البنى المعرفية ومقصلة التفكيك

البنى المعرفية ومقصلة التفكيك

مدخل

أغلب معاييرنا اليوم تم تفريغها تدريجيًا من محتواها الدلالي خاصة المعنوي، وتم إحلالها بدلالات مادية محضة، وبطريقة ناعمة تعمل على منطقة اللاوعي، ثم تتحول تدريجيًا في المجال الإدراكي إلى وعي بعد أن تمهد القابلية الحسية والعقلية لقبول المعايير بحلتها الجديدة. وحلتها الجديدة لا تعني تغيير ظاهرها حتى لا يتم مواجهتها، بل تعني تغيير محتواها الداخلي والمعنوي بالذات مع الحفاظ على شكلها وظاهرها.

مسوغات التفكيك المنهجي

وعملية التفكيك المنهجي للبنى المعرفية تتم دون أدنى مقاومة، لعدة أسباب أهمها:

– سهولة الحصول على التكنولوجيا والانترنت وانتشارهما بطريقة أوجدت صعوبة في الاستغناء عنهما ليصبحا من الضروريات الحياتية حتى لفقراء الحال.

– وجود الأرضية والقابلية لعملية التفكيك، نتيجة الوهن والضعف في جسد الأمة، وغياب المنهج والأدوات العقلية في تحقيق المعارف، وفي تقييم المعارف القادمة، لانعدام المشاريع النهضوية الثقافية.

– الاستبداد وتحالفاته التي جعلت من كثير من الفقهاء أتباع للبلاط يشرعنون وجوده، واستقطبت كثير من المثقفين إلى نفس البلاط من خلال إنشاء مراكز دراسات بدعم حكومي يشغل المثقفين بانشغالات فكرية ثقافية لكنها غالبا مخملية بعيدة عن هموم الناس والواقع، تنظيرية غير قابلة للتطبيق ولجذب الناس، فخدرت عدد كبير من المثقفين بالثقافة، وشغلتهم عن الجماهير وعزلتهم. فهيمنت على الجمهور بالقوة وعطلت العقول بالفتوى.

– الاعلام ودوره في تزييف الوعي، وهدم البنى المعرفية وتعطيل عملية التفكير.

-تردي مستوى التعليم في المجتمعات، مع انتشار المناهج الدينية المتطرفة التي عطلت قدرة العقل على السؤال، من خلال ثقافة الإقصاء وتحديد الحقيقة بمنهج واحد لا شريك له.

– عجز الوسط المتدين عن تقديم مشاريع نهضوية، قادرة على تثبيت الثابت وتطوير المتغير، بل كان سببا في تسرب عدد كبير من الشباب من أوساطه إلى أحضان الحداثة والعولمة، بعد عجزه عن الإجابة على التساؤلات العقدية الكبرى.

– تمييع الهوية من خلال تغيير قائمة الأولويات، وضرب منظومة المعايير والقيم، وتضارب الواقع مع النظريات، لابتعاد المنظرين عن واقع الناس وحاجاتهم وأهم إشكالياتهم التي تصوغ لهم كثير من التساؤلات وتضعهم في فوضى الأفكار.

– الحروب الدموية التي جرت الجميع وأشغلتهم بالسياسة على حساب المعرفة، وبالقتال على حساب الحياة والبناء. وهي حروب غالبا مفتعلة لجر الشعوب للحروب حتى تنشغل بها عن الاشتغال بالمعرفة والنهوض بالأسئلة الكبرى للإجابة عليها.

انتشار البطالة والفقر والأمية التي دفعت كثيرين للهجرة للبحث عن لقمة العيش و عن مصادر تمويل للدراسة، حيث أدخلت المهاجرين في صدمة حضارية في الغرب، مكنت انسلاخهم من هويتهم لفقرهم المعرفي والمادي والمعنوي، والذي أغناه الغرب بحداثته وحضارته.

بين أصالتين

يتبنى الغرب أصالة الفرد في مقابل أصالة المجتمع، ويعتبر وفق ذلك مفهوم الحرية قائما على هذه الأصالة، ومن ثم يتحرك ضمن هذا التبني القاعدي، في دائرة المفاهيم والقيم لتتناسب وهذا الأصل.

فيكرس “للأنا” الفردية تكريسا ماديا يؤسس على ضوئه حركة المجتمع والدولة والقانون وحركة التاريخ.

بينما الحقيقة تكمن في دمج كل من أصالة الفرد وأصالة المجتمع، فلا الفرد أصيل مستقلا، ولا المجتمع كذلك.

      بل المجتمع نواته الفرد، والفرد امتداده الحركي والعملي والفعلي هو المجتمع، فكلاهما ينهضان بالأخر، وكلاهما حاجة للآخر. هذا فضلا عن أن حرية الفرد لا تتخطى حدود المجتمع العقلانية، وحرية المجتمع وحدوده لا تلغي أبدا الفرد كونها قائمة بنيويا عليه. فتحرير الفرد تحريرا ذاتيا من كل أنواع الأغلال والعبوديات التي تتجلى بأنظمة مستبدة، أو قوانين جائرة وغياب عدالة، هو تحرير لكل طاقاته وعقله وإبداعاته في إعمار محيطه بكل ما ينفع.

والتركيز على أصالة الفرد هو تفكيك لهذا التزاوج الضروري التلازمي، وبالتالي تفكيك للمجتمع ومكوناته الاجتماعية وأهمها الأسرة التي تعتبر نواة للمجتمع فوق الفرد، بمعنى أن الفرد نواة الأسرة وفي ذات الوقت نواة المجتمع، لكن الأسرة أيضا نواة في الطبقة الثانية للمجتمع في طولها تقع نواتية الفرد وهي في طول المجتمع.

الفرادة والفردانية

واليوم كثير من العناوين التي تطرحها ما يسمى بدورات التنمية البشرية، والتي تركز على الأنا والذات الأنانية وتكرسها كأصيل وأولوية مطلقة قد تكون في عرض الأسرة والمجتمع، هي عناوين خرجت من رحم مفهوم أصالة الفرد، وهي دعوة صريحة للفردانية.

يقول الدكتور علي وطفة في محاولته لتعريف الفردانية:

ترمز الفردانية إلى واقع اجتماعي وثقافي يستطيع فيه الناس، بوصفهم أفرادا، اختيار طريقة حياتهم وسلوكهم وممارسة عقائدهم، كما ترمز إلى مجتمع يضمن فيه النظام الاجتماعي والقضائي حماية حقوق الناس بوصفهم أفرادا غير مكرهين على التضحية أو التنازل عن شيء يعتقدون به.

ويؤكد د.علي وطفة أن موطن الاختلاف بين الفردانية والذاتية في أن الأخيرة تتجلى في اللحظة التي يرى فيها الفرد أنه محور الوجود ومركز الكون استجابة لنزعة أنانية سافرة ناضحة بالنرجسية، بينما لا تستلزم الفردانية سوى اتخاذ موقف معين من قضية ما أو مجموعة قضايا عن معرفة ووعي بأبعاد هذا الموقف.

والفردانية هي موقف أخلاقي وفلسفة سياسية، ونظرة اجتماعية تؤكد على القيمة المعنوية للفرد.وتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمدا على نفسه، وتعتبر الفردانية أن الدفاع عن مصالح الفرد مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات، في حين يعارضون أي تدخل خارجي على مصلحة الفرد من قبل المجتمع أو المؤسسات مثل الحكومة. وغالبا ما تتناقض الفردانية والديكتاتورية أو الجماعية. موسوعة ويكيبيديا.

مثلًا دعوات تقديم النفس على كل شيء، والاعتناء بها فوق كل شيء، والتركيز على سعادتها قبل أي شيء، ككوني أنت، وأنا الأول وغيرها من العناوين التي تدور في فلك الأنا والذات وتقدم مفاهيم مادية تشخص حاجات هذه الأنا، هي من ذات ذلك الأصل ” أصالة الفرد”.

هذا فضلا عن التركيز على حقوق الفرد دون التأسيس لمنظومة حقوق وواجبات تأخذ بالحسبان شبكة العلاقات الوظيفية والتفاعلية المتعلقة في الفرد، سواء نلك الطبيعية الفطرية أو الاعتبارية النظمية.

ومثال ذلك الحرية كحق أصيل للفرد، وهي فضلا عن كونها حق طبيعي فطري تكويني، إلا أننا لا نستطيع فصلها كحق فردي عن دائرة المجتمع، وعن دائرة النظم والقانون.

فالفرد يولد وله بعدين حقيقي وحقوقي، فالأول متعلق به كذات وكشخصية حقيقية لها مجموعة حقوق وعليها مجموعة واجبات، كون لا يخلو حق من واجب متلازم معه، والثاني عبارة عن مجموعة العلاقات والارتباطات التي يرتبط فيها بعد ولادته بشكل حقيقي أو كفرد من أفراد المجتمع بشكل اعتباري، ويترتب عليها مجموعة حقوق له ومجموعة واجبات عليه.

هذا التوازن بين الحق والواجب وبين الحقوق الفردية والاجتماعية لا يلغي الفرد لكنه يرسم له شبكة علاقاته وحدودها الحقوقية والقانونية التي تعتبر حاجة ضرورية للنظم والتطوير، بل حاجة لازمة لخلق جو تفاعلي يرتكز على التنافس التصاعدي المتوازي لا التنافس التصادمي المتقاطع، فالأول يفجر طاقات الفرد والمجتمع، والثاني يدخلها في صراعات قاتلة وهدامة.

فالتوازن هو بين بناء الذات والاهتمام بها من حيث النوع والكم والمعنى والمادة، مع ضرورةإهمال الأنا الفرعونية بل محاربتها، وبين الاندماج بالمجتمع والتفاعل والانفعال معه في التغيير والتطوير وخدمة الإنسانية. فهو توازن بين ضرورة بناء الذات في كافة أبعادها، وبناء المجتمع في كافة احتياجاته.

لكن هل ذلك يتنافى مع الفرادة؟ وهل الفرادة تعني انقلاب على الذات وعلى الأصيل الثابت؟

وما الفرق بين الفرادة والفردانية؟

رفض الأنا كأصيل فرعوني، لا يعني رفض الفرادة، كون الفرادة تكمن في التميز والابداع الذي يفترض أن يطور من المجتمع ويدفع باتجاه حضاريته. كون تمييز التميز والابداع لا يكون إلا من خلال التفاعل الاجتماعي ضمن المجتمع، فلا فرادة يمكن وصفها بذلك إلا من خلال مقارنة عمل مع آخر، وإبداع مع آخر. وهذا لا يكون إلا بإعطاء الفرد حقه في العلم وتنمية الذات والتعبير عن مهاراته وخصوصيته وإبداعاته ومن ثم ترجمتها في واقعه المعاش، وهذا يشترط أن تكون منظومة المعايير والقيم قائمة على أساس أصالة الفرد والمجتمع، بحيث لا تتعدى حقوق الفرد على المجتمع ولا العكس.

والفرادة لا تعني الانقلاب على الأصل، بل تعني تطويره وتبييئه، أي مواكبة هذا الأصل للواقع الزماني والمكاني، الفرادة تعني امتلاك قدرة على التميز في تطوير الواقع وتنضيجه، في سوق قابليات الناس لتقبل الحقيقة، في امتلاك المهارة لذلك والقدرة على إصلاح الواقع بفكر حضاري غير متصادم، الفرادة ليس كما تطرحها الحداثة في تحقيق إنجازات كمية ونجاحات متراكمة  لا تصب إلا في صالح الأنا، الفرادة تكمن في تحقيق نجاح نوعي ينعكس على الواقع الاجتماعي وينهض به، حتى لو لم يقدم للشخص أي قيمة مادية، وحتى لو لم يحقق هذا الشخص الشهرة، فالأصل في الفرادة هو النوع لا الكم، ولكن لو انضم النوع إلى الكم فهو نور على نور.

وتتحقق الفرادة وتشتد قوة حينما تترجم في واقع اجتماعي وتحدث تغيير نوعي يدفع بالمجتمع للدول المتحضرة نوعيا وكميا. وهذا لا يتم إلا بالنقد البناء، ورفض التنميط بكافة أشكاله، ومحاولة القراءة الابتكارية للواقع، و امتلاك قدرة للخروج من الصناديق كافة مذهبية أو اجتماعية أو عصبوية، والتفكير الحر الذي لا يخضع لحسابات البيدر والميدان، كالحزبية والقبلية، أو الارتباط بمصالح مالية أو سياسية أو سلطوية. هي تحرر في الفكرة خارج المألوف والإجماع.

هي حالة نقد مستديم إيجابي للواقع، ومحاولة النهوض به حتى لو كان فهم في عكس التيارات كافة.

الفرادة في خصومة مع التقليد النمطي، وفي اندماج مع النظر والتأمل والخيال، الفرادة لا تتحقق مع المسلمات الكثيرة النمطية القائمة على التقليد، ولا مع اليقينيات المطلقة دون بحث وتنقيب ودليل.

تتحقق الفرادة لا بعنوان التقليد ولا الإخضاع والإذلال، وإنما بفعل التفكير والنظر والإقناع والتأثير، الفرادة لا تعني الأنا ولا فقط الذات، بل تعني النهوض بهذه الذات في سياق نهضة المجتمع والأمة.

أن تحقق الفرادة هي أن تقدم شيئا جديدا عجز أقرانك عن تقديمه، شيئا يحدث التغيير خاصة في واقعك الاجتماعي، وخاصة على مستوى الإدراك والقايليات ومنظومة المعايير والقيم.

نعم لنهتم بذواتنا في تطويرها وتنميتها ماديا ومعنويا، لكن لا ننسى أنتا كأفراد لنا حقوق وعلينا واجبات، فالفرد له أبعاد ولكل بعد ارتباط بالحق والواجب.

فبعد حقيقي هو ذاته التي لها عليه حق في العلم والاخلاق والمعرفة، وبعد حقوقي مرتبط بمنظومته العلائقية. كعلاقته بالله والوالدين والأخوة والأسرة المتكونة من الزوج والزوجة والأبناء والمجتمع والأصدقاء وإلخ. فله عليها حقوق، وعليه اتجاهها واجبات، فلا يمكن أن ينفصل عنها ولا تنفصل عنه خاصة العلاقات الحقيقية التي لا تنفك.

والالتفات لعملية التفكيك البطيء لمنظومتنا المعرفية بعد العولمة، يحتاج إلى وعي وإدراك لكل بنية الحداثة الغربية وبنية الإسلام، لمعرفة الفروقات الجوهرية في البنى الفلسفية لكلا الحضارتين ومن ثم التمييز بينهما تمييزا مجهريا دقيقا، لنتمكن من الاستفادة من كل التجارب البشرية بطريقة تلاقحية لا تبدل الأصيل الثابت، لكن تطور سياقاتنا المعرفية وأدواتها، وتنهض بفهمنا وإدراكنا بما ينعكس بشكل إيجابي على سعينا نحو التطوير والنهضة في مساراتهما المعرفية السليمة، بعيدا عن التمييع والتركيب المصطنع.

يرى دوركهايم أنّ تبني مقاربة فردانية للمعرفة، أي الاعتقاد أنّ المعرفة تنطلق من التجربة الفردية، يثير بالضرورة مشكلات يستحيل حلها. ذلك أنّ الأشياء التي يجربها الأفراد تتغير من يوم لآخر ومن لحظة لأخرى. فلا شيء يعيد إنتاج نفسه بصورة متطابقة، كما أنّ مجرى التجربة في حالة ما إذا كان الأفراد لم يكتسبوا بعد مقولات الفكر العامة) يخضع لعملية تطور دائم وتمايز مستمر (بما أنه في تدفق لا يتوقف فضلاً عن ذلك، فحتى وإن كان من الممكن الاعتراف بأنّ التجارب الفردية الخاصة صادقة تجريبياً، فإنّ كل محاولة للتعميم انطلاقاً منها تبقى غير صادقة إذا لم يكن ما أُضِيفَ أثناء عملية التعميم هذه خاصيةً أوليّةً للتجارب الخاصة. لكن ما الذي يميّز في هذه الحالة مقولة عامة عن تجربة مواضيع وأحداث خاصة؟ إذا كانت المقولات العامة شيئاً لا يوجد في التجارب الخاصة المأخوذة كُلّ واحدة على حدة، أي إذا كانت شيئاً أضافه العقل إلى مجموع الكيانات الخاصة، فإنّ الأفكار العامة تخلو من كلّ صدق تجريبي.

إن التفكيك بين الفرد والجماعة وبينه وبين المجتمع هو تعطيل جزئي للعقل وحصره في دائرة الأنا التي تتصف بالمحدودية، وهو دفع للتضارب لا التنافس بين الآراء وتلاقحها، هذا فضلا عن قتل كثير من القيم والمعايير التي لا تتفاعل إلا في بيئة جماعية اجتماعية وتعطيل لها، وهو ما ينعكس سلبا على المدى البعيد على السلوك الفردي والاجتماعي أخلاقيا ومعنويا، ويخلق بعد أناني يقتل روح التفكير بالآخر وروح التعاون، ويخلق حالة من التسابق الأنوي للكسب والشهرة وتحقيق مادي للذات فقط.

ولا ننكر أن المغالاة في العمل الجماعي وتكريس أصالة المجتمع على حساب الفرد، هو قتل للفرادة بحجة الخوف من الفردانية وتضخم الأنا الفرعونية، وتكريس العقل الجمعي والتنميط وتعليب الفكرة بصندوق خاص يكرس من ثقافة القطيع والجنود لحساب الجماعة.

إن ما نصبو إليه هو تحقيق ميزان الاعتدال بين الفرد والمجتمع، وتحقيق الفرادة التي تنهض بالأمة ولا تنهض الأمة إلا بنهوض أفرادها، ولا ينهض الأفراد إلا بتحقيق التعاون على كافة الأصعدة وبكافة المراتب.

فمن يشتغل بحقل الأفكار ويحقق الفرادة في هذا الميدان لا يمكن لفرادته أن تحقق النهضة إلا بالتعاون مع آخرين قادرين على ترجمة فرادته الفكرية في الواقع الاجتماعي لتحدث انزياحات حقيقية في الوعي، وهذا لا يتحقق إلا من خلال ترجمة هذه الأفكار بطريقة تناسب الزمان والمكان وتحاكي الواقع وتعالج إشكالياته.

وقد ذكر مالك بن نبي أن الأمة العربية لا ينقصها الأفكار ولكن ينقصها من يترجم هذه الأفكار إلى مشاريع عمل حقيقية تنهض بهذه الأمة.

لذلك رغم كثرة مراكز الدراسات والأبحاث في الآونة الأخيرة، إلا أنها كثرة عددية كمية لم تحقق كثيرا في عالم النوع والكيف، ولم تحدث ما يجب أن تحدثه في الوعي، والسبب هو تكريس الفردانية النخبوية على حساب الفرادة والعمل الجماعي والاجتماعي.

فبينما نحن نحتاج لمصانع أفكار، نحتاج في ذات الوقت لتعاون هذه المصانع مع المجتمع ومؤسساته المدنية والأهلية لصياغة تلك الأفكار بمشاريع عمل تترجمها وتجعلها فاعلة في واقع الوعي الاجتماعي.

إن الإصرار على عمل جماعي غير منظم وغير مؤسسي، يعتمد في شكله الخارجي على القيادة الرمز المتحققة في فرد يمتلك بعض الكاريزما أو المواصفات الخاصة، هو تكريس للفردانية لكن بظاهر العمل الجماعي، كون هذا النمط من العمل الجماعي الذي يلغي وجود الأفراد لحساب الرمز، شبيه إلى حد كبير بالفردانية، لكنه يتلبس لبوس العمل الجماعي، بينما اليوم التحول من هذا النمط القديم في العمل الجماعي إلى العمل المؤسسي الذي تديره شبكة أفراد متخصصين في مجالات مختلفة، وهذه المؤسسة في ذات الوقت لا تلغي الفرد بل تهتم في بنائه وإعطائه مساحات كبيرة في العبير عن ذاتها في داخلها أو في داخل المجتمع.

لذلك نجد اليوم في العالم العربي ومع تكاثر العمل الجماعي وفق النمط القديم القائم على قيادة أحادية فردية، على حساب العمل المؤسسي نجد تسرب عدد كبير من الطاقات الشابة من تلك الجماعات، وقيامهم بمشاريع فردية يستطيعون من خلالها التعبير عن ذاتهم التي تم قمعها بحجة العمل الجماعي الذي تم تشويه معالمه و وسيئ استخدامه من قبل المعنيين، بل ممارسته أيضا.

وتكمن الخطورة في أن تلك الجماعات في أغلبها لا تمتلك منهجا علميا في بناء الفرد وتأهيله للنهوض بالمجتمع، بل تعتمد عليه كطاقة تنفيذية فقط وأغلبهم دون تأهيل، لذلك حينما يتسرب هؤلاء للقيام بمشاريع فردية، فهم لا يمتلكون الصلاحية المعرفية للتصدي والقيام بمشاريع، ويكون غالبا الهدف هو السعي لإثبات الذات والتعبير عنها فيعتمدون الكم لا النوع، وهي ثقافة كرستها اليوم وسائل التواصل الاجتماعي التي كرست ثقافة الكم من خلال مراقبة عدد المتابعين ومراقبة ما يريدون وتلبية رغبات المتابعين من قبل الشخص لأجل زيادة عددهم وبالتالي إغراء العدد سيقود الشركات التجارية لهذا الفرد، مما يعني إبرام عقود تجارية دعائية معه للترويج لمنتجاتها، وهنا نصبح أمام معضلات متراكمة، فمن جهة المتصدي غير مؤهل ويلبي رغبات المتابعين مهما كانت سطحية ومنحرفة، ومن ثم تدخل ثقافة الاستهلاك والاستغلال الرأسمالية.

لذلك نحتاج إعادة النظر في آليات العمل الجماعي وفهم مقاصده بشكل أعمق، والنهوض به من خلال بناء مؤسسات أهلية تتصدى للنهوض بالمجتمع، ولكنها في ذات الوقت تمتلك كوادر مدربة ومتخصصة ومؤهلة، حتى لو خشيت تلك المؤسسات تسرب هذه الكوادر المدربة فيما بعد، فعدم تأهيلهم بحجة الخوف من تسربهم بعد امتلاكهم الأدوات، هي حجة خاطئة ونظرة قاصرة، فتسربهم من المؤسسات الأهلية وهم مؤهلين يمتلكون أدوات صحيحة معرفيا، أكثر أمانا للمجتمع من الذين يتسربون دون تأهيل، وهروبا من سياسات القمع بحجة العمل الجماعي النمطي.

خلاصة

إن مواجهة محاولات تفكيك البنى المعرفية في لاوعي الشعوب لا تكون مواجهات انفعالية، ولا بمحاولات اجتزائية، بل تحتاج دراسة البنى المعرفية للغرب، ومحاولة تفكيكها ومعرفة جذورها وفهمها وهضمها وفق بيئتها وملابساتها، والاستفادة من أدواتها المعرفية، ومن ثم محاولة العودة إلى الذات وإعادة قراءة كثير من النظريات الاجتماعية الاسلامية وتقديم مشروع إسلامي قادر على الموازنة بين الفرد والمجتمع، وعلى تأصيل العمل الجماعي وفق رؤى حديثة قادرة على الحفاظ على حقوق الفرد والمؤسسة دون المساس بأي منهما على حساب الآخر، والأخذ بالحسبان مصلحة المجتمع وأهمية التأهيل المعرفي لمواجهة كل التحديات في هذا الصدد.

هذا فضلا عن قيم مؤسسات تدعم الفرادة والإبداع، وتعزز من حالة التنافس الصحية بين أفراد المجتمع ومؤسساته، فيما يعود بالنفع على عمارة الأرض بما ينفع الناس.



تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. زكريا نوار
    زكريا نوار 19 أغسطس, 2019, 12:15

    مقال دسم يحتاج للقراءة أكثر من مرة ليتم استيعابه وربط أوله بآخره، موفقة.
    الشرق تبنى بنيتين معرفيتين باختياره أو اجبارا، بنية عملت على تأصيل النزعة الفردية (ليبرالية) ، ونزعة أصلة للبنية الاجتماعية الجماعية (يسارية) . هاتان البنيتان لم تتوافق مع نفسية الإنسان الشرقي لأنهما تهملان البنية الفردية للشرقي وهي: الإسلام.
    لهذا بقيت البنيتين العربيتين محصورة في نخبة استبدت بالحكم وفرضت ما تريد فرضا.
    ومنه استغلت جماعات معينة هذا الفراغ المؤسسي لاعطاء البديل للفرد الشرقي في مكونه الأصيل، فتكونت جماعات تبنت الدين وسيرة منظومتها على حسب فهمها للدين بين التطرف والوسطية والانحلال.

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

<