فلسفة الأخلاق: الماهية، الضّرورة، الأهداف

فلسفة الأخلاق: الماهية، الضّرورة، الأهداف

(1)

إلى أيّ مدى أُشبع الحقل الأخلاقي – بشكل عام – بحثًا ودراسةً، وحظي باهتمام الباحثين في ظل أزمتنا الأخلاقية المعاصرة؟

لستُ أعلم جوابًا محدّدًا ودقيقًا لهذا السؤال الإشكالي! ولكن المقدار الذي أُمسك به هو أن البحث الأخلاقي، لا سيما في جانبه النظري العقلي، لم يحظ بالاهتمام اللازم، ولم تُشبع جوانب كثيرة منه بالبحث والدرس.

أيًا ما كان الأمر، وحتى لا ننزلق في وادي الوعظ، فإننا نحاول في القادم من حديث التركيز على التعريف بفلسفة الأخلاق ماهيةً وضرورةً وأهدافًا، ولعلّنا في زوايا هذا الحديث نسلط حزمةً من الضوء على أسباب جدب البحث الأخلاقي عند المعاصرين.

إضاءة على التصنيف

مع بداية بزوغ البحث الفلسفي في بلاد اليونان انشطرت الفلسفة بمعناها العام إلى قسمين أساسيين: قسم نظري وآخر عملي. وإذا كان ثمة خلاف في عديد مباحث القسم النظري([1])، فلا يوجد مثل ذلك الخلاف فيما يرتبط بالقسم العملي، فقد تلقّى الباحثون منذ القدم هذا القسم في أبحاث ثلاثة: سياسة وأخلاق وتدبير المنزل. فالأخلاق تمثل ضلعًا من ثلاثي أضلاع الحكمة العملية التي تهتم بتكاليف الإنسان ووظائفه.

علاوة على ذلك، فإن البحث الأخلاقي له جانبان؛ يرتبط أحدهما بالنظر والأسس والتصورات العامة عن الأخلاق، فيما يتعلق الجانب الآخر بالعمل وبيان أنماط السلوك الفردي والجمعي، ووفق هذا التقسيم فإن الجانب الأول يتكفّل وضع النظريات والمبادئ العامة التي يستند إليها السلوك البشري، وكذا عرض ونقد مختلف وجهات النظر والمقولات التي يمكن أن تطرح في هذا الشأن. فيما يتكفّل الجانب الثاني البحث في التطبيقات العملية للسلوك الأخلاقي بوجوده المحدّد الخارجي.

إن حقل فلسفة الأخلاق يتكفّل البحث في الجانب الأول من المسألة الأخلاقية، أي في التحليل العقلي للمشكلة الخلقية وطبيعة الأخلاق وما يرتبط بها من المقولات؛ كمصادر الإلزام والمسؤولية، وعرض ونقد النظريات التي تقال بشأن تفسير الأخلاق في منشأها ومدياتها وأهدافها. ومن ثم ففلسفة الأخلاق لا تهتم ولا تتعرّض للتعاليم الأخلاقية المباشرة الجزئية، ولا تتناول العادات والتقاليد بشكل مباشر، اللهم إلا ما يرتبط بمباحثها بصلة قربى.

من علم الأخلاق إلى الفلسفة الأخلاقية

تكاد تجمع التعريفات التي ذكرت لعلم الأخلاق، رغم اختلاف عباراتها وفضاءاتها، على أنه العلم الباحث عن الفضائل والرذائل الروحية التي يكتسبها الإنسان باختياره، وتتمثل غايته في تحلية النفس بالفضائل وتخليتها عن الرذائل. جاء في كتاب الميزان للعلامة الطباطبائي (1892- 1981م): “علم الأخلاق هو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلّقة بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية، ليميّز الفضائل من الرذائل، ليستكمل الإنسان بالتحلي والاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد التام والثناء الجميل من المجتمع الإنساني”([2]).

ولكن لِم على الإنسان أن يتحلّى بالفضائل؟ وما هو ميزان الفضيلة؟ وهل الفضائل مطلقة أم نسبية؟ وهل الأخلاق من مقولة العاطفة أم الجمال؟ وما هي العلاقة بين الدين والأخلاق؟ وكيف السبيل للموازنة بين المتطلبات الفردية والمتطلبات الاجتماعية؟ هذه المسائل وكثير من أمثالها لا يتطرق لها علم الأخلاق، وإنما الذي يعنى بالبحث فيها حقل فلسفة الأخلاق. فهو يتكفّل البحث في المباديء التصورية والتصديقية لعلم الأخلاق، كما يتكفّل بيان الأسس التي تقوم عليها الأخلاق، فضلًا عن نقد النظريات الأخلاقية المختلفة، ومن ثم فما لم يكن للباحث الأخلاقي موقف حاسم في فلسفة الأخلاق إزاء مقولاتها المختلفة، فلا يسعه عرض مذهب أخلاقي متكامل، ولا تدعيم مقولاته في الأخلاق.

إن علم الأخلاق يفترض سلفًا أننا نعرف الفضيلة والرذيلة والحسن والقبيح، فيبيّن لنا طريق التحلّي بالأولين وتمكينها فينا بحيث يصبحان ملكة، وكذا التخلي عن الآخرين، ولكنه لا يبين لنا حقيقة الحسن والقبح، وهل هما مدركان حقيقيان أم اعتباريان؟ وهل هما مطلقان أم نسبيان؟ وإنما الذي يتكفّل الإجابة عن كل هذه الأسئلة هو حقل الفلسفة الخلقية، فهي تتكفل بالحجاج والدفاع العقلي عن خيارات الباحث الأخلاقية وتحليل المفاهيم والتصورات التي تبناها بشأن الأخلاق، مما يعني أن فلسفة الأخلاق تقع في مرتبة متقدمة على علم الأخلاق.

مما تقدم يتضح السر في هذه التركيبة بين الفلسفة والأخلاق (فلسفة الأخلاق)، إذ أن هذه التركيبة بين الفلسفة والعلم (أي علم) تشير إلى دراسة ذلك العلم من خارجه لتحديد هويته وغاياته وأهدافه وسبل تطويره وإيضاح مقولاته والدفاع عنه. وفلسفة الأخلاق كحال سائر الفلسفات الأخرى تتخذ من الأدوات والمناهج المتعارفة في البحث الفلسفي آلية في البحث، بمعنى أننا نتخذ من الأسلوب العقلي بشكل عام أداة في إيضاح مقولات الفلسفة الأخلاقية والدفاع عنها.

وبجملة أخرى: إن اصطلاح فلسفة الأخلاق يراد به تلك الممارسة الفكرية العقلية التي تتكفّل إبراز المعايير العقلية التي يحدد الإنسان في ضوئها سلوكه الأخلاقي، وإيضاح مقولات الخير والشر والحسن والقبيح، والتي تكون (تلك المعايير) مختفية خلف الأحكام العملية الأخلاقية التي يسير عليها الناس ويمدحون فاعلها، وتشكّل مبررًا لها. ومن ثم فالبحث في الفلسفة الخلقية بحث فلسفي سابق للبحث في علم الأخلاق.

ولأجل ذلك؛ نفرّق بين حقلي علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، فمن جهة أولى تعتمد فلسفة الأخلاق العقل كأداة في البحث والتحليل والاستدلال، فيما يمكن لعلم الأخلاق أن يعتمد أدوات ومصادر متعددة كالعقل والنص الديني وتواضعات الناس واتفاقاتهم وسائر نتائج البحوث الإنسانية. ومن جهة أخرى فإن فلسفة الأخلاق لا تتكفّل البحث في تفاصيل المسائل الأخلاقية، خلافًا لعلم الأخلاق فإنه يقدم الفتاوى الأخلاقية وما ينبغي وما لا ينبغي فعله من تفاصيل المواقف العملية السلوكية.

إن فلسفة الأخلاق ليست أخلاقًا، بمعنى أنها لا تمثل مجموعة قواعد سلوك خاصة، وإنما هي إطار نظري واقع خلف الأخلاق (ميتا أخلاق)، فهي نظرية عقلية عن الخير الشر والقيم والسلوك الأخلاقي؛ تفكك قواعد الأخلاق وتحلل بناها، وتقدم رؤية متكاملة عن الأخلاق.

قد يثير هذا الحديث استغراب بعض الناس؛ فكيف للأخلاق أن تندرج في إطار التفكير العقلي؟ ومرجع هذا الاستغراب إلى أن الكثيرين قد اعتادوا النظر للأخلاق بوصفها مجموعة من القواعد والمواعظ الجامدة تفرض على الإنسان، ومن ثم فهو ملزم بتكييف سلوكه وفقها ومن دون أن يكون لها منطق ناظم أو تعليل عقلي. وكأن هؤلاء الناس ينظرون للأخلاق وفق سياق التزم ولا تناقش! وبسبب هذا التصور المغلوط غدت الأخلاق عند قطاع كبير في مجتمعاتنا قيدًا يثقل كاهل الإنسان ويشلّ حركته دون أن يكون لها مبرر عقلي، ومن ثم كان من الطبيعي جدًا أن يتراجع مستوى الالتزام الأخلاقي، والركون إلى السلوك المخالف للآداب والأخلاق العامة والفضاء العام، والدفاع عن كل فعل ليس أخلاقيًا والانطلاق في التبرير له بمختلف الحجج مهما كانت غير مقبولة. ولكنها تعبّر في جوهرها عن ذلك الرفض لما يحسبونه قيدًا غير مبرر من الناحية العقلية والعقلانية. أكتب هذه الملاحظة لتكون نصب أعين الذين يمارسون الوعظ الأخلاقي بطريقة أدت لمثل هذه التصورات ومن ثم السلوك المضاد، حتى يراجعوا حساباتهم.

وفق هذا الإطار الذي قدمناه، تكاد الفلسفة الأخلاقية تكون أقلّ فروع الفلسفة عنايةً واهتمامًا بين الدارسين المسلمين قديمًا وحديثًا، وبرغم أن فلسفة الأخلاق من المباحث المهمة في الفلسفة كونها تشكل ضلعًا ثالثًا في الحكمة العملية إلا أنها مع ذلك لم تحظ باهتمام فلاسفة المسلمين، أو أنهم تناولوها بشكل مقتضب، فضلًا عن مماشاة خطى أرسطو طاليس في تصنيفه للعلوم وفي فهمه للأخلاق واقامتها على أساس السعادة.

إن المتابع للكتابات الأخلاقية في تراث المسلمين يجد الاهتمام الكبير بعلم الأخلاق والحديث عن الفضائل والرذائل وما سواها من مفردات السلوك الأخلاقي، وقوى النفس وطريقة علاج الملكات السلبية وتنمية الملكات الإيجابية، وقد كتبت في ذلك موسوعات كبيرة كمثل كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (1058- 1111م) وكتاب المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني (1598- 1680م)، وجامع السعادات للنراقي (1716- 1794م).

وأما الحديث عن أسس الأخلاق، وبالنحو الذي قدمناه، فلا يجد أيّ اهتمام، أو أنهم تناولوه بشكل عرضي ومبتسر ومبثوث في علوم الكلام والأخلاق وأصول الفقه.

لستُ بوارد قراءة التعزية على واقع هذا الحقل عند المسلمين، فهناك جوانب مضيئة تمثلت في أبحاث المدرسة الكلامية العقلية (العدليّة)، في تناولهم البحث في الحسن والقبح العقليين، وما فرّعوا عليه من مسائل متعددة، وقد هدفوا فيما أقدموا عليه بيان الأساس العقلي للأحكام الخُلقية.

([1]) في كونها ثلاثة أم أربعة. فقد جرت عادة أغلب فلاسفة المسلمين على تثليث أقسام الفلسفة النظرية؛ طبيعيات ورياضيات وإلهيات. وهناك من جعلها أربعة ببيان: إن المعلوم 1- إما أن يفتقر إلى مقارنة المادة الجسمية في وجوده الخارجي وحدّه الذهني فهو الطبيعيات، 2- وإما أن يفتقر إلى مقارنة المادة في وجوده الخارجي فقط دون الذهني، أي يمكن تصوره وإدراكه مع قطع النظر عن المادة فهو الرياضيات. 3- وإما أن لا يفتقر إلى المادة لا في الوجود الخارجي ولا الذهني فهو الإلهيات أو (أثولوجيا)، 4- وإما أن لا يفتقر إلى المادة في وجوده الخارجي ووجوده الذهني، ولكن أمكن أن يقارن المادة في الذهن، فهو الفلسفة الأولى أو الميتافيزيقيا. وكما أشرت في بداية الحديث فقد جرت عادة الفلاسفة الإسلاميين على تثليث الأقسام بجعل الفلسفة الإلهية داخلة في الفلسفة الأولى وعدها قسمًا فيها.

([2]) الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي 1: 268، مؤسسة دار المجتبى للمطبوعات، إيران، قم، الطبعة الأولى 2004م. وانظر كذلك: إحياء علوم الدين، الغزالي 3: 53، دار المعرفة، بيروت. ؛ مبادئ الفلسفة، ا. س. رابوبرت: 41، ترجمة: أحمد أمين، دار الكتب العلمية، بيروت 2005م. ؛ مدخل إلى العلوم الإسلامية (2)، الكلام، العرفان، الحكمة العملية، مرتضى المطهري: 129، ترجمة: حسن علي الهاشمي، مراجعة: علي مطر، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2001م.



تعليق واحد

أكتب تعليقًا
  1. احمد عبود
    احمد عبود 11 نوفمبر, 2016, 11:04

    بحثٌ قیم وبدایةٌ موفقةٌ ان شاء الله في التأسیس لفلسفة الاخلاق.

    الردّ على هذا التعليق

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*