إلى اليهود.

وفي سنة 1490 ادعى داوود الرأوبيني المولود في خيبر بالقرب من المدينة المنورة المسيحانية، وقال بأنه وريث عرش مملكة خيبر اليهودية التي أسقطها الإسلام، وأرسل إلى البابا وملوك أوروبا رسائل لتزويده بالسلاح والأموال، واستقبله البابا كلمنت السابع بعد ذلك، في الفاتيكان بحفاوة كبيرة سنة 1524. وفي السنة التالية جرى استقبال رسمي له في قصر ملك البرتغال، ولكن مع تعاظم دوره بين اليهود المتنصرين، خافت السلطات الكنسية، وقامت بدس السم له فمات.

وظهر في الدولة العثمانية شبتاي صبي الذي اعتمد التعاليم القبالية، وقال إن يهوه دعاه إلى الإعلان عن نفسه كمسيح مخلص، وسمح له بتسميته باسمه الحقيقي بدل من أدون الذي كان يستخدم حتى ذلك الحين، ونتيجة انكشاف أمره ادعى الإسلام في حضرة السلطان العثماني وأطلق على نفسه اسم محمد أفندي ولقب أفوجى باشى إيطراق وعناه خادم الأعتاب، كما أعلن أن زوجته سارة قد أسلمت أيضًا، وأصبح اسمها فاطمة قادن، أي السيدة فاطمة وتعلَّم العربية والتركية، بالإضافة إلى التفسير، ولكنّه بقي في الباطن على يهوديته، وأسس فرقة الدونمة[66]. وهذه الفرقة لعبت دورًا خطيرًا، حيث ظهرت في مدينة إيزنشتادت. وقاد حركة كبيرة مؤداها أن رجوع شبتاي صبي من السماء باتت قريبة وستكون في غضون ثلاث سنوات. وعندما فاتت المدة ولم يظهر، قال إنه هو المسيح المنتظر، وذاع صيته بسبب ركوبه الحمار وفقره، واستدعاه يهود روما للاحتفال به كمخلص، ولكن قساوسة محاكم التفتيش علموا بأمره وقرروا قتله، فهرب من روما إلى بولندة وظل مختفيًا إلى أن مات. 

وفي سنة 1676 م، قامت في بولونيا في القرن الثامن عشر حركة أخرى مشابهة قادها “إسرائيل البدولي” فأسس طائفة تدعى “الحسيديم” عام 1740، واستمد تعاليمه من الزوهر[67]، لكنه لم يعتقد أن الكون صورة من صور الله، بل إن الكون كله هو الله. وقد استخدم طرائق السحر والشعوذة للإقناع، وتبعه مريدون كثر.. وفي إثره قام داعية آخر هو “حويل بن أوري” اعتمد على السحر باسم الله.. ورفض القرابين والملكية الفردية، ودعا إلى التعايش بين الشعوب.

وقد انتشرت الجمعيات والتيارات القبالية كطائفة الفرنكين، نسبة ليعقوب فرانك 1755م الذي كان يقول لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. وبالفعل أوقف العمل بالأوامر والنواهي، وألغى الحدود بين المقدَّس والمدنَّس، فأصبح كل شيء مقدَّسًا ومن ذلك الإثم نفسه، وبالتالي أصبح الوصول إلى النور غير ممكن إلا بالنزول في الظلام وأصبح الصعود غير ممكن إلا بالسقوط في الهوة. فمن خلال الوقوع في الخطيئة سينبثق عالم لا مكان للخطيئة فيه، عالم هو الخير كله. وتبعهم في هذا المنحى “إخوان الشعلة” في بولونيا.

وهذه النظرة الخلاصية لليهودية، تجعل قيامة اليهودية مرتبطة بشكل وثيق بعودة المخلص المسيح إلى الأرض، وبمعزل عن هذا الأمر، يجب على اليهود أن يبقوا في أرض الشتات منتظرين هذا الحدث العظيم الذي سيعيد اليهود إلى أرض الميعاد حيث سيبنى هيكل سليمان من جديد طبقًا للنموذج الموجود في العلم الأزلي للإله.

2-5 استنتاج

لا تحتوي اليهودية في نظرتها للعالم على فكرة التوحد في العالم أو الاندماج به، فهي قامت وحافظت على نفسها من خلال الانغلاق على الذات، فهي ترفض فكرة العلمانية، وتعتبرها نزعة خطرة على وجودها، لأنها ستؤدي إلى إفراغ اليهودية من محتواها الفريد.

من هنا، نلاحظ أن اليهود عملوا ومنذ بداياتهم الثانية على رفض كل تماثل واشتراك مع الآخرين، وعملوا على إلغائه بوعي منهم أو بغير وعي انطلاقًا من إحساسهم بالتميز، لذلك سعوا دائمًا إلى الانفصال داخل كيانات منعزلة في المجتمعات التي عاشوا بينها، بالتالي أبقوا على أواصر ضئيلة تسمح لهم بالحياة.

فهم لم يكونوا بوارد الانفتاح على العالم المحيط بهم، بل كانوا يرون هذا العالم وسيلة لاضطهادهم وعبوديتهم.

فالقيم اليهودية لا تقوم على مبدأ الاتحاد بالآخر، أو الدخول معه في شراكة حياتية، فوجودهم في هذا العالم وجود رسالي ذاتي يقوم على التناقض مع الآخرين والتمايز عنهم، بالتالي هم يعيشون أمتهم في ذواتهم، أما العالم الخارجي فهو المكان الذي تتجلى فيه قدسية هذه الأمة التي لا يجب أن تتشاركها مع أحد، على هذا الأساس لم يسعَ اليهود إلى قيام دولة، بل إنّهم نفوا كلَّ مشروعية لها في غياب المخلص: “وعلى هذا الأساس لم تكن حياة الجيتو سيئة تمامًا فقد ساعدت الإنسان اليهودي على الحفاظ على كيانه، ويعتقد كثير من المفكرين اليهود أنه لولا الجيتو لضاعت الهوية اليهودية في المجتمع الأوروبي، فحياة اليهود معًا داخل أسوار الجيتو عندهم هو “الوعي الجماعي” الذي نتج عنه المحافظة على التوراة وقوانينها وتنفيذ وصاياها، كما ضمنت أيضًا طاعة اليهودي لرؤسائه ورجال دينه، مما ساعد على الحفاظ على اليهودية كدين”[68].

فالدين اليهودي يقوم على تقليد الشريعة، بالتالي هو يرفض كل أمر لا يأخذ الشريعة كأصل ومصدر، ولما كانت الشريعة أشارت عليه بضرورة الشتات، يصبح الخروج عنها خروجٌ على الشرع، من هنا لم تهتم اليهودية بفكرة الأرض وأهملت الزراعة، الأمر الذي دفعها إلى الاهتمام بعالم المال والأعمال والصيرفة، وصرفهم عن المشاغل الزهدية.

فاليهود بعد ما أسموه بدمار الهيكل، دخلوا مرحلة الانتظار، وقطعوا كلّ علاقة لهم مع حلم الدولة، وانتقلوا إلى فكرة الجماعة المنفصلة، التي تمارس طقوسها في منعزلات خاصة بها، أخذت تسميات متعددة، منها “حارة اليهود” في مصر وبلاد الشام، و”قاعة اليهود”، أو المسبتة[69]، و”الملاح” في المغرب، و”الشتتل”[70]، وهذه المعازل أقاموها من تلقاء أنفسهم لتميُّزِهم عن المجتمع المحيط بهم، وجعلوها مركزًا لعيش روح الأمة على أسس شرعية في ظل غياب المخلص الذي سيأتي في نهاية الأزمنة. وهذا الأمر يعبر عن الشخصية الحقيقية لليهود المحافظة على الشرائع الدينية التي تشمل كل مظاهر الحياة، من المأكل الذي حددت له العقيدة اليهودية نمطًا معينًا للحفاظ على طهارته، كالالتزام بقوانين الطعام الكاشير، المفضية إلى طريقة محددة في الذبح واختيار أنواع الماشية التي تجتر. كما حددت للأكل نوعًا معينًا من الأسماك، فاشترطت بأن يكون السمك يحتوي على زعانف. كما أن اليهودية وضعت نظامًا قاسيًا للتعاطي مع الجسد، فاعتبرت التعري تدنيسًا له.

ولا تقف الأمور عند هذا الحد، إنّما شملت صلاحيات الكاهن كلّ تفصيل من تفصيلات الحياة اليهودية، وهذا ما دفع المؤرخ اليهودي إسحق بير يقول: “إنّه بالرغم من أنه كان للدين في تاريخ اليونان والرومان، وفي تاريخ أوروبا في القرون الوسطى تأثير حاسم، فإنك لا تجد لدى هذه الأمم، مع ذلك، فصولًا في السياسة والأدب لا دخل للدين فيها، مما يدل على أن تلك الشعوب قد وفقت في عزل هذين الميدانين عن سلطان الدين عزلًا تامًّا. أما عندنا، فإنك لا تكاد تجد مثل هذين الميدانين في الزمن القديم، ومن باب أولى، في القرون الوسطى إلى عشية التنوير الحديث”[71].

[1] ولما كانت دراستنا لن تتناول هذا الجانب، فسنكتفي بهذه الإشارة.

[2] التكوين 14: 22.

[3] التكوين: 18: 1-17.

[4] التكوين 32: 22-31.

[5] سفر الخروج 3: 1- 15.

[6] الخروج6: 2-4.

[7] لطفي الشربيني، “معجم مصطلحات الطب النفسي”، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الكويت، مادة: Dissociation.

[8] الخروج 12: 22-23.

[9] العدد 14: 11-20.

[10] الخروج 23: 11- 14.

[11] مع تقديرنا لتحليلاته التي تتميز بالعمق، ولكنَّها أجرت ونتيجة مسبقاتها اللاشعورية الحضارية نوع من التطهرية على الديانة اليهودية، فغسَّلتها من النزعة التسلطية التي تفصح عن نزعة أقوامية.

[12] أريك فروم، ” الدين والتحليل النفسي”، الصفحة 40.

[13] أريك فروم، ” الدين…” مصدر سابق، الصفحة 40.

[14] أريك فروم، ” الدين…” مصدر سابق، الصفحة 40.

[15] سفر التكوين 17.

[16] التكوين 12: 17.

[17] التكوين 13: 15.

[18] يشوع 6: 20.

[19] يشوع10: 28- 30.

1 أسماء غريب بيومي شلبي، التربية السياسية في أدب الأطفال، دراسة مقارنة بين مصر وإسرائيل، رسالة لنيل درجة الماجستير، جامعة عين شمس، (مخطوطة 1992).

[21] را: عن الاستبيان كتاب: خليل السواحري وسمير سمعان، “التوجهات العنصرية في مناهج التعليم الإسرائيلية”، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 2001، الصفحات 16-18.

[22] مجلة فلسطين المسلمة، كانون الثاني 1998، الصفحة 58.

[23] مجلة فلسطين المسلمة، كانون الثاني 1998، الصفحة 51.

[24] جريدة الحياة اللندنية في 18/8/2000.

[25] اللاويين 6: 1-7.

[26] اللاويين 16: 20 – 22.

[27] سفر الخروج.

[28] رشاد عبد الله الشامي، “الشخصية الإسرائيلية والروح العدوانية”، الكويت، عالم المعرفة، العدد102، الصفحة 26.

[29] المصدر نفسه، الصفحة 26.

[30] مجلة المشرق اليسوعية 18-770 نقل عن سفكر حكريم أحد أسفار التلمود، الجزء3، ف25، وهو منقول من كتاب، محمد علي الزعبي، “دفائن النفسية اليهودية”، بيروت، 1968.

[31] جورج كورنيليان، “في الزوايا خبايا”، تعريب نجيب الحاج، بيروت، طبعة 1863، الصفحات 20-31.

[32] القضاة 11:5-11.

[33] اللاويين 18-23.

[34] نعرفه بمعنى فعل الكبيرة به.

[35] القضاة 19: 14-30.

[36] تكوين 13: 8-12.

[37] غير المختتن.

[38] تكوين13: 13-34.

[39] يهوديت 8- 7.

[40] راجع سفر أستير.

[41] أشعيا:1: 11-17. 

[42] قدري قلعجي، “تجسيد …” مصدر سابق، الصفحة 94.

[43] التكوين: 12: 1-3.

[44] التكوين: 12: 5-7.

[45] جريدة الأسبوع الأدبي، العدد 619 في 18/7/1998، الصفحة 6.

[46] قدري قلعجي، “تجسيد الوهم”، مؤسسة الأهرام، مركز الدراسات الفلسطينية، 1971، الصفحات 116-117.

[47] را: رالف رزق الله، “فرويد”، بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1981.

[48] يوري إيفانوف، “احذروا الصهيونية”، منشورات وكالة أنباء نوفوستي، 1969، الصفحة 48.

[49] المصدر نفسه، الصفحة 49.

[50] المصدر نفسه، الصفحة48.

[51] محمد الصواف، “ظاهرة الأدب الصهيوني”، الثقافة للجميع، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، حزيران 2007، الصفحة 126.

[52] هاني الراهب، “الشخصية الصهيونية في الرواية الإنكليزية”، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة 2، 1979، الصفحات 48-50.

[53] محمد خليفة حسن، “الصهيونية”، القاهرة، دار المعارف، الطبعة 1، 1981، الصفحة 86.

[54] المصدر نفسه، الصفحة87.

[55] Ausubel N, The Book Of  Jewish Knowledge, N.Y,1964, 126.

[56] إيفانوف، “احذروا…”، مصدر سابق، الصفحة 14.

[57] المصدر نفسه، الصفحة15.

[58] تكوين 49: 10.

[59] عاموس 5: 18-20.

[60] إشعيا 1: 27-28.

[61] إشعيا 5: 11.

[62] إشعيا: 11: 1-10.

[63] إشعيا: : 6-7.

[64] يرجع المؤرخ اليهودي الشهير “يوسيفوس” السبب في المصائب التي نزلت باليهود عام 70 م، إلى تعاليم “يهوذا الجليلي”، ففي عام 6 م، أُلحِقَتْ “يهودا” بالإمبراطورية الرومانية، وفي ذلك العام أمر الإمبراطور أغسطس بإجراء إحصاء للسكان لفرض الضرائب عليهم، عند ذلك بدأ “يهوذا الجليلي” في تحريض اليهود على الامتناع عن دفع الضرائب وعلى رفض الاعتراف بالإمبراطور الروماني سيّدًا عليهم. في البداية، تصدى القائد الروماني “فيسبسيان” للعصاة اليهود “السيكارديم” في الجليل، ولكن فيسبسيان اضطر للعودة إلى روما ليُصبِحَ إمبراطورًا، وتولى المهمة بعده ابنه “تيتوس” الذي جاء على رأس فيلق من مصر، ولما سقطت القدس في يد تيتوس، فرَّت فلول “السيكارديم” إلى قلعة “ماسادا” بقيادة “أليعازر” أحد أحفاد “يهوذا الجليلي”، وتحصنوا بها، وعندما سقطت القلعة انتحر اليهود المحاصرون فيها خوفًا من الصلب على يد الرومان.

[65] ثيوداس وبعض المصادر تذكر اسمه ثيوداس، أعلن عن نفسه في حوالي 44 م بأنه نبي وأقنع كثيرًا من اليهود بأن يأخذوا أمتعتهم ويتبعوه إلى نهر الأردن حيث يفلقه بأمر منه كما فعل موسى (ع).

[66] را: حسن ظاظا، “الفكر الديني اليهودي أطواره ومذاهبه”، القاهرة، جامعة الدول العربية، 1971، الصفحات 116_147.

[67] الزوهر أو الزوهار كلمة عبرية تعني “الإشراق”، أو “الضياء”. من أهم كتب التراث القبَّالي (الصوفي اليهودي)، وهو مكتوب بالآرامية ويسعى إلى الكشف المعنى الباطني للعهد القديم، وخصوصًا أسفار موسى الخمسة، ونشيد الأنشاد، وراعوث، والمراثي. ويعود تاريخه الافتراضي، حسب بعض الروايات، إلى ما قبل الإسلام والمسيحية، وهو ما يحقق الاستقلال الفكري (الوهمي) لليهود، وكتابته بلغة غريبة، تحقق العزلة لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. ويُنسَب الكتاب إلى الحاخام شمعون بن يوحاي (القرن الثاني)، وإلى زملائه، ولكن يُقال إن موسى دي ليون (مكتشف الكتاب في القرن الثالث عشر) هو مؤلفه الحقيقي أو مؤلف أهم أجزائه، وأنه كتبه بين عامي 1280 و1285، مع بدايات أزمة يهود إسبانيا. والزوهار، في أسلوبه، يشبه المواعظ اليهودية الإسبانية في ذلك الوقت. وبعد مرور مائة عام على ظهوره، أصبح الزوهار بالنسبة إلى المتصوفة في منزلة التلمود بالنسبة إلى الحاخاميين. وقد شاع الزوهار بعد ذلك بين اليهود، حتى احتل مكانة أعلى من مكانة التلمود، وخصوصًا بعد ظهور الحركة الحسيدية. والموضوعات الأساسية التي يعالجها الزوهار هي: طبيعة الإله وكيف يكشف عن نفسه لمخلوقاته، وأسرار الأسماء الإلهية، وروح الإنسان وطبيعتها ومصيرها، والخير والشر، وأهمية التوراة، والماشيح والخلاص، مع الإشارة إلى أن جوهر فكر الزوهار هو تَوقُّع عودة الماشيَّح، الأمر الذي يخلع قدرًا كبيًرً من النسبية على ما يحيط بأعضاء الجماعات اليهودية من حقائق تاريخية واجتماعية. را: عبد الوهاب محمد المسيري، “موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية”، القاهرة، مؤسسة الأهرام، 1975، الصفحتان 206-207 .

[68] محمد خليفة حسن، “الحركة الصهيونية”، مصدر سابق، الصفحة 28.  

[69] نسبة إلى يوم السبت.

[70] المدينة الصغيرة بلغة اليديش.

[71] رشاد عبد الله الشامي، “الشخصية اليهودية الإسرائيلية”، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 102، الصفحة20.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.



المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | الشخصانية الإسلامية عند الحبّابي

بعد أن قدّم الحبّابي الشخصانية الواقعية انتقل بعد ذلك للحديث عن الشخصانية الإسلامية، حيث عمل على تقديم قراءة تأويلية للإسلام،

الموت كتجلٍّ للمقدّس..

إنّ وصول العبد لهذه الدرجة من الإخلاص لله، يجعل الموت لحظة تكامل ووصل إلى الإنسان الحقيقي، وبالتالي يكون الموت موصلًا إلى المقام القدسيّ للملائكة

الفلسفة السياسية لولاية الفقيه -2 –

يعتبر أصحاب هذه النظرية أن نطاق هذه الولاية للفقيه يقتصر على الأمور الحسبية. وهي التي تعني حسب الفقه الشيعي الأمور التي لا يرضى الله بإهمالها …

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<