نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات

نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات

لا تخفى الصعوبات الجسيمة والمخاطر المـُحدِقة التي واجهت مخاض ولادة الثورة الإسلامية في إيران (1979م)، ولعلّ وصفها من قبل الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر بـ “حلم الأنبياء” يعكس جانبًا من مشقّاتها والعقبات التي مرّت بها، ويبيّن أهمّيتها على طول الخط التاريخيّ ومستقبل الأمّة، بل العالم… إلّا أنّ الحفاظ على ذلك الإنجاز النّفيس واستمراريته لا يقلّ أهمّية عن الإيجاد والتأسيس، بل قد تكون مسؤولية صيانة الثورة وحمايتها مهمّة أكثر صعوبة وأشدّ خطورة. وقد ذكر الإمام الخامنئي أنّ إقامة الثورة هي الخطوة الأولى التي يليها في الخطوة الثانية تشكيل النظام الإسلامي على أساس مبادئ الثورة، وأما الخطوة الثالثة فهي تشكيل الحكومة الإسلامية بمعنى أن يكون جميع العاملين فيها إسلاميين، وفي الخطوة الرابعة ينفتح الطريق لإيجاد عالَم إسلامي[1].

في هذه القراءة المختصرة لا نتطرّق لدور الإمام الخامنئيّ ونشاطه قبل الثورة وخلال تصدّيه لرئاسة الجمهورية والمسؤوليات الأخرى… وإنّما نسلّط الضوء على حقبة تقلّده زمام ولاية الأمر، فندخل في تلخيص أهمّ الوقائع التاريخية التي تعكسُ جانبًا من دوره في الحفاظ على الثورة ومبادئها، وتسديدها في سيرها إلى أهدافها وتدرّجها في مراحلها وخطواتها من خلال إدارته الحكيمة لمختلف الأزمات. ويبرزُ بذلك شيءٌ من أبعاد الشخصية القيادية التي جسّدها، وأثرُه البارز في العبور بالبلاد من المِحَن وشدائد الفتن.

نقسّم هذه القراءة إلى حلقات أربع، تَبعًا للتقسيم الوارد في كتاب: “دور القائد في إدارة الأزمات[2]، الذي سيكون المرجِعَ في ما سنذكره:  

الحلقة الأولى: نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات الأمنية.

الحلقة الثانية: نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات السياسية.

الحلقة الثالثة: نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات الثقافية.

الحلقة الرابعة: نماذج من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات الاقتصادية.

 

الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات:

(الحلقة الأولى: نماذج من الأزمات الأمنية).

مُنِيَ الاستكبار العالمي بهزائم عديدة من حين انتصار الثورة، ولم يجد سبيلًا إلّا انتظار رحيل الإمام الخميني الذي يُعدّ قلبَ الثورة النابض. وفي عام 1979م أُدخِل الإمام مستشفى الأمراض القلبية، فأُجْبِرَ خبراءُ الأمة لا سيّما آية الله السيد الخامنئي، وحجة الإسلام الشيخ رفسنجاني على التفكير الجاد في تعيين خليفة للإمام.

بعد عشر سنوات من تلك الحادثة رحل الإمام الخميني عام 1989م، واختار مجلسُ خبراء القيادة آيةَ الله الخامنئي لولاية الفقيه، الذي قال في تصريح له يتّصل بهذا الحدث: “لقد ذكرتُ مرة بين يدي الإمام أنه قد يرد اسمي إلى جانب أسماء بعض السادة، إلّا أنني لم أبلغ مستواهم، وأنا إنسان بسيط وعادي جدًّا (…)، لكن على أي حال جعلوا على عاتقي هذه المسؤولية، وسأتحمّلها بقوة، كما أوصى الله تعالى أنبياءه”[3].

بالتزامن مع اكتشافِ آية الله الخامنئي لقيادة الأمة، والذي تحقَّقَ بهداية الله، ووعي الخبراء، وتزكية الإمام الخميني، بزغَ فجرٌ جديد للثورة عَقِبه أزمات أمنية نختصرها في ما يلي ونبيّن دوره في إدارتها وعلاجها:

أولًا: خطر استئناف الهجوم العسكري.

عانى الوضع الأمني للبلاد خصوصًا على الحدود العراقيّة حالة من “اللاحرب واللاسلم”، فقد مضى قرابة أحد عشر شهرًا من موافقة الجمهورية الإسلامية على قرار مجلس الأمن المرقَّم (589) في 19 تموز  1988م، ولم تزل مناطق إيرانية كثيرة تحت سيطرة القوات العراقية، وبالتزامن مع ذلك أصدر المنافقون في الداخل أوامر التأهّب لقوّاتهم.

استمرت حالة اللاحرب واللاسلم إلى 14 آب 1990م، حيث انسحب النظام البعثي من إيران بشكل كامل، وحشد قواه لغزوِ حليفِه الكويت الذي أدّى إلى زحف القوّات الأمريكية إلى الخليج. وفي الفترة نفسها سعى بعض الدول لإقحام إيران في أتون الحرب… كل ذلك وضع البلاد في حالة أمنية محطّمة وأمام قرارات مصيرية صعبة.

في هذه المرحلة اتّخذ قائد الثورة المفدَّى جملة من التدابير:

  1. إدارة المجتمع روحيًّا ونفسيًّا في المرحلة التي أعقبت رحيل الإمام الخميني: هذا ما يمكن أن نفهمه من بعض خطابات قائد الثورة: “لقد توقّعوا منذ اليوم الأول لفقد الإمام أن كل شيء قد انتهى (…)، إن أعداءنا كانوا يأملون أن يتحسّسوا شيئًا من زوايا الأحداث والتصريحات والمواقف الداخلية؛ ليتسنّى لهم على أساس ذلك، القول: إن الثورة قد غيّرت مسارها، غير أنهم وبحمد الله قد يئسوا من الأمل الذي تعلّقت به قلوبهم”[4]، وفي كلمة أخرى يبثّ فيها العزم والأمل: “أمامنا مستقبل مشرق جدًّا ويبعث على الأمل، وكأننا نتحرّك نحو نبع من الماء الزلال”[5].
  2. اتخاذ التدابير العسكرية والأمنية على الحدود: أصدر القائد العام للقوّات المسلّحة أمرًا عاجلًا بضبط الحدود البحرية والبرية، وتأسيس سدّ دفاعي منيع، وقد أكّد قائد الثورة هذه المسألة في كلمة له: “أثبتت أحداث الخليج الفارسي (…) أن من الواجب علينا القيام بتقوية قوّاتنا المسلّحة أكثر، وبكيفية أرقى وأعمق، وهذا ما سنفعله”[6].
  3. الحفاظ على جميع مؤسّسات النظام وتعزيزها: بعد وَقْفِ إطلاق النار وإحلال السلام، حافظ القائد على الجيش والحرس وقوّات التعبئة، دون دمجٍ أو حلّ، وكان حاسمًا في هذه النقطة، قال: “الحرس والجيش ليسا نقيضين وجود أحدهما يستلزم فناء الآخر، بل لا بدّ من بقائهما معًا، ]هذا رأي الإمام[، وهذا رأيي أيضًا”. وهو تشخيص نابع من قراءة قائد الثّورة للميادين العسكرية في البلاد ومتطلّباتها. وبعد الفراغ من بداهة هذا الأمر أصبحت مسألة تقويتهما مادّيًّا موضع عناية كُبرى من قبل المسؤولين، وهذا ما مكّن كلًّا من القوتين للوصول إلى قمّة الاقتدار العسكريّ والتّقني.

ثانيًا: تصعيد الخلافات الداخلية.

أدّت التجاذبات السياسية والثورية في عهد السيد الإمام إلى إنتاج جناحين مؤثّرين في الجمهورية الإسلامية، هذا ما دفع الشيخ محمد الأنصاري لتسطير رسالة إلى الإمام أورد فيها كلامًا حول الاختلاف، فجاء الرّد بأن اختلاف الأذواق والآراء من بواعث نمو النظام وحيويته، ولكنّه لم يكتم هواجسه من تصاعد وتيرة الاختلافات، والغفلة عن الأعداء الحقيقيين، وما شكّلَ هاجسًا لدى الإمام كان يُعدّ بارقة أمَلٍ للمنافقين والأعداء.

تدابير القائد في حلّ الخلافات الداخلية والتي تمثّلت بـ (استراتيجية الوحدة الشاملة لكل الشرائح):

  1. تعزيز الوحدة بين قوى الثورة والقوّات المسلّحة: صرّح الإمام الخامنئي في كلمة له مع قادة الحرس تعكس هذه الاستراتيجية: “عليكم بالسعي قدر الإمكان للقضاء على حالة عدم التفاهم وروحية التنافر بين هذين التشكيلين المسلّحين؛ الحرس والجيش”[7].
  2. المواقف الحكيمة في حلّ الخلافات: في قضية إعادة صياغة الدستور التي حصلت بأمر من الإمام الراحل، أخذ مجلس الصيانة مسألة “حق القائد في حلّ المجلس” بعنوانه الصلاحية الثالثة عشرة من صلاحيات القائد، وقد أدّى هذا الأمر إلى ظهور جدل في الأوساط، فأبرق القائد إلى مجلس صيانة الدستور طالبًا ترك هذه المسألة كي لا يؤدّي طرحها إلى توتير الأجواء. وفي الإطار نفسه يُذكر موقفه من مسألة التحقيق في المؤسّسات التي يُشرف عليها القائد ومن جملتها مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، حيث أبرزت هذه المواقف رحابة صدر القائد وقدرته على نزع فتيل أي خلاف أو نزاع.
  3. الدور الحيادي في حلّ النزاعات السياسية: انتهج قائد الثورة دورًا أبَويًّا في حلّ النزاعات، وهذا ما نجده بوضوح في قضايا عدّة منها: قضية التحقيق في مسألة الإذاعة والتلفزيون والتي أصدر فيها حكمًا لصالح الإصلاحيين، وقضية الخلاف بين مجلس صيانة الدستور ووزارة الداخلية بسبب الاشتباه بوجود خروقات في انتخابات المجلس السادس، حيث جاء حكم القائد ليفتح أبواب المجلس أمام التيار الإصلاحيّ.

ثالثًا: شبكات التجسّس وخطر اختراقها للمراكز الحسّاسة.

لم تكن مساعي العدو للتغَلغُل بعيدة عن النظرة الثاقبة لقائد الثورة بعد رحيل الإمام الخميني، فبالتزامن مع إنذاره بتوسِّع أعمال التجسُّس من قبل العدو، واحتمال نفوذه إلى المراكز الحسّاسة للنظام، طالب الجميع بمراقبة ذلك بحذر شديد: “يجب منع عناصر العدو الفاسدة من التغلغل إلى المراكز الحسّاسة”[8]، وفي كلمة أخرى: “جواسيس أمريكا وبريطانيا وسائر الأنظمة الاستكبارية يحاولون النفوذ وسط الشعب ومختلف المؤسّسات الحكومية والحوزات العلمية، وهدفهم توجيه ضربة للنظام”[9]. وبعد أيام من هذا التحذير أُعلن عن تدمير أخطر شبكة تجسّس مرتبطة بـ (سي آي إي)، وأدّى ذلك إلى تحسّس المسؤولين والشعب مدى عمق المسألة وحساسيتها.

 

رابعًا: حرب الخليج الأولى.

عام 1990م، سيطر العراق على الكويت بيوم واحد وسمّاه “المحافظة العراقية التاسعة عشر”. بدايةً وقفت أمريكا على الحياد، ولكنّ هذا الحدث يعني أن العراق بات يملك كل احتياطي العالم النفطي. من هنا، سعى بوش الأب لإرجاع مسألة الحرب إلى مجلس الأمن فأصدر المجلس قرارًا بخروج العراق من الكويت، وإلّا سيُشَكَّل تحالف لإخراجه بالقوة. لم يجلِ العراق قوّاته حتى أجبر على ذلك متكبّدًا خسائر فادحة ومنهكة. سعى صدام من خلال تصدّيه لأمريكا واستهدافه لإسرائيل ببعض الصواريخ إلى استثارة عواطف الشعوب العربية والمسلمة للدفاع عنه ضد أمريكا وإسرائيل. وانطلت هذه الخدعة على الكثير من التيارات والشخصيات، وهذا ما بيَّن ضعفًا كبيرًا في الرؤية السياسية. ولكنّ قائد الثورة عبَر بنظام الجمهورية الإسلامية من هذه الفتنة بسلام، فأقدم على:

  1. إدانة هجوم العراق على الكويت ووصفه بالعمل الخاطئ غير المبرَّر.
  2. الوقوف على الحياد في ما يخصّ العدوان الأمريكي على العراق، وذلك لأنّ هذه الحرب كصراع النّسور على جيفة، ولكلٍّ منهما أهداف مادّيّة. وفي الخطاب نفسه وصف صدّام بالمحتال، وبوش بالمجرم.
  3. المتضرِّر الأول من هذه الحرب شعوب المنطقة، وأما المنتفع الأول فهي إسرائيل وذلك بازدياد معدّلات الهجرة إليها في ظل انشغال العالم بالحرب، ولأن المستفيد هم أعداء الأمة اعتبر كلام صدّام بأنه يدافع عن الأمة مجرّد ادّعاء.

كان الموقف الحاسم للجمهوية الإسلامية هو أنّ الانخراط بهذه الحرب على خلاف المبادئ الإسلامية المسلَّمة التي اعتبرت الجهاد واجبًا في سبيل نشر الدين أو الدفاع عن المستضعفين، أو الدولة الإسلامية فقط، ومن غير الجائز الدفاع عن أنظمة ذات أهادف ماديّة محضة.

خامسًا: مساعي لإلحاق إيران بالتحالف المناهض للإرهاب.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، أعلن بوش أن أفغانستان هي الهدف الأول بعد تحميل ابن لادن مسؤولية تفجيرات نيويورك، فزحف بجيشه إلى أفغانستان مما أدّى إلى قتل الكثير من الأبرياء. وفي هذا الاتجاه بُذلت جهود حثيثة – كما حصل في حرب الخليج الأولى – لإقحام إيران في هذه الحرب إلى جانب أمريكا، ولكنّ الجمهورية الإسلامية أدانت الحرب الأمريكية على أفغانستان الإسلامية، واستنكر قائد الثورة طلب المساعدة الأمريكية قائلًا: “إنني لأعجب من وقاحتهم في طلب العون من حكومة الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني! إنكم على مدى ثلاث وعشرين سنة وجهتم ما بوسعكم من ضربات لهذا الشعب وهذا البلد، وها أنتم اليوم تتوقعون العون منه؟! (…) ليعلم الجميع إيران الإسلامية لن تساهم في أي تحرّك تقوده أمريكا”[10]. أمام هذا الموقف الحازم أثار بعض من في الداخل موجة من الانتقادات حول طريقة التحرّكات الدبلوماسية للجمهورية الإسلامية، وتبع ذلك تصريح من الإمام الخامنئيّ: “إن مسؤولية القائد معلومة في الدستور أيضًا؛ وهو لا يتدخّل مباشرة في الأعمال التنفيذية مطلقًا، سواء في السلطة التنفيذية، أو القضائية، أو التشريعية. ومهمّة القائد الأساسيّة عبارة عن رسم السياسات العامّة للبلاد”[11].

سادسًا: حرب الخليج الثانية.

من جملة الاضطرابات التي أعقبت حادثة 11سبتمبر الهجوم العنيف للقوّات الأمريكية والبريطانية على العراق عام 2003م، بذريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل. هذا التأزّم وضع إيران أمام موقف خطر وحسّاس، حيث لوّح وزير الخارجية آنذاك جون بولتون بأنّه على الدول الأخرى التي تسعى لامتلاك سلاح الدمار الشامل أن تتعظ من العراق، وادعى كولِن باول أن إيران تسعى للحصول على سلاح الدمار الشامل، ومن الواضح أنّ أي خطأ في حسابات هذه المعادلات المعقَّدة من قبل القيادة الإيرانية كان من الممكن أن يؤدّي إلى أزمة على المستوى الاستراتيجي.

دعا التيار الإصلاحي إلى التعاون مع تحالف الدول متعدّدة الجنسيات بقيادة أمريكا المعتدية، معتقدًا أنّ هذا التعاون مع أمريكا ينقذ إيران من أوضاع أكثر تأزّمًا. بينما صرّح قائد الثورة بكلّ وضوح وأدان بشدة غزو الأمريكيين المعتدين للأراضي العراقية، ضِمن دعمه الأكيد للشعب العراقي المظلوم. ولفت سماحته في بعض كلماته إلى سياسة الترغيب والترهيب التي تنتهجها الإدارة الأمريكية مع الشعب الإيراني والمسؤولين: “إن هؤلاء يطمحون إلى زعزعة عزيمة مسؤولي الحكومة في القيام بخطوات جوهرية وبنّاءة في البلد؛ وذلك عبر إثارتهم للاختلافات، وإيجاد الفتور واليأس، وشراء ذِمَم البعض لا قدّر الله”[12].

سابعًا: الأزمة النووية الإيرانية، الطاقة النووية في إيران قبل الثورة الإسلامية.

عام 1957م وبإيعاز من أمريكا أُسِّسَ المركز النووي في جامعة طهران، وأُنشيء مفاعل نووي عام 1961م، وبدأ بالإنتاج عام 1967م، وفي عام 1968م صودق في الأمم المتحدة على “معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية”، التي لا تسمح بامتلاك الطاقة النووية إلّا لأمريكا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا والصين، وعلى الرغم من ذلك استمرّ بعض الدول كالكيان الصهيوني بمشروعها للحصول عليها، وأمّا إيران فقد كان يعمل مفاعلها بوقود اليورانيوم الذي وفّرته أمريكا حتى عام 1979م.

 

الطاقة النووية بعد الثورة والاستراتيجيات الثلاث.

التزمت الجمهورية الإسلامية بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية حتى عام 1996م، وبعد الحرب المفروضة وقّعت مع روسيا على اتفاقية لغرض إكمال محطة بوشهر النووية. عام 1998م نجحت أمريكا بكسب المصادقة على منع التقنية النووية السلمية وقوة الدفاع الصاروخية لإيران في مؤتمر أمريكا، ومؤتمر قمة الدول الكبرى السبع. وبعد التصريح الرسمي للجمهورية الإسلامية عام 1993م الحاكي عن حيازة إيران على التقنية النووية، أكّدت أمريكا والدول الأوروبية على فرض الضغوط والعقوبات عليها.

إدارة القائد لأزمة الملف النووي.

يعدّ الاقتدار العلمي بنظر قائد الثورة بما فيه التقنية النووية السبيل الوحيد للحفاظ على استقلال البلاد، ولذا دعا المراكز العلمية والبحثية والحوزوية والجامعية لتوفير الأرضية للنهضة المعلوماتية، وإنتاج العلم[13]. وبات الحصول على الطاقة النووية يشكّل فخرًا تاريخيًّا لإيران، ولكنّه جعلها أمام واحدة من استراتيجيات ثلاث على صعيد السياسة الخارجية:

  1. الاستسلام لرغبات أمريكا والدول الأوروبية بدون قيد أو شرط.
  2. الصمود أمام الرغبة الأمريكية، دون إبداء أي لين أو مرونة.
  3. مقاومة الضغوط والدفاع عن حقوقها المـُسلَّمة، مع التركيز على الثقة بالنفس.

كانت السياسة العامة للجمهورية الإسلامية للخروج من هذا المأزق على الشّكل التالي:

أولًا: قبول البروتوكول الإضافي القاضي بتوقيف تخصيب اليورانيوم طوعيًّا شرطَ أن تستمر إيران في النشاط النووي السلمي، ومنع المفتشين من الدخول إلى الأماكن السياسية والدينية، وضرورة طي المراحل القانونية في الحكومة، ومجلس الشورى، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام للتوقيع على البروتوكول.

ثانيًا: اتخاذ خطوات نحو إرساء الثقة.

ثالثًا: التأكيد على حق الشعب الإيراني المسلَّم بامتلاك التقنية النووية.

وعلى ضوء ذلك تابعت الجمهورية الإسلامية مفاوضات معقّدة أهمها ما جرى في قصر سعد آباد مع الطرف الألماني والفرنسي والبريطاني، وتمّ التوقيع عليه عام 2003م. وعلى الرغم من جميع الشروط التي فرضتها إيران، إلّا أنّ الطرف الأوروبي خرج منتصرًا. في هذه المرحلة لم يبدِ قائد الثورة موقفًا صريحًا حول هذه المسألة، ولذا ظهرت موجة اعتراضات في إيران.

 

قائد الثورة وإدارة الأزمة.

أدار قائد الثورة هذه الأزمة بمنتهى الدراية والحنكة، فعمد في تدخله الأول والصريح إلى:

  1. تحديد السياسات العامّة المتعلّقة بأزمة النشاط النووي، ورسم الخطوط الحمر للمسؤولين المعنيين.
  2. الإشراف بشكل دقيق وفاحص على تصرفاتهم.
  3. أدّى ذلك إلى كسب الثّقة من غالبية الشعب ولا سيما القوّات الثورية، وقلّص من الضغط على الدولة، فأزال جذور الاختلاف.

بالرغم من جميع خطوات إرساء الثقة، إلّا أنّ الأوروبيين لم يُظهِروا أي التزام بتعهداتهم في بيان اجتماع سعد آباد، كما أنّ قائد الثورة قد حذّر بأنّه سيضع حدًّا لأي إجراء يهدِّدُ مصالح إيران وقِيَم النظام. وبناءً على ذلك أقدمت إيران في 8 آب 2005م على افتتاح مركز تخصيب اليورانيوم في أصفهان، واستأنفت إزالة سائر الأختام بإشراف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2006م.

بالرغم من تأييد الرأي العام للقرارات الثورية إلّا أن بعض التيارات وصفت الخطوة بالمتسرّعة وغير المدروسة. فتدخّل قائد الثورة وأيّد القرارات المتخذة، واعتبرها ذات رؤية بعيدة، وتنمّ عن خبرة في السياسة الخارجيّة.  

وفي ما بعد أينعت ثمار تلك القرارات حيث صدر بيان من مئة وستة عشرة دولة محايدة للدفاع الحازم عن حقّ الجمهورية الإسلامية في امتلاك الطاقة النووية السلمية. وعقب ذلك تراجع تدريجي للغرب فوافقوا على امتلاك إيران لتقنيّةٍ إنتاجيةٍ دون منح حقّ التخصيب، ومن ثم وافقوا على التخصيب، واستمر التراجع التدريجي في مقابل إرادة الشعب إلى أن وافقوا عام 2006م على أن إيران بإمكانها التخصيب بمعدل تجريبي. وبعد ذلك وجّه الإمام الخامنئي كلمة مفصليّة بهذا الشّأن: “تعدّ مسألة النووي أمنية وطنية عظيمة وحقًّا طبيعيًّا للشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية في إيران، ويعتبر التراجع عنها هزيمة لاستقلال البلد. تَحمَّل الشعب الإيراني تكاليف باهظة جدًّا، وإنّ كل هزيمة في الوقت الراهن تتبعها سلسلة من الضغوط والهزائم (…) يجب على السلك الدبلوماسي في السياسة الخارجية الدفاع عن هذا الحق بشجاعة”[14].

دخل ملف امتلاك إيران للطاقة النووية في تجاذبات حتى عام 2015م، حيث توصّلت المفاوضات بين إيران ودول (الخمسة زائد واحد) إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني وذلك بعد مفاوضات دامت 18 شهرًا. أغضب الاتفاق إسرائيل ووصفه نتنياهو بـ “السيء”؛ لأنه يتيح لإيران تطوير سلاح نووي. وقد التزمت إيران ببنود الاتفاق، وما إن تسنّم ترامب رئاسة الولايات المتحدة حتى نكث الاتفاقية، وشدّد العقوبات الاقتصادية إلى أقصى الحدود لإرضاخ إيران دون قيد أو شرط، سعت إيران دبلوماسيًّا لإعادة أمريكا إلى الاتفاق، وبعد سنة من الصبر الاستراتيجيّ دخلت في إطار تخفيض التزاماتها بالاتفاق النووي في مراحل أربع ضمانًا لمصالحها وحقوقها في الحصول على الطاقة النووية السلمية، وفي 6 من تشرين الثاني 2019م بدأت في الخطوة الرابعة من تخفيض التزاماتها بالاتفاق وضخّت اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي بمنشأة فردو النووية.

في السنوات الأخيرة اتضح لدى الشعب الإيراني مدى العمق السياسي في قراءة الإمام الخامنئي الذي حذّر وأنذر مرارًا من مكر أمريكا، وكان يؤكّد على أنّ خطابه بهذا الشأن مبني على تجارب مريرة مع الأمريكيين المستكبرين الذين لا يلتزمون بالعهود، ويعملون بسياسة الإملاء والترهيب والترغيب لا المفاوضات، ومع الأوروبيين المتخاذلين والمراوغين الذين يميلون إلى جانب المصالح الأمريكية.

تلك جملة من النماذج التي تُوضِّح جانبًا من الدور القيادي للإمام الخامنئي في إدارة الأزمات الأمنية، وأمّا دوره في إدارة الأزمات السياسية فيوافيك في الحلقة الثانية إن شاء الله.

[1] بيانات رهبر معظم انقلاب در جمع كارگزاران نظام، 21-9-1380ش.

[2] كرامتي، محمد تقي، دور القائد في إدارة الأزمات (مجلَّدَين)، تعريب: نبيل اليعقوبي، (الطبعة1، 2018، دار الولاء).

[3] الإمام الخامنئي، 29 ذي القعدة 1409هـ.

[4] كلمة في مراسم بيعة وزير الداخلية ومعاونيه.

[5] كلمة في مراسم بيعة جموع غفيرة من أبناء الشعب من أهالي جالوس ونوشهر ومحافظة هرمزكان.

[6] كلمة في مراسم التخرج لكلية هندسة الطيران.

[7] الإمام الخامنئي، 6 ذي الحجة 1409، كلمته في مراسم بيعة قادة الحرس.

[8] الإمام الخامنئي، 5 ذي الحجة 1409ه، كلمته في لقاء وبيعة المدراء والخبراء في وزارة الاستخبارات.

[9] الإمام الخامنئي، 5 ذي الحجة 1409ه، كلمته في لقاء وبيعة المدراء والخبراء في وزارة الاستخبارات.

[10] الإمام الخامنئي، 8 رجب 1422، كلمته لدى لقائه أسر شهداء القوات المسلحة.

[11] الإمام الخامنئي، 12 شعبان 1422، كلمة في لقاء جمع من أهالي أصفهان.

[12] الإمام الخامنئي، 29 شعبان 1423ه، كلمة لدى لقائه طلاب الجامعات والمدارس بمناسية احتلال السفارة الأمريكية.

[13] الإمام الخامنئي، 8 شهر رمضان 1422ه، لدى التقائه أساتذة الجامعات في كافة البلاد.

[14] كلمة قائد الثورة في جمع من مسؤولي السياسة الخارجية، صحيفة كيهان، 14-2-1427هـ.

هاشم الضيقة

هاشم الضيقة

طالب علوم دينية


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
قائد الثورةإدارة الأزماتالإمام الخامنئيإيران

تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. علي
    علي 1 مايو, 2020, 19:44

    احسنتم

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*