دور المفكر في مجاهدة التبعية والتطبيع

دور المفكر في مجاهدة التبعية والتطبيع

عقد المنتدى الدولي للحوار المسؤول ندوة حوارية بعنوان: دور المفكر في مجاهدة التبعية والتطبيع[1]، أدارتها الأستاذة ليلى المزبودي.
البداية في الحوار كانت مع سماحة السيد علي السيد قاسم من لبنان، الذي شرح معنى التطبيع على المستوى النظري، وتحدث عن دور المفكر في إطار التنظيم والعمل مبيّنًا عدة نقاط منها: السعي على تثبيت حالة العداء لإسرائيل حفاظًا على بقاء الأمة، وزرع ثقافة الممانعة في عقول الناس، ولجم السلطة السياسية بالكلمة والموقف الحر، وتبيان أنّ التطبيع مع العدو هو جريمة تاريخية. وقال إنّ العالم اليوم أمام محورين: محور المقاومة والممانعة، ومحور المستكبرين الحاقدين على هذه الأمة، ودعا سماحته إلى إنشاء مقاومة الكترونية تعمل على مواجهة الحرب الناعمة التي تسعى إلى تلويث المحيط بالأفكار الخاطئة وإسقاط القدوة. وختم قائلًا: المقاومة فقط هي التي تحمي الحوار والمتحاورين وتحمي الفكر والمفكرين.
بعد ذلك تحدث الدكتور أسعد السحمراني من لبنان عن دور المفكر في مجاهدة التبعية والتطبيع، وقال إنّ: المفكر هو صانع الحضارة في الأمة إن أتقن وأحسن الالتزام بالهوية الثقافية لها، وهو سينجز حضارة الفكر الذي يحقق النهوض الحضاري والديني والمقاوم ثم عدد مهام المفكر بأنّها استئصال القابلية للاستعمار من نفوس الناس، وإرساء المنظومة القيميّة التي تعلّم الشباب كيف يحبون الموت لكي تكتب لهم الحياة، وصياغة النظرية لفكر مقاوم ومكافح ومجاهد. وأكّد الدكتور السحمراني أنّ التطبيع هو أمر مصطنع ولن يعيش وأنّ الأمة بخير لذلك فشل التطبيع بأكثر من مكان وأغلب الشعوب كما الشعب الإماراتي والبحريني هم مع المقاومة وضد التطبيع. وختم حديثه بعرض جملة مطالب من المفكرين في الحاضر والمستقبل مثل تغليب خيار المقاومة في مختلف الميادين، وتعزيز الحرب النفسية ضد العدو، والحرب السيبرانية والحرب الناعمة، وأن تتولى المقاومة العسكرية الحرب الخارجية.
ثم تحدث الدكتور إدريس هاني من المغرب عن دور المفكر في مجاهدة التبعية والتطبيع محذرًا من أنّنا نسير في مسار حرج وقلق من الناحية الجيوسياسية لأنّنا نفتقد إلى رؤية استراتيجية واضحة بينما يمتلك العدو رؤية حقيقية. لافتًا إلى أن هنالك مقاولون بالقلم أو بالذمم جعلوا المشكلة المجتمعية قضية صراع وخطاب في الوعي. وقال إنّ الإعلام أصبح مجالًا للصراع لذلك فإنّ المفكر معنيّ بإنتاج المفاهيم الحيوية وقسّم أصناف المثقفين إلى ثلاثة أصناف: الأوّل: مثقف حقيقي مشتبك مع قضايا عصره ومجتمعه. الثاني: مثقف يتخندق في الجهة الأخرى لجهة التبعية والتطبيع. الثالث: مثقف مبتعد لا يستشعر المسؤولية. مخوّفًا من المثقف الذي يطبّل للهزيمة لأنّه مشكلة، ومؤكدًا على ضرورة أن يلعب الإعلام دور الحرب النفسيّة.
وعن رفض التطبيع قال الدكتور هاني: نحن لسنا نشازًا في هذا الكون العريض، إنّ رفض الاحتلال هو موقف أخلاقي وعلمي، ولا يمكن أن تنقلب القيم ليصبح المحتل صديقًا. وختم بأنّه لا يوجد في المنطقة وعي سياسيّ حقيقيّ في طول هذه المعركة إلا المقاومة إذا أنجزنا حولها فلسفة حقيقية. 
من تونس كان الكلام للدكتور فوزي العلوي، حيث انطلق مما انتهى إليه الدكتور إدريس هاني من أنّ النخب المفكّرة معنيّة بإنتاج المفاهيم والرؤى وبناء الاستراتيجيات، وهي القدوة القادرة على الجمع بين القول والعمل، وبين الصلاح والإصلاح، وتكون الجسر الجامع لكل الأولويات. وقال: يجب على النخبة القدوة أن تنهض بمهمتين أساسيتين: الأولى: موجهة للداخل وتسهم في بناء هندسة لعقل رسالي إسلامي محمدي أصيل حضاري الملامح. والثانية: موجهة للخارج في إطار الاشتراطات العالمية.
وفي سياق تقييم مفاعيل مواجهة التطبيع وفشلها في مواقع ونجاحها في أخرى، اعتبر الدكتور العلوي أنه يعود لافتقار المجتمع المدني إلى رؤية متكاملة في مقاربتها لمقاومة التطبيع، وإلى التضخم الأيديولوجي مع الواقع ومع التاريخ حيث يوجد خطابين الأول مثالي، والثاني مقاربات مادية متطرفة غير قابلة للاستفادة. وختم الدكتور فوزي العلوي باقتراح عناوين لبرنامج العمل لدور النخب تتمثل بـ: العمل على كسر مركزية الغرب وبيان لا مركزية المعرفة. إنهاء اللاعدالة الابستيمية والمعرفية والتأسيس لابستيمولوجيات الجنوب. نزع الطابع الاستعماري لأنظمة الحكم في الأمة ونزع استعمارية السلطة من الواقع الاجتماعي. الدعوة إلى تخليص الناس من عولمة المعرفة بالدعوة إلى عدم السماح ببناء الاستعمار لنفسه من جديد داخل ثقافتنا.
ثم بعد ذلك تحدث فضيلة الشيخ محمد محفوظ من السعودية، موضحًا أنّ الأمة تشتبه في الحديث عن دور المفكر في تقنين فرص التطبيع في زمن التبعية والتضليل، لذلك عليه أن يعمل على تصليب الوحدة الوطنية في كل بلد لمنع أي فكر تطبيعي من اختراق الأمة الإسلامية أو أي قطر عربي، وأن يساهم في تطوير الاجتماع العربي على مستوى العدالة والمساواة والمواطنة. ورأى في موجة التطبيع الأخيرة أن الحكومات العربية تعاملت مع إسرائيل بوصفها حاجة أمنية واستراتيجية وسياسية، لذلك دعا إلى ضرورة العمل على زيادة الوعي السياسي.
وختم الشيخ محفوظ كلامه بالدعوة إلى قراءة كتاب التطبيع بين ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب للمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين والتمعن فيه، معتبرًا أنّه مِن أفضل مَن كتب عن موضوع التطبيع حيث استطاع أن يفرّق بين خيارات الشعوب وضرورات الأنظمة.
ثم تحدث الدكتور محمود الخفاجي من العراق، فتطرق إلى حاجتنا لتحديد المفكر، مشيرًا إلى أنّ هنالك مفكرًا جغرافيًّا، ومفكرًا تاريخيًّا، كلٌّ بحسب اختصاصه. منطلقًا من كونه ينتمي إلى الفكر الإسلامي أكثر من غيره، لأنّه أوسع من ضيق القومية أو الفئوية، فهو تبعًا لله والله رب الجميع. وقال يجب أن تكون هوية المفكر فكره وأن يطبقها في عمله.
وأشار الدكتور الخفاجي إلى أنّ: إسرائيل لا تريد تمثيلًا دبلوماسيًّا أو الاعتراف بها بل تريد قمع حضارة وغزو شعب وإلغاء هوية، وكل الأنظمة العربية منذ عام 1967 هي تقريبًا مطبّعة مع إسرائيل بشكل غير واضح وهي في حركة النفاق ولكن الآن انكشفت الأقنعة، والحكومات ليست أصحاب قرار وستبقى تابعة، لأنّ التطبيع مع إسرائيل ليس جديدًا. ثم ختم بأنّ الصراع الآن هو صراع حضاري وليس صراع حدودٍ وصراع أمنٍ قوميٍّ إسرائيليّ.
وكان ختام الكلام في الندوة من العراق مع فضيلة الشيخ جعفر الزنكي، الذي رأى أن الوظيفة الحقيقية للمفكر هي إخراج الناس من الظلمات إلى النور التي كانت من قبل وظيفة الأنبياء والأولياء والكتب السماوية وهي اليوم مسؤوليته ويجب أن يكون هو النور الذي يشع للأمة ضياءها.
ورأى الشيخ الزنكي أنّ المطبعين يبرّرون تطبيعهم بأنّه حاجة أمنية ولكنها مبررات كاذبة، وعلينا رص الصفوف وأن يكون للمثقف دوره الحقيقي في إضاءة النور لتُبعث الأمة من جديد. موضحًا أن النتائج التي حصلت من هذا التطبيع قد كشفت صدق المقاومة التي نادت مرارًا وتكرارًا أنّ هؤلاء ليسوا مع القضية الفلسطينية وهم أذرع للعدو. وختم بقوله أنّ التطبيع الحقيقي هو التطبيع الإيماني مستندًا إلى الآية الشريفة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[2]، والتبعية الحقيقية هي تبعية شريعة سيد المرسلين محمد (ص). 
 
[1] يوم الجمعة 18/9/2020.
[2] سورة الحجرات، الآية 10.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
التبعيةالمفكرالتطبيعفلسطين

المقالات المرتبطة

أخلاقيات التولي والتبري جهاد البصيرة والثبات- المحاضرة الأولى

افتتح معهد المعارف الحكمية مساء أمس سلسلة محاضرات لسماحة الشيخ شفيق جرادي تتمحور حول موضوع: “أخلاقيات التولي والتبري جهاد البصيرة والثبات”، حيث تطرق سماحته إلى أن هناك اتجاه معاصر من يعتبر الأخلاق

الجهاد العرفاني في خطاب السيد حسن نصر الله

أقام معهد المعارف الحكميّة للدراسات الدينيّة والفلسفيّة ورشة حول الجهاد العرفاني في خطاب السيد حسن الله

التطبيع والإشاعة.. فتنة الغيبة والبهتان

  عقد معهد المعارف الحكمية مساء أمس لقاءً حواريًّا مع سماحة الشيخ شفيق جرادي تحت عنوان: “التطبيع والإشاعة.. فتنة الغيبة

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*