اللغة والقول الفلسفي

اللغة والقول الفلسفي

اللغة أداة تواصل إنساني ومحتوى وعيه أو لاوعيه، بالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أداة تواصل، فهي تشكل مرآة عاكسة للذات في بنيتها العميقة والظاهرة بالإضافة إلى الوجود، ولهذا فهي تحدد الإطار المرجعيّ وحركية الفكر؛ وتعمل على ربط الإنسان بالعالم بالاضافة إلى امتلاكه، وايجاده.

 لذلك لا يمكن أن نعتبر اللغة الإنسانية مجرد ألفاظ تلقى أو جمل تُصاغ، وهي وإن تلبست ذلك، ولكنّها تتحرر منه لحظة القول، لأنّها وسيلة اظهار واخفاء. تُظهر ما يريد القائل أن يبوح به وتُخفي مرجعية قولية، تتداخل فيها مجموعة من الخصائص الذاتية والموضوعية، وهذا ما يجعل منها موضوعًا اشكاليًا، لأنّها وحتى عند انضباطها بقواعدها، تعود لتتشظى عند الكلام والقول، وهذا ما يجعلها تتخطى الشكل إلى المحتوى بشكل دائم. فالقائل لا ينفك موصولًا بالعالم، ولكنّه منفصلًا عنه في الوقت نفسه. في المقام الأول يتواصل معه من خلال:

1- الدين: وما يستجلب معه من نظرة للكون بكلّ ما فيه، وهنا يتمّ تحديد موقعية الإنسان في العالم، ويجري تبرير سبب الوجود وهدفيته، واللغة هنا ليست هامشية، لأنّها ترتقي إلى مستويات متعددة بحسب المنظومة الدينية العاملة فيه، فهي قد ترتد إلى الذات لتتحول إلى تفكر في الكون للاتحاد به، أو تنفتح على الحياة لتحكمها، وهذا ما يجعل من اللغة وحتى في شكلها الصناعي، بما هي تعبيرات عن علوم خاضعة لمستوجبات الدين ومحتواه، وهي قد تقف عن الحركة عند الراهب البوذي من الزان، لتصبح تأملًا بالفراغ أو بالأشياء، وقد تصبح تواصلًا مع العقل لحضور العلم عند العالم، وفي كلي الحالتين لدينا لغة، والفارق بينهما في كيفية حضورهما وفاعليتهما.

2- القيم: وهي تقسم إلى قيم عامة نظمها الاجتماع، لتحتوي الخبرات التي عاشتها المجموعة المنتمية إليها، وهذه القيم تحكم حياة الإنسان المستقبلية، وتبني “أناه أعلى” الممكن والمباح والممنوع، وهذا الأمر ينعكس في الاجتماع باعتباره لغة ذات طبيعة ثنائية: ما فوق لفظية وهي عبارة عن أفعال متعارف عليها، ولفظية هي مجموعة من العبارات المنظومة المتفق عليها بين الجماعة. وهي في هذه النقطة تتوسع لتصبح لغات بحسب الواقع الذي يعيشه الإنسان، فهي قد تصبح سوقية عند رجل الشارع العادي، وصناعية بحسب اختصاص المتكلم، أو فكرية تعكس أدبًا وفنًا وفلسفات.

 ويُضاف إلى القيم المشار إليها، القيم المعاشة للفرد في حياته اليومية، وما تستحضر معها من وقائع تحفر في النفس وتترك ندوبات أو حالات من لاوعيّ ذاتي، تعود لتظهر فيما بعد من خلال الكلام، وعلى هذا المستوى تتولد العلاقة بين اللغة والسلطة، وتحصل التبدلات الكبرى في المعنى والاجتهاد.

3- اللغة: وهي تحدد في التركيب القواعدي والبنية الذاتية للغة نفسها، فاللغة على هذا المستوى مرآة عاكسة لنمط كامل لا يمكن الانفكاك عنه، وهو يؤسس ويحكم نمط التفكير، وبالتالي طريقة تعبير، ترفق بمنطق خاص في فقه الأمور وترجمتها استدلالات يوجبها تركيب هذه اللغة. فالمقولات الفكرية التي بنى اليونانيون عالمهم بواسطتها، وحددوا آفاق تصوراتهم بتفرعاتها، غيرها عند العرب؛ وتلك التي راجت في الفكر الألماني مثلا مختلفة عن مثيلاتها في النظرة الأنجلوسكسونية إلى الكون ومدى علاقة الفكر به.

وهذا لا يعني أنّ اللغة تتجمد أو تُجمد نظرة الإنسان إلى العالم، فاللغة العربية تشهد تحولات كبيرة، وهي قد تتطور بتطور البنى الاجتماعية، وإن كانت لا تهاجر ذاتها وانضابطها القواعدي، فيبقى أصل اللغة حاضرًا، ولكن قد يتسع المعنى أو يعاد تعريفه، واللغة العربية عايشت هذا الواقع من خلال أثر الدعوة الإسلامية.

فهذه اللغة طرأ عليها جديد من خلال الدعوة الإسلامية وانتشارها في ربوع الأرض، ومن ثم انتقالها من البداوة كحالة وبيئة حاضنة إلى الحضر، وما تركه ذلك من واقع مغاير تمامًا من حيث الألفاظ والتراكيب والتعبيرات، التي هي وليدة حياة تختلف شكلاً ومضمونًا عن حياة البادية، – ناهيك عن اختلاط العرب بغيرهم من أجناس الأرض-؛ مما أدى إلى تحولات دينية وقيمية كان لا بد لها أن تنعكس في الشكل العام للغة، ولكن هذا التحول لم يمسّ الحركية الداخلية الخاص بها، فبقيت قواعد اللغة وبنيتها ثابتة وانشدت إلى مركزية قرشية، اعتمدتها كمركز ثقل، مما أدى إلى انضباط قواعد اللغة وتوسع المعنى. وهذا يشي بوجود حاكمية تركيبية توجب نمطًا من التفكير يختلف باختلاف اللغة المستخدمة في الانتاج الفكري، وهذا ما تنبه إليه بعض المستشرقين ودعوا إلى انتاج لغات اقليمية وقطرية، تنطلق من خصوصيات اللهجات المحلية، فهم يدركون غياب اللحمة المنطقية وإمكانية بناء قواعد جديدة تحكم اللغات المنتجة، التي بالأصل هجينة، وهذا ما يسهل إمكانية ادخال المجتمعات في الاطار الحضاري الغربي. وهذا الأمر الذي ظهر في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي بقيت بعض تداعياتها إلى الآن لم ينجح في تحقيق أهدافه،  ويعود سبب ذلك إلى الترابط الذي أقامته الأمة بين اللغة والدين، والذي يجعل امكانية الفصل بينهما مستحيلة.

وهذا يجعل من القول بوجود لغة للفلسفة تتقمصها كشكل منجز؛ أمرًا فيه الكثير من التفاؤول، وهو يفترض ضرب البنية القولية برمتها، إن لم نقل الغاء الإنسان كذات مفكرة، فالفلسفة كلغة صناعة واحدة، ولكنّها متعددة بحقيقتها، لذلك عند النظر إليها بما هي منجز كتابي لا بد من الاعتراف بها بحسب موقعها في نظامها القولي، بالتالي لا يمكن محاكمتها وتصنيفها على اعتبارها فلسفة إسلامية أو مسيحية أو غربية، ولا يمكن أن تحكم من خارج سياقها الخاص، فتحكم بضرس قاطع أنّها كلام أو لاهوت… وهذا لا يعني رفض ما ينتجه الآخر واتهامه بالخروج عن النسق الفلسفيّ، لهذا يجب التعامل مع السياق بما هو هو.

انطلاقًا من ما ذُكِر، تصبح لغة الفلسفة، بما هي لغة صناعية، ترتبط بكيفية انبنائها في السياق الحضاري الإسلامي، وهذا لا يعني رفض الفلسفة كما قُدِمت في السياق الغربي، ولكنّها تستبطن القول أنّ ما خضعت الفلسفة له هنا، تخضع له الفلسفة هناك، وهذا ما يستوجب اعتماد الآلية التالية:

  • تعريف ماهية اللغة، والعلاقة التي تربط بين اللغة والكلام والقول، وما هي عناصر الاشتراك والافتراق.
  • خاصية اللغة الفلسفية، وطرح هذه الإشكالية يفرض علينا سلوك طريقين: إحداهما تحليلية- نقدية تتناول تاريخ تكوين اللفظ الفلسفي العربي، ومحاولات الفلاسفة في ضبطه وصياغته مع ما رافقها من تقلبات وعثرات والثانية استنتاجية تظهر واقع اللغة الفلسفية في أصولها ومآلاتها، وضرورة العودة إلى تلك اللغة لأنّها أخذ مواءمة للفلسفة في سياق مجتمعي إسلامي، فالطريق الأولى تعيدنا إلى أوائل مفكري العرب والمترجمين الذين حاولوا وضع لغة فلسفية جديدة؛ لنحلل طبيعة ألفاظها وأبعادها. وتقتضي منا كذلك البحث في تداخل هذه الألفاظ عينها مع مصطلحات علوم أخرى كالكلام والتصوف والفقه. إذ منهم من حاول إخراجها من حيزها الطبيعي وفتحها على المعنى الفلسفي، ثم استعمالها في سائر العلوم؛ ومنهم من فضل الإبقاء على صيغتها وأصالتها كونها تفي بالأغراض الدينية والفكرية والبرهانية، أما الطريق الثانية فهي تصلنا بنتاج لغوي تفاعل فيه الأصيل مع الدخيل؛ لتخوِّلنا تثبيت اللفظ أو غربلته؛ ترسيخًا لأصول لغة فلسفية نفتقدها عندما نعبِّر عن أفكارنا أو ننقل ونعرِّب. سيتم ذلك بعد تحديدنا أبعاد اللفظ الفلسفي العربي من خلال عملية الوضع والتوليد هذه.
  • ارتباط اللغة الفلسفية بسياقها الخاص، وضرورة تحريرها من سياسة الاتباع والتبعية، لفتح إمكانية تجديد القول الفلسفي، فما يُفرض على العقل الإسلامي من فلسفات من خارج سياقها، لن يكون منتجًا ولا صحيًا، وهي أدت وتؤدي إلى ارباك القول، وهذا لا يعني القطع مع الفلسفات الأخرى، ولكن يحفز العمل على الابتكار والادماج بما لا يتعارض مع الأصول المؤسسة.

وهذا ما يستدعي العمل في المقالات المقبلة على الفلسفة العربية الإسلامية الحديثة والمعاصرة باعتبارها تعبيرات عن حالات نفسية أكثر من ما هي أقوال منضبطة.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. - مارس التعليم في الثانويّات منذ 20 عامًا. - باحث ورئيس قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. - أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. - عمل في الصحافة، وكتب في عدد من المجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. - عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. من كتبه: - إعداد المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. - تحقيق الصحيفة السجّاديّة. - الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. - تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. - الحاكمية .. دراسة في المفهوم. - العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. - شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
القول الفلسفيأحمد ماجدالقيماللغةالدين

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*