آراء في الوجوبات العقلية والأخلاقية

آراء في الوجوبات العقلية والأخلاقية
 
من الموضوعات المهمّة التي ينبغي -لا أقل أكثر مما هو حاصل في يومنا هذا- التعرّض لها بمزيد من البحث والتدقيق، هي بعضٌ من تلك الأبحاث التي تقع في إطار فلسفة الأخلاق بمعناها الأعم؛ أي بما يشمل فلسفة الأخلاق بالمعنى الأخص، والميتا-أخلاق، وما شاكلها من مباحث. هذا ولا تقتصر أهمية بعض هذه الأبحاث على المشتغِل في الإطار الفلسفي -بمعنى ذلك العلم القائم- فقط، بل إنها بالإضافة إلى ذلك تُعدّ ركيزة -بكل ما للكلمة من معنى- في جملة من الأبحاث المرتبطة بالدين، أو بالعلوم الشرعية كما يحلو للبعض أن يعبِّر. كيف لا، ونحن نقصد -فيما نقصد- أبحاثًا من قبيل تفسير معنى الوجوبات الأخلاقية والعقلية؛ أفلا يقوم الفقه والأصول عليهما؟! وهما بالإضافة إلى أهميتهما، العلمان الأساسيان والمحوريان في الحوزات العلمية التي نعيش والتي سبقت، والكلام هنا على نحو القضية الخارجية.
على أي حال، إن الأهمية من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى أكثر من الإلفات. في هذا السياق وجدتُ أن الشيخ محمد صادق لاريجاني كان قد تعرّض لبحث الوجوبات العقلية والأخلاقية وبعض الآراء فيها، فكان ذلك مسهِّلًا وكافيًا -بالنظر لبعض الظروف- لنقل ما طرحه في مقالتين علميتين نُشرتا في مجلة پژوهش های اصولی فی العددين السادس والسابع منها. وفيما يلي نقلٌ لما أملاه شيخنا الآملي باختصار وتحرير.
مقدّمة.
تُغطّي الإلزامات العقلية والأخلاقية مساحة معتدًّا بها من حياتنا اليومية. ونتيجة التأمّل في هذه الإلزامات ظهرت آراء متعدّدة من العلماء في مقام فهمها وتفسيرها. فذهب البعض إلى كونها واقعية، وآخرون إلى كونها اعتبارية وهكذا…؛ حتى كان الخلاف بينهم اختلافًا ملحوظًا ومعتدًّا به، وستعرض هذه الوجيزة جملة من هذه الآراء تباعًا.
لكن قبل الدخول في آحاد هذه الآراء، قدّم الشيخ لاريجاني جملة من الأمور التي تقع في إطار تحديد موضوع البحث، هي:
أولًا: مرّ في طيّات الكلام، أن البحث منصبٌّ على الوجوبات العقلية والأخلاقية. والجدير بالملاحظة هنا عطف صفة “الأخلاقية” على صفة “العقلية”؛ فهو هادف إلى تعميم البحث. لكي تتضح خلفية ذلك، لا بد من الإشارة إلى النقاش في نسبة الإلزامات العقلية، والإلزامات الأخلاقية، فهل كل ما هو عقلي من الإلزامات هو أخلاقيٌ أيضًا، أم لا؟ مهما كانت الإجابة على هذا السؤال سيكون البحث شاملًا لكلٍ من تلك الإلزامات.
يستطرد هنا الشيخ لاريجاني قليلًا ليقول: إن هذا السؤال يرتكز في الأساس على أمر أعمق، وعلى سؤال سابق، وهو معيار كون الشيء أخلاقيًا، أو فقُل: ما هي الأخلاق؟ ويظهر من لحن كلامه عدم الموافقة على من يبسِّط المسألة، فيذهب إلى أن كل “ما ينبغي” أخلاقٌ، وكل “ما هو كائنٍ” ينتمي إلى اللا-أخلاق.
وهو يشير إلى أن حق البحث في هذه المسألة موكول إلى محله في فلسفة الأخلاق، لكنه لا يوفّر الفرصة ليقول: إن الاعتماد على ظاهر العبائر لا يكفي، أو بالتعبير المتداول، لا يكفي مجرد ملاحظة لغة الأخلاق ولغة القضايا الأخلاقية. يترقى في وصف ذلك ليصنّفه في إطار الخبط البيّن، فلا بد -كما يرى- من ملاحظة المضمون والمادة أيضًا.
ثانيًا: يعمد في الأمر الثاني إلى استبعاد الوجوبات العقلية غير المستقلة، أو غير الأصيلة عن البحث “حاليًّا”؛ فالوجوبات العقلية تنقسم إلى وجوبات أصيلة ومستقلة، وإلى وجوبات غير أصيلة وغير مستقلة. يعبِّر عن الثانية بالوجوبات المقدّماتية؛ أي التي تكون واجبة من باب كونها مقدّمة لإلزام عقلي آخر؛ إنها جميعًا إلزامات عقلية أيضًا.
على أي حال، يستبعد “حاليًّا” الإلزامات العقلية عن البحث باعتبار أن جملة مما سيطرح فيما سيأتي ينصب على الوجوبات العقلية الأصيلة.
يشير في ختام هذه المقدّمة إلى أن الوجوبات لا تقتصر على العقلية، فالعقلية منها هي تلك “التي تنشأ عن العقل (أو عن النفس الإنسانية بالبيان الذي سيأتي)”، هذا في مقابل وجوبات غير عقلية وهي تلك الوجوبات الناشئة عن الأوامر، سواء كانت من الشارع أم من غيره.
سنتعرض فيما سيأتي من مختصراتٍ لرأي المحقّق محمد حسين الأصفهاني رحمه الله تعالى وغيره من الأعلام.

 



المقالات المرتبطة

المشروع الفكري عند طه حسين

لم يكن طه حسين مجرد أديب له أسلوبه الخاص..ولكن كان له مشروع مصري عربي ثقافي تنويري يمكن البناء عليه. وهنا تحدّث عن شقين من هذا المشروع.

السيادة الشعبية الدينية: الجمهورية الثانية؟؟

كثر الحديث في الآونة الأخيرة، عن النظرية السياسية التي أطلقها الولي الفقيه، الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي

فلسفة الأخلاق الماهية، الضرورة، الأهداف (4)

في ظلّ النزعة الفردية المغالية التي يتّسم بها عصرنا هل يمكن قيام فلسفة أخلاقية ونظرية شمولية في الأخلاق، وفي ظلّ ما يوسم به عصرنا

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*