مطالعة في كتاب: الإصلاح الإسلامي في الهند

مطالعة في كتاب: الإصلاح الإسلامي في الهند

ثلاث رؤى للدولة الإسلامية الموعودة

 

الكتاب: الإصلاح الإسلامي في الهند: الدولة في فكر شيراغ علي- محمد إقبال – أبي الأعلى المودودي.

الكاتب: كريمو محمد، ترجمة محمد العربي، وهند مسعد.

الناشر: بيروت، جداول للنشر، المغرب، مؤمنون بلا حدود، 2016. في 272 صفحة.

 

تطمح دراسة كريمو محمد، الباحث في الجامعة الكاثوليكية البرتغالية، وجامعة لشبونة الجديدة، إلى أن تفي الإسلام السياسي المهمل في آسيا حقه من الاهتمام، حيث التركيز، غالبًا، على الجانب العربي منه فحسب، رغم أن المسلمين في هذه المنطقة أدّوا أدوارًا مهمّة “في التاريخ العالمي للإسلام”، وفي مقاومة الاستعمار مادّيًّا وفكريًّا، وفي الحوار مع الفكر الغربي، وفي خلق دينامية للإصلاح والنقاش حول أدوار الدين والمرأة والخلافة. شكّل القرن التاسع عشر تحدّيًا للفكر الإسلامي فرض على روّاده “جهودًا لإعادة تعريف الإسلام، بما يتناسب مع التحدّيات الجديدة”، وإنتاج أفكار واتجاهات “علمانية أكثر وضوحًا أو إصلاحًا جذريًّا أو قومية”، لكن غالبًا ما عنى الرد على الفوات الواضح “بين المثالية الإسلامية وواقع حياة المسلمين”، العودة إلى الأصول: القرآن، سيرة النبي، سيرة جماعة المسلمين الأولى، وعلى هذا النحو قُدِّم “نموذج الإصلاح الإسلامي”، كما يقول جون إسبوزيتو (من مواليد العام 1940)، الأكاديمي الأميركي المختص في الأديان والدراسات الإسلامية.

وأقدم المحاولات الإصلاحية في الهند أتت على يد ولي الدين الدهلوي (1702 – 1898)، وتأثر به شيراغ علي (Chiragh Ali)، ومحمد إقبال الذي أثّر بدوره في السيد أبي الأعلى المودودي، وفهم هذين الأخيرين لـ “الدولة الإسلامية” والدعوة لها جاء نتيجة فشل الدول الوطنية التي قامت بعد زوال الاستعمار ومثابة رد على النماذج الغربية. ويبدو أن مفهوم الدولة بالمعنى الحديث الذي نعرفه، لم يظهر إلّا في العام 1837 باللغة التركية في مذكرة رسمية، والسائد قبل ذلك كان الكلام عن الأمة الإسلامية والسلطنة والخلافة. وجاء مصطلح الدولة الإسلامية رد فعل على إلغاء الخلافة التركية في العام 1923، ونشط في هذا الشأن محمد رشيد رضا (1865 – 1935) فكتب “الخلافة والإمامة العظمى” (1923). وفي سياق الاستعمار البريطاني برز أبو الأعلى المودودي (1321 هـ – 1399 هـ) داعيًا لمفهوم “الإسلام دين ودولة” منتقدًا القومية والديمقراطية، مناديًا بالحاكمية وبفكرة “السيّادة المطلقة لله”.

اتبع شيراغ علي (1844 – 1895)، وهو من أصول كشميرية، نشأ في شمال الهند، منهجًا يقوم على “عقلنة الإيمان الديني”، يعتمد القرآن وحده مصدرًا للتشريع، ما يمنح الفقه حرية تتيح التعديل في قضايا ناقشها مع المستشرقين والمبشريّن مثل: تعدد الزوجات، الجهاد، التعصب الديني، الرق، وما ملكت الأيمان. كما لجأ شيراغ إلى تحليل السيّاقات التاريخية لأفعال الرسول الكريم، وإلى القانون الطبيعي والدولي لتفسير حروبه وغزواته، ويشير الباحث إلى اهتمام شيراغ بتقديم مقترحات إلى السلطان عبد الحميد الثاني، والدعوة إلى إصلاحات سياسية وقانونية في الإمبراطورية العثمانية، وفي الدول الإسلامية الأخرى (1883)، وذلك لأن مصير دولة الخلافة يؤثر بشدة في المجتمع الهندي المسلم، وقد هدفت رسالته المصاغة في كتابه المشار إليه آنفًا إلى بيان قدرة الإسلام على الإصلاح وعلى التغيير والتكيّف، وأن “دولة محمد” لم تكن ثيوقراطية في نظامها الحكومي، والرسول(ص) ترك للمؤمنين حرية إيجاد النظم التي تلائم العصر “وتتناسب مع التغيرات السياسية والاجتماعية الجارية حولهم”، ويعتبر أن الخلفاء الراشدين كانوا “جمهوريين”، وأكد أن حقوق غير المسلمين الذين يعيشون في ظل حكم إسلامي مصانة.

لم يحصر محمد إقبال (1877 – 1938) نفسه في أثناء مقارعته الفكرية للاستعمار البريطاني في ثنائية الشرق والغرب، بل كان يبحث عن طريق وسيطة يؤكد من خلالها المسلمون هويتهم ويشاركون في العالم الحديث، وحاول أن يبين “قوة الإسلام والأمة كنظام سياسي”، وعبّر عن ذلك في كلامه عن ” المثال السياسي في الإسلام”، وشدّد على مفهوم الجماعة والأمة، وانحاز إلى فكرة الديمقراطية بوصفها أفضل شكل سياسي لجماعة المسلمين، فهي الوضع المثالي الذي يسمح للإنسان أن يطور إمكاناته إذا منح الحرية اللازمة. ويستند الدستور الإسلامي في عرفه إلى مبدأين مفترضين: الأول، القانون الإلهي والحاجة إلى تفسيره فحسب، وعدا ذلك “فلا يوجد مكان للسلطة في البنية الاجتماعية للإسلام”، والثاني، عدم وجود أرستقراطية في الإسلام، بل مساواة بين المؤمنين. وعرض إقبال في مقاله “الفكر السياسي في الإسلام” (1910 – 1911) رؤيته للدولة والحكومة في الإسلام، انطلاقًا من تجربة الرسول العربي الكريم وخلفائه، وفي مقدمها أن السيادة السياسية في يد الشعب وأن الإجماع “المبدأ الرئيسي للنظرية الدستورية الإسلامية”، ويقوم المثال السياسي عنده “على خلق أمة واحدة من الاندماج الحر بين الأعراق والقوميات”، ويعتمد تماسك الأمة على “وحدة المثال الديني والسياسي”، وروح الإسلام تناقض في نظره فكرة السلطة الشخصية، وهو يستعين بالفقيه أبو الحسن الماوردي (974 – 1058) في الأحكام السلطانية ليبرز أن أصل الدولة “التعاقد الحر” للأفراد والجماعة، وأن الحكومة “ترتيب اصطناعي” والمبدأ الأساسي هو “الانتخاب”. وفي كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام (1930)، يعتبر إقبال الاجتهاد “الوسيلة الأكثر أهمية لتجديد الإسلام في العالم الحديث”، ويؤكد على قابلية الشريعة للتطور، وما وجود المدارس الفقهية الكثيرة، في زعمه، إلا دليل واضح على الجهود المبذولة للرد على الحاجات والمتطلبات المستجدة.

شهد أبو الأعلى المودودي (1903 – 1979) انهيار السلطة العثمانية وضعف حال المسلمين في الهند والعالم، فألقى اللوم على الاستعمار والقومية حديثة النشوء، وانحاز إلى مفهوم الأمة سواء في تصوره لمجتمع إسلامي أو لمجتمع محلي، كما يقول الباحث، الأمر الذي جعله يقسم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الحرب، وأخذ على عاتقه دعوة مسلمي الهند “إلى تجديد العهد بوضوح مع الإسلام”، وقد عززت الحوادث الطائفية في الهند في العام 1924 من رؤيته للإسلام كحل لمعضلات مجتمعه، فكتب في العام 1929 “الجهاد في الإسلام” وتبنّى منهجًا إحيائيًّا، ورفض الديمقراطية بوصفها حكم الأغلبية (في الهند تعني حكم الهندوس للأقلية المسلمة). ونتيجة رفضه لسياسات حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية في بلده، أنشأ “الجماعة الإسلامية” (1941)، وقام بإعادة تفسير المفاهيم الإسلامية ومنحها دلالات مختلفة، فوضع “قراءة سياسية للإسلام تتحول فيها التقوى الدينية لسلطة سياسية، وأصبح الإيمان أيديولوجية، والعمل الخيري هو العمل الاجتماعي”، ورؤيته، كما يقول الباحث، لم تكن حديثة بل تدّعي الحداثة. وفي زعم المودودي، إن الصراع بين الإيمان والكفر سيقود أخيرًا الى قيام اليوتوبيا الإسلامية، وعلى الدولة الإسلامية الموعودة أن تطبق الشريعة وتطيعها. وفي نقده لأفكار المودودي يرى كريمو محمد، إن خطابه كان ملتزمًا كونية وعالمية فكرة الأمة، لكنه في مجال التطبيق كان يعمل في وسط قومي وطائفي هو الهند، وانتهى به الأمر في العام 1947، بعد تقسيمها إلى التخلي عن فكرة “الأمة” مع نشوء دولة قومية جديدة، هي باكستان.

والحال، كيف رأى أبو الأعلى “الدولة الإسلامية”؟ تتبع هذه الأخيرة المبدأ المعتمد عنده أي “الحاكمية لله”، وهي أداة لتطبيق منظور الإسلام للحياة وتستند إلى مبادىء أربعة: الاعتراف بأن الحاكمية لله، وسلطة النبي، وأن الدولة ممثل لله، وتدير شؤونها استنادًا إلى مبدأ “الشورى”، وهذا يمثل الديمقراطية الدينية الإسلامية أو “ثيو- ديمقراطية” كما يحلو للباحث تسميتها، وتتميز عن غيرها في كونها “دولة أيديولوجية” رابطها الدين الإسلامي، والنموذج المقدم بهذا المعنى يتعارض تمامًا مع النموذج الغربي المعروف. وقد لاحظ كريمو أن النظرة الشمولية للإسلام ظهرت تحديدًا في فترات عدم الاستقرار أكثر من فترات الاستقرار السياسي، والقول إن الإسلام شكّل دولة منذ البداية، يعني “فرض مصطلح حداثي على كيان اجتماعي ما قبل حداثي”.

 

 

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الإصلاح الإسلاميالدولة الإسلاميّة

المقالات المرتبطة

وحدانية الحضارة الإنسانية

منذ ما يربوا على عقد ونيف من الزمان تجدد الحديث عن فرضيتي تعدد الحضارات أو وحدتها ومن ثم عن الخلاف القائم

هل استنفذت الفلسفة أغراضها؟ “للحديث صلة”

من حق الإنسان المعاصر اليوم، أن يسأل عن قيمة الفلسفة، وأهميتها، وهل بقي لها من دور أو وظيفة؟

الوهم الجائح (في خطبة الحوراء عليها السلام)

لا نريد أن يفهموننا، ولا نريد أن نفهمهم..
والمسألة هنا، تكمن في إرادة الفهم، وإرادة الفهم …

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*