أنطون سعادة وأطروحته الفكرية

في إطار مشروعه الفكري “أطروحات في أيديولوجيا الفكر” أقام معهد المعارف الحكمية حلقة بحثية بعنوان “أنطون سعادة وأطروحته الفكرية”، امتدت على مدى يومي الإثنين والثلاثاء 22 و23 شباط 2016.

افتتح الحديث مدير الجلسة الأولى الإعلامي محمد شري بالشكر إلى معهد المعارف الحكمية لفتح هذا الباب للنقاش الفكري، ووجه في هذه المناسبة تحية تقدير للشهيد أدونيس نصر الذي استشهد منذ أيام في سوريا ضمن صفوف الحزب القومي السوري، وبعد نبذة سريعة قدمها شري عن حياة انطون سعادة وعطائه الفكري، أعطى الكلام لنائب الحزب السوري القومي الاجتماعي الأستاذ توفيق مهنا والذي قدم قراءة في مشروع الحزب عند انطون سعادة، مستهلًا الحديث بتحية من الحزب القومي إلى حزب الله.

مهنا استعاد منطلقات الحزب السوري منذ تأسيسه، مؤكدًا على استقلالية فكر سعادة واستقامة منهجيته، واعتبر أن مشروع سعادة يتجاوز مشروع الحزب السياسي الاعتيادي، “فالحزب أداة النهضة، والحزب فكرة وحركة ومؤسسات تتناول حياة أمة بأسرها”، أما غاية الحزب فحددها مهنا بغاية واحدة وهي بعث نهضة سورية قومة اجتماعية، وقد وصف سعادة بأنه رائد الوحدة القومية في وجه سايكس بيكو ورائد الدعوة إلى الكفاح المسلح في وجه بلفور، وعن دعوة أنطون سعادة إلى فصل الدين عن الدولة تحدث مهنا قائلًا إن “دعوته تختلف تمامًا عن أية دعوات إلى إنكار الدين أو تغييبه عن شؤون المجتمع، بل الحفاظ عليه كرابطة إيمانية بين الفرد وخالقه”، كما أرسى سعادة مفهومًا جديدًا للفلسفة بإطلاقه نظرية المدرحية ليخرج العالم من بؤس نظريات مادية أو روحية متصارعة”. وختم مهنا بالقول أن كتاب الاسلام في رسالتيه للمفكر سعادة يشكل مرجعًا في نظرة جديدة ترى في الدين كتابًا واحدًا برسالتيه المحمدية والمسيحية.

الورقة البحثية الثانية قدمتها إبنة أنطون سعادة الدكتورة صفية، حيث قسمت الورقة إلى ثلاث محاور تضمنت مبادئ ثلاث في فكر سعادة وهي :

المبدأ القومي.

إشكالية الدولة الدينية.

الدولة الديمقراطية.

وعرفت القومية وفقًا لمفهوم سعادة على أنها “جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح ،موحدة المصير” وفقًا لمقاربته البراغماتية للشأن القومي، وأشارت إلى الخلط الجاري بين مفهوم القومية ومفهوم الإثنية كما هو الحال في العراق عند الحديث عن الأكراد كقومية.

في إشكالية الدولة الدينية أثارت الدكتورة سعادة عدة نقاط معتبرة أن الدين يستطيع أن يلعب دور مساند للمبدأ القومي في دول الغالبية الساحقة من مواطنيها تدين بمذهب واحد كما هو الحال في إيران وتركيا بينما يشكل عامل تفرقة في سوراقيا (سوريا الطبيعية).

وخلصت إلى أن سعادة أكد على أن فكرة الجامعة الدينية السياسية منافية للقومية عمومًا والقومية السورية خصوصًا، “وبالنسبة لسعادة الدولة الديمقراطية هي دولة قومية والطريقة الأمثل لمعرفة إرادة الشعب هي عبر الانتخابات النيابية”، أما الدكتور أحمد ماجد فقدم قراءة سريعة في أفكار أنطون سعادة وإمكانية التلاقي مع التيارات الدينة بسؤال استهل فيه حديثه قائلًا: “كيف يمكن لخطاب يشاع بأنه علماني أن يلتقي بآخر ديني؟” الإجابة جاءت على محورين :

سعادة والدين 

بين السياسة والدين

          فأنطون سعادة لم تنكر للدين ولم يعتبره كمًا مهملًا، لكن بنبغي رؤية الحياة من زاوية علمية واستشهد الدكتور أحمد بقوله “إن الدين للحياة ولتشريف الحياة وليست الحياة للدين ولتشريف الدين”، وتطرق إلى الحديث عن موافقة سعادة على القول بالنشوء والتطور معتبرًا أن سعادة لم يكن جازمًا بشكل كلي على خلاف داروين، فهو لم ير بين الحيوانات والإنسان قرابة.

وفي نظرة سعادة إلى العلاقة بين الدين والسياسة وضح الدكتور أحمد ماجد أن الدولة المعاصرة بالنسبة لسعادة لا يمكن أن تقوم على أسس دينية داعيًا إلى ضرورة فصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي مستخلصًا أن سعادة لم يدع إلى فصل الدين عن الحياة وبنفس الوقت لم يوافق على التيار الذي ينادي بشمولية الدين. ومع عرض الدكتور ماجد فتح المجال للنقاش وطرح الأسئلة على أن يستكمل النقاش الفكري في اليوم التالي ضمن نفس الفعالية.

         وفي اليوم الثاني استأنف معهد المعارف الحكمية حلقته البحثية بحضور عدد من المثقفين، في جلسة أدراتها الإعلامية “بثينة عليق”، ليبدأ الدكتور “يوسف كفروني” بشرح مفهوم القومية والمتحد الاجتماعي عند “انطون سعادة” عنوان ورقته البحثية، فسعادة وفقًا للدكتور كفروني انطلق من دراسة المتحد من البيئة التي تحدد الجماعة أولًا، واعتبر أن تعدد وتناقض النظريات في الأمة يعود لارتباطها بالعنصر السياسي .

فالمتحد القومي هو أكمل متحد كما يراه سعادة، مؤكدًا على أهمية الحدود أو المكان الجغرافي للمتحد وربط كل العوامل بالبيئة الجغرافية، وأكمل كفروني معرفًا القومية بأنها “وعي الأمة ووجودها” مبينًا أن سعادة انطلق في كتاباته من منطلق علمي بحت توصل من خلالها إلى أن فقدان السيادة القومية هو السبب الأول لما وصلت إليه الأمة اليوم. أما الدكتور “زهير فياض” فتحدث عن أن العقيدة القومية الاجتماعية ليست نظرة فلسفية ماورائية وبأن أنطون سعادة هو عالم اجتماع، وفيلسوف اجتماعي قبل الخوض في غمار بحثه الذي حمل عنوان الإصلاح الديني في كتاب الإسلام في رسالتيه موضحًا أن هدف سعادة من هذا الكتاب لايدخل في نطاق الفلسفة الدينية والتعمق في المسائل الدينية الصرفة والقضايا الإيمانية الكبرى بقدر ماهو محاولة لمقاربة عميقة وشاملة لموضوع الدين من زاوية اتصاله بالمسألة الاجتماعية وهو في الأصل عبارة عن مقالات كتبها سعادة ردًا على محاضرات ومقالات لكاتب لبناني “رشيد سليم الخوري” الذي ادعى اعتناقه للإسلام والذي اتهمه بتشويه الكثير من المفاهيم الدينية العلمية ما سبّب بث التفرقة الدينية والطائفية مستشهدًا بقول سعادة “اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض” وقوله “منا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالحكمة” وهدف فياض من خلال هذه الاستشهادات للتأكيد على أن سعادة ومن خلال كتابه الإسلام في رسالتيه أرسى قاعدة بأن القول في خلاف المسيحية والمحمدية وتفضيل هذه الرسالة على تلك ليس مجرد قول يقوله أحمق، ليخلص إلى أنه يوجد شبه تطابق بين الرسالتين من حيث الأغراض الدينية، والاختلاف إنما يكمن في الدولة والبيئة التي بعثت فيها كلتا الرسالتين. وختم د.فياض بأن الاصلاح الديني عند سعادة هدف إلى تزخيم الدور الحقيقي للدين والاساس هو الجانب الآخر المتصل بالإصلاح الاجتماعي.

 وفي الورقة البحثية التي حملت عنوان الفلسفة المدرحية عند انطون سعادة للدكتور “علي حمية” عرّف فيها المدرحية بأنها نظرية لقراءة تطور الإنسان بأنها مستقاة لغويًا من كلمتين المادة والروح و”هي فكرة اجتماعية أبدعها سعادة” فيما اعتبر سعادة الفلسفات الاخرى (الرأسمالية، الماركسية، الفاشية) بأنها فلسفات جزئية قاصرة   بينما تقدم الفلسفة المدرحية نظرات جديدة في عالم الاجتماع، والسياسة، والفن وتقوم على أن أساس ارتقاء الإنسان هو أساس مدرحي أي المادة والروح معًا، وهي في هذا السياق إضافة سابقة تؤسس لإضافة لاحقة وفقًا لمفهوم سعادة. وأكد الدكتور حمية أن سعادة ليس توفيقيًا في هذا المجال فالمبدأ المدرحي يخرج من قاعدتين متصادمتين بقاعدة جديدة وطرح مثال فهم سعادة للأنواع البشرية والحيوانية فهو يقول بهذا المضمار “أن هناك صفات بشرية قد تكون متوارثة ولكن لا يمكن أن تكون قد انتقلت من الحيوانات للإنسان”.

هذه العناوين الثلاث أثارت جدلًا والعديد من الأسئلة بين الحضور حول المفاهيم التي طرحت، تولى الدكتور يوسف كفروني مهمة الإجابة عليها لتختتم هذه الندوة الفكرية أعمالها.

IMG_1793 IMG_1775 IMG_1801 IMG_1773IMG_1799IMG_1805

 


لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*