الحياد في لبنان بين الإيجابي والسلبي

الحياد في لبنان بين الإيجابي والسلبي

تشهد البطريركية المارونية حركة زيارات كثيرة في الآونة الأخيرة بعد إطلاق البطريرك بشارة الراعي “نداء” لإعلان لبنان بلدًا حياديًّا إلّا من الصراع مع إسرائيل وقضية فلسطين. معظم زوار الأخير يؤكّدون على مبدأ الحياد والنأي بالنفس، ويعتبرون نداء البطريرك منطلق لحوار شامل حول “هوية” لبنان.

يعتبر البطريرك الراعي أن “الحياد اللبناني يقتضي وجود دولة قوية بجيشها ومؤسّساتها وقانونها وعدالتها”. ورأى الراعي خلال ترؤسه القداس في الصرح البطريركي في الديمان أن “نظام الحياد ليس طرحًا طائفيًّا أو فئويًّا أو مستوردًا، بل هو استرجاع لهويتنا وطبيعتنا الأساسية، وباب خلاص لجميع اللبنانيين دون استثناء”. ويطالب بتحقيق حياد لبنان والعمل على “فك الحصار عن الشرعية وعن القرار الوطني الحر”.

لاقى هذا النداء استحسان لدى رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي قصد البطريرك على رأس وفد “لجنة متابعة إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك 2017، ووثيقة الأخوة الإنسانية 2019″، وأوضح الحريري أن “كلام البطريرك هو بطريرك الكلام… لقد تحدث غبطته عن وجع اللبنانيين وليس بالسياسة”.

وفي أول تعليق من جانب حزب الله الذي جاء على لسان النائب رعد من عين التينة بعد لقائه برئيس مجلس النواب نبيه بري: “نتابع ردود الفعل”.

ما هو الحياد؟

يتم تعريف الحياد، حسب الأمم المتحدة، على أنه الوضع القانوني الناجم عن امتناع دولة معينة عن المشاركة في حرب مع دول أخرى، والحفاظ على موقف الحياد تجاه المتحاربين، واعتراف المتحاربين بهذا الامتناع وعدم التحيّز. وتعتبر المنظمة الدولية أن سياسة الحياد يمكن أن تسهم في تعزيز السلم والأمن الدوليين وتؤدّي دورًا هامًّا في إقامة علاقات متبادلة المنفعة فيما بين بلدان العالم.

هذا وازداد توجه بعض الدول لإعلان الحياد مع حركة عدم الانحياز، وهي واحدة من نتائج الحرب العالمية الثانية، ونتيجة مباشرة للحرب الباردة، وكان هدف الحركة الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة، وتأسست من 29 دولة، من بينها مصر في العام 1955، وانعقد أول مؤتمر لها في بلغراد في العام 1961.

وفي قفزة سريعة إلى زمننا الحاضر نجد سلطنة عُمان التي لم تدخل في صراع المحاور وحافظت على علاقة متوازنة مع دول الخليج من جهة، وإيران من جهة أخرى. لا بل وصلت لحد إقامة علاقات شبه دبلوماسية مع إسرائيل.

بالعودة إلى لبنان يقول البطريرك: إنه “راجع البيانات الوزارية من 1943 إلى 1980 وكلها تقول: إن لبنان يعتمد الحياد”. فجاء الرد على لسان المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان بأن “المئة السنة الماضية لم تكن صحيّة للبنان… ولم ينفعنا في يوم من الأيام مجلس الأمن الدولي… خصوصًا عندما كنا نُقتل أمام عيونهم وعيونكم”.

وبذلك تظهر الخشية “الشيعية” من الحياد وتسليم سلاح حزب الله، وبالتالي التضحية باستمرار “نفوذهم” بالسلطة، ولكن أيضًا بسبب الصراع مع إسرائيل، الذي عاد إلى الواجهة مع المناوشات على الحدود في الجنوب ووعد الحزب بالانتقام والرد بعد استشهاد أحد الشبان من الحزب في سوريا، وأضف إلى ذلك الارتباط الوثيق بالأجندة الإيرانية في سوريا ولبنان ما يجعل الانخراط في مسألة الحياد أمرًا صعبًا ومعقّدًا للغاية.

على الجانب المسيحي، الماروني تحديدًا، تبقى قضية توطين الفلسطنيين (والسوريين أيضًا) هاجسًا كبيرًا. وبظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان حاليًّا، والحصار العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة على الاقتصاد الوطني الذي يدفع عددًا كبيرًا جدًّا من الشباب والعائلات المسيحية للهجرة والتفكير الجدّي بها. ويزداد هذا الهاجس مما يؤدّي إلى طلب الحماية الدولية للمسيحيين، وذلك لعدم الاختلال بالميزان الديمغرافي للبلد عشية إعلان المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، التي أرادها البطريرك حويك في حينها تضم المسيحيين والمسلمين في دولة واحدة. ومع الاستقلال عن فرنسا أتى التوجه الشهير “لا شرق، لا غرب” للمحافظة على الدولة الجديدة وإنقاذها من رغبة أبنائها المسلمين بالانضمام لسوريا حينها، وأبنائها المسيحيين بالمطالبة بعودة الانتداب والحماية الفرنسية.

وبعد الاستقلال، شهد لبنان فترات من السلم والازدهار الاقتصادي، وكذلك شهد فترات من الصراعات الطائفية و”الحروب” الأهلية. وتغيرت دول المحاور من سوريا إلى السعودية وإيران، والقوى العالمية من فرنسا إلى الولايات المتحدة التي تُعتبر الراعي الرسمي للكيان الإسرائيلي، وتُبدّي مصالحه على باقي المصالح. أما الصراع الأمريكي- الإيراني فيجد لبنان أرضًا خصبة لتصفية الحسابات وإيصال الرسائل مع وجود كل العناصر الملائمة لذلك من معظم (كافة؟) الأطراف اللبنانية. وما الأزمة الاقتصادية الحالية إلا دليل واضح على ذلك.

لبنان، وطن الرسالة حسب البابا يوحنا بولس الثاني، ما هو إلا نسيج غريب من التناقضات وأطراف تتصارع وتتحاور على مصالحها الشخصية ومصالح أطراف خارجية. أطراف هي طرف بحد ذاتها ويتبعها عدد كبير من الشعب اللبناني باختلاف توجهاته ومشاربه ويردّد شعاراتها وإن معظمه لا يفقه معناها بالكامل. الحياد على الطريقة اللبنانية قد يبدو مستحيلًا في الوقت الحالي مع تعدد الأطراف والتوجهات، لكنه فكرة جيدة وملائمة لبدء حوار جدّي والأهم صريح لما يجب أن يكون عليه هذا البلد.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
المشاركةالحيادالمسيحيّةالسياسة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*