قراءة في كتاب أصلح الناس وأفسدهم في نهج البلاغة

قراءة في كتاب أصلح الناس وأفسدهم في نهج البلاغة

أوّلًا- الكتاب في سطور

اسم الكتاب: أصلح الناس وأفسدهم في نهج البلاغة

الكاتب: الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي

إعداد وتقرير: كريم سبحاني

ترجمة: محمّد نبيل جمعة

الطبعة الأولى

سنة النشر: 2020م

دار النشر: دار المعارف الحكميّة

عدد الصفحات: 342 صفحة

ثانيًا- قراءة في الكتاب

لا يمكن للصلاح والفساد أن يجتمعا في فردٍ واحد. فهما من الأمور المتناقضة التي وجود أحدها يُلغي وجود الآخر. وفي زمن الافتتان، يمتزج الحقّ بالباطل، وتشتدّ ضبابية ذلك المزج، فيتداخلان بالشكل الذي يصبح فيه التمييز أمرًا صعبًا. ويزداد صعوبة كلّما ازداد الفتنة، وبالتالي ازداد هذا المزح. عندها، تبرز أهميّة توضيح صفات الفئات المجتمعيّة لكي لا يلتبس على العامّة من اتباع الصالح، والابتعاد عن الطالح.

وهذا ما عبّر عنه الشيخ اليزدي من مجموعة دروسه الأخلاقيّة التي قدّمها؛ لتصبح على شكل كتاب يوضع بين أيدينا كخارطة تستجلي توضيح صفات أصلح الناس وأفسدهم مستندة إلى نص خطابات كتاب نهج البلاغة.

يتكوّن الكتاب من إحدى وعشرين محاضرة موزّعة على قسمين.

عرض الشيخ اليزدي في القسم الأوّل صفات أحبّاء الله المصطفين. هؤلاء الذين يعوّل عليهم في تبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى، وفي حماية الدين من التشويه.

وذكر مجموعة من الصفات التي يتجلببون بها. فهم في حالة جهادٍ دائم مع النفس. يستطيعون أن يسيطروا على أهوائهم النفسانيّة، ويوجّهون متطلباتهم الحياتيّة إلى النحو الذي يضمن لهم رضا الله سبحانه وتعالى. لا يرغبون من الدنيا سوى ما يعينهم منها للعبور نحو دار الآخرة آمنين مطمئنّين. فالدنيا عندهم ليست هي الأصل، حتّى اللذة التي يحصلون عليها هي من باب تلبية الحاجات التكوينيّة من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى، وهو العبادة المُثلى لله. ولا تأخذ هذه الأمور الدنيويّة حيّزًا من تفكيرهم بقدر توفير احتياجاتهم لها، فهي ليست سوى وسيلة لإرضاء الله، ورغبة في حلال الله عن حرامه.

وممّا يتّصف به أحباب الله أيضًا الحزن والخوف. ولكن ليس أيّ خوف وحزن، بل بما لهما علاقة مباشرة بالخوف من الله والحزن على الابتعاد عنه سبحانه وتعالى. ولما لهما من دور بنّاء في إقبال الإنسان على العبادة وطاعة الله واجتناب المعاصي؛ فهما يمنعانه من المعصية، ويزيدان اهتمامه باللذة المعنويّة الآتية من أنسه بالله.

إذ إنّ أصل السرور والفرح في الإسلام أمرٌ حسن، وهما نعمتان منحهما الله للإنسان، يمكنه أن يتابع من خلالهما طريق تكامله[1]. وقد ورد بخصوص إفراح الآخرين أحاديث كثيرة، شرط أن لا يؤدّيا إلى الاختلال في حياة الإنسان، فيمنعاه من القيام بتكاليفه الاجتماعيّة والإلهيّة.

كما أنّ أحد مميّزات العبد السالك هو التزيّن بنور البصيرة، التي تمكّنه من مواصلة مسير السعادة في آخره، فيتبع سبيل الأنبياء والأئمّة (ع) كمنار لطريق وصولهم إلى الحقّ تعالى، وكي لا يضيعوا البوصلة، ويصونوا أنفسهم من الضلال. فهم (ع) حبل الله المتين الذي يتمسّك به المؤمن خوفًا من الانزلاق والسقوط. وهذا الحبل قويّ غير قابل للانقطاع والتفتت يحفظ الإنسان من دوّامة الانحراف والمعصية.

ومن الخصال الأخرى التي يتحلّى بها أحباب الله الإخلاص. ولا يقتصر تحصيل الإخلاص على مرحلة معيّنة من السير والسلوك، إنّما هو مطلوب باستمرار لأنّ العمل ينعدم دونه، فلا ينبغي للمؤمن أن يتأثّر بمدح الآخرين أو ذمّهم لعمله، بل أن يكون مطمئنًا لدوافعه وسلوكيّاته، ولا يغترّ كذلك بنفسه وبعمله، بل يسعى جاهدًا كي يؤدّي ما عليه من التكليف على أحسن وجه.

أمّا في القسم الثاني من الوصية، فقد عرض الإمام علي (ع) خصائص الفاسدين. وصفهم بالجهلة الذين يدّعون العلم والمعرفة “وآخر قد تسمّى عالمًا وليس به”[2]، والذين يأخذون بعض الكلمات والأفكار الباطلة والمضلّة، وينسجون منها قالبًا نظريًّا برّاقًا؛ ليسيطروا فيها على أفكار الناس، ويضلّونهم عن جادة الصواب.

ومن هذه الأوصاف أيضًا أنّهم يستغلّون كتاب الله والأحكام الإلهية بشكل سيّء، ويفسّرون القرآن بالرأي؛ وهذا النوع من التفسير مذموم في الروايات لأنّه يسبّب الضلال.

وهم كذلك مستصغرون للمعاصي، يحسبون أنفسهم مأمونين من المعاصي والذنوب؛ فيصغّرون المفاسد في أعين الناس حتّى يهون عليهم فعلها وعدم الالتفات إلى مساوئها في الدنيا والآخرة.

فإنّ أبغض رجال الله برأي أمير المؤمنين (ع) أشخاص يتجاوزون حدود الله عن قصد، ويدوسون الأوامر الإلهية تحت أرجلهم، فيحرمهم الله من عنايته ولطفه وهدايته. وأبغض منهم، الذين يستغلّون جهل الناس وبساطتهم، فيبثّون أفكارهم المسمومة، ويستحوذون على عقولهم، ويسمّون أنفسهم بالعلماء، ويستعملون المصطلحات والخطب الخادعة والادعاءات الواهية. وهنا، تبرز المسؤولية الثقيلة التي تقع على عاتق العلماء، وطلّاب الحوزات، والمعروفين بين الناس.

ويوجد نوع آخر من المضلّين أكثر خطرًا في المجتمع أولئك الذين يسعون في محاضراتهم وكتبهم ومقالاتهم إلى إيجاد الانحراف في الدين وإلقاء الشبهات، أو يحدِثون سننًا باطلة أو يحييونها، ويوقعون الآخرين تحت تأثير هذه الأفكار والتصرّفات، وبعض هذه الطقوس الخرافية، أو تلك التي تعود إلى دين المجوس.

كما تبرز أهميّة وجود المعصوم حين تغزو الآراء المتعارضة في مجال الدين لأنّه لو كان موجودًا بيننا لأمكن لنا المعرفة القطعيّة للأحكام الشرعية والعامّة. وفي زمان غيبة المعصوم، يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه. وهو، وإن كان أمرٌ حسن أمر به الشراع المقدّس، إلّا أنّه يفتح المجال أيضًا إلى إبداء الرأي والاختلاف في هذه الأحكام، وقد تكون أحيانًا متعارضة. وهذا السبب هو أحدّ أدلّة ضرورة وجود الحاكم الإسلامي ووليّ أمر المسلمين في رفع الاختلافات ومنع الاختلال والهرج والمرج الذي يحصل بسبب اختلاف الفتاوى في مجال المسائل الاجتماعيّة.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدين الإسلامي لا يقف سدًّا في وجه التجديد والابتكار في أيّ مجال من المجالات الحياتيّة، ولكنّه يرفض البدع والخرافات التي تُنشئ الخلاف والتناحر بين أبناء المجتمع والأمّة. والإنسان المؤمن يتقبّل الحكم الشرعي حتّى، وإن لم يكن على هواه. فهو تحت الحكم الإلهي وأمره، لا يرضى سوى ما يرضاه الله تعالى له ولغيره.

فمعيار المحبوبيّة عند الله هو الإيمان الثابت الذي لا يزول بعد مدّة حين تتغيّر الأحوال والظروف. وكلّما زادت مراتب إيمان الإنسان كان محبوبًا أكثر عند الله. وفي مقابل ذلك، فإنّ معيار المبغوضيّة عند الله هو الكفر والشرك. فليحسن الإنسان علاقته مع الله ليضمن آخرته ويحسن عاقبته، و”إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. فلا تكن ممن صورته “صورة إنسان والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، وذلك ميّت الأحياء”[3].

 

 

 

[1]  أصلح الناس وأفسدهم في نهج البلاغة، الصفحة 47.

[2]  المصدر نفسه، الصفحة 147.

[3] المصدر نفسه، الصفحة 147.



المقالات المرتبطة

مطالعة في كتاب الإسلام والمسلمون في الصين.

السؤال الكبير هو عن كيفية تعامل السلطة التي يمسك بها الحزب الشيوعي الصيني منذ العام 1945 مع الإسلام في الصين؟

قراءة في كتاب الثورة الإسلامية في إيران مقارنة بالثورتين الفرنسية والروسية

بسم الله الرحمن الرحيم مناقشة كتاب منوشهر  محمدي كلية الحقوق والعلوم السياسية الجامعة اللبنانية 2/2/2010 لعل أمتع ما في قراءة

موقف لوي ماسينيون من الإسلام

شكَّل الإسلام محورَ حياة المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون (1883–1962)، باحثًا ومحقّقًا ومدرِّسًا ولغويًّا وعالمَ اجتماع، وموظفًا عموميًّا في خدمة دولته ومصالحها،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*